العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

مناظرات الزجل في لبنان

بين بلاغة التحدّي والتعبير عن النزاعات ١/٢

تشتهر مناظراتُ الزجَل، التي تُنشَد بالعامّيّة الجبليّة اللبنانيّة، بنظْمها للشعر آنيّاً. وهي هامّةٌ للغاية لأنثروبولوجيا الإبداع والشعروالموسيقى، وكذلك لمعرفة الثقافة والمجتمع اللبنانيّين. مع ذلك، كانت موضعَ القليل من الدراسات الأدبيّة والموسيقيّة. وفيما عدا المؤلّفات التي تتحدّث عن الشعر العامّيّ في لبنان بالعربيّة (عوّاد ١٩٣٠، خاطر ١٩٧٧، نخلة ١٩٤٤) وباللغات الأوروبيّة (لوسيرف ١٩٣٢ - ١٩٣٣، عبد النور ١٩٦٦، جارجي ١٩٧٠، شيلواه ١٩٧٤)، لم يصفْ تلك المناظراتِ بحدّ ذاتها على نحوٍ حقيقيّ إلّا كاتبٌ واحد، هو عدنان حيدر (١٩٨٩)، وهو عملٌ جيّد بالنسبة إلى فترته سأنطلق منه لكتابة هذا المقال.

ومع أنّ هذا الشكل من المُناظرات تغيّرَ إلى حدّ بعيد بظهور زجل المنابر في بداية القرن العشرين، فجذورُه مغروسة من جهةِ في ملاحمَ وقصائدَ تقليديّةٍ أنتجَها ودوّنها مثقّفونَ منذ زمنٍ بعيدٍ (قاري ١٩٩٨، خويري ٢٠١١)، ومن جهةٍ أخرى في مناظراتٍ من الشعر الشفهيّ القرويّ، «القَول»، في لبنان (عوّاد ١٩٣٠، أبو سمرة ١٩٩٩، عقيقي ٢٠١٠، الحاج ٢٠١٥)، وفي فلسطين (يعقوب ٢٠٠٧) وفي سورية (فخر الدين ٢٠١٠). لهذه المناظرات شعبيّةٌ كبيرةٌ لأنها تجري باللهجة الشائعة. لكن المثقّفين رفعوا من قيمة هذه اللهجة بإضافة لمحة أدبيّة إليها، بفضل الاستخدام المعاصر للكتابة والطباعة ( لوسيرف ١٩٣٢ - ١٩٣٣، عبد النور ١٩٦٦، حيدر ٢٠١٣). هناك بعدٌ ساحرٌ يميّز مناظرات الزجل عن سائر أشكال الشعر العامي، وهو الارتجال: إذ يتقابل شاعران أو عدّة شعراء مبتكرين آنيّاً على الأقلّ جزءاً من قصيدتهم، حول موضوع مختارٍ أو حرٍّ. ولقد وضع عدنان حيدر بعض الملاحظات والحدْس حول الارتجال (حيدر ١٩٨٩، ٢٠٩) تستحقّ الدراسة.

وتهتم هذه المناظرات بالمواضيع الساخنة السياسيّة (حيدر ١٩٨٩، هازران ٢٠١٣) مستعينةً بعدّة أشكالٍ شعريّةٍ بقيت حيّةً بأبعادها البلاغيّة والارتجاليّة، ما يجعل منها نوعاً متفرّداً في الثقافة اللّبنانيّة يستحقّ اهتماماً خاصّاً. في تشرين الأول / أكتوبر ٢٠١٤، أدرجت اليونسكو الزجل اللّبنانيّ ضمن قائمة التراث الإنسانيّ الثقافيّ الشفهيّ وغير الماديّ، وهذا ما ذكره البيان الرسميّ: «الزجل شكلٌ من أشكال الشعر الشعبيّ اللّبنانيّ المُنشد أوالمُغنّى أثناء الاحتفالات الاجتماعيّة والعائليّة وفي الحياة اليوميّة. أثناء المناظرات الشعريّة، تلقي فرق الشعراء مقاطع، غالباً بشكل تحدٍّ، أمام جمهور متنوّع، على إيقاع الدفّ والدربَكّة. وتذْكر هذه المبادلاتُ الكلاميّة جمالَ لبنانَ وأهميّة التسامح والحوار بين الطوائف والديانات. وتعمل المناظرات الشعريّة كصمّام أمانٍ وتساعد في حلّ النزاعات وتقويَة التلاحم الاجتماعيّ».

إذا كانتْ وجهة النّظَر هذه تُبدي بالفعل جزءاً من الواقع١، فعلى العكس، خلال مناقشاتي العديدة مع المثقّفين اللبنانيّين منذ حوالى خمس عشرةَ سنةً، لاحظْت وجود تحليلٍ اجتماعيٍّ معاكسٍ تماماً: بالنسبة إلى كثيرٍ من هؤلاء وهم غالباً من أهل المدن واليساريّين، كان الزجل بالأحرى ظاهرةً ساهمتْ في تأجيج النزاعات بين الطوائف خلال الحرب الأهليّة وفي أحسن الأحوال لم تقدّم سوى صورةٍ تسامحيّةٍ أو مجامِلةٍ للعلاقات الاجتماعيّة (وفي قَول الزجّالين «التزلّف»، الذي سنعود إليه). إذاً هل يكون الزجل عاملَ التحامٍ وطنيٍّ أم على العكس عامل تفريقٍ؟ بدا لي أنّ هناك علامةَ استفهامٍ تستحقّ أن نتوسّعَ في دراستها خصوصاً أنّ لبنان اختار رسميّاً هذا الشكل الفنّيّ ليمثّله في الحلبة الثقافيّة العالميّة.

