العدد العاشر - شتاء ٢٠١٥

كتاب الطلوع إلى النهار

«مقطع» من رواية لم تكتمل ـ بعد - يكتبها المؤلف بعنوان مؤقت «متاريس مصرية» عن تخيّله لما يمكن أن يحدث - في حالة عدم تدخل الجيش وإطاحة حكم محمد مرسي ـ وكيف يمكن أن تنهار الدولة المصرية بسبب حكم الإخوان المسلمين، لتتحول «الثورة» إلى جماعات متمترسة بعضها في متاريس مسلحة بالفعل، والبعض الآخر خلف متاريس إيديولوجية غير مسلحة.
«سيخرج الناس هنا من مراقدهم النهائية. بعضهم ألقي بهم في مرقد لم يكن لهم، بعضهم اُلقي بهم على عجل، بدون تجهيز أو وداع لائق. بعضهم طالت رحلتهم بين بيوتهم ومقاهيهم وشوارعهم وبين سرائر المرض والمراقد النهائية.
كانوا ينتقلون ببطء. كل يوم ينتقلون ببطء، يقتربون أكثر من المرقد ويبتعدون أطول من حيث كانوا يعيشون يتنفسون ولو أنصاف أحياء.
ثم ينسحبون بالتدريج إلى الظلال. تستولي عليهم أو تؤاخيهم. تناديهم النداءات فيلبّون النداء طوعاً أو قسراً. قد تعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، وقد تحتفظ بهم داخلها، لينساهم الأحياء تدريجياً، حيث تمحو الظلال ذكراهم من ذاكرة الأحياء ليذوبوا في عالم الظلال بلا عودة. فالكاهنة وربيبتها دخلتا هما في كتاب الخروج إلى النهار وهما أيضاً في كتاب الدخول في الظلال. لكنهما لم تختفيا نهائياً، فمن يريدهما ومن يبحث عنهما سيجدهما، مثلما كانتا من أكثر ستة عشر قرناً، منطلقتين في رحلتهما الأبدية اللانهائية نحو معبدهما المرتجى».

بنات المتحف المصري
حينما وُلدت ساره كان والدها إسحق عبد المسيح في معتقل الواحات الخارجة عام ١٩٦٢ يقضي عقوبة سجنه خمس سنوات التي حكمت بها عليه محكمة عسكرية مصرية كان يرأسها الفريق أول هلال عبد الله هلال، الذي كان أثناء حرب الـ٦٧ بعد ذلك (محاكمة إسحق كانت في ٥٩) المسؤول العسكري عن قطاع غزة، واستسلم للإسرائيليين بدون إذن من قيادته، وتمت محاكمته عسكرياً ـ بالطبع! - بعد ذلك وعزله.
بالطبع لم يكن أحد يعلم الغيب الذي يدّخره القدر لكل من الفريق أول هلال، ولا للرفيق إسحق عبد المسيح ولا لساره. فقد حاول الرفيق إسحق أن يلملم شتات أسرته الصغيرة بعد الإفراج عنه عام ٦٤ بسبب زيارة خروتشوف إلى مصر واحتياج عبد الناصر إلىدعم دولي لاسيما من «المعسكر الاشتراكي» وجماعة عدم الانحياز.
بدأ الرفيق إسحق البحث عن لقمة العيش بعدما فشل في العودة إلى عمله السابق للاعتقال والمحاكمة؛ حيث كان يعمل «خبير غزل ونسيج» في مصانع القطاع العام. وذلك بالرغم من الوعود الحكومية الرسمية بعودة «كل الرفاق» إلى أعمالهم السابقة. لكن عدداً لا بأس به من الرفاق لم يستطيعوا العودة لأسباب غامضة. ومنهم بالطبع الرفيق إسحق.
الأسباب ليست غامضة بالتأكيد فالدولة لا تأبه كثيراً للمثقفين الماركسيين بل لا بأس من التعامل معهم أحياناً ووضعهم في مناصب كبيرة مثل رؤساء مجالس إدارات بعض الصحف والهيئات الثقافية والعلمية. لكن أن تترك سوسة ماركسية داخل قطاع عمالي كبير له تاريخ سابق في النضال السياسي وإضرابات؟!
حزم اسحق أمره وقرر العمل حرا في السوق واشترك مع آخرين في تأسيس مصنع صغير للنسيج الذي كانت للرفيق إسحق خبرة جيدة بصناعته نتيجة عمله السابق.
خلال هذه السنوات كانت ساره، وهي الصغرى بعد ولد وبنت، قد بدأت تكبر وتنمو وتدرس وتتمرد. جاء تمرّدها الأوّل على أسرتها وبالتحديد على والدها الذي كان ما يزال يتعثر في حياته الاقتصادية وبالتالي الزوجية والأسرية.
زوجته الطيبة الشابة التي انتظرته بأمانة وصبر من لا حيلة لها سوى الانتظار الصابر الأمين، أخذت أيضاً «تتأمل» مصيرها هذا الذي لم تكن تتوقّعه حينما تعرفت إلى الشاب الوسيم إسحق ودخلا معاً في قصة حب عاقل انتهى بالخطوبة والزواج وإنجاب الولد والبنت ثم ساره.
اقصد الحبل بالبنت ساره التي نحكي عنها هنا.
لم يكن ما حدث في حسبانها. وفي الحقيقة لا نلومها بل نعذرها (كما يقول الطيّبون مثلها) بإحساسها أنها دخلت المصيدة برجليها راضية وموافقة، لكنها تعلم الآن أنها مصيدة نهائية لا تستطيع الفكاك منها هي المسيحية الأرثوذكسية، عليها أن ترضى بما قسمه الرب يسوع لها.
