العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

وليد صادق في «الطلل الآتي»

دليل اخلاقي للعيش في حرب متطاولة

مستحيلٌ تلخيص كتاب وليد صادق «الطلل القادم: محاولات من حرب متطاولة». منذ محاولة ترجمة العنوان تتبدّى الصعوبة. «the ruin to come» يكتب وليد، فلا ندري هل يشير إلى ثقة بهذا القدوم أم إلى رجاء، وهل نقول إنه مقبل (بما في ذلك من إشارة إلى البشاشة) أم قادم (مع ما في ذلك من قِدَم، رغم إشارته إلى المستقبل)؟ ويتكرّر ذلك مع كلّ فكرة وفي كلّ صفحة من الكتاب، فكيف نقول بالعربيّة «overliver» في اختلافها عن «suvivor»، أهي الناجي أم المتمادي في العيش؟ وكيف نقول النفي الذي يستعمله بكثرة «non-posthumous» (اللالاحق؟ غير التابع؟) ومثل ذلك كثير (unreconciled, unwelcomed,

unsummonable, unspeaking, unresolved, unassailable… etc. ).

ما يصعّب عملية العرض والتعريب هذه، رغم ضرورتها في تقديم فكر وليد صادق، أنّ النفي مقصود لذاته، وليس فقط لمضمونه. أنّ «اللالاحق» ليس «المحايث» بل هو فعلاً لا - لاحق، ومن النفي هذا تتولّد مفاصل هامّة في فكر وليد. كما أنّ اللغة العربيّة، بطبيعتها، ليست لغة سوابق ولواحق، بل لغة اشتقاق وطباق، ما يجعل نقل هذه المفاصل أكثر أهمّيّة بقدر صعوبته إن لم يكن استحالته.

رغم الإخلال الناجم عن الإيجاز والتلخيص والتعريب، فلنحاول إذاً توطئةً وبضعة أسئلة.

الطلل الذي لم نقله... بعد

يقترح وليد صادق في الكتاب الذي تشكّل على مدى نحو عقد من السنين سلسلة من المواقف التي تُبنى على قراءة أعمال فنّيّة وقصصيّة وروايات إنجيليّة وشهادات مقاتلين ومقاتلات وعِلم نفس، يتبدّى لقارئه أنّها تتطوّر أمام عينيه من المجال الفرديّ إلى الجماعيّ، وفقط عندها يمكن للصورة أن تكتمل وأن يصبح الكتاب مفتوحاً بحجم المدينة وشوارعها المتلوّية.

على المرء، المقيم في مجتمعٍ يحيا في حرب أهليّة متطاولة لأنّ بنيته هيكليّاً تنذر بتجدّد دورات العنف، أن يحوّل الخراب الناجم عن عنف الحرب إلى طلل، والطلل هو ما يقف عنده الشعراء فيقولون. وشرط التحويل إذاً هو القول، إلّا أنّ القول مستعصٍ إن لم يكن من خلال عمليّة المثول في حضرة الجثّة، حرفيّاً، دون تغطية الجثّة، بوصفها فائضاً لا ندري ما العمل به١، بأيّ شعارٍ دينيٍّ أو سياسيٍّ أو عقيديٍّ٢. الجثّة الثقيلة أمام أعيننا واسم القتيل الملتصق بالمتحلّقين حوله شرط الوصول إلى حالة الصمت وبهت الفكر وحيرته، وربّما من هذا الصمت يتولّد القول٣.

على المرء أن يحمل هذه الجثّة وأن تتقدّم رجلاه في مكانه كما لو أنّهما تحفران هذا المكان، الجثة تعيد تشكيل هذا المكان. الصمت ما بين الجثّة والدفن هو أيضاً مرحلة تعليق الصفات٤. الأرملة لم تكتسب بعد هذه الصفات، ولا الوريث، لم نشهر اتّهاماً بالقاتل ولم يصبح أحدٌ شاهداً. ليست الصفات سائلة، بل هي لم تهبط بعد على حلقة الماثلين في حضرة الجثّة. بل قد يكون علينا أيضاً أن نعلّق كلّ حكم آنذاك٥.