الزجل والتعبير السياسيّ في لبنان

لا شكّ في أنّ بعض أنماط الشعر العامّيّ لعبتْ في تاريخ لبنان دوراً في التعبير عن النزاعات السياسيّة والدينيّة. كانت النصوصُ العامّيّة الأولى٢، المُسمّاةَ زجلاً منذ القرن السادس عشر، تروي أحداثاً ذات بُعدٍ ملحميٍّ، أي مأساويّة وبطوليّة في الوقت نفسه: سقوط طرابلس في نهاية الحروب الصليبيّة لسليمان الأشلوحي (١٢٨١)، واستيلاء الأتراك على قبرص للسمرجبيلي (في القرن السادس عشر) وغيرها (قاري ١٩٩٨، خويري ٢٠١١). هذه النصوصُ هي في الغالب من تأليف كتّابٍ مسيحيّين (قاري ١٩٩٨، ٤٣١ - ٥١٨)، لكنّ هناك أيضاً مسلمين ودروزاً، وخاصةً بين الأحدث منهم٣. كانت هذه القصائدُ متنوّعة الأشكال لكنّها معزولةً لا تشكّل جزءاً من مناظراتٍ ونحن نجهل تقريباً كلّ شيء عن تاريخها. فأوّل مناظرةٍ تاريخيّةٍ موثّقةٍ تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر فقط (سكني: ١٨٩٣ - ٩٤)٤. يجب أن نفرّق إذاً بين المناظرات وغير المناظرات٥، ونكشف عن ترابطها: فهي من جهةٍ قصائدُ ملحميّة مكتفيةٌ بذاتها، وظيفتُها تكريس نجاح طائفةٍ أو فشلها سياسيّاً، ومن جهةٍ أخرى مناظراتٌ بذاتها تحتوي على مواجهةٍ وارتجالٍ. في مناظرةٍ تجمع عدّة شعراء (غالباً من طوائف مختلفة) وجمهور كبيرٍ غير متجانس، على الشعراءِ أن يلائموا عباراتِهم مع الأمر الواقع: فالنتيجة النهائيّة ستتأثّر بذلك حتماً. هذا هو الوضع في لبنانَ على الأقلّ خلال القرن العشرين. وفي الوقت ذاته، من الجليّ أنّ هناك ترابطاً بين هذه النصوص المختلفة في الشكل (أشعار ملحميّة مكتوبةٌ مقابل مناظراتٍ شفهيّة). ولنا عودةٌ إلى ذلك.

الزجل والقوميّة والعنف

لعب الزجل في الفترة الحديثة دوراً مهمّاً في القوميّة المارونيّة التي كانتْ تهدف إلى إقامة وحدةٍ سياسيّةٍ مركّزة فقط على جبل لبنان (غالباً ما يُسمّى بالمفهوم الشعبيّ «الجبل»). وطبقاً لهازران، فإن حياة رشيد نخلة (١٨٧٣ - ١٩٣٩) تصوّر هذا المظهر الأساسيَّ جيّداً، بما أنّ هذا الشاعر والمثقّف كان شاعراً عظيماً، وأوّلَ منظّرٍ حديثٍ للزّجل، مثلما كان موظّفاً كبيراً في إدارة متصرفيّة جبل لبنان وفي زمن الانتداب الفرنسيّ، وهو إلى ذلك مؤلّفُ النشيد الوطنيّ. ويلحّ هازران على البُعد اللغويّ: فقد حاول قَوميّو جبل لبنان الأوائلُ التأكيد على خصوصيّة لبنانَ بالنسبة إلى سائر البلاد العربيّة بأنْ شجّعوا الإنتاج الأدبيَّ بالعامّية، والشاعر سعيد عقل هو المثال الأقربُ إلينا على ذلك. وهكذا يصف هازران الزجل بأنّه «عاملٌ قَوميّ ثقافيّ فعّالٌ» (nationalizing cultural agent) (هازران٢٠١٣، ١٧٤). في ضَوء هذه الملاحظة، يمكن أن نفهمَ بنحوٍ أفضل فحوى نصّ الترويج لوضع الزجل على قائمة الأونسكو المذكور أعلاه. مع ذلك، سنرى أنّ تحليل بعض المناظرات منذ الثمانينيّات يفتح آفاقاً مختلفةً كليّاً.

إذا حاولنا تحليل مناظرات الزجل من وجهة نظرٍ أنثروبولوجيّةٍ، يُطرح علينا سؤالٌ مزدوج: كيف يمكن لهذا التعبير عن الصراع الذي أنشأه تقليد المواجَهة هذا بين شاعرَين ويؤجّجه الحضور، أن يعكس رهاناتٍ حقيقيّةً لمجتمع كالمجتمع اللبنانيّ تُمزّقه نزاعاتٌ مستمرّةٌ منذ قرن ونصف القرن على الأقلّ؟ لم يطرح حيدر هذا السؤال إطلاقاً، ومقاله المنشور عام ١٩٨٩ يذْكر مناظرةً يعود تاريخُها إلى ما قبل الحرب الأهليّة (حيدر ١٩٨٩، ٢٠٥ - ٢٠٧). يجب بالطبع أن نطرح هذا السؤال في البدء على أنفسنا بطريقةٍ محايدة للغاية: كيف يمكن للّغة الشعريّة (وكذلك لكلّ أداءٍ شفهيّ) أن تعبّر عن هذه التوتّرات بخَلْق جوّ انفعاليٍّ خاصٍّ للغاية؟ في معرض دراسة بلاغة التحدّي بين الشعراء، سنستند خصوصاً إلى أعمال ماريا مانكا التي حلّلتْ مناظراتٍ شعريّةً في سردينيا (مانكا ٢٠٠٩) التي تذكّرنا من عدّة جوانبَ بزجل لبنان. لكنّنا لن نستطيعَ أن نتحاشى اللجوءَ إلى مقاربةٍ أكثرَ سياسيّةً: ما الذي يربط كفاءة المناظرة الأدبيّة والأدائيّة هذه بالتعبير عن الصراعات التي ترافق تاريخ لبنان في القرن العشرين؟ هل يستطيع الزجل وَحده استيعابَ عنفٍ موجودٍ خارجَه، في المجتمع بأكمله («صمام الأمان» الشهير)؟٦ لا يمكن إنكارُ أنّه مؤسّسةٌ لها هيكليّتُها، ولجانُها المنظِّمة، ومُعجبوها، الذين يمكنهم أن يقوموا بالاحتواء والاعتدال، إنّه مساحةٌ عامّةٌ مشترَكة بقواعدَ أدبيّة وأخلاقيّة خاصّة، حتى لو كان بعضها ضمنيّاً. لكنّ الانزلاقاتٍ ممكنةٌ، ولا شكّ في أنّ بعضها قد حدَث٧.

