العدد ١٤ - ربيع/صيف ٢٠١٦

الإسلام السياسي والثورات العربية

ممّا لا شك فيه أنّ الثورات العربية بدت وكأنها من فعل الإسلاميين، خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين. إذ أفضت الانتخابات التي جرت بعد الثورات في كل من تونس ومصر، وحتى المغرب، إلى سيطرة هؤلاء. هذا الأمر هو الذي أطلق التصوّر أنها كانت الفاعل الأساس في الثورات. لكنّ في ذلك قفزاً عن الحقيقة، وميلاً لتفسير السابق باللاحق، وبالتالي إعطاء الإسلاميين أدواراً لم تكن لهم. لهذا لا بدّ من إعادة بناء الصورة لكي يتوضّح وضعهم، وتظهر أدوارهم.

الإسلاميون قبل الثورات

كانت هيمنة الإسلاميين (أي الإسلام السياسي) على «المسرح» قائمة قبل الثورات، وكانت جماعة الإخوان المسلمين هي قوة المعارضة الرئيسية، وأقيمت معها تحالفات من قبل أطراف متعدّدة، خصوصاً من قبل اليسار (اليسار الذي بات يدافع عن النظام القديم خوفاً من الإسلاميين). ويعود ذلك لأسباب عدّة، منها «مناكفة» بعض النظم لها، وخصوصاً في مصر، حيث اختلط أمر التنافس الاقتصادي بين فئات رأسمالية والخطاب الأميركي الذي لمّح إلى ضرورة إشراك الإسلاميين في السلطة. لكن الأمر ظهر قبل ذلك في تونس، واتخذ شكلاً مختلفاً في الأردن. بمعنى أن ذلك كان يُظهر الإسلاميين كقوة معارضة للنظم، في وضع كان يتزايد الميل لرفضها. جعل ذلك الأحزاب المعارضة الأخرى تلتف حول هؤلاء، وتتشكل جبهات في بعض البلدان معهم (تونس والأردن)، أو التنسيق القوي معهم (حركة كفاية في مصر).

هذا أولاً، وثانياً كان لدور حماس أثر على إظهار الإسلاميين كقوة «تحرر الوطني»، خصوصاً أنهم نشطوا «من أجل فلسطين»، وأعلوا من دور حماس. وثالثاً صبّ الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر ٢٠٠١ في مصلحتهم، حيث ظهر أنهم قوة «معادية لأميركا» رغم أن من قام بذلك هو تنظيم القاعدة.

هكذا بات لهم رمزية كبيرة، سواء كـ«قوة ديمقراطية»، خصوصاً أنهم لهجوا بـ«خطاب ديمقراطي»، وصل إلى قبول «الدولة المدنية»، وإن كان كل ذلك ظاهرياً، لأن صراعهم مع النظم كان في الواقع صراع النظم معهم دون أن تهدف إلى ذلك، وظلت تميل إلى التهدئة، أو لأن «خطابها الديمقراطي» كان براغماتياً لأنها تلتزم بالشريعة التي تبدأ بأنْ «لا اجتهاد بما فيه نص». ومن ثم سواء كـ«قوة معادية للإمبريالية والاحتلال»، رغم أنها ظلت على تواصل مع الإدارة الأميركية، ويمكن أن نضع «نضالها» من أجل فلسطين بين قوسين.

بالتالي لقد باتت تمتلك رمزية محلية و«هيبة» وطنية، وتلفّ حولها قوى متعددة، من اليسار الذي تهافت لـ«تقديم الولاء والطاعة» إلى القوميين الذين كادوا أن ينخرطوا فيها، إلى فئات مجتمعية أرادت التغيير نتيجة وضعها الصعب، أو نتيجة همها الوطني، أو أوهامها كذلك. لقد كاد القوميون أن يتوحدوا مع الإسلاميين، والتحق قطاع كبير من اليسار بالركب قابلاً بالخضوع لقيادة أصولية تحت أوهام «معاداة الإمبريالية»، أو «الحلم الديمقراطي». لكن كل ذلك هو الذي جعل الإسلاميين قوة مهيمنة في إطار القوى المعارضة للنظم وللهيمنة الأميركية.

هذا المقال متوفر للمشتركين فقط. إشترك هنا.

العدد ١٤ - ربيع/صيف ٢٠١٦