العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

الشخصية المدمِّرة

قد يَحدث لشخصٍ يسترجع حياته١ أن يدرك أنّ معظم الالتزامات الأعمق التي كابدها في مسار تلك الحياة قد نشأتْ لدى أشخاصٍ يتّفق الجميعُ على امتلاكهم صفات «الشخصية المدمِّرة». ومن شأن ذلك الشخص أن يتعثّر بهذه الحقيقة يوماً ما، ربّما عن طريق الصدفة، وكلّما كانت الصدمة التي ألحقتْ به أثقل، تحسّنتْ فرصُه في تصوير الشخصية المدمِّرة.

لا تعرف الشخصية المدمِّرة إلّا شعاراً واحداً: أفسِح المجال، ونشاطاً واحداً: إزالة الأشياء من المكان. إنّ حاجتها إلى الهواء المنعش والفضاء المفتوح أقوى من أيّة كراهية.

الشخصيّة المدمِّرة شخصية مفعمة بالشباب والبهجة، فالتدميرُ يجدّد الشبابَ لأنّه يزيل آثار العمر، ويبعث البهجةَ لأنّ إزالة كلّ شيءٍ تعني للمدمّر اختزالاً تامّاً، بل حتى اجتثاثاً، لظروفه الخاصّة. لكنّ ما يسهم أكثر من أيّ شيءٍ آخر في تشكيل هذه الصورة العقلانيّة المتّسقة ( الأبولونيّة) للمدمِر هو إدراك المدى الهائل الذي يُبسّط به العالم عند اختبار استحقاقه للتدمير. هذا هو الرابط الأعظم الذي يضمّ ويوحّد كلّ ما هو موجود. إنّها نظرةٌ تتيح للشخصيّة المدمِّرة مشهداً من التناغم الخالص.

يعمل المدمِر دائماً بابتهاج. وتحكم «الطبيعةُ» إيقاعَه، على نحوٍ غير مباشر على الأقلّ، لأنّه هو من يجب أن يستأثر بالطبيعة، وإلّا فإنّ الطبيعة سوف تتولّى بذاتها عمليّة التدمير.

لا يرى المدمِّر أيّة صورة تحوم أمامه. احتياجاتُه متواضعة، أقلّها معرفة ما سيحلّ محلّ ما تمّ تدميره. ما سوف يحلّ، أوّلاً وقبل كلّ شيء، ولو للحظةٍ واحدة على الأقلّ، هو الفراغ حيث كان الشيء أو عاشت الضحيّة. لا شكّ في أنّه سيوجد أحدٌ ما يحتاج إلى هذه المساحة دون أن يشغلها.

التدمير والإبداع

يقوم المدمِّر بعمله كما الاخرون، على أنّ العمل الوحيد الذي يجتنبه هو العمل الإبداعيّ. وبينما يسعى المبدع إلى العزلة، يجب أن يبقى المدمِّر محاطاً على الدوام بالناس الشاهدين على فاعليّته.

الشخصيّة المدمِّرة إشارة. وتماماً كما تتعرّض إشارةٌ مثلّثة الأضلاع للريح من جميع جوانبها، كذلك المدمِّر يتعرّض للكلام الأجوف، ولا طائل لحمايته منه.

لا يأبه المدمِّر بأن يكون مفهوماً. وهو يَعدّ أيّة مساع في ذلك الاتّجاه على أنّها مساعٍ سطحيّة. ولا يسيئه سوءُ الفهم. بل على العكس، إنّه يستثيره، تماماً مثلما يستثير سوءُ الفهم العرّافين، أولئك الذين أنشأوا المؤسّسات التي تدمرّ للدولة. إنّ أحقر ظواهر البرجوازيّة، ألا وهي النميمة، لا تظهر إلّا لأنّ الناس لا يرغبون في أن يُساء فهمهم. يتغاضى المدمِّر عن سوء الفهم، فهو لا يشجّع النميمة.

الشخصيّة المدمِّرة عدوّ الرجل المعلّب. يبحث الرجل المعلَّب عن الراحة، وتمثّل العلبة جوهره. وفي داخل العلبة يحتفظ الرجل المعلّب بالأثر المبطّن بالمخمل الذي طبَعه على العالم. أمّا المدمِّر فيطمس حتى آثار الدمار.

تقف الشخصيّة المدمِّرة في الصفوف الأماميّة للتقليديّين. يمرّر بعض الناس الاشياء إلى الأجيال القادمة، بتحريم مسّها، ما يستوجب بالتالي الحفاظ عليها، بينما يمرّر آخرون المواقف، بجعلها قابلةً للممارسة العمليّة، وتصفيتها بالتالي. ويُدعى هؤلاء الأخيرون بالمدِمّرين.

للمدمِّر وعي الإنسان التاريخيّ، وأعمق شعورٍ لديه هو شكٌّ لا يُقهر بمسار الأشياء، واستعدادّ دائم للاقتناع بأنّ كل شيء يجري على نحوٍ خاطئ. لذا، فالشخصية المدمِّرة هي الوثوقيّة بحدّ ذاتها.

ترى الشخصية المدمِّرة أنّ لا شيء ثابت. لكنّها، لهذا السبب بالذات، تتبيّن الطُرق في كلّ مكان. وحيث يصطدم الآخرون بالجدران أو بالجبال، هناك أيضاً تعثُر الشخصيّةُ المدمِّرة على الطرق. ولأنّه يتراءى لها طريقٌ أينما كان، يجب عليها أن تزيل الأشياء من طريقها في كلّ مكان. وهي لا تزيلها دائماً بواسطة القوّة الغاشمة، بل بواسطة أكثر الوسائل تهذيباً أحياناً. ولأنّها تتبيّن الطرق في كلّ مكان، فإنّها تقف دوماً عند مفترق طرق. لا يمكن لأيّة لحظة أن تعرف ما ستأتي به اللحظة اللاحقة. ثمّ إنّها تحيل كل شيء إلى أنقاض، ليس من أجل الأنقاض بذاتها، بل من أجل الطريق التي تشقّها عبرها.

تعيش الشخصية المدمِّرة لا بدافع من شعورها بأنّ الحياة تستحقّ أن تُعاش، وإنّما لأنّ الانتحار لا يستحقّ العناء.

  • ١. Walter Benjamin (1892 - 1940): The Destructive Character, from Frankfurter Zeitung, 20 November 1931, translated by Edmund Jephcott in Selected Writings, Volume 2: 1927 - 1934 (1999)
العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.