نعرف أنّه في عدّة مناسباتٍ في التاريخ، تعرّض شعراءُ الزجل إلى ضغط أجهزة الأمن، وخصوصاً عام ١٩٥٨، أثناء الأحداث التي كانت تنذر بالحرب الأهليّة المقبلة٨. من المحتمَل إذاً أنْ يعرفَ الشعراءُ في لحظاتٍ معيّنةٍ كيف يمارسون رقابةً ذاتيّةً كيلا يؤجّجوا العنف. وبعبارةٍ أخرى، إذا كان شكلُ تعبير الزجل عن الصراع موافقاً للتعبير العنيف لبعض النزاعات، فإلى أي حدٍّ يمكن أن يصل؟ ومن الذي يضع الحدود؟ وهل يمكن أن نصلَ إلى الحديث عن «حلّ النزاعات»؟ يمكن أن نتساءل كذلك عمّا غيّرتْه أحداثُ الحرب الأهليّة (١٩٧٥ - ١٩٩١) في تكوين الزجل.

فيما يخصّ الموادَّ التي قامتْ عليها هذه المقالةُ، رغبتُ في نشر مناظرةٍ كاملةٍ (أو شبه كاملة)، لأنّ ذلك لم يحصل إطلاقاً بالنسبة إلى لبنان٩: كان ذلك ضروريّاً جدّاً ليُلقيَ القارئُ نظرةً شاملةً على حدَثٍ ما لا يكفي شَرحُه في مقال. ولتجاوز هذه النقطة السلبيّة يمكن الاطّلاعُ على النصّ الكامل للمناظَرة في نصّها الأصليّ وترجَمتِها للفرنسيّة على الإنترنت، وكذلك الوثيقتَين الفيديو على يوتيوب١٠. بالنسبة للترجمة، اعتمدتُ على المراجع الثلاثة: بارتيليمي (١٩٣٦)، ودنيزو (١٩٦٠)، وفريحة (١٩٧٣). لكن لم يكن بإمكاني إنهاء المهمّة من دون مساعدة عبد الله نعمان اللغوية الممتازة، وكذلك كلوفيس عنطوري. كان صبرُهم فائقاً وتعليقاتهم المتنوّعة حاسمة قطعاً١١. وآمل أن أتمكّن في مؤلّفاتٍ لاحقةٍ من تعويض النقص الذي سيبدو حتماً في هذا العمل الأوّل١٢، بمساعدة قرّاء هذا المقال الأوّل إذا أمكن.

«مناظرة البابليّة»

بدتْ لي «مناظرة البابليّة»، التي أقيمتْ في هذه القرية الواقعة جنوب صيدا، في جنوب لبنان في ٢٦ آب / أغسطس ١٩٨٩، هامّة بشكل خاصٍّ لإظهار الإشكاليّة التي شرحْتها. وقد جمعتْ أربعةً من أكبر شعراء الزجل في هذه الحقبة، موزعين على فريقين، «جوقتَين»، وهم:

جوقة زغلول الدامور

زغلول الدامور، مسيحيٌّ مارونيّ من الدامور، زين شعيب، شيعيّ من الجنوب.

جوقة الربيع

طَليع حمدان، درزيّ من المتن، خليل شحرور، شيعيّ من ذات منطقة البابليّة١٣.

وكمعظم المناظَرات المعاصِرة، تتوزّع مناظرة البابلية حسب الأشكال الشعريّة الآتية:

١ الافتتاحيّة، أي قصيدة من بحر القصيد وشكله، قد تكون مؤلّفةً مسبقاً، وتُنشَد دون موسيقى ولا يصحَبها الكورس.

٢ القرّادي، وهي فقرات شعريّة، «ردّات»، قصيرةٌ للغاية ومرتجَلة بكاملها، مع لازمة يردّدُها الكورس (المردِّدون)، والغناء موزونٌ تصحبه الجوقةُ والدفّ، يقرعه الشعراءُ أنفسُهم، وهنا تبدأ المواجهةُ فعلاً بين الشعراء.

٣ المْعَنّى، مقطع شعريّ، «ردّة»، من حوالى عشرة أبياتٍ، بالتناوب مع الكورس، ويكمل التحدّي بمعركةٍ خاصّة بين الشعراء واحداً ضدّ واحد.

٤ بيت القصيد، قصيدة الخلاصة، مقاطع شعريّة، بيت واحد، حوالى عشرين بيتاً، مؤلّفة مسبقاً، غناء إفراديّ لا يصحبه الكورس.

نلاحظ أنّ ٣ و٤ يتعاقبان حسب المنطق الآتي:

أوّلاً: المعنّى ثمّ بيت القصيد بين زغلول وطليع

ثانياً: المعنّى ثمّ بيت القصيد بين شحرور وزين

وثيقتا الفيديو (كانتا على كاسيت VHS) غير كاملتين للأسف، فقد انقطع التسجيل مرّتين. وهذا ما يحرمنا من أكبر جزءٍ من المبارزة بالمعنّى بين زغلول وطليع (عدا ثلاث ردّات)، وكذلك ينقصنا تبادل بيت القصيد بين زين وشحرور (عدا المقطع الأوّل لشحرور). وفيما يخصّ تركيب المناظَرة، فلنقصان المزدوج يعوّض أحدُهما عن الآخر، ولا يمنعاننا من فهم نموذج واضح للمناظرة. بالتالي بدا لي ممكناً أنْ أكتفي بهذه الموادّ١٤ (ساعتان ونصف من التسجيل).

في شرحي لهذه المناظرة سأعرض أوّلاَ المواضيع المألوفةَ دون أن ألتزمَ بالترتيب الزمنيّ، ثمّ أعرض محتوى المناظرة الجداليّ (التقليديّ والسياسيّ في آنٍ معاً)، وسأتّبع في ذلك بأمانةٍ الترتيبَ الزمنيَّ كما مرّ ذكرُه باختصارٍ، لأبقى قريباً قدْر الإمكان من جوّ التحدّي الخاصّ بين الجوقتَين. وبما أنّ المناظرة كانتْ في الجنوب، فهي تدور بشكل رئيسيّ حول الاحتلال الإسرائيليّ لجنوب لبنان في الثمانينيّات، وكذلك حول بضعة أحداثٍ أخرى سياسيّة وعسكريّة مميّزة للحرب التي دارتْ في تلك السنين العشر (انطلاقاً من اختفاء الإمام موسى الصدر في ١٩٧٨). في تلك الفترة، سلِمتْ قريةُ البابليّة الواقعة على بعد بضعة كيلومترات جنوب صيدا، من الاحتلال الإسرائيليّ الذي ظلّ مع ذلك حاضراً بشدّة في ذهن الشعراء. وبما أنّ خليل شحرور من تلك المنطقة، فقد كان له موقع المُضيف الذي سُمح له ببدء المناظرة، والتدخّل في لحظات مفصليّة خلالها.

