العدد ٣٥ - ٢٠٢٢

مقهى «ريش» في القاهرة

روّاده، أدواره، أسطورته

لطالما تخيّلتُ في زمن الطفولة، ولأسبابٍ ساذجة، أنّ اسم مقهى «ريش» في القاهرة يرتبط بريش النعام والمقاعد الوثيرة. ولطالما توهّمتُ أنّ المقهى يشبه الصورة التي رسمها لها الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدته أو هجائيّته «التحالف»، وغنّاها الشيخ إمام:

يعيش المثقّف على مقهى ريش

يعيش يعيش يعيش.

محفلط مزفلط (يقصد متقعّر)

كثير الكلام..

عديم الممارسة عدوّ الزحام.

وكام كلمة فاضية

وكام اصطلاح.

يفبرك حلول المشاكل أوام.

يعيش المثقّف…

كتب أحمد فؤاد نجم، صاحب اللسان السليط والقلب الطيّب، قصيدته، في هجاء «مثقفي ريش». نحن الذين نعيش في بيروت أو لبنان ونسمع أغاني الثنائي ونُعجب بتمرّدهما، وصلت إلينا الصورة السلبية عن المقهى من دون أن نعرفه. هذا نتاج سرّ الكلمة وسحر الإلقاء. لم أكن أعرف تاريخه ومحطاته، وأنّه يمثل «جزءًا مهمًّا من سياق تاريخي اجتماعي، سياسي، ثقافي، أعطاه حكايته وأسطورته»، كما يقول الفنان محيي الدين اللبّاد. وهو يحمل بين جدرانه السياسةَ والثورةَ والموسيقى والشعرَ والقصةَ والفلسفةَ والقانونَ والفنونَ التشكيلية منذ إنشائه في العقد الأول من القرن العشرين.

وفي السنوات القليلة الماضية، صدرتْ مجموعة من الدراسات والأبحاث تبيّن أن «ريش» كان مقهًى بثوراتٍ كثيرة، أو هو مقهًى بأدوارٍ كثيرة، ليست بمنأى عن المزاجية المتقلّبة، على مدى أكثر من مائة عام، وفي مرحلة امتدّت من ثورة ١٩١٩ التي قادها سعد زغلول، إلى ثورة ميدان التحرير في العام ٢٠١١. فعندما ضرب القاهرة زلزال العام ١٩٩٢، ظهرت صدوعٌ في مبنى مقهى «ريش» التاريخي والقديم وجاذب المثقفين والشعراء والفنانين والسياسيين في وسط البلد، فتحتّم ترميمه. وفي أثناء عمليه الترميم، وبالمصادفة، اكتُشف قبو يؤدي إلى غرفة سرّية عُثر فيها على ماكينة طباعة يدوية قديمة، يعود تاريخها إلى العام ١٨٩٨- لا تزال موجودة في المقهى حتى الآن. وقيل إنّ هذه الغرفة هي المقرّ السرّي لبعض خلايا ثورة ١٩١٩. وما يرجّح هذا التخمين أنّ القبو الذي اكتُشف كان له باب سرّي دوّار تصعب رؤيته لأنه كان محمّلاً بأرففٍ لإخفائه وستره، وخلفه سلّم يؤدي إلى ممرّ صغير يصل إلى بئر مصعد العمارة. «قيل إنّ هذا الباب كان لخروج الثوّار أو القادة من باب العمارة الأساسي الموجود في شارع هدى شعراوي، دون ملاحظة أحد»، ممّا جعل مجدي عبد الملاك، صاحب «ريش»، يؤكد أنّه ربما كان أغلب قيادات ثورة ١٩١٩ تتردد على المقهى. ويؤكد ذلك المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، فيقول في كتابه «ثورة ١٩١٩: تاريخ مصر القومي من ١٩١٤ إلى ١٩٢١» (دار المعارف): إنّ «ريش» كان ملتقى الأفندية من الطبقة الوسطى ومقرًّا يجتمع فيه دعاة الثورة والمتحدّثون في شؤون البلاد، وجميع الأطياف الحزبية التي تجتمع في المقهى لتصدر بياناتها الوطنية، ولذلك ظلّ هذا المكان مقصدًا للبوليس السياسي، ولرجال المخابرات، الباحثين عن أخبار الشارع المصري بجميع فئاته وأطيافه.

«نافذة مشرّعة على رياح الثورة»

وربما كان ميخائيل بوليتس، اليوناني صاحب «ريش» في تلك الفترة، ناشطًا سياسيًّا. يردُ في كتاب «عين على مصر»١ للشاعرة ميسون صقر أنّ اكتشاف القبو السرّي ولغز المطبعة عزّزا الكثير من التكهنات حول طبيعة الدور الذي لعبه المقهى في خدمة ثورة ١٩١٩، ومنها ما يُقال عن أنّ أصحابه أنفسهم بدأوا في استخدام هذه المطبعة منذ الاحتلال الإنكليزي لمصر، وأنّ منظمة «اليد السوداء»٢ المسؤولة عن الجناح المسلّح للثورة كانت أيضًا تلتقي فيه. لكن وبعيدًا من التكهنات والتخمينات، فقد انطلقت من مقهى «ريش» أكبر الأجهزة السرّية لثورة ١٩١٩ بقيادة عبد الرحمن فهمي، وكانت وظيفته المحافظة على استمرار اشتعال الثورة، و«تنفيذ رغبات الأمّة». وفيه جلس طالب الطبّ عريان يوسف منتظرًا مرور موكب رئيس الوزراء يوسف وهبة باشا في شارع سليمان باشا (طلعت حرب حاليًّا)، ليلقي عليه قنبلتين يدويّتين، إلا أنّ رئيس الوزراء نجا من الحادث. أما سبب محاولة الاغتيال فهو قبول وهبة باشا تأليف الوزارة، في الوقت الذي كانت مصر ملتفّة حول الزعيم سعد زغلول. وبعد رفض القوى السياسية التورّط وتنفيذ أمر الاحتلال- وقد تدخّلت الكنيسة المصرية وطلبت من وهبة باشا الاعتذار لكنه رفض- تمّ تكليف قبطيّ باغتياله تجنبًا لحدوث فتنة بين الأقباط والمسلمين (نجح العقيد طيّار مجدي عبد الملاك، صاحب المقهى، بعد عقود، في ترتيب لقاء ودّي بين حفيدة وهبة باشا، الكاتبة د. فوزية أسعد، وحفيد عريان يوسف، وحضر اللقاء عددٌ من الكتّاب والفنانين).