Bidayat_Title_Line.psd
في الجامعة كان تمرّد ساره كاملاً. على أسرتها كلها وعلى الكنيسة وعلى كل الممنوعات والتابوهات، فانخرطت في علاقات جنسية متعددة، و«متنوعة»، وتخلّت عن عذريتها دون أسى أو تأسف، وابتعدت متعمّدة عن عالم والدها السياسي وكل ما يمتّ إليه بصلة: كتبه وأوراقه وحتى رفاق سجنه القلائل الذين كانوا يتزاورون معه.
يموت الأب وستكتشف ساره، عبر تمعّن طويل في حياتها السابقة لموت والدها، ستكتشف أنّ موت الوالد أصبح علامة هامّة فارقة في حياتها وهي الآن في منتصف عشرينياتها.
Bidayat_Title_Line.psd
موت الأب وإحساس ساره بأنها «ظلمته» كشفا الغمامة التي وضعتها متعمّدة على عينيها عن كل ما يمت إلى ماضي والدها وحاضره. إلى حياتها الآنية وما تفعله.
هكذا بحثت عن تنظيم سياسي يساري ماركسي وانضمّت إليه، وانخرطت بالعمل السياسي السري. كأنها تكرر بدون قصد أو لعله بدون وعي محدد والدها مرة أخرى. هذا في الوقت الذي ظهرت فيه تنظيمات ماركسية في أقصى اليسار. ظهرت مثل عشّ الغراب؛ في أماكن غير متوقعة.
لعل ساره أيضاً قررت إعادته للحياة مرة أخرى عبر حياتها هي الآن وعملها السياسي.
Bidayat_Title_Line.psd
أثناء ذلك كانت فاطنة ـ كما يناديها أهلها ورفيقاتها ـ تواصل حياتها «البالغة الاستقامة» الأخلاقية والدينية، فلم تسمح لأحد في كليتها (كلية الفنون الجميلة حيث تم إلغاء ظهور الموديلات العاريات) آن يتحرش بها سوى بالكلام الرقيق المهذب. وضعت الحجاب فوق شعرها مثل الملايين من البنات المصريات المسلمات اللاتي ظننّ أنّ الحجاب فريضة، ثم أصبح بعد ذلك «هوية دينية». وضعته عن اقتناع وتصديق بأن هذا الفعل واجب ديني. بل إنها انضمت إلى حلقات دراسية دينية في المسجد المجاور لبيتهم واقتربت كثيراً من «الأخوات المسلمات»، بل أصبحت عضوة قيادية متوسطة.
فاطنة فقدت والدتها التي كانت سندها وأمها وبديلاً عن الأب القاسي الذي «ورثته» وحدها بعدما تزوج الإخوة والأخوات وتركوا فاطمة مع الأب وحدهما في شقته.
وبينما كانت ساره تتحرك داخل الحلقات الماركسية واليسارية وتشارك مع الكثيرين ومع القليلين في مظاهرات ضد الفساد السياسي وقسوة الشرطة والنظام كله، ودمويتهما في السنوات والمراحل الأخيرة قبيل انهيار الجمهورية الثالثة، جمهورية حسني مبارك، كانت فاطنة غير معنية بما يحدث، لا تقرأ الصحف ولا تتابع الأخبار السياسية إلا ما يتسلل إليها بالصدفة عبر برامج التوك شو التلفزيونية المعجبة بها. وهي غير معنية بالسياسة بمعناها المحدد، التي لم تدخل بعد إلى عالمها شبه المنغلق على ذاته المحكم الإغلاق كما كانت تظن. لكنه كان هشاً بالغ الهشاشة، عالمها هذا، خصوصاً حينما وجدت نفسها قد شارفت على الثلاثين وليس لها حبيب حقيقي غير أولئك الذين يظهرون على النت والتشات.
وبالطبع لا جنس ولا علاقات جسدية.
المظاهرات الحاشدة التي انفجرت في الخامس والعشرين من ٢٠١١ والتي اتخذت بعد ذلك اصطلاح «ثورة يناير المصرية» حرّكت معظم الناس. أخرجتهم من غرف نومهم الآمنة ومن قزقزة اللب أمام التلفزيون. أخرجتهم إلى الميادين يبحثون عن أولادهم، كما زعموا، لكنهم في الحقيقة يبحثون عن سنوات عمرهم التي أهدروها في انتظارات صامتة. هذه المظاهرات حركتها أيضاً وحطّمت عالمها الهش، لتجد نفسها مشاركة مثل الملايين من القاهريات في المظاهرات المليونية.
ما الذي جعل فاطمة أو فاطنة، أو كلتيهما، تخرج من بيتها وأمنها وروتينها اليومي، لتشارك في المظاهرات، وتجري وتهرب من الشرطة والغاز المسيل للدموع، وتتضامن مع أناس لم تلتق بهم من قبل في حياتها، ومع شباب جرحى تحملهم فوق جسدها العذري إلى المستشفى الميداني المُقام على عجل في وسط الميدان؟ تتقاسم خبزها وماءها وخوفها وفرحها مع بنات وأولاد كانت تستنكف أو تخاف متهيبة من قبل التواجد معهم في أي مكان عام أو خاص؟!
هي ليست عندها إجابة محددة.
ولا يملك أحد منا ـ نحن أهل الحذلقة ـ إجابات شافية لحالة فاطنة (وملايين الفتيات الأخريات). سيسقط النظام وستسقط الجمهورية الثالثة، ومعهما سيسقط عالم فاطنة الهش، لتجد نفسها تزيح حجابها، وتترك شعرها على سجيته، هائشاً مجعّداً، منطلقاً في الهواء، كما سيتحرر جسدها خارجاً من «تابوهاته»، سيتحرر بحساب دقيق، لأن فاطنة عاقلة، ولأنها تسكن في حي شعبي، ولأنها ما تزال تعتقد في الحرام والحلال الديني / الأخلاقي. جنونها هادئ ليس كجنون ساره المتوحش.
