العددان ١٨-١٩ خريف ٢٠١٧ / شتاء ٢٠١٨

احتجاجات الحسيمة

إخفاق الشارع أم إخفاق الدولة المغربيّة

النسخة الورقية

مضى أكثر من عامٍ على اندلاع حراك الحُسَيمة، وانتهتْ مآلاته إلى اعتقال قادتِه بتهَم متنوّعة ومتفاوتة الخطورة. أمّا المسؤوليّات المختلفة حول أسباب الحراك، والصيَغ التي مرّ بها وآل إليها، فقد تقاذفها المسؤولون وزعماء التيّارات السياسيّة الأساسيّة في البلاد.

تقع الحسيمة في أقصى الشّمال الشرقيّ للمغرب، ويهيمن عليها من حيث تشكيلُها الديمغرافيّ المكوّن الأمازيغيّ الريفيّ١، الذي لا يزال مخيال قسمٍ من نخَبه ينتعش على الواقع التاريخيّ الذي جعل من الريف جمهوريّة مستقلّةً في يومٍ من الأيّام٢. وهو قد يكون من العوامل التي سهّلت حدوث الحراك بالحسيمة، والقبائل المحيطة بها والوافدة إليها، على الرّغم من وجود العناوين وعوامل الانفجار نفسها في معظم مناطق المغرب.

على الرّغم من خلفيّتها الثقافيّة واللغويّة الأمازيغيّة، فإنّ احتجاجات الحسيمة لم يغلب عليها الطابع الذي هيمن على مطالب «الحركة الأمازيغيّة». ذلك أنّ مطالب هذه الحركة تتركّز على نحوٍ أساسيّ في رفع الحيف عن الأمازيغ من الناحية الاجتماعيّة، كما تتركّز جوهريّاً في المطالبة بإعادة الاعتبار للأمازيغيّة لغةً وثقافةً وهويّةً أصليّة. بيد أنّه يسوّغ استحضار هذا البعد في مسألة احتجاجات الحسيمة، باعتبار أنّ السنوات الأولى من حكم الملك محمّد السادس قد اتّجهت نحوه، إذ ألقى العاهل المغربيّ في ١٧ تشرين الأوّل / أكتوبر ٢٠٠١ خطاباً في مدينة أغادير القريبة من الحسيمة، والحاملة لرمزيّةٍ كبيرةٍ من منطلق كونها مسقطَ رأس محمّد بن عبد الكريم الخطّابي، وكان موضوع الخطاب حول الهويّة والثقافة الأمازيغيّتين، واللتين سيُصار إلى تأسيس معهدٍ ملكيٍّ لأجلهما لاحقا٣.

حاول نشطاء الحراك فصل مطالبهم ذات الطابع الاجتماعيّ عن المضمون السياسيّ والثقافيّ للحركة الأمازيغيّة، ولجناحها الثقافيّ الأكثر تشدّداً في المسائل الثقافيّة. وقد طغى على خطاب ناصر الزفزافي، باعتباره أبرز نشطاء الحراك، الخطابُ الدينيّ. لكنّ نشطاء الحركة الأمازيغيّة حاولوا في تصريحاتهم وتقييماتهم للوضع أن يربطوا جهد الإمكان، بين الاحتجاجات وبين سوء تدبير الدولة المغربيّة لملف الهويّة، وإرجاع أسباب الاحتجاجات إلى التهميش والحيف الواقعين على الأمازيغ اجتماعيّاً وثقافيّاً ولغويّاً٤. لكن يصعب التسليم بذلك الربط على نحو ميكانيكيّ، باعتبار أنّ التهميش حالة عامّة في مجموع مناطق المغرب. وإذا كان صحيحاً أنّ الدولة لم تتقدّم سوى بخطواتٍ خجولة في أفق تعميم تعليم الأمازيغيّة، إلّا أنّ تيّار التعريب وتيّار الفرانكوفونيّة يعوقان ذلك، بقدر إعاقتهما تعميم تدريس اللغة الإنكليزيّة. لكنّ الوضع إيّاه لم يُعقْ تواجد الأمازيغيّة ثقافيّاً، إذ لا يزال الأمازيغ ينطقونها حتى في مليلية التي تحتلّها إسبانيا٥، وحتى في جزر الكناري المتمتّعة بحكم ذاتيّ.

تحاول هذه الورقة أن ترصد مختلف محطّات الحراك، منذ البدايات إلى النتائج، وتعرض الآثار المترتّبة، لمحاولة تفسير على مَن يقع عاتق الفشل، على الحراك أم على الدولة، أم عليهما معاً.

البدايات

مرّت انتخابات السابع من تشرين الأوّل / أكتوبر في أجواء سياسيّة عاديّة، هي نفسها الأجواء التي تميّزت بها الحياة السياسيّة المغربيّة منذ مطلع الألفيّة الحاليّة، واتّضحتْ معالمها مع التّفاعل الذي سرى بين الدولة المغربيّة وبين مطالب الشارع، وانتهت بالإفراج عن دستور جديد للبلاد في سنة ٢٠١١. وكانت تلك الانتخابات هي الثانية التي يجري تنظيمها في ظلّ ذلك الدستور، بعد انتخابات سنة ٢٠١٥. وقد سيطر على ذلك المشهد الانتخابيّ الصراع بين حزب العدالة والتّنمية ذي الخلفيّة الإسلاميّة، وحزب الأصالة والمعاصرة المقرّب من القصر، حيث استمرّ قادتهما في تبادل الاتّهامات، سواء اتّهامات العدالة والتنمية للأصالة والمعاصرة بالحصول على دعم الإدارة، والتغطّي بالمساندة المتستّرة للقصر، أو اتّهام حزب الأصالة والمعاصرة للعدالة والتنمية بالسعي إلى أخوَنة المجتمع، و«محاولة زعزعة الاستقرار التاريخيّ للمغرب» باعتبار الأصل «الإخوانيّ» لحزب العدالة والتنمية٦.