المكان الذي صاغتْه الجثّة ينْعجن بزمن الحرب المتطاولة، بخبرات مَن استمرّوا على قيد العيش دون أن يفارقوا زمن الحرب، الناجين مجازاً لأنّ النجاة أيضاً صفة، هو المكان الذي لا تستطيع العين أن تعاينه إلّا متى امتلأت به، إلى حّد أنّها تفارق الإدراك، تصبح حاسّةً خالصة، عضواً جسديّاً ملامساً لما يقع عليه، رماداً، عيناً عمياء كجثّة٦. كأنّ العين تنفصل عن الدماغ٧. مثلما لم تهبط الصفات على الحاضرين، لم يهبط معنى على المشهد. مثل هذه العين لن تعود من انفصالها إلى خارج الإدراك، ولن تنفع شاهداً.

الشهادة أصلاً غير نافعة في مجتمعٍ يمنعها، بنيويّاً، لأنّها لا تفعل غير إعلان سرٍّ شائعٍ (الحرب وقعتْ وفيها فظائع، الكلّ مستعدٌّ للإجرام... إلخ.)٨. ما قد يكون نافعاً، بحسب وليد، هو ذلك الظهور المتقطّع، كالنبض، لمن استمرّ حيّاً دون أن يصبح لاحقاً لزمن الحرب، ذلك أنّ مثل هذا الكيان، متقطّع الظهور تكراراً لأنّه ليس فرداً بل احتمالٌ زمانيٌّ، يمتلك معرفةً غير مرحَّبٍ بها دون أن يمتلك رغبةً بإشهارها ولا بأن يصبح لها «كاتباً» (أي صاحباً لروايتها، بمعنى آخر شاهداً حيث الشهادة الحضور والقول...). عدا غياب الرغبة بالإشهار والبَوح والنسبة إلى صاحب، يتقدّم الناجي غير اللاحق في المكان المفعم بزمانه بإصرارٍ فقط على الوجود والاستمرار، يجمعه الخوف إلى مثيله ويجمعهما تشكيك أصحاب الصفات (الحكّام، الشهود، المعتقلين السابقين، المجرمين، والضحايا) بأسباب استمرارهما دون تورّط سابق٩. مثل هذه المعرفة غير المرحّب بها المكتَنَزة جرّاء عيش الحرب المتطاولة١٠، يقول وليد، والتي يحملها ذلك الذي استمرّ، فقط، ربّما تولّد قولاً يحيل الخراب طللاً ويسمح لنا بالعيش فيه. لذلك يلزم جهدٌ طويل يسمّيه وليد «عمل الطلل»١١ (labor of ruin).

المكان المفعم بالزمان، chronotope بحسب باختين١٢، هو ما يبحث عنه. المدينة نفسها، أي بيروت، قد تقيم خارجها، في الجنوب مثلاً أيّام الاحتلال، يقول وليد مستقرئاً إلياس خوري١٣. يقيم فصلاً ما بين المتاهة والملتوية (وقد اقترحتُ «المتلوّية»، لأنّ وزنها يعني استمرار التلوّي) أي بين maze و labyrinth حيث الأولى ما يقع فيها التيهُ، أمّا الثانية فهي ما لا تسمح بالخروج ولا الدخول١٤. في مدينة متلوّية إذاً علينا أن نترقّب ظهور ذلك المستمرّ في العيش دون أن يصبح لاحقاً على زمن الحرب كي تسمح معرفته المنبوذة المكتنزة من الحرب، الشاهد الذي له فيض معرفة١٥، دون أن يبوح بها أو يشهرها، لنا بأن نغوص في المتلوّية ونتقدّم في حضرة الجثّة نحملها على أكتافنا، مثل إنياس في الإنياذة١٦، فيما تحترق أعيننا من التماسّ مع ما يحيطنا دون قدرةٍ على تحويله إلى مشهدٍ مُدرَك، لعلّ ذلك يسمح لنا أخيراً، بعد أن يبهت الفكر ويحتار صامتاً، بأن نقول ما يحيل خراب الحرب المتطاولة بنيويّاً إلى طلل يمكن فيه العيش.