فاطنة ما تزال تحافظ على عذريتها. تريد تقديمها لزوجها - حبيبها. فهي لا تفصل كثيراً بين الحالتين.
هكذا كانت تذهب كل يوم للميدان بعد أن تترك الدواء والطعام للأب، متسللة من البيت باعتبارها ذاهبة إلى الشغل الذي تركته منذ شهور واستقالت دون أن تقول للأب أو حتى للإخوة. تذهب إلى الميدان لابسة الجينز، أحياناً بإيشارب وأحياناً بدون إيشارب، لكن الإيشارب موجود دائماً في الشنطة التي تعلقها بحرص فوق ذراعها تخفي نصف صدرها الناهد (النافر من خلف الثياب بقوة). وانضمت بسهولة إلى مجموعة «حراس الميدان» وبدأت تشارك من وقت لآخر في «تفتيش» القادمات للميدان، تفتيشاً ذاتياً جسدياً؛ معتبرة أن ما تقوم به الآن ـ وهو فعل لم تتخيل أنها ستقوم به في حياتها السابقة واللاحقة - أمر طبيعيّ «إحنا في ثورة يا عم انت!».
وهي طوال الوقت تتحرك جسدياً وعقلياً بحساب. لكنها عاطفياً بدون حساب مع الثورة والثوار. «واخدة الموضع جد»؛ هكذا قال واحد من الذين تعرفت إليهم مؤخراً في الميدان.
«واخدة الموضوع بشكل شخصي» قالتها صديقة جديدة. فبعد أن ينتهي «شغلها» الجديد في الميدان، تجلس مع من وجدته من أصدقاء الميدان في مقهى شعبي قريب. فنقودها التي حوشتها من شغلها السابق تكاد تنفد، وهي تقلق أحياناً لكنها ترمي الأمر خلف ظهرها (السامق) وتقول لنفسها «جرى إيه يا بنت انتي. إحنا في ثورة ياعم».
ويوم الله يعين الله.
حتى جاء اليوم (هل من أيام الله ؟!) الذي هاجمت فيه جحافل الجند والشرطة العسكرية اعتصاماً بالميدان وساقوا مجموعة من البنات وجدوهن معتصمات في خيمة متهرئة، إلى مبنى المتحف المصري القريب «أسيرات» كأنهن أسرى حرب لجيش أجنبي مقيّدات بالأغلال.
فقد عسكرَ في مبنى المتحف المصري الذي يطل على الميدان، ببنائه الكلاسيكي الوقور منذ القرن ما قبل الماضي، فصيل عسكري من الجيش، أوكلت له «حماية» المتحف والفندق المجاور.
وبالرغم من اصطلاح حماية يشمل «العيال» بتوع الميدان، كما يطلق عليهم العسكريون، والميدان هنا هو ميدان التحرير والذي كان اسمه أيام الاحتلال البريطاني «قصر النيل»، وهو مساحة واسعة من الأرض تحيط بها مبانٍ هامة حكومية ودولية وأكاديمية وتجارية وعمارات سكنية، ومقاهٍ ومداخل ومخارج لمترو الأنفاق، كما يطلقون عليه، ومداخل شوارع سبعة، تقود الساعين بأقدامهم أو الممتطين السيارات والباصات، ووسائل الركوب والانتقال المختلفة، إلى سبعة أحياء قاهرية أيضاً بعضها جديد وبعضها قديم.
فحماية الميدان إذن كانت «مطاطة» ولعلها مقصودة. حيث تتسع مهمة الفصيل العسكري وتتشعب وتتحول إلى مهمة غامضة.
Bidayat_Title_Line.psd
ساقت الشرطة العسكرية البنات إلى مقر الفصيل في المتحف المصري. ألقوا بهن في بدروم بعيد ولم يكونوا قد قرروا بعد ماذا يفعلون بهن، فقد اكتشفوا أن معظمهن «شرسات»، حسب تعبير الشرطة العسكرية، قاومن اعتقالهن، وَسبَبْن الجنود وخمشنهن، وخدشن وجوههم وسخرن منهم ومن رؤسائهم ومن قادتهم «العظام»، ومن جنرالاتهم العواجيز كما أطلقت الفتيات عليهم. قليلات كن جزعات باكيات مصدومات من معاملة الجند وخاصة الشرطة العسكرية وضباطهم الأشاوس. لكن ضابطاً صغيراً من ضباط المتحف قرر أن يكشف على عذرية «المعتقلات». هي فكرة طرأت له ولاقت تشجيعاً وحماسة من زملائه وجنود فصيله.
وحتى نستطيع «تتبع» فكرة كهذه تبدو بالغة الغرابة، تحتل عقلية عسكري شاب، من أبناء الطبقة الوسطى، القادم من بيوت هذه الطبقة حيث تحتلّ الأنثى، أماً أو أختاً شقيقة، أو خالة أو جدّة أوعمّة، مكاناً متميزاً في وجدان هذه الطبقة وخصوصاً ذكورها. لكن «التربية» الخاصة لذكور الأسرة تخلق حالة من انفصام الشخصية لهم وعندهم. فبينما يبجّل الذكرُ أنثى العائلة نجده «يحتقر» الأنثى الأخرى. فهن بالنسبة إليه «ناقصات عقل ودين» وضلع أعوج كما تقول له الأدبيات الدينية. وخلال فترة مراهقته سوف يعتبر أن أية أنثى تسمح له بجزء من جسدها «مجرد شرموطة». وفي شبابه حينما يواجه الكبت الجنسي العارم، سيبحث عن أنثى متوسطة العمر «خالية من الموانع» أي غير عذراء وقد تكون أرملة أو مطلقة أو زوجة تنتظر زوجها المهاجر في بلاد برّه لسنوات. وسوف تسمح له هذه الأنثى أن يضاجعها ـ سراً بالطبع ـ وقد تكون قريبة من قريبات العائلة بعيدة أو قريبة مش مهم. المهم أنها أنثى بفتحات يضع قضيبه داخلها. لكن هذه الفتحات سوف تترك مرارة الحنظل في فمه. لأنه في رمضان ـ إذا كان مسلماً ـ لن يقترب من «داعرة»، يراها هو هكذا ما دامت سمحت له أن يستمتع بلحمها.
