العدد ٣٢ - ٢٠٢١

الغرامافون وأسطوانات الغناء في فلسطين قبل النكبة

بدأ الغناء في فلسطين شعبيًّا، كباقي الأقطار العربية، من خلال احتفالات الأعراس والمناسبات الاجتماعية والشعبية والوطنية، والمواسم الدينية المرتبطة بالأنبياء، مثل: مولد النبي محمد وموسم النبي موسى والنبي صالح والنبي روبين والنبي إلياس، إلخ. لن أتعرّض لهذا اللون الغنائي، ذلك أنه معروف من خلال الموروثات الشعبية والقصص الشفاهية. يتمثّل منهجي هنا في كتابة الجديد، من خلال اعتمادي على التوثيق المنشور في الصحف المعاصرة للأحداث، وهي الصحف الفلسطينية المتوفرة منذ عام ١٩٠٨ حتى ١٩٣٠، من دون الاعتماد على النقل بالسماع أو بسرد القصص المتوارثة، والمنشورة في الكتب.

عام ١٩٠٨، نشرت جريدة «القدس» أول توثيق للغناء في فلسطين، عندما أعلنت عن حضور «فرقة داود» للغناء في قهوة مصطفى رابية خارج باب الخليل١. ومنذ ذلك التاريخ، وربما قبله، أصبحت مقاهي فلسطين التجمعَ الفني للمغنّين وعشاق الغناء. لذلك اهتمّت الصحف بالإعلان عن ذلك، ومنها صحيفة «الأخبار» عام ١٩٢٠، عندما أعلنت عن قيام مجموعة من شباب يافا لتمثيل مسرحية «ناكر الجميل» في «قهوة البلور»، مع وجود فقرات غنائية قالت عنها: «وسيُطرب الحاضرين كلٌّ من حضرات السيد رجب أفندي الأكحل، ونمر أفندي ناصر، وستقوم بأهم إنشاد الأدوار المطربة حضرة الآنسة وديعة الشهيرة»٢.

وبعد ثلاثة أعوام تقريبًا، أصبحت «قهوة البلور» مكانًا لغناء أشهر المطربين المصريين، أمثال زكي مراد. وهذا ما أخبرتنا به «الأخبار» عام ١٩٢٣: «زكي أفندي مراد هو من أهم المطربين في وقتنا الحاضر، وسيشرف الثغر مع جوقه يوم الاثنين القادم فأهلاً به، ونحثّ الجمهور بالذهاب إلى سماعه، ويبتدئ بالشغل مساء الثلاثاء في قهوة البلور»٣.

إعلانات الغرامافون

ظلّت المقاهي وبعض المسارح مكانًا للمطربين، لتقديم أغانيهم للجمهور والبسطاء، على الرغم من ظهور «الفونوغراف» أو «الغرامافون» في العالم منذ أواخر القرن التاسع عشر. ولكن مَنْ كان قادرًا من البسطاء أو متوسطي الحال في فلسطين على شراء هذه الآلة عام ١٩٢١؟ هنا ظهر إميل بوتاجي، ابن تيوفيل بوتاجي، التاجر الفلسطيني الكبير وأثرى أثرياء حيفا البروتستانت، وصاحب «محلات بوتاجي» الشهيرة، التي تُعدّ النموذج الأول لـ«المولات» في العالم العربي، حيث إنها محلات تبيع كل شيء «من الإبرة إلى الصاروخ»، كما يُقال.

أعلن صاحب «محلات بوتاجي» في جريدة «الكرمل»، يوم رأس السنة الميلادية، عن «الفونوغراف الأميركاني» مع رسم صورته. وجاء في الإعلان: «السنة الجديدة في محلات بوتاجي وأولاده بحيفا، «تضحية عظيمة» بضاعة جديدة بأسعار رخيصة. بمناسبة عيد رأس السنة المبارك قد اعتمدنا أن نقدم هدية ثمينة لمدة أسبوع واحد فقط بحيث يصير بإمكان كل فرد أن يحصل على سعادة أهل بيته وأصدقائه بشراء الفونوغراف الأميركاني المشهور مع خمسة أصوات عربية بخمسة جنيهات مصرية فقط. ابتدِأوا السنة الجديدة بالكيف والطرب اغتنموا الفرصة. «من لا يشتري يتفرج» الدين ممنوع والدفع نقدي والاستلام حالاً، ولكل زبون صينية»٤.