صحيح «فشلت محاولة الاغتيال لكن بقيت رمزيّتها، كما بقي مقهى (ريش) عالقًا في الأذهان وفي أوراق المحاكم كنافذة مشرّعة على رياح الثورة»، على ما تروي ميسون صقر، وبقيت أعين الأجهزة الأمنية في الوقت نفسه مسلّطة على المكان أيضًا لعقود بعدها. وبعد سنوات، وتحديدًا عام ١٩٤٥، جلس في مقهى «ريش» الشاب محمود العيسوي الذي احتسى قهوته في صباح أحد الأيام، ثم توجّه إلى مبنى البرلمان واغتال أحمد ماهر باشا، رئيس الوزراء. وفي هذا السياق يذكر المؤرخ المصري يونان لبيب رزق أنّ مقهى «ريش» كان «منذ عام ١٩١٩ وحتى ١٩٥٢ الحلقةَ الوسطى الصغيرة في القضايا المشهورة التي تُسمّى الاغتيالات السياسية، هكذا كان يُطلِق عليه البوليس».

لا شكّ أن موقع «ريش» في وسط البلد بالقرب من مراكز الحكم أسهمَ في أن يحتلّ تلك المكانة. يذكر بعضُ المصادر مثلاً أنّ جمال عبد الناصر قبل تموز/ يوليو ١٩٥٢ كثيرًا ما كان يتردّد عليه. كما أنّ حاشية الملك فاروق اختارت «ريش» لانتظار الملك الذي اعتاد السهر للعب القمار في نادي السيارات، وهو على مرمى حجرٍ من المقهى.

ملعب أدبي

في العام ١٩٦٣، طلبت أجهزة الأمن من الروائي نجيب محفوظ فضّ الندوة التي اعتاد أن يعقدها صباح يوم الجمعة من كلّ أسبوع في «كازينو أوبرا»، بدعوى تنفيذ قانون منع التجمهر في العهد الناصري، فانتقل إلى «ريش»، وكان يعلم أنّ عددًا من الكتّاب والفنانين الشباب اعتادوا التردّد عليه، لكنه غيّر الموعد الأسبوعي إلى مساء الجمعة. وعلى مدى سنواتٍ وسنوات، كان بوسع من يحضرون ندوته المفتوحة أن يضبطوا ساعاتهم على الساعة الخامسة تمامًا.

يروي الروائي جمال الغيطاني، أحد أبرز أصدقاء محفوظ، قائلاً: «في أحد أيام ١٩٦١ كان الرئيس جمال عبد الناصر ذاهبًا لصلاة الجمعة في الأزهر، وكان موكبه يأتي من شارع الجمهورية ويتّجه إلى ميدان الأوبرا، ثم إلى ميدان العتبة فشارع الأزهر. ولتأمين الموكب كان بعضٌ من ضبّاط الحراسة في الشارع. وقد لاحظوا أناسًا بالنظّارات يدخلون مقهى الأوبرا، الذي يقع في شارع جانبيّ صغير ويتكوّن من ثلاثة طوابق وفيه سُلّم حلزوني، كما لاحظوا أنّ مرتدي النظّارات يدخلون هذا المكان واحدًا وراء الآخر، فشكّوا في الأمر. فصعد ضابطٌ إلى المقهى ووجد الأدباء مجتمعين حول الأستاذ نجيب فتقدم ناحيته وسأله: من أنت؟ فعرّفه نجيب محفوظ بنفسه وقال له: نحن أدباء نجلس هنا منذ عام ١٩٤٣. فطلب منه الضابط بطاقة تحقيق الشخصية، فأعطاها له نجيب. وفي الأسبوع الثاني حضر ندوة محفوظ ضابطُ أمن وجلس خلف الأدباء، وبعد أن انتهت الندوة ذهب إلى نجيب محفوظ وقال له: أنتم تتكلمون كلامًا غريبًا وترددون أسماء أغرب، مثل تولستوي، وأنا أريد منكَ تلخيص هذه المناقشات حتى نأخذ فكرة عنها. وفي الأسبوع التالي اتّخذ محفوظ قراره بإنهاء علاقته بمقهى الأوبرا، وانتقل إلى مقهى «ريش» الذي صار المقرّ الأول لمحفوظ»، حتى أنّ المثقفين والكتّاب الأجانب كانوا يرسلون الخطابات إلى محفوظ على مقهى «ريش»، وليس على عنوان بيته.

ويروي الروائي المصري محمد البساطي ذكرياته مع مقهى «ريش» قائلاً: انتقلنا إلى مقهى «ريش» مع انتقال أديبنا نجيب محفوظ إليه، فقد كانت جلساته في بداية الستينيات في كازينو صفيّة حلمي بميدان الأوبرا في ذلك الوقت، وكنتُ قد قصدت هذا المكان لأول مرة لأرى نجيب محفوظ، ولم أكن قد نشرت أول أعمالي بعد، وعلمت أنه يذهب إلى هناك كلّ يوم جمعة، فأخذت أتردد على المقهى وألفّ إلى الناس. وبعدها بدأتُ بنشر أولى قصصي في ملحق جريدة (المساء) التي كان يُشرف عليها عبد الفتّاح الجمل، وكان دائمًا ما يحصل على القصص والأشعار من أصحابها أثناء جلوسنا في المقهى. ويأخذنا النقاش وننتقل إلى مقهى الريحاني في شارع عماد الدين ونقابل هناك يحيى الطاهر عبد الله، وأمل دنقل، وإبراهيم أصلان.

ويكمل البساطي: انتقل نجيب محفوظ إلى «ريش»، وكانت له جلسة كلّ خميس هناك يرافقه فيها ثروت أباظة، وكان أجمل ما في هذه القهوة أنها مفتوحة على الشارع من خلال ممرّ طويل، وإذا أراد أيّ شخص رؤية أيّ كاتب أو شاعر فعليه أن يسأل عنه في «ريش»، فإن لم يكن موجودًا دلّوه على مكانه، فأصبح مقهى «ريش» بمثابة بيت للمبدعين، وأصبح العاملون بالمقهى من أهلنا. ومن الطريف أنّ الكتّاب والأدباء الجدد لم يتشجعوا على الدخول إلى «ريش» قبل أن تُنشر لهم بعضُ الأعمال، فكان بعضهم يقترب من بعيد لينظر خلسةً إلى الجالسين في المقهى ويراقبهم، فإذا ما نَشر أول أعماله تشجع لدخول المقهى، ومن هؤلاء جار النبي الحلو وسعيد الكفراوي. ولم يكن «ريش» قاصرًا على الرجال فقط، فكان هناك عدد من المثقفات أيضًا يأتين إليه خاصة يوم الخميس عندما كان يأتي نجيب محفوظ، ومنهنّ عطيّات الأبنودي والناقدة وداد حامد الباحثة في الفنون الشعبية.

