العدد ١١ - ربيع ٢٠١٥

٢٦ مارس ٢٠١٥

أفتح عيني وأتذكر البداية

النسخة الورقية

كل الطرق تؤدي إلى الموت، هذا ما خبره اليمنيون اليوم وهم يحصدون سنوات الموت والرعب دفعة واحدة، من دون أن يقدروا حتى على التقاط الأنفاس، بعدما اختبأ السياسيون ومُشعلو الحرائق وملوك الطوائف في جحورهم الظليلة، وتركونا جميعاً لعين العاصفة نهباً لحرب قامت تحت جلدنا وستعرّش في ذاكرتنا القريبة والبعيدة. أفتح عيني وأتذكر البداية، أتذكر العين التي اتسعت فوقنا، كثقب في مدار الكون: الساعة الثانية والنصف من فجر الخميس ٢٦ مارس/ آذار ٢٠١٥: الكهرباء مقطوعة والظلام حالك في الشقة، فقط نور خافت للقمر يتسلل من نافذة غرفة المكتب ويعكس وجومنا الحزين. أطلّ من النافذة على شارع هائل ويفزعني الصمت. كل شيء أصبح مطفأ، ليس شارعنا وحسب بل كل المدينة مطفأة. منذ أشهر والناس ينتظرون فاجعة ما، لكن أحدنا لم يفكر أن الأسوأ قد أتى أخيراً، ولم يعد بيننا وبينه إلا مسافة ذلك الليل المتجهم.
جلستُ أنا وزوجي حول المنضدة، متحلّقين حول فنجاني قهوة ورماد السجائر، نتشمم رائحة حرب وشيكة تحملها نسمات الليل، ونداري خوفنا الذي كان يكبر كل يوم. نتحدث عن الأصدقاء الذين تركوا بيوتهم ورحلوا، ونفكر متى سيحين دورنا. غير أن فكرة النزوح مرعبة، توقظ خوفك البدائي من العراء والتشرد. توقّف النقاش على أزيز طائرة، ثم دوي انفجار «بم بم». قال زوجي: «لقد بدأت الحرب». هكذا إذاً بدأت الحرب، فجأة وبدون مقدمات، وفي قواميس العتاة والمجرمين، لا تحتاج لإشعال حرب سوى إلى نية الفتك أو الانتحار، كما فعل الحوثيون وعلي عبدالله صالح على مدى أشهر طويلة في حربهم ضد اليمنيين العزّل. وفي صراعات الأقوياء، لا خيار للشعوب في قرار الحرب، إذ تبدو فكرة الحرب مغرية وهم يشعلونها كما يشعلون سجائرهم، ولا يفكرون أن هناك شعوباً معطوبة من القتل والموت الذي خبرته كما خبرت ملامح أبنائها وِسَير أبطالها، شعوب تكره الحرب وتريد أن تعيش ولو لمرة واحدة حتى بنصف سلام مؤقت، غير أن تحالف الأقوياء في «عاصفة الحزم»، لا يفهم هراء الشعوب وأحلامها، فهو يريد تأديب الحوثيين وإعادة الرئيس الطيب منزوع الحيلة عبدربه منصور هادي إلى رأس السلطة اليمنية، كما أخبرنا خبراء عاصفة الحزم. لكن ما يحدث على الأرض كان مختلفاً جداً عن كل النوايا الطيبة التي يصدرها إعلام الحرب، إذ تعاظمت الانفجارات وهزّت المدينة في ذلك الليل القديم، وتصاعدت النيران في أماكن متفرقة من صنعاء. كان الصوت أسرع من قدرتنا على فهم ما يجري، والجحيم أقرب من القيامة، ثم دوّت مضادات الطيران في سماء المدينة، ولعلعةُ الرصاص تُرجّ رؤسنا في كرنفال الموت الذي دُشّن حينها وأيقظ الأهالي من هناءة نومهم وركضوا إلى الشارع كفئران مذعورة. شاهدتُ لمعةَ سجائرهم وغضباً كسيحاً يتسع في عيون أشاخها الرعب، إنه ليل القيامة.
في ليل القيامة الذي توالى دائماً وبلا انقطاع، لم يفلح اليمنيون حتى في لملمة أوجاعهم من حرب خارجية وأخرى داخلية لا ناقة لهم بها ولا جمل: حروب طاحنة تحصد أرواحهم وسلامهم، وتركتهم كحيوانات نافقة معروضة للفرجة والتكهنات في ساحات التبارز الإقليمية والدولية، حروب لم يختاروها قطّ وإنما اختارها الآخرون بالنيابة عنهم ليجدوا أنفسهم في عين العاصفة. يصحون كل يوم على تفاصيل مختلفة للرعب، يتلمسون بغضب ما خلّفته غارات التحالف: قصف مطار صنعاء وعدن وتعز والحديدة. قذيفة تخطئ وتسقط على مزرعة قرب مطار صنعاء فتميت أسرة بكاملها. قصف على مدينة حجة تخطئ قذيفةٌ فتسقط على مخيم للنازحين في محرز ويموت عشرات النازحين، قصف على معسكر الدفاع في الحديدة: تخطئ قذيفة وتسقط على مصنع الألبان ويموت عشرات من العمال وهم يحاولون الهرب. قصف على معكسر في تعز، تخطئ قذيفة فتصيب قرية للمهمشين (الأخدام) في ماوية يروح ضحيتها عشرات الفقراء، قصف في صعدة يسقط ضحيته عشرات من المدنيين. قصف في فج عطان في صنعاء يروح ضحيته عشرات من المواطنين الذين ماتوا إما بتهدّم السقوف على رؤوسهم وإما اختناقاً بغازات الكلور. قصف على ناقلة للغاز وقاطرة للبُر والحبوب وعلى مخازن المواد الغذائية. قصف على معسكر العَنَد على الطريق بين لحج وعدن، تسقط قذيفة على مصنع الإسمنت فيسقط ضحايا مدنيون حوّلتهم نشرات الأخبار إلى مجرّد أرقام. وكالمعتاد يتقاذف الإعلام المؤيد للعاصفة والإعلام المؤيد للحوثي وصالح الاتهامات حول المتسبب في القتل، ولا أحد من الطرفين لديه ما يكفي من الإنسانية أو الحياء لتركنا نحصي موتانا ونبكي على هذا الخراب اليمني الجديد.