أُجريت الانتخابات في ذلك المناخ على الرّغم من أنّ الحكومة التي قادها العدالة والتنمية لم تنجح في تقديم حصيلةٍ قادرةٍ على إرضاء الفئات الشعبيّة على النّحو المأمول، ولم تفِ بوعودها الكبرى في محاربة الفساد. لكنّ الحصيلة الانتخابيّة التي عادت بحزب العدالة والتنمية إلى الصدارة، لم تصبح ذات أهمّيّة منذ مساء يوم الجمعة ٢٨ تشرين الأوّل / أكتوبر. فقد اهتزّ الرأي العامّ المغربيّ والعالميّ لحادثة مصرع شابّ مغربيّ في شاحنة لشفط النفايات، وذلك مباشرةً بعد إقدام سلطات مدينة الحسيمة على مصادرة بضائع بائع السمك محسن فكري، ورميها في شاحنة القمامة، ليصعد إلى الشاحنة هو وشركاؤه محتجّين على ذلك، قبل أن يأمر أحد المسؤولين الأمنيّين بسحقه مع بضاعته، ليتمّ شفطه إثر ذلك وسط ذهول الحاضرين، وأمام مفوضيّة الأمن والمحكمة الابتدائيّة لمدينة الحسيمة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ اللفظة التي أطلقها المسؤول الأمنيّ قبل وقوع الحادثة، تحوّلت إلى هاشتاج في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي عبارة «طحن مو» التي تعني في الدارجة المغربيّة إعطاء الأمر بالقتل. وقد تبع ذلك دعوة نشطاء إلى مسيرات في كلّ المدن المغربيّة، احتجاجاً على ما اعتبروه «تعاملاً مهيناً للسلطات مع المواطنين المغاربة». أمّا مدينة الحسيمة قد شهدت مسيراتٍ حاشدة الأمر الذي دفع بالمسؤولين المحلّيّين إلى اتّخاذ الكثير من الإجراءات. ولم تتوقّف أصابع الاتّهام في شعارات المسيرات عن الإشارة إلى الملياردير المغربيّ عزيز أخنوش، الذي كان وقتها وزيراً للفلاحة (الزراعة)والصَّيد البحريّ، باعتبار مسؤوليّات الموانئ تقع تحت يده.

واستمراراً للتّداعيات التي صاحبت الحادث، فقد أعلن كلٌّ من حزب النهج الديمقراطيّ المعارض للملكيّة، وجماعة العدل والإحسان المحظورة استعدادهما لكافّة أنواع الاحتجاجات الممكنة. وتعاظمت بمرور الوقت مسيرات الحسيمة، ونُظّمت مسيرة وطنيّة في الرّباط عاصمة المملكة، وبدأت مع مرور الوقت تظهر على السطح شخصيّة ناصر الزفزافي الذي قاد الحراك، وهو شابّ ريفيّ ثلاثينيّ، ساهمت مواهبه الخطابيّة والقياديّة واهتمام وسائل الإعلام به.

قيادة الزفزافي للحراك بلغتْ مداها مع ملء الاحتجاجات لجميع أوقات شهر رمضان الذي تلا حادثة مقتل محسن فكري، نهاراً وليلاً. وزادت السلطات الأمنيّة المغربيّة من كثافة تدخّلاتها الأمر الذي خلّف عشرات المصابين والجرحى، واعتقال العشرات بتُهَمٍ ثقيلة كالمساس بأمن الدولة أو الإرهاب. وسيزداد الوضع تأزّماً يوم الجمعة ٢٦ أيّار / مايو ٢٠١٧، حينما أقدمتْ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة على تعميم خطبةٍ واحدة على معظم مساجد الحسيمة، ومنها المسجد الذي كان فيه ناصر الزفزافي زعيم الحراك. وقد تضمّنت الخطبة هجوماً على قياديّي الحراك، محذّرةً من كَون الاحتجاج مجرّد «فتنة»، ومدعاة لحدوث القلاقل، ليقاطع الزفزافي الخطبة على نحوٍ فجّ وسافر، ويندّد بها، ثمّ ليقرّر، إلى جانب بعض زعماء الاحتجاج، الدّعوة إلى مقاطعة المساجد الخاضعة لسيطرة وزارة الأوقاف، الأمر الذي أدّى في النّهاية إلى اعتقاله ووضعه تحت طائلة الكتابة القانونيّة٧.

لقد تداخلت في صناعة هذا المشهد عدّة عوامل، فالحراك بشكل أو بآخر لم يكن بعيداً عن عناصر الدفع الميكانيكيّة الطبيعية، باعتبار نمط التّضامن الاجتماعيّ السائد بين المتظاهرين كان هو النّمط الذي يشير إليه إميل دوركهايم بـ«التّضامن الميكانيكيّ»، أي التّضامن القائم على علاقات الشبَه، وهو الذي يسود العلاقات بين الأفراد في المجتمعات التقليديّة، التي لا تزال ترتكن على الدّين أو العرْق أو اللغة أو اللون في تحديد أنماط علاقاتها وفقاً لمنطق (أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمّي على الغريب)٨. ولهذا فقد استمرّ الحراك لمدّة طويلة بالرّغم من أنّ ذات القضايا قائمةٌ في جميع مناطق المغرب، ولم ينجح أيّ حراك في السابق في الحفاظ على استمراريّته بالقدْر نفسه، فالرّوابط التي عزّزتها وحدةُ المشاعر والمخيال الريفيّ، والإحساس بالظّلم، مضافاً إلى ذلك الاهتمام الإعلاميّ بشخصيّة ناصر الزفزافي باعتبار مواهبه الخطابيّة والقياديّة، وباعتبار دور الإعلام في تظهيرها وتسليط الضوء عليها... كلّ ذلك ساهم في تزخيم الحراك.