وإذا كان مسيحياً، مثلاً، فإنّ تأنيب الضمير التطهّري سوف يلاحقه في اعترافاته لكاهنه ولن يستطيع أن يبرأ من الذنب إلا إذا تركها نهائياً، وهو لا يستطيع هذا الترك، لا جسدياً ولا نفسياً. سيجد نفسه ابن هذه الطبقة في مركز السلطة في منتصف عشرينياته وهو ما يزال غرّاً، بدون تجربة حياتية سوى التجارب السماعية. قد يصبح في سلك الشرطة أو الجيش، وهي الأماكن المخصصة لنوع خاص من أبناء هذه الطبقة الذين لعائلاتهم علاقات اجتماعية وعلاقات مصاهرة مع أفراد من طبقتهم ترقّوا في السلكيين العسكري والشرطي، يلتجئون إليهم للأخذ بأيدي أبنائهم محدودي الذكاء والموهبة والإدراك العلمي لم يحصلوا على درجات جيدة في امتحان الثانوية العامة تؤهلهم للالتحاق بكليات مدنية ممتازة مثل الطب والهندسة والصيدلة فيكتفون بالجيش والشرطة.
وبعد انقلاب عام ١٩٥٢ العسكري، أصبح الجيش مصدراً للسلطة والنفوذ والثراء وبالطبع الفساد المالي والإداري. وخلال السنوات، تحول الجيش إلى قوة اقتصادية هامة بامتلاكه المزارع الواسعة وتشغيله فيها الجنود بدون أجر سوى راتبهم المضحك باعتبارهم جنداً مُكلفين خدمة العلم. حيث تحولت هذه الخدمة إلى عمل بالسخرة في مزارع الجيش ومصانعه ومحطات «بنزينه»، بل وبيوت ضباطه الكبار كخدم بدون أجر.
الجند بالتالي حالهم أسوأ من أحوال ضباطهم. فهم من الطبقات «الدنيا» المقهورة وفقراء، وبالتالي لم يستطيعوا الدخول في «دائرة النفوذ» العسكرية، أي أنهم لم يتمكنوا من أن يعملوا في أعمال كتابية أو مهنية في الجيش نتيجة لنقص إمكاناتهم العقلية والمهنية. هم تربّوا على احتقار الأنثى، حتى تلك التي من عائلتهم، وإن ظهر أنها «أخطأت» وأقامت علاقة مع ذكر فيجب التبرؤ منها وأحياناً قتلها لأنها سببت العار لهذه العائلة.
بالطبع يشعرون (الجنود) بأنهم ينتمون انتماءً قوياً عاطفياً إلى المؤسسة العسكرية، التي تبدو لهم متماسكة وهرمية، هم القادمون من مناطق وطبقات سائحة على بعضها وقيَمهم الأخلاقية والدينية في حالة سائلة متغيرة بشكل براغماتي وانتهازي طبقاً لأوضاعهم وأحوالهم.
هؤلاء وأولئك، وجدوا أنفسهم ـ ضباطاُ وجنداً ـ أمام مستجدّات لم يتعاملوا معها من قبل: ثورة شعبية متحركة بجسد ضخم من ذكور وإناث، سافرات كاشفات ومحجبات منقّبات، من مختلف الأعمار والطبقات. هذا الجسد يتحرك ـ في الأغلب ـ بتناغم نادر ويكفل ويحمي بعضه البعض.
يستمعون إلى إشاعات بأن البنات ينمن مع الذكور في خيمة واحدة وبالتالي يحدث بينهم الجنس والفسق والعهر والشذوذ ويتبادلون الشراب المسكر والمخدرات. يستمعون إلى إشاعات تقول إنّ الذكور في «الميدان» يمارسون الشذوذ الجنسي: «مش شايف شعرهم طويل ازاي؟ وماشيين لابسين بنطلونات ضيقة متحزقة على طيازهم؟». والبنات: «أصلا شراميط واللبوة منهم بتمَن. أديها حبة ترامادول وهي تقلع لك ملط».
في هذا الجو الغريب اعتقل الجند البنات وساقوهن إلى أقبية المتحف.
هاهن بنات الميدان بنات الطبقة الوسطى وما فوقها، يُسقْن في الكلبشات بين أيدي الجند. وهن يبكين ويصرخن ويشتمن الجند والضباط، بل وأعلى الرتب العسكرية. ثمة إشاعة منتشرة بشكل غريب، انتشرت ولم يتأكد منها أحد. انتشرت في الميدان قبل بضعة أيام أن بنات اُخذن إلى المتحف وتم الكشف عنوة على عذريتهن، بدون طبيب أو وجود ممرضة أنثى أو غرفة عمليات أو أي قدر من الخصوصية3!
لكن أحداً لم يستطع التأكد من صحة الإشاعة لأنه لم تظهر بنت واحدة تؤكدها. بل إن بعض البنات اللاتي تم سوقهن إلى المتحف أنكرن أصلاً تواجدهن في المتحف وأنكرن أية كشوف عذرية بالتالي. وظهرت إشاعة مضادة تقول إن مكان كشف العذرية هذا أصبح السجن الحربي وليس المتحف!
ثقافة الإنكار هذه ثقافة آلية. في كل ما يتعلق بجسد الأنثى المصرية، إنكار تقوم به الأنثى بمواجهة أية أخطار محتملة وإن كانت بعيدة، تقدم باتجاهها من ناحية عائلتها أو أقربائها، في حالة وجود «مجرد إشاعة» جنسية حولها.