وفي مقهى «ريش» وُلدت موهبة يحيى الطاهر عبد الله وعبد الرحمن الأبنودي ومحمد عفيفي مطر وأمل دنقل الذي كان يقف في قلب المقهى يقرأ قصيدته «الكعكة الحجرية» على مرتاديه كأنّه في محفلٍ للشعر. ويقول الروائي محمود الورداني٣: «أتذكر جيدًا أنّ صديقي الكاتب الراحل يحيى الطاهر عبد الله اصطحبني إلى (ريش) عام ١٩٦٩ على الأرجح، وكان عمري آنذاك لا يتجاوز التاسعة عشرة. لم أذهب معه أصلاً من أجل نجيب محفوظ، بل من أجل أن أعيش وأرى هؤلاء الذين كنت أسمع الحكايات عنهم، بل وقرأتُ بعض أعمالهم في جريدة (المساء)، التي كنتُ قد نشرت فيها قصتي الأولى (كرنفال) عام ١٩٦٨. كنتُ طالبًا في معهد الخدمة الاجتماعية بالقلّلي، ومبناه قريب من مبنى دار التحرير، حيث جريدة (المساء). وكان أصدقاء شقيقي الأكبر الراحل، عبد العظيم، قد قرأوا القصةَ وشجعوني على الذهاب إلى عبد الفتّاح الجمل بقصّتي لنشرها. لم يكن الجمل موجودًا، فتركتها له، وقام بنشرها بعد يومين فقط من دون أن يراني».

شهد المقهى كذلك ولادة العديد من المشروعات الأدبية مثل مجلة «الكاتب المصري» التي صدرت عام ١٩٤٥ ورأس تحريرها العميد طه حسين، وبمشاركة مجموعة من الكتّاب حتى احتجبت في ١٩٤٨؛ و«المجلّة الجديدة» التي كانت «حركةَ الفن والحرية»، وتولّى تحريرها رمسيس يونان، وهو من أبرز روّاد التجديد في الفن المصري؛ وفي أحضان المقهى أيضًا وُلدت مجلّة «غاليري ٦٨» في أعقاب نكسة ١٩٦٧، والتي هدفت إلى إجراء تجديد كامل في الأدب المصري.

وخرجت إبداعاتٌ كثيرة كَتبت عن «ريش»، منها رواية «الكرنك» لنجيب محفوظ، ويردّد البعض أنه أخذ اسم الرواية من إعلانٍ مكتوبة عليه كلمة «الكرنك» كان معلقًا فوق «ريش». ويروي الغيطاني أنّ فكرة الرواية راودت نجيب في المقهى، حين رأى حمزة البسيوني- قائدَ السجن الحربي، قبل أن يعزله جمال عبد الناصر ويحاكمه- يدخل المقهى في خشوعٍ وانكسار من دون حرّاس. وقد سرد فيها محفوظ بعضَ ما تعرّض له المثقفون في سنوات حكم عبد الناصر من ممارسات الدولة البوليسية آنذاك. وتحوّلت الرواية إلى شريط سينمائي عُرض في العام ١٩٧٥ لنخبةٍ من النجوم أبرزهم سعاد حسني ونور الشريف.

ويؤكد السيناريست أسامة أنور عكاشة أنّ شخصيات مسلسل «ليالي الحلمية» اقتبسها من شخصيات واقعية كانت تجلس في «ريش»، إذ اقتبس شخصية سليم باشا، التي جسّدها الفنان يحيى الفخراني، من ملامح شخصية محمد عفيفي باشا، والفتوّة صاحب المقهى في المسلسل اقتبسه من ملامح سليم حداد، وهو لبناني الأصل. أما شخصية العمدة التي جسّدها الفنان صلاح السعدني، فهي عمدة القرية المجاورة لقريته. ويضيف عكاشة أنّ جاذبية المقهى تكمن في أنه يضمّ تشكيلةً من البشر يصعب تجميعها أو معرفتها في مكان آخر.

وملعبٌ سياسي ونضالي

يُقال إنّ «ريش» كان مقرًّا لتجمّع لاجئين سياسيين عرب خلال العقد السادس من القرن العشرين وغيرهم من الوافدين للدراسة والزيارة، والكثير من صنّاع الأحداث في العالم العربي. يذكر بعضُ الروايات أنّ الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين كان من بين المتردّدين على «ريش»، ويقول محمد حسين صادق الشهير بـ«العم فلفل»، وهو أقدم نادل في المقهى، عمل فيه منذ العام ١٩٤٣، إنّ صدام كان زبونًا دائمًا للمقهى طيلة فترة دراسته ولجوئه في القاهرة. وكان المقهى أيضًا مكانًا لجلوس قحطان الشعبي، الذي أصبح أول رئيس لجمهورية اليمن الشعبية عام ١٩٦٧، وكان يلتقي يفغيني بريماكوف، عندما كان مراسلاً لجريدة «برافدا» الناطقة بلسان «الحزب الشيوعي السوفييتي»، وعبد الفتاح إسماعيل الذي أصبح رابع رئيس لليمن العام ١٩٧٨، وقائد الثورة اليمنية عبدالله السلّال، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وكذا صلاح خلف (أبو إياد)، والشاذلي بن جديد، والسياسي اليمني محمد أحمد نعمان، و الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي، والفلسطيني معين بسيسو، والسوداني محمد الفيتوري.

وشارك «ريش» أيضًا في انتفاضة الطلاب عام ١٩٧٢، وكان مقرًّا لكتابة البيانات المؤيّدة لمطالبهم ليلة ٢٤ كانون الثاني/ يناير ١٩٧٢ بعد أن فضّ الرئيس أنور السادات اعتصام جامعة القاهرة واعتقل قرابة ألف طالبةٍ وطالب، فخرج زملاؤهم في اليوم التالي بتظاهرات صاخبة انتهت باحتلال ميدان التحرير. وهكذا خرج أول بيانٍ لمساندة الطلاب من «ريش» الذي كان على مرمى حجرٍ من الميدان. وفي رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان مشاهد عديدة يتوجه فيها بعضُ الكتّاب إلى المسارح القريبة لجمع توقيعاتٍ من الممثلين والفنانين لمساندة انتفاضة الطلاب. كما خرج منه البيان الشهير عام ١٩٧٣، الذي وقّعه توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغالي شكري ولطفي الخولي وإبراهيم منصور وبهاء طاهر وعشرات غيرهم، يتضمّن رفض حالة اللاسلم واللاحرب التي استمرت ست سنوات متواصلة، وهو البيان الذي ردّ عليه السادات بفصل ١١١ كاتبًا وصحافيًّا من أعمالهم ومنعهم من الكتابة.

