العدد الأول - شتاء / ربيع ٢٠١٢

تأملات في الشقاء اللبناني

النسخة الورقية

الى ذكرى سمير قصير

احتلت بيروت حيزا كبيرا في وعي الثقافة العربية لنفسها، شعراء العرب من محمود درويش الى ادونيس الى نزار قباني، خصصوا للمدينة حيزا كبيرا من نتاجهم الشعري والنثري، متخذين من بيروت، وطنا ادبيا لهم. اسطورة بيروت صنعها تاريخ طويل من الكتابة والمعاناة والاصرار على اولوية حرية التعبير باعتبارها مدخلا الى حرية المجتمع، وتشكلت عبر سنوات طويلة من عمل المثقفين والفنانين والناشرين اللبنانيين العرب، كي تكون مختبرا للحرية والثقافة الطليعية.

لكن الاسطورة تتحطم اليوم، ويتحول ربيع العرب الذي حلم به سمير قصير الى شتاء بيروتي طويل. فمنذ اندلاع الثورات الديموقراطية في العالم العربي في نهاية عام 2010، والمدينة تتحول الى عكس صورتها، كأن مرآة العالم العربي التي انجلت بالثورات تمحو صورة مدينتنا، وتجعلها خارج الاطار.

لماذا اختارت بيروت لنفسها هذا البؤس الذي يدعو الى الخجل؟ هل كانت الغيبوبة قرارها الواعي، ام ان المدينة غُلبت على امرها في النهاية، واستراحت في الانتظار الذي يقتل روحها؟

في الشهر الماضي اقيم معرض الكتاب الفرنكوفوني السنوي في البيال، وقد حمل هذا العام شعار «كلام الحرية».

السؤال الذي تبادر الى ذهني هو اين نجد كلام الحرية في بيروت، هل يكفي ان نتحدث عن ثورات العرب، كي يكون لكلامنا مذاق الحرية؟ هل صار الكلام بديلا من الواقع، ام انه صار محاولة لتغطية العجز عن فعل الحرية، بالكلام عنها؟

بدا كلام الحرية غريبا في مدينة لم تتوقف سياسات اصحاب السلطة فيها، عن وأد الحرية. كلام عنصري سائد عن العمالة الآسيوية، مصحوب بممارسات وحشية في المنازل التي تعمل فيها خادمات سيريلانكيات وحبشيات وفيليبينيات، وما يشبه «التطهير العرقي» قامت به بلدية ضاحية برج حمود للعمال الأكراد المقيمين فيها. عنصرية ضد الفلسطينيين تحت غطاء محاربة التوطين، بحيث لا يستطيع الفلسطيني اللاجئ الى لبنان منذ ٦٣ عاما ان يشتري شقة للسكن، او ان يجد عملا، وكراهية للسوريين، الذين وجدت بعض القوى السياسية، التي سبق لها وان ادعت انها تقاوم النظام السوري في لبنان، انها تستطيع متابعة خطابها العنصري ضدهم، حتى عندما يثور الشعب السوري ضد النظام الاستبدادي في بلاده، بحجة الخوف على المسيحيين!

شيء من اللامعقول يتحول الى ممارسة يومية في لبنان. حين تتظاهر مجموعات من الشباب اللبنانيين او تعتصم دعما لنضال الشعب السوري، تتعرض للضرب والاعتداء، من قبل شبيحة السفارة السورية في بيروت وبعض الميليشيات ذات التشكيلات الفاشية في لبنان. يُطارد المعارضون السوريون في لبنان، يُعتقل بعضهم، ويسلم الى النظام الاستبدادي في دمشق، بينما تقوم اجهزة حزبية لبنانية بالطلب من مواطنين سوريين مقيمين في لبنان بتعبئة استمارات كي يكونوا تحت القبضة الأمنية!

على بعد مئة وعشرين كيلومترا من بيروت، تدور المجزرة الأكثر وحشية في تاريخ سورية. الشعب السوري ينتفض منذ اكثر من ثمانية اشهر ضد نظام تغوّل بالقمع والوحشية. شعب قرر بعد اربعة عقود من حكم ديكتاتوري اعتقد نفسه ابديا، ان ينتفض لكرامته، في ثورة سلمية اجتاحت مظاهراتها البلاد من اقصاها الى اقصاها ووجهت بنيران الرشاشات والدبابات. لم يتورع رجال النظام من دوس اعناق الناس في الساحات العامة، ومن قتل المصابين في المستشفيات، وخطف المواطنين، وتحويل المدارس الى سجون.

