العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦

عند حدود الـ٣١

١

تقترح عليّ رفيقة الدرب، التي لطالما رددنا معا أمنيتنا المشتركة لوكنا مثليتيّن، لوأحببنا بعضنا البعض، لكانت حياتنا أفضل : كنا تشاركنا الملابس والأذواق والمنزل، وساهمنا بتطوير بعضنا البعض، ودعمنا مشاريعنا معا! لكننا ما كنا لنرتاح من وطأة الوقت. ما كنا لنرتاح من السؤال المتكرّر من عيون الأهل، وديدانهم تنبثق من ألسنتهم، عن موعد الزواج والحمل وسنّة الحياة. تقترح عليّ رفيقة الدرب أن اكتب عن الموت، لأني في حال منه وفيه، ولكني حيةّ وعاشقة. تقترحه، لأني ابتعدت عن فكاهتي، ولبست المدى وكبرت إحدى عشر سنة في أسبوعين فقط، وقتلني ابني البالغ من العمر عشرين عاماً. تثيرني فكرة أن أكون مدى، وأن أخبركم بها، ولكن لا علاقة لمدى بكل ما كتبته سلفاً، في الجزئين السابقين، كما أنني حقا قدمت جسدي قربانا لاحميها من الديدان.

أموت لأنا لتحيا هي.

لا يمكن أن اسمح لنفسي أن استهلك مدى فقط لأني أبحث عن مقدمة تشدّ قرائي! إنها لم تنضج بعد!

 

٢

دائما ما كنت أعاني من اختيار المقدمات والنهايات والعناوين وقدّمت صلب الموضوع مباشرة دون إنذار مني أوتصميم!

دائما ما أعجبني خطئي إذا اتفقت عليه وأصدقائي أوأساتذتي. أعشق رحلة المؤامرة على الأخطاء وأحداث الثورات فيها جذريا، كتغيير النظام من داخل منظومته النواة. في الحقيقة، لقد كتبت الجزء الثالث من سلسلة "الميرم" ولم أحبه على الإطلاق، ووجدتني فارغة كليا، وتزامن ذلك مع رحلتي إلى "برلين"، المدينة التي لم أتحمسّ لزيارتها كثيراً إلا أنني استمتعت بها كثيرا! حسناً، أنا مؤخراً لا أتحمّس لأي شيء على الإطلاق.

أثناء الرحلة، بدأت بتجميع الكثير من المواد والتي باتت هي الأخرى تحبل بمواد جديدة ومتجددة، وصار عندي في رأسي مقدمة مناسبة وعظيمة لبدء الجزء الثالث. إلا أنّ الذاكرة خانتني كلياً والوقت بدأ يتسمّ بسمات الخذلان، فما كان إلا أن أعدت قراءة ما كتبت وأجريت التعديلات عليه!

وافقني أستاذي وصديقي الجديد وأختي العتيقة بأنّ كل ما أضفته جميلاً وما اختزلته من القديم باليا، يكاد يكون سردا لا طعم له ولا لون، أي لا فائدة منه! وفي الحقيقة انتظرت رأي فرساني الثلاث، واستمتعت من فكرة المؤامرة هذه على كلماتي، وأخذت القرار بعدم الإعادة أوالاستعادة، بل بالخلق، والخلق يتجلّى بنهار الأحد صباحا، في السرير الكبير الفارغ مني أيضاً، تحت شباك رومانسي، يغتاله حائط أبيض وجهاز التكييف الصدئ الذي لا يعمل.

لكني الآن أصر على ترتيب الحالة المناسبة للكتابة:

الشاي بالنعناع؟ موجود!

شي ما تأكلينه إذا صرخت المعدة المقرّحة؟ موجود!

الهاتف؟ موجود

انتهت اللائحة بالنظر الى أظافري غير المقلمّة بتاتا، وشعرتين من شاربي اللتان اشعر بمظاهرتهما وخروجهما من تحت الجلد!

٣

في هذه الأيام يشغلني كثيرا التفكير بالهوس!

الهوس!

كم رغبت أن أعاني منه، وأن اعرفه، حتى دقّت "مدى" بابي ودخلت رحمي فحملت بفكرتها واختفيت.

ماتت مريم بأول ظهور لمدى وكم هما مختلفتان. أصلاً لا تحاول الواحدة منهما أن تحلّ مكان الأخرى، ولكن لن يدوم ذلك، فستموت مدى في كذبة نيسان/ إبريل 2017 وتعود مريم الى السطح العائم.

ستعود مدى الى قبرها في دير الزور، وتعاود مريم الخروج من رحم من ولدتها بين يديّ الداية!

هذا المقال متوفر للمشتركين فقط. إشترك هنا.

العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