على صعيدٍ آخر، استمرّ الحراك نظراً لتواتر الأخطاء في التّعاطي مع الأحداث، كنعْت الزفزافي بالخلفيّة الشيعيّة من لدن الباحث والأكاديميّ المغربي محمّد منار اسليمي، بحيث قام في لقاءٍ تلفزيونيّ بطرح وجهة نظره في الزفزافي بأسلوبٍ مستفزّ نوعاً ما، متّهماً إيّاه بممارسة «نوعٍ من التقيّة» التي يقول بها بعض أئمّة الشيعة ومراجعهم، معتبراً أنّ الزّفزافي بإحالته في خطاباته التحريضيّة إلى الخليفة «عمر بن الخطّاب»،إنّما يقوم بالتمويه كي لا يُتّهم بالتشيّع، عبر الاستشهاد بخليفةٍ محسوبٍ على المرجعيّة الدينيّة والثقافيّة السنّيّة، لأنّ اسليمي تحدّث عن معطيات يتّهم فيها الزفزافي بتلقّي أموالٍ من جمعيّات شيعيّة مغربيّة تنشط في أوروبا. وبالقدْر نفسه الذي أثارتْ فيه وجهة النظَر تلك هي والصيغة التي طُرحتْ بها كمّاً من السخرية والاجتزاء والتشويه، بالقدْر الذي نِيل فيه أيضاً من تصريحات أخرى لأكاديميّين وإعلاميّين آخرين تمحورت حول علاقة الحراك بأجندات حركات انفصاليّةٍ ريفيّةٍ أيضاً تنشط في أوروبا.

المنعرجات

بدأتْ منعرجات الحراك تتشكّل منذ أن بدأ تقاذفُ المسؤوليّات بين عدد من المسؤولين السياسيّين والحكوميّين. فمنذ بداية الحراك حمّل الأمينُ العامّ لحزب الأصالة والمعاصرة إلياس العمّاري، المسؤوليّةَ لحزب العدالة والتنمية الذي يقود حكومة تصريف الأعمال، ويستعدّ لقيادة الحكومة المقبلة، الأمر الذي لم يتمكّن منه بسبب دخول المفاوضات والمشاورات في دوّامةٍ من الأزمات انتهت بإقالته وتكليف سعد الدين العثماني خلفاً له بتشكيلها.

وكان حزب العدالة والتنمية قد تفاعل مع الحدث، بإصدار أمينه العامّ عبد الإله بنكيران يوم السبت ٢٩ تشرين الأوّل / أكتوبر، بياناً توجيهيّاً إلى الشبيبةٍ أعرب فيه عن أسفه للحادث، ودعاها إلى النّأي بالنّفس عن المشاركة في أيّ مظاهرةٍ لها صلةٌ بالتنديد بالحادث. أمّا الملك فقد كان حينئذٍ موجوداً خارج المغرب في زيارة لتنزانيا، وتواردَت معلوماتٌ عن إعطائه أوامرَ بمحاسبة المتورّطين في الحادث، وزيارة وزير الداخليّة لأسرة الضحيّة محسن فكري.

حادث مصرع محسن فكري، وتشييع جنازته يوم الأحد ٣٠ تشرين الأوّل / أكتوبر، دشّن بشكل أو بآخَر أزمةً سياسيّة هي الأولى من نوعها في التاريخ السياسيّ المغربيّ المعاصر. يتعلّق الأمر بأزمة تشكيل حكومة جديدة بقيادة عبد الإله بنكيران، الشخصيّة السياسيّة المثيرة للجدل. فانطلق بذلك مسارٌ طويلٌ من التجاذبات والمنعرجات المحايثة لأزمة الحسيمة، في إطار ما عُرف في التداول السياسيّ والإعلاميّ المغربيّ بـ«البلوكّاج». والذي لم تمنع حالة الاستقرار السياسيّ التي تميّز بها المغرب عن محيطه العربيّ، من الاصطدام به.

بدأت فصول البلوكّاج مباشرة بعد فوز حزب بنكيران بأكبر عدد من مقاعد مجلس النّواب، الأمر الذي أعطاه بحسب دستور المملكة الحقّ في قيادة حكومةٍ ثانية، وهو أمر يحدث لأوّل مرّة أيضاً في تاريخ المغرب. فقد كانت أغلبيّة التقديرات ترى أنّ التّحالف الحكومي ممكن عقده في اتّفاق أحزاب ما يُعرف في المغرب بالكتلة الديمقراطيّة، حزب الاستقلال (٤٦ مقعداً)، وحزب الاتّحاد الاشتراكيّ (٢٠ مقعداً)، وحزب التقدّم والاشتراكيّة (١٢ مقعداً)، مضافاً إليهم حزب العدالة والتنمية (١٢٥ مقعداً)، متجاوزين بذلك عتبة نصف مقاعد مجلس النّواب المكوّن من ٣٩٥ مقعداً.

وقد كان حزب الاتّحاد الاشتراكيّ سبّاقاً إلى تأزيم تشكيل ذلك التّحالف، بسبب شروطه التي وصفها العدالة والتنمية بأنّها تعجيزيّة، بحيث إنّه اشترط الحصول على رئاسة مجلس النواب، ولم يُخْفِ اصطفافه إلى جانب عزيز أخنوش، وزير الفلاحة في الحكومة السّابقة، الأمر الذي أزعج العدالة والتّنمية، الذي انتخب أميناً عامّاً لحزب التجمّع الوطنيّ للأحرار (٣٧ مقعداً). وهو الحزب الذي وضع بدوره شروطاً لقبوله الدّخول في التّحالف الحكوميّ، أوّلها إخراج حزب الاستقلال من الحكومة، وتعويضُه بحزب الاتحاد الدستوريّ (١٩ مقعداً)، وإلزام بنكيران بتغيير لهجته، والتّراجع عن سياسة رفع الدعم عن الموادّ الأساسيّة، الأمر الذي اعتبره بنكيران تطفّلاً على اختصاصات رئيس الحكومة.

لم يكن ممكناً تشكيل حكومةٍ حائزة على أغلبيّة مريحة من دون النجاح في استقطاب حزب التجمّع الوطنيّ للأحرار منعاً لتشكيل معارضة قويّة بين حزبَي الأصالة والمعاصرة والتجمّع الوطنيّ للأحرار.