سحق رجال النظام اصابع يدي رسام الكاريكاتور علي فرزات، قتلوا وشوهوا جثة غياث مطر، عذبوا الاطفال ومثلوا بجثثهم، كل ذلك من اجل ان تبقى مافيا عائلية/عسكرية/ اقتصادية في السلطة.

غير ان وقاحة النظام وصلت الى ذروتها عبر عملية تزوير الحقائق، والترويج للأكاذيب وتحويل اللغة الى لغو مطلق، وامتهان الاعلام عبر استخدامه كأداة دعائية رخيصة وكاذبة، على طريقة غوبلز.

كل هذا يجري بالقرب من بيروت، وبيروت صامتة. لا شيء سوى الخواء والتهريج الاعلامي، والعُظامية اللبنانوية، التي لا همّ لها سوى ان تصنع اكبر صحن تبولة في العالم! او ان تكافح من اجل ان تكون مغارة جعيتا احدى عجائب الدنيا السبع!

كيف نقرأ الصمت البيروتي المخيف؟ وكيف نحلل العزلة الكبرى التي وجد فيها بعض الشبان والشابات اللبنانيين انفسهم فيها، وهم يحاولون ان يرفعوا اصواتهم التي يخنقها القمع والهامشية؟

هل تخاف بيروت من شبيحة النظام السوري، ومن اجهزة الأمن اللبنانية، التي استعادت في هذا الزمن

حنينها الى زمن الوصاية السورية، فبات بعضها يتصرف وكأنه تابع للمخابرات السورية؟ ام انها تخاف من نفسها؟ تتدثر بالبُكم وتستسلم لزعماء الطوائف اللبنانية الذين لا يشبهون سوى الرسوم المتحركة.

جذر الاستسلام للصمت هو النظام الطائفي اللبناني، الذي تحوّل في زمن الوصاية السورية الى اداة لخلخلة النصاب في النظام السياسي اللبناني، ثم صار بعد فشل انتفاضة الاستقلال شكلا دائما لحرب اهلية باردة.

ما لم يقل عن طبيعة النظام الطائفي وطبيعة الطائفية كبنية سياسية ينكشف اليوم على شكل فضيحة اخلاقية كبرى يعيشها لبنان.

فالطائفية هي شكل من اشكال العنصرية. انها مرض السياسة اللبنانية الذي يهدد بمحو العمل الثقافي الكبير الذي صنعه النهضويون اللبنانيون مع غيرهم من النهضويين العرب، من اجل بناء ثقافة حديثة منفتخة، ديموقراطية وعلمانية.

عنصرية البنية الطائفية لا حدود لها، فحين يكره اللبناني الآخر لأنه لا ينتمي الى طائفته، فان الكراهية تصبح بلا ضوابط، وتنهار الأخلاق، وتتلاشى القيم. الكلمات في الزمن الطائفي تفقد دلالاتها، وتصير غطاء لقاموس العنصرية. لذا لا نعجب حين يسخر بعض الزعماء اللبنانيين من الثورات الديموقراطية العربية، ولا يرون فيها سوى مؤامرة، كما لا يصيبنا العجب حين يعتقد بعضهم الآخر ان مصير هيمنة طائفته ونفوذها في لبنان مرهون بمن سينتصر في الثورة السورية.

منطق غرائبي يعتقد بسذاجة وغباء ان العالم يعمل في خدمة الطوائف اللبنانية، ولا يعي ان انتصار الثورات العربية سوف يعني بداية لغة جديدة، وتأسيسا لدولة المواطنين المدنية، التي لا علاقة لها بترسبات زمن المتصرفية، الذي لا تزال السياسة اللبنانية تعيش في ظلاله.

لقد برهن النظام الطائفي اللبناني انه نظام استبدادي، وان استبداد الطوائف، هو اكثر انواع الاستبداد قدرة على تجريد الانسان من روحه وعقله ووجدانه، وتحويله الى كائن عنصري.

غير ان شتاء بيروت الحزين لا يقتصر للأسف على المستوى السياسي، بل يمتد الى المستويين الاعلامي والثقافي، بحيث بتنا نخاف من هذا التصحّر الشامل الذي يحكم على مدينتنا بالصمت.

على المستوى الاعلامي اعلنت الثورة السورية موت الاعلام اللبناني. ففي ظل انحياز صحيفتين كبريين للنظام السوري، وضمور الصحيفة الثالثة التي دخلت في ما يشبه الموت السريري، نستطيع القول ان هناك ازمة حقيقية في الاعلام اللبناني المكتوب، وان الصحافة اللبنانية تتخلى عن دورها الطليعي في العالم العربي، وتستسلم لخمول الطوائف وجدب الحياة السياسية اللبنانية.