هذا أول إعلان منشور من بوتاجي في الصحف الفلسطينية عن «الفونوغراف» بأسلوب الجذب والتشويق، فالمقصود بعبارة «مع خمسة أصوات عربية»، خمسُ أسطوانات لخمسة مطربين عرب، من دون أن يحدد أسماءهم، وهذا أسلوب تشويقي لجذب الزبائن؛ لأن كل زبون ربما يحق له اختيار الأسطوانات الخمس حسب مزاجه الفني. أما عبارة «من لا يشتري يتفرّج» فصحيح أنها معروفة الآن، لكن لا نظن أنها كانت كذلك منذ مائة عام، ما يعني أن بوتاجي كان ماهرًا في أسلوب نشر إعلاناته. ويكفي أن نبرهن على ذلك بعبارة الإعلان الأخيرة «ولكل زبون صينية» والتي تعني أنّ من يشتري الفونوغراف سيأخذ صينية هدية، وهو أسلوب مبتكر وقتذاك.

مرت ثلاثة أعوام، توسعت خلالها محلات بوتاجي في حيفا، وأصبح لها وكلاء في يافا والقدس، وظهر نوع جديد من الفونوغرافات، بالإضافة إلى التغييرات السياسية والاقتصادية وغيرها. تجلّت هذه التغييرات في أسلوب إعلانات «محلات بوتاجي» في الصحف، ومنها صحيفة «فلسطين» عام ١٩٢٤، حيث وجدنا عنوان الإعلان وقد نُشر بهذه الصيغة: «محلات بوتاجي الوطنية الكبرى بحيفا»! قد يعجب القارئ من وجود كلمة «الوطنية»، لكن الحقيقة أنها كلمة مقصودة للتفريق بين المحالّ الوطنية التي يملكها الفلسطينيون الأصليون أصحاب الأرض، ومحالّ الصهاينة غير الوطنيين من اليهود المهاجرين بتشجيع من الانتداب البريطاني. لذلك، كانت تُكتب حينها كلمة «الوطنية» في الإعلانات تشجيعًا لشراء البضائع العربية الوطنية، ومقاطعة البضائع الصهيونية. وجاء نصّ إعلان محلات بوتاجي عن نوع جديد من الفونوغراف، مع مجموعة أسطوانات لأشهر المطربين في هذه الفترة على الشكل الآتي:

«لقد أصبحت مسألة الحصول على صندوق فونوغراف أصلي وارد محلات بوتاجي الوطنية من أسهل وأبسط المسائل، وذلك بفضل التسهيلات العظيمة التي يقدمها أصحاب هذا المخزن الوطني الكبير لزبائنه الكرام، حتى لم يعد عذرٌ لأحد أن يحرم أهل بيته من الفرح الحقيقي. صندوق فونوغراف أصلي مع بوري وزنبرك واحد، مكفول بكفالة خطية لمدة عشرين سنة، مع عشر أسطوانات أصلية من أهم مصوتي الشرق مثل: السيد السفطي، زكي أفندي مراد، الشيخ أحمد إدريس، الشيخ أبو العلا محمد، مصطفى أمين إلخ إلخ»٥.