مصادرات زمن العام ٢٠٠٥

ليس ما يقوله وليد صادق شبيهاً بالقول أنّ العدالة الانتقاليّة والاعتراف بالجرائم هما ما كان ينقص التجربة اللبنانيّة، لأنّ الكاتب يعرض أساساً الأسباب البنيويّة التي تمنع مثل هذه العدالة١٧ عبر منع الاعتراف عن التحوّل إلى شهادةٍ حقاً لكونها لن تكون أكثر من إذاعة سرٍّ شائع، وعبر منع الذاكرة عن العمل (labor): «عمل النسيان»١٨ و«عمل الحِداد»١٩ وقوّتهما من خلال تغذية انتقائيّتها وانتقاميّتها والاستمرار في شيطنة الآخر حرصاً على إمكانيّة تجديد العنف معه٢٠. في فصول الكتاب المكتوبة بعد ٢٠٠٥ يشير وليد صادق إلى أنّ الزمن الذي يقترحه حزب الله وتيّار المستقبل، على حدٍّ سواء، زمنٌ يصادر على إمكانيّة تحويل الخراب إلى طلل من خلال الإقامة أبداً في زمنٍ مقاوم لا ينتهي، أو من خلال المصادرة على المستقبل والانتظار الخلاصيّ لحلول العدالة في نهاية الزمان٢١.

يقترح وليد صادق إذاً على الفنّانين أن يجترحوا زماناً مختلفاً عن زمن حزب الله وتيّار المستقبل٢٢، غير أنّه لا يشرح أنّى لهم ذلك ومن أين لهم بإنتاج زمن يصبح زمناً عامّاً، مفروضاً على الجميع، أو فلنقلْ مرغوباً من المجتمع لجاذبيّته. ولا يشرح أيضاً كيف لأحدٍ أن يقترح زمناً موحَّداً على الاجتماع اللبنانيّ الذي فرّقتْه تجارب الحرب، مثل حرب ٢٠٠٦ ٢٣، مولّدة تجارب وأزمنةً مختلفة بين مَن كانوا تحت القصف ومَن كانوا متفرّجين.

أعتذر مجدّداً عن الخلل الذي يتبدّى في مثل هذه التوطئة الوجيزة، التي لا تفي بحقّ ثراء أفكار الكتاب وتدفّقها، ومساءلتها من هذه الزوايا أعمال كلّ فنّاني ما بعد الحرب تقريباً في لبنان، بحيث يكاد يكون الكتاب ثبتاً بأسمائهم (أكرم زعتري، زياد أبي اللمع، مروان رشماوي، جوانا حاجي توما وخليل جريج، لميا جريج، غسان سلهب، طوني شكر، وغيرهم) وأسماء من نظّروا للفنّ في تلك الفترة (جلال توفيق، بلال خبيز، وغيرهم) أو كتبوا عنه في الصحافة (نزيه خاطر، محمد الحجيري، يوسف بزي، وغيرهم) ومن كانت لهم إسهاماتٌ عن الحرب (إلياس خوري، وضّاح شرارة، سمير قصير، فواز طرابلسي، حسن داود، برهان علوية وأحمد بيضون، وغيرهم)، فضلاً عن نقاشها عشرات الكتب واستقرائها منحوتاتٍ وطوابع وروايات رسميّة وشهادات مقاتلين سابقين أو معتقلين تعرّضوا للتعذيب وعادوا ليكتبوا كتباً، في الأعمّ، خَلاصيّة الطابع تمرّ بالآلام على وعد القيامة٢٤. لكن لا مفرّ من مثل هذه التوطئة إن شئنا مساءلة الكتاب نفسه. إذ يتبدّى لي أنّ هاجسه الأساسيّ، في العمق، هاجسٌ أخلاقيّ فوق ما هو سياسيّ أو اجتماعيّ أو فكريّ أو فنّيّ.