تجارب الحياة اليومية و«غبرها» أثبتت وتثبت دائماً صحة مخاوف الإناث، فيؤثرن السلامة، والسلامة تأتي في الإنكار4.
Bidayat_Title_Line.psd
لعلّ الجنود وضباطهم في المتحف سمعوا بما حدث للبنات (حتى لو كان إشاعة) في السجن الحربي، فقرروا أن يقوموا هم أيضاً بما اعتبروه «دورهم الوطني» وفضح العاهرات اللاتي يستخدمن الميدان والمظاهرات لممارسة مهنتهن ولشتم الجيش وقادته. أو لإثبات أن بنات التحرير ما هن إلا حفنة من البنات «العذارى سابقاً» اللاتي لا يشرّفن أحداً بأن يتعامل معهن، ولاسيما عائلاتهن (المفترض أنّ العائلات تتصرف في البنات دفاعاً عن شرفها).
لا يوجد عندنا تفسير نفسي دقيق أو علمي متوسط الدقة سوى ما قلناه هنا. تفسير على فعل لا أخلاقي ولا إنساني من «جيش» مفترض أن يحمي أفراده الوطن عبر حماية النساء والضعفاء والتقاليد المتوارثة للشعب المصري المتعلقة «بستر» الفضائح بدلاً من إشاعتها على الملأ!
هذا بافتراض وجود فضائح متعلقة ببنات التحرير اللاتي تم القبض عليهن معتصمات في خيمة من خيام الميدان المتهرئة.
Bidayat_Title_Line.psd
هكذا بدا بإحضار البنات واحدة تلو الأخرى إلى القبو الذي يجلس فيه الضابط وحوله جنوده. في البداية لم يخطر ببال الفتاة الأولى التي اختفى اسمها بعد ذلك من الملفات، أنها سوف تتعرى أمام الجنود. لكن باقي البنات ارتبْن حينما رجعت صامتة باكية لا تريد أن تفصح عما حدث لها.
بدأ العسكر يستمتعون بهذه المنحة الطارئة التي لم يكونوا يتوقعونها، خصوصاً أنّ معظم البنات يبدون من طبقة اجتماعية أعلى منهم، لهذا كان سرور العسكر مضاعفاً.
لكن سارة ذات التجارب المختلفة، سارة الغضوب الشكاكة في كل ما يتعلق بتصرفات السلطة، شكّت في الأمر واسترجعت ذاكرتها إشاعات كشف العذرية فبدأت بالصراخ مسبقاً. أخذت البنات، بقيادة سارة، بالصراخ والشتم والخبط على باب القبو. ومن دون أن توضح سارة رد فعلها الغاضب إلا بكلمات متقطعة، قادتهن غريزتهن الأنثوية إلى الإحساس بأن شيئاً حقيراً وخطيراً يحدث لهن، شيء غير متوقع وخاصة من قبل الجيش الذي اعتقد الشعب كله أنه معهم ضد الجمهورية الفاسدة.
جاء الضابط بنفسه ليرى المتسببة في التمرد فوجد أنها سارة. هو استصغر من شأنها. فهي نحيلة الجسد لا يتميز جسدها بجماليات يحبها الذكور من أمثال الضابط، أي امتلاء في الصدر والأرداف، ولا يميزها سوى عينين كحيلتين وصوت أجش جهوري.
قرر الضابط أن يكسر عَيْن القائدة، كما علموهم في الجيش أثناء التدريب، بصفعها وإهانتها أمام «جمهورها» فيصيب هدفين مرة واحدة بالضربة القاضية. لكنه لم يكن يعلم معدن سارة، فما أن صفعها الضابط حتى بصقت في وجهه وهجمت عليه بأظافرها، وتحوّل جسدها النحيل كله إلى كتلة من أعصاب وعضلات.
هجومها المفاجئ أربك الجند كما أربك البنات، لكن الجميع سرعان ما استعادوا وعيهم مرة أخرى، فهجم الجند على البنات يريدون الفتك بهن وإنقاذ ضابطهم، كما هجمت البنات على الجند، جميعهن هذه المرة، بالأحذية والأظافر والصراخ العالي الذي سمعه بالصدفة ضابط جيش رفيع الرتبة كان يمرّ بجوار المتحف، كما سمعه الشباب الذين تحلّقوا حول بوابة المتحف الحديد المغلقة. الشباب هرعوا إلى المتحف بعدما عرفوا بأسر البنات. وبدأوا هم أيضاً بالهتاف ضد الجيش والمطالبة بإطلاق سراح البنات.
استطاع الضابط رفيع الرتبة المرور من البوابة الحديدية التي تجمّع خلفها الآن الجند يحمونها بأسلحتهم وأجسادهم وقد تأكدوا من أن موقفاً جديداً قد طرأ عليهم ولا يعرفون كيف يتعاملون معه!

سارة
Bidayat_AuthorBio_Line.psd
في البداية، حينما أسر الجند فاطنة، كانت هي مذهولة ولا تصدق ما تراه بعينيها وما تسمعه بأذنيها من بذاءة السبّ الذي يطلقه العسكر عليهن وفظاظة غير مبررة، وهم يسوقونهن باتجاه المتحف. كانت فاطنة قد تعرفت لتوها إلى سارة التي كانت تقود مظاهرة نسائية صغيرة. لمحت فاطنة الصليب الأزرق المدقوق في رسغ سارة الأيسر يبرق من كم بلوزتها الذي تقطعت أزرارها في مظاهرات سابقة. رسغ نحيل يحمل يداً نحيلة لفتاة نحيلة بصوت أجش تهتف «يسقط، يسقط، حكم العسكر».