تدخّل الملك في آخر المطاف، وأقال عبد الإله بنكيران، الذي تشدّد في التّفاوض بناءً على الشروط التي وضعتْها الأمانة العامّة لحزبه غداة الفوز بالصدارة. وعيّن الملك في اجتهادٍ دستوريّ غير مسبوق شخصيّةً أخرى من الحزب الفائز بأعلى عددٍ من المقاعد النيابيّة، وتمّ تكليف الدكتور سعد الدين العثماني بالتشاور لتشكيل الحكومة، ثمّ تشكّلت الحكومة في وقتٍ قياسيّ، بعدما تنازل العثماني عمّا تشدّد فيه بنكيران٩. لم تكن الاحتجاجات في الحسيمة حينئذٍ قد ترشّحتْ إلّا للمزيد من التزايد والزخم. وكلّ ما قامت به الحكومة الجديدة تلخّصَ في إصدار بيانٍ جمَع أحزاب الأغلبيّة، واتّهمت فيه الحراكَ باحتوائه على عناصر مرتبطة بالخارج وتتلقّى تمويلاتٍ مشبوهة، وبأنّ الحراك تجاوز الخطوط الحمراء وبات يهدّد الثّوابت الوطنيّة. وبعدما استعدّت السلطات الأمنيّة لفضّ الاحتجاجات بالقوّة، عبر إنزالٍ أمنيٍّ كثيف، تراجعت الحكومة عن موقفها، وسط موجة استهجان غير مسبوقة، أعادت إلى حيّز التّداول عبارة «أنتم عصابة ولستم حكومة» المأثورة عن الزعيم الريفيّ محمّد بن عبد الكريم الخطّابي.

الآثار

من أهمّ الآثار التي ترتّبتْ عن أزمة حراك الحسيمة تلك التي مسّتْ عميقاً البنيان الذي تقوم عليه الحياة السياسيّة والحزبيّة في المغرب، حيث حزبا الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية هما الأكثر تعرّضاً للهزّات.

تقدّم إلياس العمّاري باستقالته من الأمانة العامّة لحزب الأصالة والمعاصرة، وذلك نتيجة تراكم الضغوط على الحزب، سواء تلك التي تتمثّل في تنافسه الحادّ مع حزب العدالة والتنمية، أو تلك الضغوط التي تسبّب فيها مشكل الحسيمة. لذلك يريد حزب الأصالة والمعاصرة أن يؤكّد مجدّداً جدارته السياسيّة في مواجهة حزب العدالة والتنمية، وتحميله في الوقت نفسه مسؤوليّة أزمة الحسيمة، فكانت الاستقالة التي تقدّم بها ثالثُ أمين عامّ له، وذلك بعد أسبوعٍ من خطاب العرش في ٣٠ تمّوز / يوليو ٢٠١٧، الذي أعلن فيه الملك عدم ثقته في الأحزاب والإدارة في المغرب، وطالب باستقالة من لا يرى في نفسه القدرة على تحمّل المسؤوليّة، رابطاً أيضاً بين واقع فساد الإدارة والأحزاب وبين احتجاجات المواطنين في الحسيمة وغيرها.

وكان العماري قد كشف في ١٣ حزيران / يونيو ٢٠١٧ في ظهورٍ تلفزيونيّ له أنّه في يوم ٢٩ تشرين الأوّل / أكتوبر ٢٠١٦، حذّر بنكيران من تداعيات حادثة مقتل محسن فكري، في حين كان كلّ اهتمامه مركّزاً على تشكيل الحكومة طيلة فترة الأزمة هو وباقي الأحزاب الأخرى، مضيفاً أنّه راسله رسميّاً يطلب المعطيات والمعلومات من حكومته فيما يتعلّق بالحادثة وحيثيّاتها كي يتمكّن كمسؤول عن رئاسة الجهة من تقديم التوضيحات اللازمة للسّكّان. وذكر العمّاري في السياق ذاته، أنّ بنكيران أجابه يوم ٤ تشرين الثاني / نوفمبر، رافضاً إمداده بأيّ معلومات، بسبب عدم وجود أيّ سنَدٍ قانونيٍّ يخوّل رئيس الجهة أن يطالب رئيس الحكومة بمعلومات مماثلة.

ومنذ ذلك الوقت دأب المحتجّون على تحميل المسؤوليّات لجميع الأطراف، أي لرئاسة جهة طنجة - تطوان - الحسيمة، وللحكومة، ولوزير الفلاحة والصّيد البحريّ في حكومة بنكيران الأولى، رجل الأعمال المغربيّ عزيز أخنوش، فيما أصرّ هؤلاء كلّهم على تقاذف المسؤوليّات بينهم، لتصبح أحداث الحسيمة ساحةً جديدةً من ساحات التنافس بين حزبَي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، خصوصاً أنّ إلياس العمّاري يريد تحميل مسؤوليّة أحداث الحسيمة لبنكيران، لمسؤوليّة الأخير عن عدم تنفيذ مشروع «الحسيمة، منارة المتوسّط»، الذي يشمل مشاريع في البنيات التحتيّة والمرافق الاجتماعيّة والصحية وغيرها من المحاور التي ضمنها المحتجّون في الحسيمة لملفّاتهم المطلبيّة.

ففي اعتقاد حزب الأصالة والمعاصرة، أنّ العدالة والتنمية هو المسؤول الأوّل عن ذلك التعثّر، لأنّ إطلاق المشروع جاء في خضمّ الولاية الحكوميّة التي ترأّسها بنكيران، وأيضاً تفاقُم الأزمة والاحتجاجات كان خلال فترة تصريف الأعمال التي دخلتْها تلك الحكومة بعد انتخابات ٧ تشرين الأوّل / أكتوبر. غير أنّ بنكيران يسعى جاهداً لإخلاء مسؤوليّته ومسؤوليّة حزبه من تبِعات تلك الأزمة، مؤكّداً ذلك خلال الخطاب الذي ألقاه في الملتقى الثالث عشر لشبيبة حزبه، وسط اتّهامات لبنكيران بإهمال تنفيذ المشروع نكاية بالعمّاري، وهو الذي كان قد فاز برئاسة جهة طنجة - تطوان - الحسيمة، بطريقة لم تُرض العدالة والتّنمية، في إطار ما اعتبره استغلالًا لنفوذٍ سلطويٍّ للأصالة والمعاصرة، تمكّن عبره من تغيير خريطة التحالفات لصالحه.