ارتباكات القارئ وانتظاراته

يتسبّب الكتاب في عدد من الارتباكات لدى قارئه، فإنْ كان وليد يبذل جهداً خارقاً في نقاش كلّ روايات الشهود على الحرب تقريباً (صنيفر، وسعادة، والشفتري، وخبيز، وخويري، والعلم، والقنطار وسواهم)، فإنه يقوم بذلك ليخلص إلى القول بأنّها لا تعبّر عن المعرفة المنبوذة المكتنزة عن الحرب المتطاولة، إمّا لأنّها مستعجلة٢٥ أو خلاصيّة الطابع٢٦ وفي كلا الحالين لا تترك مجالاً للحوار (الصامت أو تحديدا الحوار مع صمت الغائب الذي لا يمكن أن يعود٢٧) معها بل تريد أن تدلّ قارئها على طريق صاحبها وشهادته واستشهاده (ألم يقل جوزيف سعادة إنّه كان واثقاً أنّ لا شيء سيصيبه لأنّه أصلاً مات في ١٩٧٦ ٢٨). إلّا أنّ تعريفه لمن يحمل مثل هذه المعرفة المنبوذة هو أصلاً تعريف يمنع عنه الرغبة في الإشهار وفي النسبة إليه. تالياً كل نص مكتوب عن الحرب، بمجرد توقيعه إذ كل إعلان يؤطر صاحبه في صفة ما، يصبح خارج إطار هذه المعرفة٢٩. ذلك لأنّ التوقيع يعني حَمل الاسم المعيّن والصفة المحدَّدة (المُقاتل، المجرم، التائب، المخلّص، الشهيد، المعتذر). هذا، مع الرغبة في الإشهار، يمنعان سلفاً احتمال الوقوع على المعرفة المنبوذة بشروط صاحبها، اللا - لاحق، كما حدّدها وليد، خصوصاً أنّ حمْل أيّ صفة يمنع تعليق الصفات، وأنّ الرواية مستحيلة ما لم تردْ «عن» راوٍ.

الارتباك الثاني ينجم عن ملاحظة وليد صادق أنّ أمثال هذا المستمرّ في العيش غير لاحقٍ على زمن الحرب، أو يسمّيهم أحياناً الناجين / الشهود، كثيرون جدّاً يعصون العدّ٣٠. فإنْ كان الأمر كذلك فلمَ لم نستطعْ أن نتعرّف عليهم؟٣١ وبصورة أكثر أهمّيّة لماذا لم ينتج من ذلك قيام الطلل الآتي برغم وجودهم؟ إلّا أنّ تكون الملاحظة على سبيل الاحتمال، وهو ما لا يدلّ عليه ظاهرها، وأنّ صورة المستمرّ غير اللاحق هذه إنّما هي أيضاً مجرّد احتمالٍ تاريخيٍّ لا يتعيّن حتى في هؤلاء الأفراد رغم وجودهم واستمرارهم وعدم حيازتهم لأسماء أو صفات ولا لرغبة في البوح والإشهار ولا الخَلاصيّة. والواقع أنّ وليد صادق على حقٍّ في النظر إلى الطبيعة التكراريّة٣٢ للحروب الأهليّة الناتجة من بنية النظام الاجتماعيّ السياسيّ في لبنان٣٣، غير أنّه لا يوضح كيف أنّ قيام الطلل الآتي والظهور المتقطّع لللا - لاحق قد يستطيع تغيير هذه البنية وشروطها، وليس فقط أن يكون ممانعاً لها أو للدّقّة غير منسجمٍ مع متطلّباتها. على الصعيد الفكريّ أيضاً، يحاول وليد صادق الخروج من ثنائيّة الطلل / النصب لنجد أنفسنا معه في ثنائيّة الطلل / الخراب٣٤، فهل من إمكانيّةٍ للعيش خارج هذه الثنائيّات بالكامل؟