ما أدهش فاطنة هو الصليب الذي بزغ في الرسغ. أدهشها الصليب، كما لفت نظرها أكثر مما لفت نظرها الهتاف. أدهشها إحساسها بأن هذا الصليب الأزرق، ليس مكانه هنا في هذا الرسغ النحيل والكف النحيلة. أدهشها أيضاً استغراقها في تأمل الصليب وهي التي كانت حتى فترة قريبة في حياتها، لعلها سنة أو أكثر (هي ثلاثينية) تتحاشى الاقتراب من الصلبان والمسيحيين قدر الإمكان، رغم أنها تعترف سرّاً بينها وبين نفسها أن صديقها الأنتيم الأول في الكلية كان مسيحياً (وكان يتهيأ لها أنها تحبه وأنه يحبها بدون إفصاح من كليهما).
لماذا تباعدت عنهم (قدر الإمكان)؟ هي لا تعرف إجابة محددة سوى أن الجو العام في مكان عملها إسلامي، أي أن المؤسسة التي تعمل بها لا يوجد بها مسيحي واحد، ومعظم ذكور المؤسسة قد أطلقوا لحاهم ولا يسلّمون باليد على زميلاتهم فتيات المؤسسة اللاتي تضع غالبيتهن نوعاً من غطاء الرأس، بمن فيهن فاطنة. كذلك «الجو العام» في الشارع والحي الذي تقيم فيه على مشارف شبرا الخيمة يحمل بروداً غير محدد الصفة تجاه المسيحيين. وتقول لنفسها «كمان الجو العام في البلد كلّته».
ثم هيئ لها أن الجو العام قد تغير إلى حد ما خلال المظاهرات الغاضبة الدموية التي أسقطت رئيس الجمهورية وعزَلته، وذلك بتواجد أعداد كبيرة من المسيحيين داخل هذه التظاهرات. لكن ما أن سقط الرئيس وخفتت التظاهرات إلى حد ما، حتى بدأ المسيحيون يسيرون في مظاهرات خاصة بهم احتجاجاً على حرق كنيسة، مثلاً، أو على تصريح لمحافظ حكومي ما، يتهم فيه المسيحيين بأنهم السبب في فتنة دموية حدثت في منطقته. وبغضّ النظر عن صحة هذه الاتهامات أو عدم صحتها، فقد رجع الاحتقان السابق لسقوط الرئيس إلى اقوى مما كان. بالرغم من أن بعض المسلمين السياسيين من الشباب تعاطفوا مع المسيحيين وساروا معهم في مظاهراتهم.
هذه هي الحالة التي وجدت فاطنة نفسها فيها وهي لا تستطيع تحويل عينيها عن الصليب في رسغ سارة، خصوصاً بعدما عرفت اسمها الحركي في المظاهرات والاعتصامات: «هاجر».
في القبو التصقت فاطنة بهاجر/ سارة تحتمي بها. فهذه أول مرة تجد نفسها عملياً أسيرة في قبو المتحف الذي سمعت عنه حكايات وإشاعات من الثوار.
كانت مرعوبة دون أن تدري سبباً لرعبها. ترتعش. لمحتها سارة وأحسّت بارتعاشها الجسدي. كانتا متلاصقتين فكان لا بد أن تشعر بارتعاش خوفها. حاولت سارة أن تطمئنها بكلمات مألوفة في مقام كهذا. كما حاولت أيضاً الابتعاد عنها؛ فهي تشمئز من الخوّافين وتحتقرهم رجالاً ونساء، لأنها تعرف جيداً في أعماقها أنها خوّافة كبيرة وأنها تخفي خوفها هذا بصوتها العالي وتقدمها الصفوف.
همست فاطنة لسارة بصوت مرتعش «ما تسبينيش أرجوكي». نظرت إليها سارة متسائلة بغضب. همست فاطنة مرة أخرى «حا نعمل إيه؟ حا يعملوا فينا إيه؟ خدوا البنت ليه؟ حا يعملولها إيه؟». صاحت سارة بصوتها الأجش «بتساليني أنا؟ ما تروحي تسأليهم هناك». انزوت فاطنة مطعونة من قسوة سارة المفاجئة. شعرت سارة بقسوتها. شدّتها إليها. احتضنتها وربتت على رأسها. تنبهت إلى أن الجميع الآن ينظرون إليها باعتبارها قائدة خبيرة في التعامل مع الأمن والشرطة والجيش. أليست هي التي كانت تهتف «يسقط، يسقط، حكم العسكر»؟
استجمعت سارة شجاعتها المبعثرة وأخذت تدق عل باب القبو بحذائها الذي خلعته. تزعق وتشتم وتنادي بسقوط حكم العسكر ليُفتح الباب، ويقذفوا منه البنت الأولى التي انهارت على الأرض باكية بحرقة. تحلقت البنات يحاولن تأكيد ما لم تقله بلسانها.
أصبح الآن همّهن أن يغلقن بأجسادهن باب القبو وأن يصحن بأعلى الأصوات حتى يسمعهن من في الشارع بالقرب من المتحف فيهرعون إلى إنقاذهن. من كوة صغيرة في باب القبو عرف الضابط أن «الزعيمة» هي هذه البنت المفعوصة فقرر جعلها عبرة للبنات الأخريات.
صاح «هاتوا لي الشرموطة دي إللي عامله فيها زعيمة».
ردّت سارة «الشرموطة دي أمك!».
ودارت المعركة التي ذكرناها.
أصدر الجيش بعد ذلك في اليوم التالي بياناً على صفحته في «الفيسبوك» ينفي تماماً واقعة المتحف. وكان الناس قد تعودوا على البيانات العسكرية التي تنفي ما رآه شهود عيان وسجلوه بكاميرات الهواتف المحمولة.