من «ريش» أيضًا خرجت أول تظاهرة في ظل قانون الطوارئ، وقادها يوسف إدريس في تموز/ يوليو ١٩٧٢ احتجاجًا على اغتيال الموساد للأديب الفلسطيني غسان كنفاني في الحازمية شرق بيروت. ويروي محمد البساطي أنه يوم قرّر السادات عقد معاهدة السلام مع إسرائيل كتب إبراهيم منصور على جدران المقهى «شعب مصر لا يؤيّدكم في الذهاب للقدس»، وكانت التظاهرات تملأ الجامعات، ويقول «في ذاك اليوم قابلتُ إبراهيم فتحي وتوجّهنا لنجلس بالمقهى، وهنا وجدنا الشرطة بانتظارنا بسبب ما كتبه إبراهيم منصور». ويكتب محمود الورداني أيضًا أنه في ليلة زيارة السادات المشؤومة للقدس، كتب إبراهيم منصور لافتةً ضد السادات احتجاجًا على الزيارة وجلس في «ريش»، لكنّ المخبرين أحاطوا به وبمن يجلس معه، وحملوا الجميع إلى الداخلية. وهناك أفرجوا عن إبراهيم فتحي ومحمد البساطي وسيد موسى ومصطفى عبد العزيز، بينما اعتقلوا إبراهيم منصور الذي أمضى ثلاثة أشهر قبل الإفراج عنه٤.

و«ريش» في معنًى من المعاني، «ملعبٌ سياسي صغير أحيانًا وكبير أحيانًا أخرى». يقول كبير المراسلين الأجانب في مصر ومراسل مجلة «دير شبيغل» الألمانية فولكهارد فيندفور (١٩٣٧- ٢٠٢٠)، الذي أجرى ما يزيد على ١١ حديثًا مع السادات وكان من روّاد المقهى القدامى ويُعدّ شاهد عيانٍ على التاريخ الثقافي والسياسي لـ«ريش» وكان عاشقًا لطبق الـ«سباغيتي» الذي يقدّمه: «ريش ليس مكانًا وليس مقهى، بل جزيرة للحوار الحرّ». ولا توجد أماكن مماثلة لها نفس هذا التاريخ، ففي هذا المقهى كان يلتقي محمد حسنين هيكل ومصطفى أمين.

وقد حاول المقهى استعادة بعضٍ من ألقه القديم مع الشرارة الأولى لثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ حيث فتح أبوابه للجميع محاكيًا تاريخه السابق الذى كان فيه فضاء للحرية. وتكرّر الأمر نفسه في ٣٠ حزيران/ يونيو ٢٠١٣ حيث عقد المثقفون اجتماعات مهمة فيه ونظموا وقفات احتجاجية وبيانات تمّت كتابتها بالكامل داخل جدرانه. في العام ٢٠١٦، قدّم الشاعر محمود خيرالله دراسة «بارات مصر: قيام وانهيار دولة الأنس» (دار روافد)، وفي الفصل الذي يحمل عنوان «كافيه ريش.. مائة عام من الثورة»، يقول إنّ كثيرين يتحدثون عن دورٍ لـ«ريش» في الربيع العربي، يحكون عن ثوّار تلقّوا الغذاء والدواء على نفقة المكان، واضطروا إلى استعمال الأبواب السرية التي يتمتع بها القبو، تحدّثوا عن علاجٍ تلقاه بعضهم من الإصابات، خلال الأحداث التي لحقت في السنوات الثلاث الماضية، وعن دور وطني كبير لا يزال موصولاً من رفاق سعد زغلول إلى رفاق ثورة يناير، الذين مروا بدورهم من هنا.

التأسيس والملْكيّة

يعود تأسيس مقهى «ريش» إلى عام ١٩٠٨ في عمارةٍ يملكها محمد أفندي الجوهري، وقد أنشئ على أنقاض قصر محمد علي توفيق بعد انتقاله إلى منطقة المنيل. وأول من أسسه كان رجل أعمالٍ نمساوي، وقد باعه لاحقًا إلى الفرنسي هنري ريسينييه الذي منح المكان نكهةً أوروبيةً جعلته أوّلَ المقاهي الإفرنجية في القاهرة. ويُعتقد أنّ ريسينييه جاء بالاسم عام ١٩١٤ من لغته الفرنسية بمعنى «الفاخر» أو المنتمي إلى الطبقة العليا، وربما استمدّ اسمَه من اسم المقهى الباريسي الشهير في ذلك العصر «غراند کافیه ریش»، ليتشابه بهذا الاسم مع أشهر مقاهي باريس والذي احتضن أشهر شخصيات الثقافة والفكر الفرنسيين على غرار ألكسندر دوما وإميل زولا والرسام پول غوستاڤ دوريه.

ونجح «ريش» المصري في الحفاظ على سمات المقاهي بطابعها الأوروبي الغربي الفرنسي. وساعده على الرواج الذي حظي به وقوعُه في قلب المنطقة الحيوية في وسط القاهرة، التي تضمّ مباني فخمة ومهمة أنشئت في بداية القرن العشرين بخبرات معمارية أوروبية، وكان يُنظر إليها على أنها «باريس التي تُطلّ على النيل». تعددت جنسيات أصحابه من فرنسيين ويونانيين ومصريين ومجريين ما يعطينا إشارةً كيف كانت القاهرة مدينةً كوزموبوليتانية. وتعاقب على إدارته العديد من الشخصيات ذوي الجنسيات المتباينة، والذين نتعرف إليهم من خلال التسلسل الآتي:

  •     برنارد ستينبرغ (شتاينبرع)، من ١٩٠٨ إلى ١٩١٣، مجَري الجنسية.
  •     هنرى ريسينييه من ١٩١٤ إلى ١٩١٦، فرنسي الجنسية.
  •     میشیل نقولا بوليتس ١٩١٦ - ١٩٣٢ يوناني الجنسية، انتقلت إليه ملكية المقهى فى بداية أيار/ مايو ١٩١٦.
  •     واسيلي مانولاكيس من ١٩٣٢ - ١٩٤٢، يوناني الجنسية، وهو المالك الرابع للمقهى.
  •     جورج واسيلي ١٩٤٢ - ١٩٦٠، إنكليزي/ يوناني.
  •     أخيرًا عائلة المالك المصري عبدالملاك ميخائيل صليب، وهو أول مصري يدير مقهى ريش، تم تعاقب عليه كلٌّ من ولديه ميشيل ومجدي.