 

السلاح لغة

لا تفهم جماعات الرب وأنصار الإله سوى منطق القتل والكراهية، حتى لو أحرقوا كل اليمنيين من أجل سموّ العقيدة المخادعة وأوهام السيادة الوطنية التي باعوها أولاً بأوّل. لم يقاوم الحوثيون وقوات صالح غارات التحالف ولم يفكروا في إيقاف حروبهم على اليمنيين لتجنّب العدوان، بل استمرّوا في وحشيتهم في كل شوارع مدينة عدن وأزقتها: خور مكسر، كريتر، التواهي، القلوعة، المعلّا، الشيخ عثمان، البُريقة. الحوثيون وقوات صالح يدشّنون حروب الإبادة ضد أبناء المدينة المسالمين، يقصفون المنازل ويقتلون الأهالي. قائمة الشهداء تتسع لتصل إلى أكثر من خمسمائة شهيد في عدن وآلاف الجرحى. أبناء عدن يحملون السلاح للدفاع عن حياتهم، اللجان الشعبية المؤيدة لهادي تشتبك مع الحوثيين وقوات صالح، أسر وأسر آخر، حروب شوارع، القناصة في أعلى سطوح المنازل يحصدون أرواح اليمنيين. منظمة «أطباء بلا حدود» تعلن عدن مدينة منكوبة و«الصليب الأحمر» ينادي بوقف الحرب لكن جيوش البرابرة لا تبالي. تستمر المواجهات والعنف والقتل في عدن والضالع ولحج، مساحة موغلة للموت اليمني الذي ينفّذه الحوثيون وصالح بدم بارد.
يمتدّ الموت أيضاً إلى مدينتي، تعز، التي لم تبرأ من جراح المنتقمين منذ أشعل أبناؤها ثورة العام ٢٠١١. هي المدينة المنهكة أكثر من أي مدينة أخرى في العالم، تعرّضت هي الأخرى لاستباحة مليشيات الحوثي وصالح وفرض حصار خانق على أبنائها الذين تركوا كل تراثهم السلمي وتسلحوا بعدما طال الموت كل شيء في هذه المدينة في دروة جديدة للعنف. السلاح لغة الشارع اليمني الآن، يتحدث بها الشباب والأطفال والنساء في لياليهم المظلمة.أتصل بأمّي بعد غارات عنيفة على المدينة، يجهش صوتها بحرقة وهي تصف القذائف التي سقطت في حيّنا، حي الصحابة، مات عدد من أقربائنا والجيران، أقول لها أن تنزح هي وأبي إلى قريتنا البعيدة في أعالي جبال الحُجَرية، ترفض أمي فكرة النزوح: سأظل في بيتي وسأموت في هذه المدينة. لا أعرف ماذا أقول عن جغرافية الموت التي تتسع كل يوم لتجعلنا جميعاً موتى محتملين، لا أعرف ماذا أقول لخوف أمي وحزنها وقلّة حيلتنا معاً، هي فقط هوّة تتسع في قلبي وأبكي من هذه التغريبة اليمنية الحزينة.