لقد كانت أزمة تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة بنكيران، هي التحدّي الذي رفعه بنكيران، لكي يستمرّ في نهجه السياسيّ المناقض لنهج الأصالة والمعاصرة، وكانت في الوقت نفسه هي المحطّة التي ظهر فيها ضعف الأصالة والمعاصرة في التصدّي لتقدّم العدالة والتنمية. وفي ذات السياق جاء التأثير القويّ لعزيز أخنوش في سياق المشاورات من أجل تشكيل الحكومة، خصوصاً بعد انتخابه في ٢٩ تشرين الأوّل / أكتوبر أميناً عامّاً لحزب التجمّع الوطنيّ للأحرار. فقد تسبّب أخنوش في إشعال أزمة تشكيل الحكومة بسبب شروطه المسبقة التي رفضها بنكيران، مساهماً بدوره في تعميق الأزمة. وكانت الحصيلة هي تراجُع حزب الأصالة والمعاصرة إلى خلفيّة المشهد، وبعدما كان يطمح إلى تصدّر النّتائج وتشكيل الحكومة، وإعادة العدالة والتنمية إلى صفوف المعارضة، فقد أصبح غير معنيٍّ حتى بإبداء الرّأي حول المشاورات، وعاد إلى موقع الدفاع عن النّفس، وتحميل مسؤوليّة أزمة الحسيمة للعدالة والتنمية.

ثمّة صراعٌ على الزّعامة بين الحزبَين، وبنحوٍ أدقّ بين العمّاري وبنكيران. لذلك فقد راج حديث عن اجتماعٍ حضرَه إلياس العمّاري، ودعا فيه إلى عرقلة مساعي بنكيران لتشكيل حكومته الثانية، وهو ما نفاه العمّاري لاحقاً. وبعد إعفاء الملك لبنكيران من مهمّة تشكيل الحكومة، وتمكُّن سعد الدين العثماني الأمين العامّ السابق للعدالة والتنمية من تشكيلها في ظرف وجيز، وعدم تمكّنها من تدبير ملفّ الحُسَيمة، وتورّطها في إبداء لغة عدائيّة تُجاه المحتجّين ومَطالبهم، أراد إلياس العمّاري العودة من جديد إلى واجهة الأحداث السياسيّة عبر بوّابة الاستقالة، على خلفيّة مضمون الخطاب الملكيّ، مؤكّداً في مؤتمره الصحافيّ أنّ السبب الحقيقيّ يكمن في رغبته في تحمّل مسؤوليّته عن تزكية رؤساء الجماعات والبرلمانيّين الذين اتّخذ المكتب السياسيُّ للحزب في حقّهم قرار الإقالة لعدم التزامهم بقوانين الحزب.

رواية إلياس العمّاري لأسباب استقالته لم تُقنع الكثيرين، خصوصاً من خصومه، باعتبار أنّ رؤساء الجماعات والبرلمانيّين في معظمهم ينتمون إلى الأعيان كثيري «التّرحال السياسيّ» بين الأحزاب، وبالتّالي ليس منطقيّاً أن يكون من المنتظَر منهم الانضباطُ لمدوّنة سلوك الحزب. ومن ناحية ثانية فإنّه مباشرة بعد إعلان العمّاري عن استقالته، تداولتْ وسائل الإعلام خبراً عن تصريحاتٍ مسيئةٍ للملكيّة أدلى بها العمّاري في اجتماع خاصّ، معتبراً الرهان عليها في «محاربة الإسلاميّين» رهاناً غير مضمون النتائج، الأمر الذي نفاه العمّاري بشدّة في حينه.

اعتبر إلياس العمّاري ما يحدث داخل حزبه «أمراً عاديّاً جدّاً، وهو ما ينبغي أن يحدث حينما يشعر مسؤولٌ بأنّه مخطئ، متسائلاً: لماذا في التاريخ السياسيّ المغربيّ منذ الاستقلال لم يقُلْ مسؤولٌ حزبيّ أو سياسيّ يوماً إنّه أخطأ وسيستقيل؟ كما اعتبر أنّه يتوقّع التشكيك في خلفيّات استقالته من طرف منافسيه، وهذا طبيعيّ لأنّهم منافسون ولا يمكن أن يؤيّدوه أو يلتمسوا له الأعذار»١٠. يريد العمّاري أن يُحرج بنكيران الذي يحاول الترشّح لولاية ثالثة في العدالة والتنمية كأمينٍ عامّ، وذلك بعد تعديل النّظام الأساسيّ، كما يريد أن يوفّر فرصةً للحزب لكي يتمكّن المنتسبون إليه من تعزيز وجودهم فيه كمؤسّسة، وليس كأشخاصٍ مرتبطين بزعامة شخصٍ ما، وهو ما يتداوله عددٌ من أعضاء الحزب الذين تمكّنتُ من التّواصل معهم، ومعظمهم يعترفون بأنّه اختبارٌ قاسٍ للحزب لكنّه ضروريٌّ وإيجابيّ.

لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة محظوظاً منذ ظهوره على الساحة الحزبيّة المغربيّة، ففي المرّة الأولى كبحَت اندفاعتَه أحداثُ سنة ٢٠١١، وفي المرّة الثانية كبحَتْه أحداث الحسيمة. فقد اجتهد كثيراً لكي يَظهر بمظهر حزبٍ يساريٍّ بصورة معيّنة، ويقدّم نفسه بوصفه قادراً على وقْف تقدّم إسلاميّي العدالة والتنمية، واجتهد لكي يتجنّب ما يلصقونه به من نعوت تطعن في صدقيّته وأصالة قراره السياسيّ، وتُصوّره حزباً يريد إفساد الحياة السياسيّة المغربيّة. لكنّه في الحدود الدنيا تمكّن من تحفيز الحياة السياسيّة المغربيّة لكي تتباين اتجاهاتها وخطاباتها، بالرّغم من أنّه يعيش وضعاً صعباً، انتهى باستقالة واحد من أهمّ الزعماء الذين كان بإمكانهم إثبات جدارته وتحسين أدائه، لولا ضغوطُ التّنافس مع العدالة والتنمية، وضغوط ملفّ الحُسَيمة١١.