المواضيع الإجباريّة في المناظرة

سأعرض أوّلاً مقتطفاتٍ من المواضيع الإجباريّة في كلّ مناظرة: تمجيد لبنان والجبل، وتمجيد القرية، وكلمات الترحيب، وعلم الكون. قد تُطرح هذه المواضيع في البداية، ولكن ليس دوماً، ويمكن للشعراء العودة إليها ضمن المناظرة حسب علاقتها بمواضيع أخرى، بالتالي لن أقدّمها ضمن ترتيبٍ زمنيٍّ محدّد.

تمجيد لبنان

وهو أحد أهم المواضيع الإجباريّة، ويتألّف من مقاطعَ طويلة حول جمال طبيعة لبنان:

زين شعيب:

وأرز لبنان يا أوّل منارة

زرعها الربّ عاجبال الصحارى

السما عا كروزها شتِّت دراري

بخزنه لا تراب ولا حجارة

يا زغلول اللي انتْ خيي وجاري

ورفيقي بالجليد وبالحرارة

إذا تفرّق ديارك عن دياري

لساني باقطعه إن كفّى العبارة

جبلنا١٥ ال كان جنّة للحواري

صُبْح ضاري لا عِلم ولا حضارة

جبلنا ال كان متعلّم، حضاري

سنين طوال صار له بها النظارة

وكما نلاحظ، يرتبط حبُّ لبنان هذا دوماً «بجبلنا»، بالتالي بذكرى قوميّة لبنانيّة معيّنة مركّزة حول طوائف جبل لبنان. نلاحظ أيضاً أنّ هذا التمجيد فيه قدرٌ من الخيبة، وهو الوصف لأجواء ما بعد الحرب (في الواقع كان التمجيد أكبر قبل الحرب). وهكذا نرى أنّ مثل هذا الموضوع يمكن أن يتوافق مع الظرف برغم إلزاميّته: إنّه مجازٌ إجباريّ لكلّ شاعرٍ١٦، لكنْ يمكنه أيضاً أن يمتزج بموضوعاتٍ أخرى طارئة (هنا، الصحبة بين شاعرَين). نستطيع إذاً أنْ نؤكّد أنّ هذا الموضوع القوميَّ يمارس وظيفةً هامةً في تحفيز نوع من الوعي الوطنيّ لدى الجمهور الواسع، كما اقترَحَ هازران (٢٠١٣). وتجب دراسة هذا الأمر خصوصاً بالنسبة إلى مَشاهد الزجل العديدة التي نُظِّمتْ في المغترَبات اللبنانيّة في السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي١٧.

تمجيد القرية وأهلها

في بداية افتتاحيّة زين شعيب، مجّد تمجيداً مفرطاً بسكّان قرية البابليّة، مقارناً إيّاها ببابل:

زين شعيب:

تراب جنوبنا صفّى مجابل

اللي انجبل فيه دم أختي ودم خيي

الشهيد اللي بكِتو عيون الدوابل

نَبَتْ من القبر زهرة بنفسجيه

وأنا عا البابليّه جئت أقابل

تواريخ العصورالبابليّه

وقدر ما يكون شامخ برج بابل

ما دقّت عتابته بالغيم

لوما أساس الل عمّروه من البابليه

تهدف هذه اللفتة مباشرةً لأنْ تسحر الجمهور، إنّها كلمات تملّق «مُطيَّبة» (حيدر ١٩٨٦، ٢٠٢، يذكر فيها قول عواد ١٩٣٠ ص ٥٠٢ - ٥٠٣).

علم الكون وشعر الطبيعة

يتجلى البُعد الكونيّ بصورةٍ مهيبة هنا بقول خليل شحرور:

من ذو الفقار١٨ لو فيه إلك صوت وصدى بِتعمّر جنوب البطوله والفدى

زَّرع وحطب وتراب وزهور وندى

وبرود فلّوا عن طريقه يا عدا

بعلم الفلك إن كان عقلك ما اهتدى

سْألني أنا بقلّك على سمع المدى

أرض وسما من وقت ما الكون ابتدى

والشمس والبدر اللذ الك طابع بدى

زهرا وعطارد وجٍبال وهالوِدى

كل من عمْ يصبح بمطرح عاحِدى

هاو اسمهن نجوم وكواكب للهدى

اللي عَمّرهن بيده عل الهدى

ميلي إزا زاحوا الكواكب والنجوم

عالأرض ما يبقى حدا بيخبّر حدى

نرى هنا أنّه مقطعٌ يذْكر بتوسّعٍ عناصرَ الكَون والطبيعة، وخصوصاً في تَقابُلها التكامليّ: الأرض والسماء، الزهرة وعطارد، الجبال والوديان، إلخ. ويجب الانتباه إلى أنّها هي العناصر التي يودّ الشاعر إعادة إعمار الجنوب بواسطتها. لكنّنا نجدُ هذا الموضوع بهذه النسبة أو تلك لدى كلّ الشعراء، ممزوجاً غالباً مع مواضيع أخرى إلى هذا الحدّ أو ذلك من الظرفيّة١٩.

استعراض الشاعر للفخر وتحدّيه للشعراء الآخرين

يُدخلنا هذا الموضوع في منطق المناظرة الصراعيّ. وهو يتجلّى أوّلاً في استعراضات الشاعر للفخر، بنفسه ولكن خصوصاً بشعره. واحتلّ زين شعيب الصدارة في فنّ المفاخرة بالنفس:

زين:

النسر صار له شهر حامل وشاحه على عيونه اللي عا زَين شعيب شاحو٢٠

قصدني وبين إيديّي تربّع

وأعطاني التاج٢١ وشك طاحو

أنا اللي خلقت للشعر مرجع

وباسمي سَوَكر المنبر نجاحو

بفضل اللي خلق للدرّ مقلع

بالزند اللي اشتغل والصخر زاحو

بمرجلْته إذا تهجّم عا مدفع

بقلبه بفوت وبظهر من جراحو

بعبسة حاسْبه اللي منها يركع

السبع بالغاب واللبوات ناحو

إنّ النسر، ملك الطيور، هو أحد المفاهيم التي يكثر تمثيل الشعراء الرمزيّ له «بواسطة» بشر (سنجد ذلك لدى زغلول). فنجد إذاً أسلوب التبجّح، الوصفيّ للشعراء بالنسبة إلى شجاعتهم المفترَضة، وهو مفهومٌ يتردّد دائماً. يمكن تحديد حقل دلالته الذي يرسُمه الشعراء على نحوٍ واسع:

الشرف

العزّ

الفخر

المرجلة: آتية من الرجُل والرجولة لكنّها مرتبطة

مباشرةً بالبطولة والشجاعة

الحماسة: وهو شعور بطوليّ

البهْورة: عنتريّة، تبجّح

أمام هذه الاستعراضات التي تبدو هزليّةً غالباً، يجدر أن نتساءل إنْ كانت تعكس لدى الشاعر «أنا» ذات طبيعة سيكولوجيّة، أو إنْ كان يجب تفسيرُها من وجْهة نظر مختلفةٍ تماماً. في الواقع، يُدرجها بُعدُها النمطيّ ضمن منطقٍ بَلاغيٍّ وتقليديّ ورمزيّ خاصٍّ بالمناظرة (حتى وإنْ ظلّ البعدُ السيكولوجيّ ملموساً على الصعيد الفرديّ). كما أنّ تعظيم الـ«أنا» يعمل بطريقة جدليّة: فالشاعر الذي يتحدّى آخَر يبدأ بمدْحه، قبل أن يرميَه بكلام قارصٍ يكون شديداً بقدْر تناقُضه مع التفخيم الذي سبَقَه، معتمداً على التضمين والتهكّم. وهكذا بدأ شحرور تجاه زين:

شحرور:

أخونا بو علي٢٢ الله بيشْهد

بحبّه والمراجل مِن صفاتو

خيالو من النجم أسما وأبعَد

وكتف سطح المجرّاة عا سْواتو

بسّ اليوم ليلو ليل أسود

إزا معنا ما بيبطل بهوراتو٢٣

تا خلّي زين مثل القرص

يجْمد قدّام البشر بالبابليّه

يحْلف عالمباراة بحياتو

وصْفُ الخصم بالبداية بأنّه قويّ جدّاً يزيد بالطبع من قيمة الانتصار عليه فيما بعد. نرى هنا أيضاً المنطقَ البلاغيَّ اللازم للهجوم: في البدء، يمدح شحرور معارِضه (في أوّل بَيتين)، ثمّ ينتقل إلى الهجوم حسب مبرّرٍ بيانيّ من نمط: «ولكن اليوم...» عندها يقلبُ الكلام بشكل كامل بسخرية، ويهدف إلى إحداث تأثير المفاجأة.

استحضار الطيور

يمكن أن نضيف إلى هذه الموضوعات صورة مجازيّة يتمثّل فيها الشعراءُ غالباً بصورة الطيور. مثلاً، زغلول:

وعنّا تسألوا اصحاب العمايم

وشباب العصر من قاصي وداني

انطلقنا رفّ غطّاط ورفّ حايم

بجوّ الارتجال الأولاني

عندما يريدون أن يفاخروا بأنفسهم، يستخدمون بالطبع صورة النسر (يحْدث أيضاً أن يقارن الشعراء أنفسَهم بالفهود). وتُستخدَم باقي العصافير بالأحرى ضمن مفاهيم رثاء أو عاطفة: البلابل، الحمام، الشحارير، إلخ. وهذا التجسّد ليس وليد المصادفة بالتأكيد: كما نعرف، فكلمة «زجل» تعني بالعربيّة غناء العصفور٢٤. ودلالات هذا الرمز هي طبعاً الحرّيّة والخفّة والرشاقة.

العراك السياسيّ

مقاطع وطنيّة للجبل، ولبنان، أو القرية، ومقاطع كونيّة كبيرة، ثم تبجُّح الشاعر وتَحدٍّ لباقي الشعراء، هي المجازات الإجباريّة لهذا النمَط، تتكرّر أو تندمج عدّة مرّاتٍ في كلّ مرحلةٍ من مراحل المناظرة. إذاً نحن هنا ضمن أكثر الأشكال نمطيّةً، بل طقسيّةً، ويمكنها أيضاً أن تكون الأكثر لعباً أوحتى الأكثر أدبيّةً. لا تأتي هذه المواضيعُ فقط في بداية المناظَرة، إنّما هي مجازاتٌ إجباريّةٌ لكلٍّ من الشعراء، في لحظةٍ أو أخرى. إذاً هي ثوابتُ من تركيب النمَط (على المستوى الوظيفيّ بالأقلّ). فلنتفحّص الآن المحتوى الظرفيَّ لمناظرة البابليّة يوم ٢٦ آب / أغسطس ١٩٨٩، والتبادلات السياسيّة التي أدّتْ إليها.

مناظرة البابلية

١. الافتتاحيّات

هذه المقاطعُ القائمة على شكل «قصيد» هي مقدّمةً طويلة من أربعين بيتاً تقريباً لكلّ شاعر، مؤلَّفة من عدّة فقرات ذات عشرة أبيات تقريباً، ويتألّف دائماً بيتُ الختام من ثلاثة أشطر. وهي من بحر«القصير» (بالعربيّة أيضاً الوافر)، ولكلّ فقرةٍ قافيةٌ أو قافيتان. هذه المقاطعُ يقْطعها الهتافُ ومداخلاتُ الدربكّة، ولكن دون لازمةٍ ودون ترديد الكورَس ومع أخذ طولها ومحتواها بالاعتبار / ومن الجليّ أنّها تكون مؤلّفة مسبقاً٢٥.

بعد هذا الجزء الأوّل، يبدأ تمجيد الجنوب ومقاومتِه ضدّ إسرائيل، وكذلك كثيرٌ من المظاهر الأخرى لحرب لبنان الأهليّة خلال الثمانينيّات. ويبدأ شحرور المناظرةَ، بنوعٍ من السيرة الذاتيّة للأرض، لكنّها تُختتَم بالسياسة:

شحرور:

أنا ابن الحدود العامليّه

بعدْما دارت الأيام فيّا

بصناي٢٦ رْجعت كفّي الحكايه

وبانصار اللى عليّ عم اتْفيّا

شبابي من مشيبي ليش قاسي

وراجع بعد غيبة عمر لِييه

لانّه اللي عم يجدّد ذكرياتي

نسيم الصنوبرات القعقعيّه٢٧

يا جنوب بحياتي ومماتي

انتْ مفضل على بايّ وعليّ

وكلّ تراب أرضك يا حياتي

أدفا من حضن أمّي وبيّي

دولتنا العاليه يا زواتي

ما عطيتْنا الهويّه الطائفيّه

يا دولتنا هويّه لا تهادي

اللي دمه يعرُبي وقلبه جنوبي

شو بدّه بالنفوس وبالهويّه؟!