السلاح لغة الشارع اليمنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي الآن، يتحدث بها الشباب والأطفال والنساء في لياليهم المظلمة.

الكتابة تحت عين القنّاص

القصف على رؤوسنا، والحرب الداخلية مستعرة في كل جبهات الوطن، في كل الجغرافية اليمنية المنكوبة، التحالف العربي والحوثي وصالح يحرقون ما تبقى من سفن النجاة، في حين يقف غالبية اليمنيين متعبين من حماقة الأطراف التي أدخلت اليمن في أتون حرب طويلة لن ينجو منها أحد. كجماعة لا حول لهم ولا قوة ولا صوت، يقف غالبية اليمنيين رافضين التدخل السعودي والإيراني وأن يصبح وطنهم ساحة لصراع دولي، يرفضون هذا الأذى المزدوج، هذا الجنون المضاعف، هذه النهايات المفتوحة على الدمار. لكن في هذا الزمن العصبوي المريض، زمن الاستقواء بالخارج والولاءات العابرة للحدود، زمن السلاح والعنتريات، فإن صوتهم، صوت اليمنيين، صوتنا الحزين، الواهي، الحالم، الضعيف، يحبس في عمق الزجاجة، فلا أحد يريد سماع الصوت الصارخ بالبرية معرّياً زيفهم وقناعاتهم المدمّرة.
لا ماء لا كهرباء. نضبت كل مقومات الحياة كما نضبت حياتنا، لا ديزل أو بترول أيضاً لنفكر بالنزوح، لا موادّ غذائية كافية لجموع المذعورين من الجوع الذي بدأ ينهش بطون أبنائنا. لا حياة آدمية في اليمن، فقط القتل والقتل الآخر، الذعر والكراهية والفزع. أنت وأنا وهي وكل اليمنيين في عين عاصفة لا ترى ولا ترحم، في عين حقد جماعات لا تعرف سوى الموت والدم. الكهرباء مطفأة في اليمن منذ أسابيع. أنا وملايين اليمنيين مقطوعون عن العالم في جزيرة مظلمة، أحمل اللاپتوب وأنزله إلى البقالة ليُشحَن، ثم أعود وأبدأ بالكتابة، أمرّن نفسي على اعتياد فكرة الحرب والتعايش مع يومياتها. لكن كيف أستطيع الكتابة عن الحرب الداخلية والعدوان، يوميات قتل اليمنيين على يد الحوثي وصالح وقوات التحالف، يوميات الجوع والفزع والخوف والكراهية، دون أن أغرق في الكآبة والبكاء؟ كيف أنفذ بحياد مسالم إلى عين القناص الذي قتل الدكتورة نيفين جمال وهيفاء زوقري وصابرين ورفيقي عبدالحليم الأصبحي؟ كيف أنفذ إلى اللحظة الأخيرة في عيون الضحايا الذين باغتهم سقوط الأسقف على رؤوسهم، حينما قصفت قوات التحالف فج عطان، ولم يمهل الأبناء حتى لوداع أبيهم.