«ريش» والفنّ

يؤكد كتاب ميسون صقر أنّ قصة «ريش» مع الفنّ بدأت عندما اشترى اليوناني بوليتس المقهى من صاحبه الفرنسي ريسينييه عام ١٩١٦. كان بوليتس محبًّا للآداب والفنون، بل وصاحب خبرة في إدارة النشاط الفنّي بحكم إدارته لمسرح الحمراء بالأزبكية، فقرر إدخال تعديلات على المقهى ليدخل الموسيقى، فصار يمتدّ من مكانه الحالي حتى ميدان سليمان باشا (طلعت حرب) بحديقةٍ واسعة ضمّت «تياترو» وكشكًا للموسيقى. من هنا بدأ النشاط الفني لمقهى «ريش». وكانت هناك فرقة تعزف الموسيقى الكلاسيكية والعسكرية كلّ يوم استمرّت حتى عام ١٩١٩، وقد تحقق هذا الإنجاز بعد صراع طويل مع بيروقراطية الاحتلال الإنكليزي.

منذ ذلك الحين أصبح لـ«ريش» بُعدٌ ثقافي وفنّي ملحوظ، فتحوّل من مجرد مقهى أرستقراطي غربي، إلى مكان حميم يتجمع فيه أبناء الطبقة الأرستقراطية والفنّانون والمثقفون الأجانب، ليصبح ملتقًى فنيًّا ذائع الصيت يحفل بالعروض المصرية والأجنبية. وقد عُزفت فيه الأعمال الموسيقية الكلاسيكية، ثم تدفقت الفرقُ الشعبية. وتناوب على مسرح مقهى «ريش» الفنانون المصريون ومشاهير الطرب منهم: صالح عبد الحي، وعلي عبد الباري، ومحمد السبع، وأحمد إدريس، ثم منيرة المهدية، كما مثلت فيه روز اليوسف مع المخرج عزيز عيد. وشهد بدايات ظهور أم كلثوم، إذ أحيت حفلاً في المقهى عام ١٩٢٣ وكان ثمن التذكرة ١٥ قرشًا، بعدما سبقها أستاذها الشيخ أبو العلا محمد. وعندما نتصفح عدد ٣٠ أيار/ مايو ١٩٢٣ من جريدة «المقطم» نجد الإعلان الآتي: «تياترو كافيه ريش ـ تطرب الجمهور يوم الخميس مساء ٣١ مايو بلبلة مصر صاحبة الصوت الرخيم الآنسة أم كلثوم. هلمّوا واحجزوا محلّاتكم الآن ـ كرسي مخصوص ١٥ قرشًا ودخول عمومي ١٠ قروش».

وأُطلقت من «ريش» أول نقابة للموسيقيين خلال فترة الأربعينيات، وذلك بعد أن احتشد عددٌ كبيرٌ ممّن يعملون في مجالَي الموسيقى والغناء داخل المقهى من أجل إيجاد طريقة لحلّ مشكلاتهم المهنية المتفاقمة، وكان على رأس المجتمّعين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ونتج من هذا التجمع الاتفاق على إنشاء أول نقابة للموسيقيين في مصر، وانتُخبت أم كلثوم أول نقيبةٍ لها.

«تثير الأماكن فكرةَ الانتماء»، من هذا المنطلق تُقلّب ميسون صقر صفات تاريخ المقهى، وتتفرّس في وجوه مرتاديه. تقول: «وأنت تجلس إلى إحدى الطاولات في مقهى ريش، ستجد نفسك محاطًا بعشرات الصور لأهل الثقافة والفكر والفن الذين كان معظمهم من مرتادي المكان طوال تاريخه». تتأمّل صورة نجيب محفوظ، وكانت له صورةٌ أخرى كبيرة تنتصب في الأعلى مكتوبٌ في أعلاها «نجيب محفوظ – ١٩٨٨»، مع إهداءٍ بخطّ يده «تحياتي لمقهى ريش وأهله، باقين وراحلين ١٠/٣/١٩٨٩». إضافةً إلى صورٍ كثيرة تشكِّل جدارًا آخرَ للمقهى بحجمٍ معيّن؛ للشاعرين فؤاد حداد وصلاح جاهين، ولشيخ القصة يوسف إدريس، والملحّن رياض السنباطي والممثل نجيب الريحاني ويوسف وهبي وأمل دنقل وصالح جودت، ومن الممثلين أيضًا: عبد المنعم إبراهيم وتوفيق الدقن ومحمود المليجي وأنور وجدي وإسماعيل ياسين. تتوسط هذه الصور الفوتوغرافية رسومٌ كاريكاتورية لرسّام نسيَ أن يرسم نفسه في زحمة انشغاله بالآخرين رسمًا. كان يمزج ملامحَ الوجه لصاحب الصورة بملامح الشكل الذي يتخيّله، كجسم طائرٍ أو حيوان. رسَمَ توفيق الحكيم، كتبَ أسفل اللوحة «عصفور من الشرق»، والمعروف أنّ «عصفور من الشرق» هي إحدى روايات الحكيم. وهو رسَمه على هيئة عصفورٍ له ملامح وجهه. يوسف السباعي رسَمَه بجسد سمكة. إبراهيم ناجي بجسد سنجاب. طه حسين بجسد كروان ثم كتب تحت الرسم «دماء الكروان»، والمعروف أيضًا أنّ لطه حسين رواية بعنوان «دعاء الكروان» لكنه حين عَبّر عنه بالرسم أبدل العين ميماً. أم كلثوم رسمها بجسد طاووس. هذه الصور تعطي للمكان طابعه الذي له تجليات عديدة، فعودةٌ إلى زمنٍ جميلٍ حين صدحت أم کلثوم بأعذب الألحان والكلمات على مسرح حديقته، وشاركت منيرة المهدية والعديد من المغنين هذا المسرح، وغنّى عليه صالح أفندي عبد الحي وزكي مراد وعزيز عيد والشيخ أبوالعلا محمد، وآخرون.