وهكذا، بعدما مجّد شحرور الجنوبَ طويلاً والمنطقةَ الواقعة حول البابليّة، هاجم هجوماً لاذعاً الدولة اللبنانيّةَ التي اتّهمها بفرض هيمنتها الإداريّة («النفوس» أي بطاقة «الهويّة»)، وخصوصاً بُعدها الطائفيّ. يقترب تمجيدُ الجنوب في الأسلوب من تمجيد لبنان، ولكنّه يمثّل تجذّراً نوعيّاً لخليل شحرور في منطقته، حتى أنّه يذكّرنا كثيراً بالتقاليد العربيّة الكبيرة مثل الأطلال والشعر الجاهليّ. وتعود هذه المطالبُ الاجتماعيّة والاقتصاديّة تُجاه الدولة اللبنانيّة إلى سنوات الخمسينيّات على الأقلّ. في الحقيقة، كان خليل شحرور قد بدأ فوراً في المجال السياسيّ في أبياته الأولى، ذاكراً خَطْف الإمام موسى الصدر في ٣١ آب / أغسطس ١٩٧٨ (قبل ذلك بـ ١١ سنة)، الذي يحمّل الشيعيّون مسؤوليّة خطفه للرئيس الليبي السابق معمّر القذافي. ثمّ يعود إلى سياسة الثمانينيّات، ويهاجم الأميركيّين، لدعمهم إسرائيل ضدّ فلسطين وضدّ لبنان:

شحرور:

يا آمريكا يا عِلّه عالميّه

يا أصل الشرّ يا امّ البَليّه

جايه عالشرق مستعمر زَرَعتي

بجسم الشرق دولة عنصريّة

رغم كل التعاطي ما اقشعتي

جرايم ها العصابة المعتدية

ومن رغيف الخبز تا دفعتي

لكلفة كل آليّة عسكريّة

من محلّه شعب كامل قلعتي

على مرأى وسمع كل البريّه

الهويه مع المال تا نزعتي

واعطيته للي ما له حقّ الهويّه

بعيشة كم مخطوفين دفعتي

بأساطيلك بقوّه جهنميّه

كأنّك ما قشعتي ولا سمعتي

بسجن عتليت الْنا خمس ميه

كرامة كم شخص تهْتي وضعْتي

وعملْتي من سلامتْهم قضيّه

وطبلتي الكون والعالم شرعتي

كأنه الامريكاني شغل الله

وباقي الناس شغل السنكريّه

نهاية هذا المقطع، التي تتحدّث عن قيمة حياة الأميركي مقارنةً بحياة باقي الشعوب، مهمّة للغاية: إنّها تعلن عن إدراكٍ سيظهر لدى كثيرٍ من الشرقيّين بعد سنة، عندما تدخّل بوش الأب في الكويت، عام ١٩٩٠، مع انتشارعبارة: «الكيل بمكْيالين». نلاحظ الهجوم الذي يبدو جليّاً في كل المناظرة. ثمّ يهاجم خليل شحرور فرنسا، لدورها في خلق نظامٍ طائفيٍّ:

شحرور:

بيقولوا رجعِت الام الحنونه٢٨

من مرسيليا عا بحر جونيه

كأنّها مش سبب كل الجريمه

بيهمّها الحرب والدوار الصخونه

أنا الشعب المقاوم يا حليمه٢٩

شو بدّك بهالرجعة الماسوني

اسألي جور٣٠ واسألي يده اللئيمه

شو زرعتْ شرّ بين أحمد وطوني

داخلك من بَعتْ لِك عزيمه

ما زالو اللّ جرّبوكي وجرّبوني

أهلي فجّروكي بالهزيمه

وجنودك ما قدْروا يهجّروني

إزا لبنان يا فرنسا العظيمه

تحت اسم الحماية والمعونه

بدّه يعود للصيغة٣١ القديمه

بيقل لك شعب لبنان كلّه

عمره لا يكون ولا تكوني

والإشارة طبعاً إلى التدخّل الفرنسيّ عام ١٩٨٣. وذكَر جونية في إشارةٍ إلى المعتزَل المسيحيّ خلال الحرب والجزء الأكثر نطقاً بالفرنسيّة في لبنان، هو هجوم سيردّ عليه زغلول في افتتاحيّته. ونلاحظ أنّ هذا المقطع يخلط نوعاً ما بسهولةٍ بين فرنسا وإسرائيل (كان غور الجنرال الإسرائيلي الذي غزا القدس عام ١٩٦٧)، وكذلك الماسونيّة («الرجعة الماسوني» الوهميّة)، موَجّهاً الاتّهام بإثارة تفرقةٍ بين المسيحيّين والمسلمين، ملقياً كلّ أسباب النزاع في لبنان على الخارج. وأخيراً ينتهي المقطع الحاسم بإشارةٍ صريحةٍ إلى«الصيغة»، أي الميثاق الوطنيّ، وهو اتّفاقٌ شفهيّ قام بين مؤسّسي الجمهوريّة اللبنانيّة عام ١٩٤٣، مشرّعاً التعايشَ بين الطوائف اللبنانيّة على أساس تقاسُم السلطة بين السنّة والموارنة.

بدوره زين شعيب يذْكر الجنوب ويلحّ بصورة خاصة على مجابهته لإسرائيل:

زين شعيب ( أبو علي):

إلك يا جنوب من قلبي تحيّه

تحيّات روح شعري العسكريّه

يا قهّار المدافع والقنابل

يا قلعة ثابته بوجْه الْمنيّه

يا مهد الخير يا أرض السنابل

ومرج وورد وبيادر مخمليّه

برغم المحَن زرعك ظلّ قابل

بصمودك بالشباب الأشبهيّه٣٢

قدْرما يخِلْطو الهابل بالنابل

وكومندوز عا الشويخ العامليّه٣٣

بيجي يوم احفاد التنابل

بيناموا تحت وطأة حَيدريّه٣٤

تراب جنوبنا صفّى مجابل

الل انجبل في دم اختي ودم خيّي

الشهيد الل بكيتوا عيون الدوابل

نبت من القبر زهرة بنفسجيّه

على الصعيد السياسيّ البحت، يشير زين هنا، مثلما فعل شحرور في أبياتٍ أخرى، إلى الخصوصيّة الدينيّة (الإمام عليّ) لتحرك الطائفة الشيعيّة ضدّ إسرائيل٣٥. لكنّه ليس بتلك العدوانيّة على الصعيد الداخليّ، حتى وإنْ كان يهاجم «الحكّام الفاسدين» بكلماتٍ مُبهمة:

زين:

يا سايس قوم حضّر لي جوادي

أنا وغافي سمعت صوت المنادي

فِقْت قبل الصباح بربع ساعة

وسبقت الشمس من وادي لوادي

سألت عالملوك اللي لها استطاعة

مع عاد حقّ القياده بالقيادي

وبَرَمْت قصورهم قاعة بقاعة

اختفوا اصحاب الممالك والسيادي

ورجعت وما لقيت إلّا ها لبضاعة٣٦

يا زغلول ظلّك على حيادي

اللي أنا عاطيهم بيدي شهادي.