أمّا حزب العدالة والتنمية، فمنذ أن تولّى عبد الإله بنكيران مهامّ أمانته العامّة لخدمة هدف مواجهة مشروع حزب الأصالة والمعاصرة، أخذتْ تقوى وتحشد له الكثير من المتعاطفين والمنخرطين. وزاد وهجه مع تولّيه مسؤوليّة قيادة الحكومة بعد دستور ٢٠١١، لكنّه أيضاً تأثّر بأزمة الحسيمة، وذهب رويداً رويداً في اتّجاه تمايز تيّارين عن بعضهما لبعض. الأوّل يقوده بنكيران، والثاني يقوده ما بات يعرف بـ«تيّار الوزراء». وبعد جهد كبيرٍ بذَله تيّار بنكيران لتعديل القانون الأساسيّ للحزب لكي يتمكّن بنكيران من الترشّح لولايةٍ ثالثة للأمانة العامّة للحزب، ويضرب إسفيناً بين قيادات الحزب المتواجدة في الحكومة، وبين القاعدة الحزبيّة، صوّت برلمان الحزب بأغلبيّته ضدّ السماح لبنكيران بالترشّح لولاية ثالثة، عبر آليّة رفض تعديل القانون الأساسيّ للحزب، وذلك يوم الأحد ٢٦ تشرين الثاني / نوفمبر ٢٠١٧، لتبدأ رحلة فرضيّات تعرّض حزب العدالة والتنمية للانشقاقات والتصدّع، وهو ما تؤكّده تصريحاتٌ منسوبةٌ لعبد الإله بنكيران عقب ذلك، وقبل عقْد الحزب لمؤتمره المقبل، لاختيار الأمين العام الجديد.

الفشل

أزمة حراك الحسيمة جاءت في سياق تزايد مضطرد في الاحتجاجات الشعبيّة على السلطة وعلى صنّاع القرار منذ الاستقلال، وغالباً ما كان تدبير السلطة فاشلاً وقمعيّاً للاحتجاجات. والرّيف، كغيره نال النصيب نفسه. ولعلّ الدولة المغربيّة قد اختارت منذ الاستقلال، وتحت ضغوط مراكز الثقل في النظام الدوليّ، نموذجَ «التنمية بلا تصنيع»، وانتهجتْ سياسةً زراعيّة لم تتبنّ الإصلاح الزراعيّ الذي يبدأ بإصلاح نظام الملكيّة الزراعيّة، كما حدث في تونس بورقيبة في الستينيّات، وكلّ ذلك ترك البلاد عرضة لبقايا الإقطاع ولاقتصادٍ رأسماليٍّ غير مكتمل البنيان، سماتُه الرئيسيّة تتمثّل في الاستثمار الخدميّ والصناعات التحويليّة والزراعات المعيشيّة التقليديّة، لتبدأ استراتيجيّة الملك محمّد السادس منذ وصوله إلى الحكم قائمةً على البحث في هوامش هذه المعادلة دون المساس بها، وتصريف المشاكل الناجمة عنها في الشراكات الاستراتيجيّة التي بدأت المملكة تجنيها عبر التّحركات الملكيّة في أفريقيا وفي اتّجاه القوى العالميّة الصاعدة.

لكنّ ذلك كلّه لم يقض على الفقر متّسع المدى والنطاق، ولم يقض على عوامل التفجير الاجتماعيّ. كما أنّ سطوة وسائل التواصل الاجتماعيّ سهّلت فرَص اندلاع الاحتجاجات وتدفّقها. والدولة المغربيّة لم تطوّر وسائلها في التعاطي مع تلك الوقائع، ما جعل، ويجعل الملك مضطرّاً إلى التدخّل بين الفينة والأخرى لتصحيح الأوضاع، وإعادة إنتاج شرعيّة المؤسّسة الملكيّة، التي لم يعد الغطاء الدينيّ والعاطفيّ كافياً لإنتاجها. ومن هنا تدخّلات الملك في سياق ما ينبغي فعلُه تُجاه أزمة الريف والحسيمة تحديداً.

ففي يوم الثلاثاء ٢٤ تشرين الأوّل / أكتوبر ٢٠١٧، صدر بلاغٌ عن الدّيوان الملكيّ المغربيّ يتضمّن قراراتٍ ملكيّة تقضي بإعفاء وزراء من حكومة العثماني، وآخرين من حكومة بنكيران تمّ تبليغهم عدم رضى الملك عنهم، ومنعهم من تقلّد أيّة مسؤوليّات رسميّة مستقبلاً. وقد جاء هذا القرار الملكيّ الذي تضمّنه البلاغ بناءً على تقريرٍ رفعَه المجلس الأعلى للحسابات إلى الملك، تضمّن اختلالات رافقتْ محطّات تنفيذ مشروع «الحسيمة منارة المتوسّط» سابق الذّكر. وكان البلاغ بمثابة خطّةٍ عمليّة لاحقة للخطاب الذي ألقاه الملك بمناسبة افتتاح الدورة التشريعيّة الثانية للبرلمان المغربيّ للولاية التشريعيّة الجارية، والذي تحدّث فيه عن ضرورة تغيير منطق تسيير الشؤون العامّة، وربَطَ المسؤوليّة بالمحاسبة، وإن اقتضى الأمر إحداث «زلزالٍ سياسيّ» على حدّ التعبير الملكيّ.