«بروتوكولات حكماء ريش» وجيل الستينيات

و«ريش» كان حاضرًا في الكثير من الكتب والروايات ودواوين الشعر، منها كتاب «الجنوبي» (دار الشروق) – وهو سيرة بقلم عبلة الرويني التي تقول:

    «كان مقهى ريش هو بداية الطريق إلى أمل دنقل.. إنه الملامح والمكان والهوية الذي بدأت منه رحلة البحث عن شاعرٍ لا أعرف ملامح وجهه.

    الزمان أكتوبر ١٩٧٥.. رحتُ أبحث عن «مقهى» ريش في الزمان الذي أعرفه. مررتُ أمام مقاهي شارع طلعت حرب أسأل حتى وصلتُ إلى مقهى ريش.. لم يكن يختلف كثيرًا من حيث الشكل عن باقي مقاهي القاهرة.. بل إن شكله الخارجي لم ينمّ عن كونه ملتقى الأدباء.. أو حتى عنوانًا أنيقًا لشاعر..

    اسأل الغرسون..

    الشاعر أمل دنقل؟

    غير موجود.

    ترددتُ أكثر من مرة على المقهى.. وفي كلّ مرة كان الزمان صباحًا.. ولا أجد أمل دنقل.. رفَق بي أحد الغرسونات وقال:

    الأستاذ أمل لا يأتي إلا مساءً».

    لقد شهد المقهى قصة حبٍّ جمعت عبلة مع أمل دنقل وقد تعرّفت إلى الشاعر الراحل عندما التقت به لإجراء حوارٍ صحافي لجريدة «الأخبار».

    وهناك نجيب سرور الذي اعتاد في بداية حياته الجلوس في المقهى والاختلاط بالوسط الثقافي المصري، وكان يوم الجمعة هو ميعاد ندوته ويحضرها أمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله والعديد من الشعراء الناشئين الذين كانوا يتقربون إليه وكان يعاملهم بلطف. لكنه بعد وقت تمرَّد عليهم جميعًا، وكتب فيهم قصيدة طويلة تحت اسم «بروتوكولات حكماء ريش» في كتابٍ نشره عام ١٩٧٧، يقول سرور فيها: «نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش.. من شعراء وقصاصين ورسامين.. ومن النقاد سحالي «الجبانات».. حملة مفتاح الجنة.. وهواة البحث عن الشهرة.. وبأيّ ثمن.. والخبراء بكل صنوف «الإزمات».. مع تسكين الزاي.. كالميكانيزم.. نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش.. قرّرنا ما هو آت». كان سرور يعبّر عن رفضه للمدّعين، وحملة الأطنان من الكتب من دون فهم محتواها، ومردّدي الشعارات الجوفاء، الذين اكتظّ بهم ذلك الزمان.

وعلى الرغم من تزاحم الأجيال على المقهى، كان لجيل الستينيات على وجه الخصوص حضورُه الخاص، بل إنّ ذاك الجيل هو من صنع حضور المقهى اللافت بحسب تحليل الكتاب. تقول ميسون إنه – المقهى – يستحق لقب «ملتقى جيل الستينيات» لأنه شهد الميلاد الحقيقي لأبناء هذا الجيل الذي أفرز أسماءً جديدةً في القصة والشعر والموسيقى والسينما، خاصةً بعد نكسة حزيران/ يونيو ٦٧. وقد لعب دورًا مهمًّا في ظهور العديد من تلك الأسماء أمثال إبراهيم أصلان، وصنع الله إبراهيم، ويوسف القعيد، وجمال الغيطاني، وفاروق جويدة وغيرهم. وصلاح عبد الصبور الذي كان يجلس مع صالح جودت ومحمد فتحي المعروف بكروان الإذاعة، وكان صلاح جاهين دائم الجلوس مع عباس الأسواني (والد الروائي علاء الأسواني)، كما كان لطفي الخولي يحضر باستمرار لأنّ مكتبه كان مواجهًا للمقهى.

وإلى جانب نجوم الأدب هناك نجوم الفنّ كالراقصة تحيّة كاريوكا التي كانت متزوجة من محمد سلطان، أحد رواد المقهى فكانت دائمًا تأتي لاصطحابه. وكان إسماعيل ياسين يأتي مع صديقه اليوناني أمليو ميلوناس. وكان الممثل أنور وجدي يحضر على فترات متقطعة، كما كان يحضر نجيب الريحاني وشقيقه الصغير ورشدي أباظة، الذي تشاجر ذات مرةٍ مع منادي السيارات أثناء إيقافه سيارته أمام المقهى، وأثناء اشتباكهما أصيب رشدي أباظة بجرح صغير في وجهه فالتفت الناس حول المنادي مستنكرين ذلك منه.

سقطات

تقول وثائق «ريش» القانونية إنّ المقهى لم يكن على صورته الحالية، كان يشرف على ميدان سليمان، وله حديقة مضاءة تعزف فيها فرقة أوركسترا كلاسيكية العديدَ من رقصات الڤالس زمان الرومانسية. ظلّ المقهى مكانًا لملتقى النخبة المثقفة العائدة من دراستها في الغرب، باريس بالذات، وتقول ميسون إنّ المقهى لم يتمتّع بوجود مستقرّ منذ إنشائه عام ١٩٠٨. وتغيّر المقهى بتغيّر ملّاكه، وكان الوضع العام مهددًا في كلّ هذه المراحل بافتقار استقراره وهويّته أو شكله الخاص. وقد مرّ كذلك بتعديلات عديدة؛ من مقهًى، إلى مقهًى وبار، ثم إلى مقهًى و«تياترو»، ثم إلى مقهًى ومطعم، ثم مطعم وبار، واستقرّ في النهاية على مقهًى ومطعم، وظلّ البار مجرّد مشهد أثري مثل البيانو والصور التي تدلّ على ما كان عليه المكان في السابق. وتحت عنوان «إغلاق مقهى ريش انحراف البوصلة» تقول ميسون إنّ المقهى شهد تغيرًا جذريًّا في نوعية روّاده بعد أن تمّ إغلاقه في الفترة التي امتدّت من شباط/ فبراير ١٩٩٠ إلى آذار/ مارس ٢٠٠٠ للترميم، إضافةً إلى حلّ بعض المشكلات الخاصة بالترخيص «فمع خشية أصحاب المكان من حدوث أزمات يمكنها أن تلغي رخصته أو تساعد الراغبين في الحصول عليه، أصبحوا ينتخبون من يدخل إليهم بطريقة أو أخرى، ممّا صنع فجوة بين الروّاد والمكان التاريخي».