لهذا المقطع أهمّيّة منهجيّة خاصّة لتحليل الأداء: عندما يقول زين: «لم أجد إلّا هذه البضاعة»، لا يمكن أن نفهم إذا اقتصرنا على قراءة النّص، ولكنّ إذا شاهدنا الفيديو، نرى حركات زين الذي يشير باليد إلى بقية الشعراء (الذين هم جميعاً إلى يساره) ملتفتاً نحوهم. إذاً هناك دلالة خاصّة بالأداء (سنعود إليها).

ويتكلّم زغلول بدوره، فيمجّد الجنوب ببساتينه وزهوره إلخ. وبما أنّ شحرور اتّهَمه ضمناً (الإشارة إلى جونية)، يقول إنّه يفضّل دائماً جنوب لبنان على فرنسا. وبالنسبة إلى جونية، يجيب بطريقةٍ غير مباشرة، واضعاً نقده ضمن القالب التقليديّ للشّعراء، مادحاً خصْمه في البداية، ثمّ يقوم بالتفافٍ طويلٍ عبر اهتمامٍ مبهمٍ بالكَون، ويطلق البَيتَين الأخيرَين شديدَي الفظاظة ضدّ خصمه:

زغلول:

أبو ابراهيم٣٧ شاعر عا عيوني

بحقّ المعرفه سابق أوانه

كلامه مثل العطر الزيزفوني

بيروح الطيب أكثر ضيعانه

أنا باحب اللي بدّهم يطلبوني

على حرب التحدّي٣٨ ومهرجانه

يكون هيك يمّا يعذروني

لا يدعوني إذا غير هيك كانوا

إذا عا الكون كلّه ملّكوني

وعطوني عرش كسرى٣٩ وفهلجانه

من الزهرا عبيّة لبّسوني

من المارد٤٠ عطوني مرجانه

ما باقبل من علب٤١ يعهَدوني

بارك شخص فاقد اتّزانه٤٢

حكيته هون بيجاوب بجوني٤٣

واله ديْنَين عم تنمو بيدي

وحَي الله حكي يبرم لسانه

في الخاتمة التي تجيب على شحرور بالنسبة إلى جونية، يتحوّل زغلول قليلاً عن الطبيعة السياسيّة للهجوم السابق, فيحاول هنا تسخيف شحرور بهجوم شخصيٍّ بسيط: «واله دينين عم تنمو بيدي»، و«وحي الله حكي يبرم لسانه». في الواقع، إذا نظرنا جيّداً لافتتاحيّة زغلول، نلاحظ أنّه وإنْ كان يردّ على شحرور في المقطع الأخير، فهو لا يجاريه على الصعيد السياسيّ ويجعل الأمر مسألةً شخصيّةً فقط. وسنعود إلى ذلك.

أما طليع حمدان، فهو يتّخذ كعادته مواقفَ سياسيّة جازمة للغاية (كحليفه شحرور). فهو يمجّد الجنوب٤٤، ويطالب هو أيضاً بعودة موسى الصدر بألفاظٍ مؤثّرة. ويمجّد الشهداء والأسرى المسجونين في إسرائيل، ثمّ يهاجم حاملة الطائرات الفرنسيّة فوش في مقطعٍ مضحكٍ وشرس:

طليع حمدان:

أنا سيادة لبنان برموشي

شلوش الأرز هنّه من شلوشي

إذا جِرحي نزف قلبي تهنّى

إذا من تراب ضيعتْنا رشوشي

جبلنا الصرمدي بعزّه تغنّى

وصرخ أقوى من العالم جيوشي

ما بدّي ملوك وعروش بوطننا

صخوري ملوك وتلالي عروشي

يا فوش٤٥ اللي حقدك الغربي تعنّى

بدّك تُوقعي مهما تلوشي٤٦

فوش وبوش كانوا بعاد عنّا

إجونا عا البحر فوشه وبوشي٤٧

اسألي التاريخ وقت الل امتحنّا

الباشا٤٨ ردّ جيشك بالنعوشي

لا قدرْتي على سلطان٤٩ المطنّى

ولا على أدهم خنجر٥٠ قدرْتي تحوشي

عن الشاطي الل بدمّاتك تحنّى

إذا ما ترجعي يا سلاح فوشي

ببحر الأزرق الفزعان منّا

بدّنا نخارطك يا فوش عندنا

ونقلّ لك عا بحر الدمّ فوشي

هنا تبلغ لغةُ العنف الذروة. كان هذا العنف في الخطاب معروفاً في مناظراتٍ سابقة، تحت تعبير «الجَفَا» (حيدر ١٩٨٩، ٢٠٦). في الوقت نفسه، الرنّة المسلّية للقافية \وشي\ عنصرٌ فعّال لهذا الهجوم. والإشارة إلى سلطان الأطرش وأدهم خنجر تعني بوضوح الانتدابَ الفرنسيّ وتضامن كثيرٍ من اللبنانيّين مع الفكرة المثاليّة القوميّة العربيّة لسورية الكبرى، أي لرؤيةٍ تعاكس وجود لبنان كدولة - أمّة. ثمّ يتحدّى طَليع زغلول متهماً إيّاه بعدم احترام هواة الزجل، ويغتنم الفرصة لتكرار التحدّي الذي أطلقتْه فرقتُه للفرقة الأخرى:

طليع:

أنا ويّاك وحْياتك يا خلّه٥١

شعّار المسافات البعيده

لو منّا ليال الشعر فلّو

كانت وقعت الكلمه شهيده

بشعر الزجل مهما يصلّو

تا يوثّقو بكلمه جديده

لا فيهن روح من غصنك وظلّه

ولا من قصايد فيهن قصيده

ومنبرنا الل عطانا المجد كلّه

ينادي كلّ الابطال العنيده

اثنين وإثنين على المنبر يطلّوا

ياللي ما ينعم تحت يدك

أنا بخلّيه ينعم تحت يدي

كما نرى، هذا المديح للشعراء هو أيضاً مناسبة للدخول في «حرب التحدّي» التي تتجسّد أوّلاً في سلسلة القرّادي، وهي فقرات قصيرة للغاية قائمة على الارتجال والردّ واحدة بواحدة.