«الزلزال السياسيّ» بدأ مع اللهجة التي حملَها خطاب الملك بمناسبة عيد العرش في٣٠ تموز / يوليو ٢٠١٧، ذلك أنّها كانت لهجةً شديدة متّجهةً أساساً إلى إلقاء اللوم على المسؤولين في الأحزاب وفي الإدارة، ومطالبتهم بالاستقالة. ولو أنّه في الفترة الواقعة بين الخطابَين الملكيّين، لم يتقدّم مسؤولٌ واحدٌ باستقالته الطوعيّة، باستثناء إلياس العمّاري زعيم حزب الأصالة والمعاصرة، ورئيس جهة طنجة - تطوان - الحسيمة، والذي كان هو حامل مشروع «الحسيمة منارة المتوسّط». ثمّ تراجع العمّاري لاحقاً عن استقالته بسبب رغبة قواعد حزبه في ذلك.

من الناحية الشكليّة، يمكن القول بأنّ الملك في قرارات الإعفاءات التي تعدّ سابقة في التاريخ السياسيّ المغربيّ المعاصر، لم يقمْ سوى بتفعيل نصوص الدستور التي تعطيه الحقّ «بمبادرة منه وبعد استشارة رئيس الحكومة، في أن يعفي عضواً أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامّهم»١٢. لكنّ قرار الإعفاء أدّى من الناحية السياسيّة إلى تعريض حكومة العثماني للاهتزاز مرّة أخرى، لاسيّما أنّها كانت قد خرجتْ لتوّها من مسلسل «البلوكّاج». وليُصار إلى توجيه رئيسها لكي يقترح على الملك وزراء جدداً في الوزارات التي باتتْ شاغرة بعد الإقالات. الأمر الذي يعني سياسيّاً أنّ ثمّة سعياً إلى تقزيم بعض الأحزاب التقليديّة مثل حزب التقدّم والاشتراكيّة وحزب الحركة الشعبيّة، لتمهيد الطريق أمام المشهد الجديد الذي يؤسّس له كلٌّ من حزبَي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ولو أنّ أغلب الترجيحات تقول بأنّ الفرصة باتت مواتية ليعود حزب الاستقلال إلى واجهة العمل الحكوميّ من جديد.

تقرير المجلس الأعلى للحسابات لم يسجّل وجود اختلاسات ماليّة، لكنّه سجّل نوعاً من غياب «الحوكمة»، لأنّ ثمّة اعتماداتٍ ماليّة جرى توظيفها من طرف الوزراء المعنيّين، دونما تحديد أوجه صرفها، كما أنّ ثمّة تأخراً في إطلاق بعض المشاريع، وغياب الشروع في تنفيذ أخرى، الأمر الذي يؤكّد الطبيعة المترهّلة للجسد السياسيّ والإداريّ المغربيّ، ويبيّن أنّ عقوداً من الاستقلال والتدابير الإصلاحيّة المتعاقبة، لم تسفر عن تشكيل نخبة سياسيّة تحترف شؤون الدولة، ويكون بمقدرتها إدارة شؤونها إن في أوقات الأزمات، أو في أوقات الاستقرار، فضلاً عن أنّ البلاد لا تزال تعاني وجود مساحات كثيرة خارج الهيكلة والقوننة، وذلك بفعل غياب الإجراءات التفصيليّة التي من شانها تحديد الواجبات والمسؤوليّات بدقّة، ولهذا غالباً ما تحدث الاختلالات، ثمّ يكون من الصعب تحديد المسؤولين المباشرين عنها بدقّة، أو على الأقلّ في وقتٍ وجيز، ولهذا لم يأت وقت ربط مسؤوليّة المسؤولين بمحاسبتهم عن الإخلال بها، إلّا بعد حوالي السنة من بدء أزمة الحسيمة.

في وجه كلّ هذا تحاول الملكيّة في المغرب أن توائم بين طبيعتها الوراثيّة التقليديّة، والتي يكتسب بموجبها الملك سلطاته بالوراثة، وبين مستلزمات الحكم الديمقراطيّ، والتي تعني من بين ما تعنيه، أنّ سلطة الحكم ينبغي أن تُكتسب بالانتخاب، كي يتسنّى انتخابيّاً فقط محاسبة المسؤولين، في ظلّ تداول سلميّ للسلطة، يحاسِب فيه الناخبون المسؤولين بحجب أصواتهم عنهم بعد انتهاء مدّة حكمهم المقرّة دستوريّاً، وليس بإقالة المنتخبين والسخط عليهم من طرف مسؤولٍ ورث مسؤوليّاته. لذلك فالملكيّة المغربيّة تغلّف الشرعيّة الديمقراطيّة بشرعيّة تاريخيّة، تجعل من نظام الحكم معتمداً على برلمان حكومة لهما صلاحيّات واسعة، لكن تحت قيادة ملكيّة تنفيذيّة متماهية مع المطالب الشعبيّة، ولا تتدخّل إلّا في اللحظات الحاسمة والتاريخيّة الدقيقة.

أفق الملكيّة المغربيّة يتمثّل في السعي إلى الحفاظ على الاستقرار النموذجيّ الذي باتت تجسّده وسط محيطٍ عربيّ وشرق أوسطيّ ملتهب، سمَتاه الرئيسيّتان هما الاستبداد والإرهاب، لتقول المملكة للعالم بأنّها تمثّل نموذج «الديمقراطيّة الممكنة في الشرق الأوسط»، وبأنّها تستحقّ طموحاتها الرياديّة في أفريقيا، لاسيّما أنّ من المرجّح أن يكون موضوع الدورة المقبلة للاتّحاد الأفريقيّ حول مكافحة الفساد، وهي الفرصة ليعرض المغرب نموذجه، ولو أنّه عاد إلى المنظّمة فقط في بداية السنة الحاليّة بعد غيابٍ دام زهاء الثلاثة عقود. بل إنّها تمتح قراراتها أحياناً من بعض التقاليد الأكثر ثوريّة، كتقليد «العزل السياسيّ» الذي يمكن ملاحظته في منع مسؤولين مدى الحياة من مزاولة أيّة مهامّ سياسيّة رسميّة، وإن كان ذلك لا يطاول كلّ المسؤولين، ذلك أنّ لعبة موازين القوى لم تسمح بالاقتراب من الملياردير عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصّيد البحريّ في حكومتَي بنكيران والعثماني، وهو واحد من أكثر من طاولتْهم مطالب المحتجّين في الحسيمة بالنقد اللاذع، لأنّ مقتل بائع السمك مرتبط بنمط تدبير الموانئ الذي يقع تحت مسؤوليّته كما سبقت الإشارة. لكنْ هكذا هي مطالب الشارع لا تعرف سقوفاً، بينما تدابير المسؤولين الكبار في الدوَل تراعي حسابات موازين القوى والصيَغ والأشكال التي تأخذها قراراتهم١٣.