أمّا الارتباك الثالث فينتج من النظرة إلى شخصيّة «اللا - لاحق»، غير التابع زمناً على زمن الحرب ولكن غير المحايث لها، فهذه الشخصيّة آخر الأمر لا تفارق ذلك الزمن. وهو ليس زمناً جذّاباً بما فيه الكفاية كي ينتشر على مجتمعٍ تتقاسمه أحلام العظمة والإذلال والمقاومة المسلّحة. ما يقترحه علينا وليد صادق هو الإقامة صامتين في زمن حضور الجثّة في انتظار لحظة الحيرة التي قد تفتح باب القول ومن ثمّ باب قدوم الطلل محلّ الخراب. غير أنّه لا يمنحنا مفاتيح عن طول مدّة مثل هذه الإقامة، اللهم أنْ يكون الحوار فيها مع الغياب أبديّاً٣٥، بل إنّه لا يمنحنا حتى نظرةً مختلسة إلى العيش في زمن الطلل نفسه. زمن الطلل ليس خلاصيّاً إلّا أنّه يسمح بعيشٍ مختلف، ربّما في عدم الخلاصيّة امتيازٌ لغياب الوصف الذي يقدّمه وليد صادق بالمقارنة مع غياب وصف زمن الشيوعيّة لدى ماركس. لكنّ ذلك لا يعفينا إذاً من التساؤل، مرتبكين، عن السبب الذي قد يجذب المجتمع اللبنانيّ الآن إلى زمن الجثّة غير الجذّاب، على أمل الانتقال إلى زمن الطلل غير الموصوف، مروراً بمرحلةٍ غير محدّدة المدّة من الإقامة في صمت وحيرة الفكر والحوار الباطنيّ مع الغياب. بل إنّ مرحلة الانتقال من زمن الجثّة إلى زمن الطلل، في حدّ ذاتها، غير معرّفة ولا موصوفة سوى بأنّ قولاً ما سيسمح بها. كأنّ وليد صادق يقول إنّ ليس بالإمكان وصف الخروج من مرحلةٍ لم نبدأ بعدُ بعيش مطلعها.

المسألة أخلاقيّة

يلوح لي أنّ وليد صادق، في العمق، يبحث عن حلٍّ لمسألةٍ أخلاقيّةٍ أوّلاً، أن يكون لبنانيّاً ومستمرّاً على قيد الحياة وسط ما حصل من مجازر، أن يرتق الفصل الذي أنتجتْه الحرب بين الموتى والأحياء، وما فصله العنف في داخل النفس المشقوقة، وكلمة «رَتق» suture كثيرة التكرار في الكتاب٣٦. ربّما أيضاً الهاجس الأخلاقيّ بأن يكون «فنّاناً غير لاحقٍ على زمن الحرب» non-posthumous artist إذا ما جاز لنا القول حاذين حذوَه، كي يتمكّن من تجاوز معضلة النجاة ذاتها وتفادي أن يتحوّل إلى فنّان مشرفٍ من علٍ على مشهد الحرب يبيع زمن الحرب وقصصها مقابل الوصول إلى التكريس في المهرجانات العالميّة ودوائرها النقديّة وفوائدها الماليّة٣٧. فبلورة كلّ هذه المفاهيم الثريّة التي يصنعها، رغم الارتباكات التي تتسبّب بها بعض جوانبها لدى قارئه، إنّما هدفها وقاية فنّه من أن «يستغلّ» الحرب (أي أن يطلب غلالها)٣٨، وقراءة فنّ الآخرين وكتاباتهم بحسب هذا المعيار، ولذا يطرح على نفسه وقارئه معضلاتٍ أخلاقية ويحمّل نفسه، ومجايليه، مسؤوليّاتٍ ضخمة ينوء تحتها حامُلها وتحرسه في آن واحد.

يبعث كتاب وليد صادق، دون أن يكون تأريخاً، أمام أعيننا تلك المرحلة فائقة الحيويّة والغنى من عمر الفنّ المعاصر في لبنان، ما بين أواسط التسعينيّات حتى اغتيال الحريري وحرب ٢٠٠٦، التي ختمتْ مرحلةً وابتدأت أخرى من هذا الفنّ. ربّما كان الأوان قد آن، بعد عشر سنوات على تلك الحرب، كي يجمع وليد صادق هذه الدراسات والمقالات في كتاب، كما جُمِع الزمان ذلك واختتم، ولعلّه الآن يبدأ أيضاً مرحلةً أخرى من العسير توقُّع مساراتها.

وانتبهتُ، عندما انتهيت من قراءة الكتاب، أنّني لم أسأل وليداً يوماً، خلال عشرين عاماً، أين كان أيّام الحرب الساخنة في السبعينيّات والثمانينيّات من القرن المنصرم (وقد عرفْته في أواخره)، ولا هو يوماً حدّثني عنها من تلقاء نفسه. لكأنّما هو يحدس بأنّ على مثل تلك المعرفة أن تظلّ مكتنزة، ألّا تصير بَوحاً، وأن يمحى اسم صاحبها حين يحملها، لعلّ هذا هو السبب في بياض الغلاف وغياب اسم الكاتب عنه.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
دليل اخلاقي للعيش في حرب متطاولة

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.