فاطنة
Bidayat_AuthorBio_Line.psd
حينما خرجن مشعّثات مبهدلات، استقبلهن الشباب بالهتافات والأحضان والقبلات على الخدود. هذه أيضاً حالة جديدة لفاطنة. فهي بالرغم من قرارها بالابتعاد عن دروس المساجد والجماعات، وانضمامها إلى الثورة منذ أيامها الأولى، بل وتطوعها للعمل كحارسة على أحد منافذ الميدان مع زملاء لها، لم تلتق بهم من قبل، وهي لا تنتمي إليهم طبقياً أو ثقافياً، دُهشت من قدر الرقة والاحترام اللذين يتعامل بها الذكور هؤلاء معها ومع زميلاتها. بل إنها أسرّت فخورة ومندهشة لزميلاتها الجديدات «ما فيش حالة تحرش جنسي واحدة. غريبة!». وأكدت لها زميلاتها مقولتها بل وشهدن برجولة و«جدعنة» الشباب الذين يحمونهن بأجسادهم حينما ترتفع حرارة الهجوم من الجوانب الأخرى، التي هي عسكر أمن النظام السابق وجماعات من البلطجية الغرباء المدسوسين.
لكنها لم تبتْ ليلة واحدة في الميدان مثلما باتت بعض زميلاتها. فهي قد اتخذت قرارها بالمشاركة في الثورة بالرغم من ممانعة أسرتها، إلّا أنها أيضاً اتخذت قرارها بعدم الاندماج مع فتيان وفتيات الميدان بأكثر من اللازم لما سمعته من تلميحات سابقة بأن البنات فالتات بلا أخلاق بالرغم من أن مشاهدتها الشخصية الدقيقة المتعمدة لسلوكهن أثبتت لها العكس. تروح إلى بيتها مشياً في ظروف انعدام المواصلات، ما أن تقترب من منطقتها حتى تضع «إشاربها» وتنفض عنها «ثورية» الميدان لتصبح البنت المهذبة الخجول بتاعة شبرا الخيمة بنت الحاج عبد الله.
تعيش مع والدها الذي حاز لقب الحاج بدون أن يحجّ، بعدما توفيت والدتها وتزوجت أختها وشقيقها وسكنوا جميعاً في شبرا الخيمة متجاورين كأنهم بعد وفاة الأم يريدون أن يثبتوا أنهم لا يزالون عائلة واحدة!
وإذا كان انضمام سارة إلى العمل السياسي تعبيراً عن مواصلة تمرّدها، وتعبيراً عن «عودة وعيها» وتمسكها بإرث والدها السياسي، فإن التحاق فاطنة بالثورة هو بداية لتحولات كثيرة حدثت في حياتها الاعتيادية الهادئة مثل ملايين المصريات، اللاتي يتعلمن حتى التخرج من كليات جامعية، ثم الالتحاق بعمل تعتبره الفتيات «مؤقتا» حتى يأتي العريس فيخلّصها مما تعتبره حياة راكدة ليأخذها كما تظن ملايين الفتيات أيضاً، إلى عالم آخر يعتقدن أنه أكثر وردية ورومانسية. كما أن الزواج سيكون مدخلهن الوحيد تقريباً، إلى الجنس (الحلال بالطبع!).
ثم برز «الميدان» فجأة على سطح الحياة المصرية السياسية والاجتماعية. برزت معه قواعد لمنظومة عمل سياسي جديد لا سابق لها في التاريخ المصري كله منذ «مينا موحد القطرين» أي حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، حتى سقوط رئيس الجمهورية الثالثة عام ٢٠١١ بعد الميلاد! أبرز ما في هذه الظاهرة هو مشاركة الإناث مشاركة فعالة يومية وعملية مع الذكور ـ وعلى قدم متساوية ـ في العمل السياسي الجماهيري من مظاهرات واعتصامات واشتباكات مع الشرطة والبلطجية، والمبيت في خيام في الميدان والمشاركة في نوبات الحراسات والتطبيب والإسعافات والتموين الغذائي. ثم المشاركة في السهرات الليلية الغنائية التي كانت تقام في الميدان. وأخيراً المشاركة في الاشتباكات مع أفراد الشرطة العسكرية وضباط الجيش ومدرعاته!
لم تصدق فاطنة أنها نفذت بجلدها من تجربة الكشف على العذرية، لم تصدق أنّ جسدها الذي صانته وحافظت على طهارته كان من الممكن بل من المؤكد أن تقتحمه أيادي ذكور لا تعرفهم، يتحسسون موضع عذريتها وبكارتها. مجرد التفكير في هذا الكابوس يجعلها ترتجف وتكاد أن تتقيأ ما في جوفها. لذا اعتبرت أن سارة «منقذتها» من مهانة لم تكن في الحسبان.
وحينما خرجن من القبو إلى الشارع وقفت بالقرب من سارة، التي تحكي الآن ما حدث وقد أحاطت بها كاميرات متنوعة تلفزيونية وفيديو. فاطنة لا تزال مصدومة ترتعش من وجودها فجأة في الشارع بعد إطلاق سراحهن من القبو وهروب الشرطة العسكرية واختفائها مع الضباط نهائياً من الميدان. تراقب سارة وما حولها ـ بالرغم من أنها ليست غريبة ولا طارئة على الميدان ـ كـأنها تبصر ما يجري أمامها للمرة الأولى.

متراس «الديابة»
بعد «موقعة المتحف»، وجدت سارة نفسها ـ من دون قصد منها ـ قائدة لمجموعة من «بنات المتحف» اللاتي تبادلن معها رقم موبايلها، وبدأن الاتصال بها وبعضهن البعض يومياً. يتبادلن الأخبار المتعلقة بالاعتصامات والمظاهرات والاعتقالات، وأخبار الانقلابات العسكرية وشائعاتها، صح بعضها وخاب فأل بعضها الآخر.