خاتمة

يمكن الخلوص إلى أنّ موجة الاحتجاجات التي عرفتها مدينة الحُسيمة، ومنطقة الريف المغربيّة، هي موجةٌ لها الكثير ممّا يبرّرها، على صعيدَي الاقتصاد والاجتماع البشريّين، كما أنّ الصيَغ التنظيميّة والزعامات التي أفرزتْها، وعوامل الاستمرار والاطراد اللذين وسماها منذ بدايتها لها أيضاً جذور معرفيّة ذات صلة ببعض المعاني السياسيّة التي يتقاسمها أبناء تلك المنطقة في المغرب، والتي توحّد إلى حدٍّ بعيد بين منظوراتهم إلى السلطة وإلى الدولة وإلى أواليّات صنع القرار وما إلى ذلك من مفردات.

لكنّ الفشل الذي مُنيتْ به تلك الاحتجاجات، وتراجع سقوفها من مطالبها الأصليّة إلى المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وصولاً إلى الخفوت التدريجيّ والتوقّف، هو فشلٌ وجدت الاحتجاجات نفسها منقادةً نحوه بسبب الخضوع للتفاعل الدولتيّ المغربيّ معها. فانسحب فشل الدولة في التدبير الجوهريّ لمطالب الاحتجاجات على المطالب نفسها، وعلى آليّات تصريفها.

مازالت الدولة المغربيّة تراوح مكانها، بين العجز عن بلورة نموذجٍ تنمويّ يستجيب للتطلّعات الداخليّة، ويوازن بينها وبين التوجّهات الاستراتيجيّة الرياديّة في أفريقيا والفضاءين المتوسّطيّ والأوروبيّ. وفي المقابل تحضر الحلول الأمنيّة بما هي حلولٌ آنيّة في تدبير ملفّات الاحتجاجات، لتتوّج لاحقاً بتدخّلات ملكيّة سرعان ما تذوب الغاية منها وسط كومة الإجراءات والترهّلات التي بات جهاز الدولة في المغرب موسوماً بها، فتتأخّر المبادرات والمشاريع الملكيّة من حيث الإنجاز، أو تتوقّف نهائيّاً بدون أسباب. وهذه مشكلة أخرى تنضاف إلى أثمان خيار «التنمية بلا تصنيع»، حيث كان التصنيع هو المدخل إلى التنمية في تصوّرات حركات التحرّر، وفي التجارب العالميّة التي عرفت تنمية حقيقيّة منذ استقلالاتها إلى اليوم.

  • ١. أمازيغ المغرب يتوزّعون على ثلاثة: تمازيغت، تشلحيت، تريفيت، وأمازيغ تريفيت، هم سكّان الشمال الشرقيّ المغربيّ الذي يضمّ مدناً كبرى مثل الحسيمة والناضور
  • ٢. أسّسها الزعيم الريفيّ محمّد بن عبد الكريم الخطابي في الفترة ما بين ١٩٢١ و١٩٢٦. يراجع: سيدي أحمد سكيرج، الظلّ الوريف في محاربة الرّيف، (مخطوطة نشرتْ في مدينة الجديدة سنة ١٩٢٦. بدون تاريخ نشر، ولا ناشر
  • ٣. تمّ الإعلان عنه في خطاب العرش لسنة ٢٠٠١
  • ٤. مَماد يبرم علاقة بين احتجاجات الريف وتردّي اللغة الأمازيغيّة، موقع هسبريس الإلكتروني، ١٤ يونيو / حزيران ٢٠١٧ https://www.hespress.com/tamazight/354009.html
  • ٥. تعليم اللغة الأمازيغيّة في مدارس مليليّة .. «حُلم بعيد المنال»، موقع هسبريس الإلكتروني، ٠٣ يناير / كانون الثاني ٢٠١٧ https://www.hespress.com/tamazight/334241.html
  • ٦. كان ذلك في مؤتمر خطابيّ للأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، في أثناء الحملة الانتخابيّة
  • ٧. المعطي منجب، حراك الريف يستمرّ بلا هوادة في المغرب، ٢١ حزيران / يونيو ٢٠١٧: http://carnegieendowment.org/sada/71334
  • ٨. إميل دوركهايم، في تقسيم العمل الاجتماعيّ، ترجمة حافظ الجمالي، المكتبة الشرقيّة، بيروت، ١٩٨٢، ص٨٧ وما بعدها
  • ٩. عبد الفتّاح نعّوم، المغرب: متى ينجح العدالة والتنمية في تشكيل حكومته الثانية؟، جريدة السفير، بتاريخ ٢٩ / ١١ / ٢٠١٦، ص٥
  • ١٠. مقابلة أجراها الكاتب مع إلياس العمّاري في ١٥ آب / غشت ٢٠١٥
  • ١١. عبد الفتاح نعوم، حزب الأصالة والمعاصرة يواجه الضغوط، ٨ ايلول/ سبتمبر ٢٠١٧ http://carnegieendowment.org/sada/73050
  • ١٢. الفصل ٤٧ من دستور المغرب لسنة ٢٠١١
  • ١٣. عبد الفتّاح نعّوم، الإقالات الملكيّة.. أيّ حساب لأيّ بيدر؟، جريدة الاتحاد اللبنانيّة، الثلاثاء ٣١ تشرين الأوّل / أكتوبر ٢٠١٧، ص٧
العددان ١٨-١٩ خريف ٢٠١٧ / شتاء ٢٠١٨
إخفاق الشارع أم إخفاق الدولة المغربيّة

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.