٢. سلسلة القرّادي

بعد ساعة من القصائد التمهيديّة حيث عبّر كلّ شخصٍ عن نفسه بطريقةٍ منفصلة وطويلة، تُحدِث القرّادي انقطاعاً مفاجئاً في إيقاع المناظَرة. بالفعل، هذه المقاطع القصيرة المؤلّفة من أربعة إلى ستّة أبيات «الردّات» تُلقى بالتناوب بين شاعرٍ وآخر، تجسّد المجابهة فعلاً: سيشترك الشعراء الأربعة معاً في المواجهة، ويردّ الواحد على الآخر واحدة بواحدة، اثنىن باثنين، أو أكثر. ويتنافسون بالفكاهة، تشجّعهم الجَوقة التي تردّد بحماسة كل آخر بيت من أبياتهم كلازمة. وكما في بدء الأمسية، شحرور يرمي التحدّي الأوّل: فيُتّهم زغلول بالاستمرار بالتحدّث بالفرنسيّة، في إشارةٍ مباشرة إلى فترة الانتداب الفرنسي (١٩٢٠)، ويدافع زغلول عن نفسه بشدّة:

زغلول:

الله خلّقني فنّان

وبحالي مانّي مغشوش

باغنّي وباحكي بالف لسان

ومش عا شبر ماي بفوش٥٢

لو راضيوني الأمريكان

كل شي بالدنيا قروش

ما باعطيهن من لبنان

من توتاتْنا زوج كبوش

نلاحظ أنّ زغلول في ردّه يستخدم نفس القافية التي استخدمها طليع عندما هاجم حاملة الطائرات فوش (في افتتاحيّته): وهذا حتماً ليس وليد الصدفة. حول الأميركيين يرد على طليع بالأحرى. لكنّ شحرور يردّ قائلاً إنّ المشكلة هي «أنّكم أحضرتُم الذئب إلى الحظيرة»:

شحرور:

حتى جروح اوطاننا يذيب

نحنا وانت بالمغطس

شبعْنا تهويد وتعريب٥٣

اللي تأمْرَك وتفرْنس

الديب عا نعجتك جيب

حطّ الواوي عا المكبس

لا بيتغيّر طبع الدِّيب

ولا بيجلس ذيل الواوي٥٤

«الذئب في الحظيرة» (الدّيب ع نعجتك جيب) هي بالتأكيد إشارةٌ مجازيّة لدولة إسرائيل وللتّحالف الذي عقدَتْه القوّات اللبنانيّة معها عام ١٩٨٢ - ٨٣، وكذلك «الثعلب الماكر (الواوي)» هي ربّما سورية حافظ الأسد. يجيب زغلول تابعاً نفس الاستعارة:

زغلول:

لبنان الل كان كلّه ديور

وعطرة زهر بستانه

صفّى لا ديور ولا زهور

يا حَينُه يا ضيعانه

حتى الأعمى يشوف النور

يحرس أرزِة لبنانه

للكرم نردّ الناطور

يضوّي البيت ودكّانه٥٥

نحنَ للديب المغرور

نوينا نكلّخ له سنانه

وإنت إن شا الله يا شحرور

عا قتل الواوي ناوي

يبدو أنّ هذه البلاغة تؤكّد نظريّةَ أنّ الذئب هو إسرائيل والثعلب هو سورية (بما أنّه يُفترَض أنّ السياسيّين المسيحيّين حلفاء إسرائيل وأنّ السياسيّين الشيعة حلفاء سورية). بصورةٍ عامّة، نلاحظ أنّ زغلول في موقف الدفاع، وأنّه يكتفي بالدفاع عن لبنان ودولته. لا يردّ حول صلاته بفرنسا، وبالمقابل، يدافع عنه زين ردّاً على هجوم شحرور، ولكنْ بمواربة:

زين:

احكي فرنساوي ولا تخاف

يا زغلول بهاداوي٥٦

حمدان بيحكي بالقاف

وما فيه قاف فرنساوي٥٧

ثمّ تتحوّل القرّادي التي بدأتْ حول السياسة ولو بشكل خفيف، إلى الفكاهة البحتة: فطليع يمازح زين قائلاً إنّه يغنّي كالمغنّي المصريّ محمد عبد الوهّاب. وزين يمازح طليع قائلاً إنّه لا يملك صوتاً جميلاً مثل صوت المطربة فيروز. ويردّ طليع محاولاً ربْط القاف بالمقاومة ضدّ فرنسا (الأمر الصحيح على الأقلّ في سورية، بما أنّ الدروز كانوا جزءاً كبيراً من هذه المقاومة وهم يلفظون القاف في كلامهم)، ثمّ ينتقل فجأةً إلى المزاح البحت، إلى الأغاني والمغنّيات:

طليع:

ميّاده٥٨ المليانه كنوز

بتسأل عنّي مش عنّك

لمّا تغنّي بتمّوز

يا شباط يضحك سنّك

وفيروز مسابح فيروز٥٩

نغمتها أشهَر منّك

شعري وحنّية فيروز

زرار وفاتو باعراوي

عندها يسخَر زين من تبجّح طليع إذ يقارن نفسه بفيروز. فيربطه بالنساء ويتّهمه (ضمنيّاً) بأنّه مخنّث. ويؤكّد حمدان في ردّه مديراً الهجومَ بشكلٍ نموذجيّ، مقارِناً نفسه بمنثورة تعانق وردة، ثم يسخر أيضاً من زين عبر صديق له، المغنّي سامي الصيداوي، ويدافع زين عن سامي الصيداوي ويعود إلى موضوع تخنّث طليع. وأثناء تحاور الشاعرَين يذكران أسماء موسيقيّين من الدرجة الثانية، للتهكّم على خصمهما. حتى وإن بدا هذا الجزء سطحيّاً، فقد تكون له وظيفةٌ خفيّة في الواقع، هي نزع فتيل العدوانيّة الملازمة للمناظرة وللتحدّيات التي أثيرتْ ضمنها، بتحويلها إلى هجومٍ شخصيٍّ بسيط، لا يؤدّي إلى نتائج. وهكذا تختتَم حلقة القرّادي.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
بين بلاغة التحدّي والتعبير عن النزاعات ١/٢

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.