ولمّح الكاتب أسامة فاروق٥ إلى أنه منذ فترة قصيرة انتشرت على مواقع التواصل شهادات تسجّل مواقف صادمة حدثت في مقهى «ريش» الأشهر في مصر، معظمها كان لكتّاب وصحافيين واجهوا مشكلات غريبة وتصرّفات أغرب تصدّهم عن المقهى التاريخي في وسط القاهرة. في المجمل، لم يكن المقهى مرحِّبًا بوجودهم، كان أصحابه يفضلون «انتقاء» نوعية معيّنة من الزبائن! لا أتذكر السبب الذي دفع إلى نشر تلك الشهادات، لكنها كانت جميعها متقاربة ويُفهم منها المعنى نفسه. هناك وجه آخر للمقهى، أدار ظهره لتاريخه الشخصي. المكان الذي بنى سمعته على الانفتاح على العالم، ببساطة لم يعد كذلك.

وفي العام ٢٠١٥ غداة وفاة صاحب مقهى ريش، مجدي عبد الملك، قال الروائي الراحل مكاوي سعيد٦ إنّ «القول إنّ المكان كان واحة للمثقفين (يقصد مقهى ريش) ينطوي على رِياء، فقد كان مكانًا سلبيًّا من حيث تعامل صاحب المكان مع المثقفين أو من حيث تحويله لمطعم، بما يفرض على مرتاديه إنفاق مبالغ مرتفعة»، وأضاف إنّ «عبد الملك كان يجلس على منضدة بمدخل المحلّ يتفرّس في الداخلين، ويمنع ويسمح، بمزاجه الشخصي، بالدخول إلى والخروج من المحلّ، يصرف المحجبات بسرعة وضيق، ويمنع المثقفين الشباب الذين يرى أن ملابسهم وسحناتهم لا تليق بالمكان، وكان يتصرف بعنصرية مقيتة، كما لو أنه يتعامل مع أثر ثقافي ورثه عن الأجانب!». وقال سعيد إنّ عبد الملك وشقيقه «لم يتحمّلا الضغوط الأمنية للندوة الأدبية الخاصة بالروائي نجيب محفوظ، فأغلقا المقهى يوم الجمعة أمام الندوة، ما دعا محفوظ لعقد ندوته بمقهى سفنكس في شارع طلعت حرب، ثم بكازينو النيل الذي تلقّى فيه خبر فوزه بجائزة نوبل، وقد هنّأه صاحبا ريش بالجائزة وطلبا منه العودة، لكنه رفض». وكتب المؤرّخ والمحاضر في الجامعة الأميركية، شريف يونس، عبر حسابه على فيسبوك: «مع اعتذاري لأصدقائي من محبّي ريش، وصاحب ريش المتوفى، فقد كان ريش بالنسبة لغير الأجانب وأصدقاء صاحب المطعم - القهوة، ومن يبدو عليهم الثراء، تجربةً مهينة تضمنت الطرد لشبابٍ كان شكلهم (منظرهم) ليس لائقًا بالنسبة لصاحب القهوة».

    ويقول هشام أصلان٧، نجل الروائي إبراهيم أصلان: «دُهشتُ كثيرًا بعد وفاة مجدي عبد الملاك، من رثاء البعض له بكلمات تعبّر عن فقدهم لرجل كان يرحّب بالجميع! تماسكتُ عن إبداء رأي سريع بمنطق احترام الغياب ومشاعر الآخرين، خصوصًا بعد ما عبّر صديقنا الكاتب، محمد خير، عن مشاعري بدقّة، في بوست فيسبوكي طويل متحدثًا عن عنصرية الرجل في اختياره العاملين في المقهى، ومحاولاته انتقاء الزبائن بطريقة غير مفهومة. هل هي طبقية؟ محاولات مَرَضية للحفاظ على روح المكان؟ أنا لا أظن أنه نجح في الحفاظ على روح المكان، ربما حافظ على شكله، غير أنّ روحه كانت تتطلّب بساطة شبيهة بكونه كان مكان التقاء فقراء الكتّاب والفنانين ذات يوم، بحسب الصور المعلقة للراحلين من مرتاديه القدامى.

    هل هو صراعٌ بائسٌ مع الوقت، رغبةٌ في تثبيته بشكلٍ أو بآخر عبر الحفاظ على شكل معيّن؟ لا أعرف. لكن ما أعرفه أنه، حتى بالمنطق الطبقي، لم يكن موفّقًا كثيرًا في الاختيار، غير أنّ المدهش حقًّا، هو امتنان بعض المثقفين لصاحب مقهى، لأنه سمح لهم بالدخول! والدخول إلى (ريش) لم يكن يعني غير أن تجلس لتأكل أو لتشرب، مثله مثل أيٍّ من مطاعم وبارات وسط المدينة».

    بمعنى آخر شهد مقهى ريش تحوّلاتٍ وأمزجة. ويسأل أسامة فاروق «لكن كيف حدث ذلك التحوّل؟». الإجابة نجدها في ثنايا كتاب ميسون حيث نفهم ببساطة أنها مجرّد مرحلةٍ جديدةٍ من مراحل المقهى، الشاهد الأعظم على التحوّلات في القاهرة، ونفهم أنّ مسألة الانتقاء تلك ليست عشوائية وليست بلا سبب أيضًا، فالمقهى «ترمومتر» شديد الحساسية للواقع، واستمراره حتى الآن في مكانه رغم تغيّر العالم من حوله دليلٌ كافٍ على مدى حساسية ملّاكه وذكائهم وخبرتهم الطويلة في التعامل مع المدينة التي أصبحوا جزءًا من تاريخها السياسي والثقافي. ولم تكن مشكلة «ريش» في فرض نمطٍ محدّدٍ من الزبائن، فصاحب المقهى، بحسب ما ينقل الكاتب نبيل عبد الفتّاح، كان يحول دون تمدّد بعض السوقية في سلوك بعضٍ من روّاد المقاهي الأخرى التي تمارس فيها بعض الثرثرة، ويعود ذلك إلى «حراسته لتاريخ المكان وتقاليده وطقوسه»، وأيضًا لأنّ محمد الفيتوري جاءه ذات مرةٍ قبل الافتتاح الجديد، وسأل عن صديقه يوسف إدريس فقال له مجدي إنه يقاطع «ريش»، ولا يعرف السبب، فذهبا معًا إلى مكتبه بالدور السادس بالأهرام. وقال لهما إنه لا يريد أن يذهب إلى «ريش»، حيث العراك وبعض السابلةِ من مدّعي الثقافة الذين يفرضون ظلّهم السخيف على بعض كبار المثقّفين والكتّاب. من هنا جاء موقف المرحوم عبد الملاك الصارم من الحيلولة دون أن يتحوّل «ريش» إلى مكان يمارس بعضُهم داخله ضغوطًا على روّاد المقهى من كبار الكتّاب والمثقفين، وثمة من يقول إنّ مشكلة يوسف إدريس كانت مع نجيب محفوظ.