اما قنوات التلفزيون اللبنانية المختلفة فهي خارج الصورة. بعضها لا يمل من تكرار اكاذيب الاعلام الرسمي السوري، بينما يعاني بعضها الآخر تخشبا وبلادة، يردهما البعض الى ازمة سيولة مالية، لكنه يعبّر في الواقع عن ازمة فكرية وابداعية ضربت القطاع الاعلامي برمته.

يستطيع الاعلام التلفزيوني اللبناني ان يتذرّع بعجزه المادي عن منافسة الاعلام الفضائي العربي، وهو قد يكون محقا بشكل جزئي في هذه المسألة، لكنه يتناسى انه يمتلك رأسمالا رمزيا كبيرا هو الحرية، قام بالتخلي عنه طوعا، عندما قبل ان يولد في احضان الميليشيات والطوائف، مصابا بعاهة لا شفاء منها.

اما على المستوى الثقافي، فباستثناء اعتصام كبير نسبيا دعت اليه مجموعة من المثقفين واقيم في ساحة الشهداء، وبيانات متفرقة صدرت هنا وهناك، ومقالات نشرت في بعض الصحف المحلية والعربية، فاننا لا نجد مناخا ثقافيا عاما اخذ على عاتقه مهمة دعم الثورة السورية. اصوات الفنانين اصيبت ببحة مفاجئة، والمنابر الثقافية اقفلت ابوابها. ولعل الاستثناءين الوحيدين على هذا الواقع هما مسرح دوار الشمس، الذي يديره الفنان روجيه عساف، حيث اقيم عرضان ثقافيان، لم يسلما من تهديدات شبيحة النظام السوري، وحركة التضامن التي قادتها مجموعات شبابية لبنانية عبر اعتصامات ومظاهرات صغيرة، كانت تواحه بعصي زعران النظام السوري وقمعهم.

الغريب ان اصوات الفنانين اللبنانيين الشباب تكاد لا تُسمع، واللافت ان تقنيات الفن المفهومي والعرض (البرفورمانس) التي كانت سمة خروج الفنانين اللبنانيين الشباب الى عوالم ما بعد الحداثة، تتحول اليوم الى ادوات رئيسية يستخدمها شابات وشبان الثورة السورية، بينما يغيب الفنانون اللبنانيون الما بعد حداثيين لاهثين خلف تجاربهم العالمية!

صورة انهيار بيروت الثقافي والاخلاقي مروّعة وتثير الخوف والقلق، لأنها تهدد بطي صفحة كبرى في تاريخ الثقافة اللبنانية بدأت فصولها مع النهضويين الكبار وامتدت على مساحة المناخ الثقافي اللبناني الذي استقبل الثقافة العربية الهاربة من القمع وتفاعل معها، وصولا الى «شقاء العرب»، كما كتبه الشهيد سمير قصير.

من الصعب القبول بهذا الخمول الثقافي والسياسي والأخلاقي الذي لا اجد له تفسيرا سوى في مناخات الخيبة التي اعقبت فشل انتفاضة الاستقلال التي استولى عليها الطائفيون، معلنين عجز البنى الطائفية عن بناء افق يوحد الاستقلال بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، ما يعني بقاء الوطن مؤجلا لأن الطائفية في جوهرها نزعة عنصرية، وبنية لا وطن لها سوى مصالحها الضيقة.

الغريب ان الثورات العربية التي تعلن ولادة وطنيات مختلفة بأفق عربي، تعلن في الوقت عينه افول الوطنية اللبنانية وانحلالها الأخلاقي، وتحولها الى اطر للكراهية العنصرية، تبرر الدفاع عن الاستبداد الأسدي بخواف الأقليات وضرورة تحالفها مع الطغاة!

عقلية زمن المتصرفية تجتاح لبنان، وتحيله الى المكان الأكثر خمولا في المشرق العربي اليوم، وهذه نهاية لا تليق بأحفاد احمد فارس الشدياق، ولا علاقة لها بالصورة التي رسمتها بيروت لنفسها، حين كانت عاصمة الحرية والمقاومة. المأسوي ان اغلبية الناس لا تشعر بهذا الشقاء اللبناني. والبؤس لا يتحول الى حقيقة الا اذا رضي البائسون ببؤسهم، وتأقلموا معه وحولوه الى نمط حياة.

البؤس ليس قدرا ايها الرفاق.
تحدي البؤس ومواجهته هو علامة الحياة الأخيرة التي تنتظرها بيروت قبل ان تمحي صورتها في مرآة الموت.

العدد الأول - شتاء / ربيع ٢٠١٢

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.