لم تُرد سارة أن تنضمّ إلى متاريس المسيحيين المسماة «الملثّمون» و«ماري جرجس» و«الصليب»، إلخ. فهي ـ باعتبارها ماركسية ـ لم ترد أن تنضم إلى جماعات دينية مسيحية. لكنها بعد موقعة المتحف، وبعدما اعتبرتها الفتيات قائدة لهن، وجدت نفسها مرة أخرى أمام مسؤوليات جديدة، خاصة إثر اختفاءات غامضة لفتيات ناشطات في الفيسبوك أو المظاهرات الفعلية.
هكذا ظهر «تنظيم الأمازونيات».
اتفقت مجموعة بنات المتحف على اللقاء لتأسيس جماعة منظمة تبحث عن المختفيات وتنظم جماعة حقوقية إنسانية للدفاع عن المعتقلات.
قررن أن يكون لقبهن «الديابة»: الذئبات5. ووجدن أنفسهن يتجمعن بشكل منتظم في مقهى قريب من بيت سارة الصغير الضيّق الذي لم يعد يسع كل هؤلاء الفتيات. تحول المقهى الكائن بالقرب من خطوط تماس عدة متاريس إلى متراس مفتوح. فقد تحوّل من مكان لقاء ات غير منتظمة إلى مكان لقاءات متواصلة. وبدأت الفتيات يفكرن أيضاً في الحصول على سلاح لحماية أنفسهن وهن عابرات الطرق الموحشة التي خلت الآن من الشرطة والجيش وتسلمها المجرمون والبلطجية.
تمكنّ من الحصول على سلاح متوسط. وساعدهن بعض شباب الميدان في تأسيس المتراس بوضع أكياس الرمال والأحجار حوله. ثم أصبح للمتراس عدة أسماء بعد ذلك متداولة بين الناس: «متراس النداهات»6، «متراس البنات» إلخ. ومع أن سارة لم تفكر في البداية في تأسيس متراس ما إلا أنها وجدت نفسها وسط مجموعة من البنات الغاضبات بعد واقعة المتحف. وكن قد تجمعن ذات مساء في بيت سارة ولم يكن عددهن أكثر من بضعة عشر بنتاً، ليجدن أنفسهن وهن لا يزلن في البيت (في المساء) قد تعرضن لهجوم بالأحجار من مجموعات صغيرة من الشباب بعضهم ملتحٍ وبعضهم غير ذلك. فدافعن عن أنفسهن بزجاجات المياه الغازية الفارغة والمعبأة (انفجرت الزجاجات المعبأة مسبّبة الذعر باعتبارها قنابل مولوتوف) وكل ما طالته أيديهن من «أسلحة» من أواني المطبخ والتنظيف والعصي، الخ.
هرب الفتية. وأطلقوا إشاعة أن في الحي الذي تقيم فيه سارة «بنات زي الديابة». انتشر الخبر وتناقلته الميديا والفيسبوك، وكان بعض الفتيات قد صوّرن أجزاء من المعركة بكاميرات الموبايل، ووضعنها على الفيسبوك وتويتر وغيرها من وسائل «النت» وعمل الكثيرون لها «شير» و«لايك»، إلخ. ليصبح المتراس بعد ذلك أمراً مفروغاً منه وحقيقية واقعة لا جدل فيها!
هكذا وجدت سارة وفاطنة (رفيقتها الدائمة الآن) نفسيهما تتحملان مسؤولية جديدة لم تكن في الحسبان. قررتا أنهما «قدّها وقدود». وتشاركتا في قيادة المتراس في المنطقة التي تفصل بين حي سارة الذي يتكدس فيه عشرات الآلاف من المسيحيين وبضعة أحياء عشوائية مجاورة يقيم فيها أشتات من البشر غير معروف لهم أصل ولا فصل سوى أنّ بعضهم نزحوا من الريف إلى المدينة يبحثون عن رزق، وبعضهم هرب من أحيائهم السابقة لأسباب مختلفة وبعضهم هرب من السجون وأقسام الشرطة والحجز.
هذه الأحياء على مشارف المدينة وعلى بداية مدقاتها الصحراوية المفضي بعضها إلى واحة الفيوم ومنها إلى بني سويف على مشارف الصعيد والبعض الآخر إلى ما يطلقون عليها مصطلح «المدن الجديدة» التي هجرها أهلها لانعدام الأمن، فسكنها اللصوص وقطّاع الطرق والفقراء المعدمون الذين لا سكن لهم. هكذا نبتت المتاريس وتواجهت وتقاتلت أحياناً بالرصاص الحي وأحياناً كثيرة بالكلمات والسباب. وبالتدريج استطاع متراس البنات الحصول على بعض الأسلحة «المتوسطة والخفيفة» وقامت بعض المتاريس الصديقة بإعطائهن تدريبات على استخدام الذخيرة الحية وعلى التكتيكات المبتكرة المتعلقة بحماية المتاريس والدفاع عنها والهجوم منها على الآخرين!
هكذا بدأت حياة متراس البنات.
أصبح المتراس موجوداً بشكل شبه دائم في المنطقة المحددة له من خلال البرتوكولات التي تهتم معظم المتاريس في احترامها لأنها الوسيلة الوحيدة للاستمرار (بالرغم من اختلاف الوسائل والغابات) بدون تصفية جسدية ونهائية على أيدي باقي المتاريس. كأن هذه البرتوكولات هي «نقابة» المتاريس!
وعلى متراس البنات ذات ليلة ـ أي الليلة التي تم فيها خطف رمسيس النقادي ـ أوقف متراس البنات سيارة الخاطفين والمخطوف ليخضعوهم للاستجواب الروتيني. لكن حدث ساعتها ما لم يكن في حسبان أحد! اكتشفت سارة التي كانت تقود المتراس ليلتها أن «عمو رمسيس» موجود في السيارة المريبة القوية والتي ظهر سلاح بعض ركابها الآخرين القليلين بوضوح لمن يريد.

العدد العاشر - شتاء ٢٠١٥

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.