    يقول الروائي يوسف القعيد: «بشكل عام، يمكن اعتبار المقاهي قبل السبعينيات أماكن مناقشة واحتكاك عقول بعقول. لكنّ الأمر الآن أصبح مختلفًا. أصبحت أماكن «للخناقات» وأيضًا أماكن «للنميمة» وفقدت دورها تمامًا كملتقَى للكتّاب الذين يمكن أن يستفيدوا شيئًا من خلال المناقشات الأدبية الحقيقية. إنّ ما حدث للمقاهي هو جزءٌ من محاولات هدْم القيم التي سادت خلال السبعينيات في عصر الانفتاح المهول. كنتُ منتظمًا في التردّد على المقاهي ومن بينها مقهى «ريش» بالذات أيام ندوة نجيب محفوظ وتوقفتُ بعد خناقة الناقد رجاء النقاش الشهيرة مع الراحل الروائي يحيى الطاهر عبد الله والتي حدثت بعد مجيء السادات للحكم».

    وتعكس سيرةُ «العم فلفل» جانبًا مهمًّا من مزاج المكان وناسه وهويته، فهو مصري قدِم من النوبة في النصف الأول من القرن الماضي حينما كان يبلغ من العمر ١٤ عامًا. يتذكر كيف كان نجيب محفوظ يأتي كل يوم عند السابعة مشيًا إلى «ريش» متأبطًا الجرائد اليومية، ويأخذ القهوة الخاصة به مع قرص الأسبرين ويقابل الناس للحديث في الأدب والسياسة، كما كان يقيم ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة حتى تم إيقاف هذا النشاط خوفًا من البوليس وقتها. ويضيف أنّ يوم توقيع «اتفاقية كامب دايفد» التي ثار عليها المثقفون المصريون من ذكرياته التي لا ينساها، إذ نظّم أولئك تظاهرة خرجت من المقهى تتزعّمها مجموعة من الكتّاب والصحافيين على رأسهم يوسف إدريس وإبراهيم منصور وغيرهم. ويرى هذا الرجل أنّ الزمن قد تغيّر كثيرًا حيث كان زبائن المقهى أكثر هدوءا ورقيًّا وكان الناس أكثر وعيًا وثقافةً من الآن. ونظرًا إلى الحالة الاقتصادية المتعثّرة التي يمرّ بها المثقفون عادة؛ فقد كان «العم فلفل» يكتفي منهم بكتابة المديونيّات في أجندة خاصة، ليذكّرهم بها «حين ميسرة»؛ لذلك يسمّيه بعض الظرفاء «كاسر عين الأدباء». وهو صاحب حكايات ظريفة عاصرَها، معظمها يرتبط بالحسابات المادية؛ مثل قوله إن «توفيق الحكيم قال لنجيب محفوظ: كلّ واحد يحاسب لنفسه!»، في إشارةٍ إلى بخل توفيق الحكيم. يقول محمد البساطي٨: أحيانًا لا يكون مع أحدنا نقود فيطلب بعض المشروبات وأطعمة ويسدد ثمنها عندما ينشر قصيدةً أو قصةً أو غير ذلك.

خاتمة

    تبدو صورة «ريش» الآن مزيجًا من الذاكرة والأطلال والنوستالجيا. في حواره مع ميسون صقر، يلخّص نبيل عبد الفتّاح المسألة فيقول «نحن أمام مقهًى مكتنز بالتواريخ والشخصيات والأفكار، لكنه يبدو الآن غريبًا وسط الأمكنة الأخرى، وجهُ الغرابة يميل في اكتنازه التاريخي والثقافي، وسط أصواتٍ بلا نضال، وأماكن للبيع والشراء تضجّ بالصخب، هي أصواتٌ تتبادل مع بعض الأصوات الرديئة أو الجيدة بين الأجيال الجديدة الشابة، بها بعض المؤيدين وتيّارٌ كاملٌ من العاطلين من المواهب، يوزّعون الصخب والأكاذيب والرداءة في المكان».

    في المقابل، يكتب الشاعر محمود خيرالله دراسة «بارات مصر: قيام وانهيار دولة الأنس»، ويقول فيها: «قد يستغرق الأمر سنوات، قبل أن تعترف الثقافة العربية، المتحفّظة بطبعها، بأنّ حياة بعض البارات في القاهرة، وعواصم عربية أخرى، جسَّدت رحلة كفاحٍ طويل، عاشه روّادها، خلال القرن الماضي، وأنّ بعض هذه البارات والمطاعم، مثّلت بوجودها الأصيل في أقدم شوارع القاهرة، مثلاً، رحلةَ نضالٍ ممتعة، لا يلتفت إليها أحد، ضدّ دولة القمع وانتصارًا لدولة الحقوق والحريات. قد يستغرق الأمر سنوات قبل أن نعترف بأن كافيه ريش، يُعتبر أجمل دليلٍ على استمرار الثورة وتألّقها، بوجوده على هذه الأرض لأكثر من مائة عام، كأيقونة سقطت سهوًا من أحد أحفاد محمد علي باشا، أواخر القرن التاسع عشر. كافيه ريش، واحد من المطاعم التي لعبت أدوارًا عظيمة ومُلهمة في تاريخ هذا البلد، عبر انحيازها الدائم إلى جانب الثوّار، في أيام الثورات المصرية الكثيرة، خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين، حيث استطاعت هذه المطاعم بالذات أن تكون ملاذًا آمنًا لبعض هؤلاء الثوار، بل وأسهمت في صناعة «شيء» من النجاح لهذه الثورات، وهو ما حدث مع ثورة ١٩١٩ وتكرّر بالوتيرة نفسها وعلى المقاعد ذاتها، قبل ثلاثة أعوام، في ٢٥ يناير ٢٠١١، وتكرّر ثالثًا العام الماضي ٢٠١٣، إبَّان ثورة ٣٠ يونيو».

 

العدد ٣٥ - ٢٠٢٢
روّاده، أدواره، أسطورته

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.