أنفذ إلى قعر نفسي ولا أجد غير الظلمة، أرفع رأسي ومشاهد القتلى والدماء في كل بيت عدني وتعزّيّ تسقطني في الكآبة مجدداً، لكنك أحياناً تحتاج إلى أن تواجه طرق الموت المحتملة وتخرج إلى الشارع لترى ما تبقى من الخرائب والموت في طرقات المدينة المهجورة وأطلال ذكرياتك مع الأصدقاء في مقهى « كوفي كورنر» وشارع حَدة بصنعاء. خرجت أنا ووزجي وقررنا المشي لقياس فداحة الضرر في حركة الحياة، أرعبنا هول ما خلّفته الحرب، الشوارع خالية، المحال مغلقة، مئات من السيارات في طابور أمام محطة سبأ للمشتقّات النفطية. ذعرنا حين بدأت الانفجارات من جديد، اتجهنا إلى سوق «ضمران». فجأة سقط صاروخ على معسكر قريب من السوق، هلع الأهالي وخرجوا راكضين، تركوا ما اشتروه ولاذوا بالفرار، في حين كانت الحرائق تشتعل وتغطّي عشرات البيوت، أصوات سيارات الإسعاف تهرول إلى موقع الانفجار، نتّجه إلى موقع الانفجار، لكننا لا نستطيع الاقتراب أكثر، مازالت الحرائق مشتعلة، وأعمدة الدخان تحجب السماء، كم عدد القتلى في هذه الغارة؟ كم من البيوت تدمرت؟ فرق بين أن تسجّل ما حدث وأن ترى الموت بعينك، هذه الحادثة لم يتناقلها إعلام الحرب سواء الرافض للعاصفة أو المؤيد لها. لا أحد يبالي بالضحايا، هذا هو المسكوت عنه في الحروب: الموت والفزع.

لا ملجأ للفقراء إلا الفقراء

حملتُ فزعي وعدنا إلى بيتنا صامتين، شيء انكسر داخلنا، ربما هو السلام الواهي الذي كنا نختبئ داخله، لم نهدأ من هول الفاجعة إلا ووصلتنا رسالة قصف معسكر في عمران. أخطأتْ قذيفة هدفها ووقعت على مدرسة وقتل عدد من الأهالي، دقائق واتصلت أختي مذعورة، شقيق صديقاتنا، ليزا ولينا الحسني، قتل برصاص قناصة في مدينة عدن، غصة تصاعدت في قلبي وغضب أعمى، غضب من كل شيء، إلى أين يذهب اليمنيون من هذه الفوضى التي تعصف بهم وطرق الموت مفتوحة تحت أقدامهم؟ أي كوكب خرافي سوف يستقبل جيوش المعطوبين من الحياة؟
لا ملجأ لليمنيين اليوم في عام نكبتهم، عزّلاً وبلا أمل أو مستقبل يراوغون الهلاك فقط برغبتهم الأصيلة في النجاة من الموت، لا مكان يليق بحزنهم وجوعهم، لا مكان يليق بحروبهم الجديدة. لكنهم، وكعادتهم في معاندة الحياة، ينزحون من جديد، إذ يبدأ اليمنيون رحلتهم في التيه، بعدما دُكّت منازلهم جرّاء القصف الجوي أو الذين هم في خط نار المعارك بين الجماعات المسلّحة، نزوح جماعي من صنعاء إلى أريافها أو إلى المدن البعيدة، ومن تعز والحديدة وإب ومأرب والجوف إلى قرى لم تعد صالحة للحياة منذ عقود. ومن عدن، لا يعرف الأهالي إلى أين ينزحون فليس هناك من مفرّ إلا عن طريق البحر حيث غرق أكثر من ٣٠ عدنياً في قوارب الصيد المتجهة إلى جيبوتي.
أيّ دمار هذا؟ أي جريمة اقترفوها في حقّنا؟ أيّ سيناريو أكثر بشاعة في انتظارنا؟ دوامة النزوح تتسع. اللاجئون الأفارقة والسوريون والفلسطينيون ينزحون هم أيضاً من اليمن. نزحت جارتي السورية، حملت حقائبها ورحلت إلى جيزان، ومنها إلى الأردن. نزح أصدقائي من بيوتهم تاركين كل شيء خلفهم، الذكريات ووهم الأمان. نزح كثير من اليمنيين من بيوتهم ومن ألفتهم، وبقي الوطن اليمني مقبرة متجددة لأبنائه الطيّبين من مات منهم ومن ينتظر.

العدد ١١ - ربيع ٢٠١٥
أفتح عيني وأتذكر البداية

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.