في هذه الفترة، تطورت إعلانات بوتاجي المتعلقة بالفونوغراف والأسطوانات، إذ صار ينشر في إعلاناته شروحات ومواعظ تتعلق بالموسيقى والغناء وفائدتهما للبشرية، فيروّج لمبيعاته من خلال هذه القصص. نجده، على سبيل المثال، يقول: «الغناء والتوقيع على آلات الطرب من أقدم ما مال إليه الإنسان واستعمله، وذلك من ضروريات الحياة العقلية والجسدية»، ويقول أيضًا: «أما نفع الغناء للعقل والجسد فيعرفه كل إنسان بالاختبار وتأثير الصوت في النفس يختلف باختلاف أحوال السامع ونوع اللحن»، ويقول كذلك: «بعض الألحان يثير الشجاعة ولذلك استخدم الجنود الموسيقى في الوقائع الحربية، ومنها ما يثير كوامن الأحزان ويحمل على البكاء». وأخيرًا ينهي هذه العبارات بالإعلان عن بضاعته: «يوجد في «محلات بوتاجي الوطنية الكبرى بحيفا» مجموعة عظيمة من الفونوغرافات والأسطوانات العربية والأفرنجية بأسعار رخيصة جدًّا ويمكن شراؤها من الوكلاء: توفيق أفندي ناصر في يافا، ومتري أفندي أبو شنب في القدس»٦.

استمر بوتاجي في تطوير أسلوب إعلاناته المتعلقة بالفونوغرافات والأسطوانات الغنائية. وبدأ يجذب زبائنه عن طريق ضرب الأمثلة الواقعية، لا سيما وأنها مرتبطة بالمؤسسات. على سبيل المثال، نشر إعلانًا بعنوان «الغناء وآلات الطرب»، وبدأ يحكي قصة مشوقة قال فيها: «حُكي أن كثيرين من الأطباء يعالجون الأمراض العصبية بالغناء والتوقيع على آلات الطرب. واليوم في بعض المستشفيات يستعملون الموسيقى والأصوات المطربة على مسمع من المرضى فتخفف آلامهم ويطربون»٧. وحتى لا يظن الزبون أن هذه قصة خيالية نُشرت في الإعلان بهدف الترويج، نَشر بوتاجي هذه الحقيقة: «إن إدارة الصحة في فلسطين قد شعرت بضرورة استعمال الموسيقى للمرضى، وقد ابتاعت من عندنا مؤخرًا جرامافونات وأسطوانات للمستشفيات في هذه البلاد»٨.

آخر تطور وجدناه في أسلوب بوتاجي لترويج الفونوغراف، نشره في الصحف عام ١٩٢٦ تحت عنوان «أخبار محلات بوتاجي بحيفا»، مع تنبيه قال فيه: «نسرد هذه الأخبار من وقائع حقيقية تحصل في محلاتنا يوميًّا». وهذه الأخبار، المنشورة في الإعلانات، عبارة عن حوار بين المدير المسؤول للمحلات، إميل بوتاجي، وبعض الشخصيات الشهيرة التي اشترت منه الفونوغراف، مثل الأمير سعيد الجزائري، وإلياس دانيال، وأنطون الزهر، وغيرهم. ومن خلال هذه الحوارات، يعلم قارئ الجريدة تفاصيل الفونوغراف ومميزاته وكيفية شرائه، ومنها: أن ماكينة الفونوغراف لها أربعة زنبركات، وتسمع عليها ثماني أسطوانات متواصلة دون تدوير الزنبرك، وهي مكفولة مدى الحياة، ونظام البيع بالتقسيط٩.

أسطوانات أم كلثوم

من يتتبع تطور إعلانات محلات بوتاجي الخاصة بالفونوغرافات، سيقتنع بأن أغلب المقاهي الفلسطينية كانت تقتني الفونوغراف، وكذلك أغلب البيوت الكبيرة للأغنياء والأعيان، وربما بيوت متوسطي الحال أيضًا. هنا تغيّر أسلوب إعلانات بوتاجي. بدأت تروّج للأسطوانات التي تعمل على الفونوغرافات، فطالما الأخيرة موجودة، وعمرها الافتراضي كبير، فالبضاعة الوحيدة المستهلكة والمتغيرة، والتي أصبحت مجالاً للتنافس الفني والتجاري، هي الأسطوانات الغنائية. ولكن أي أسطوانات يروَّج لها؟ هنا ظهرت أسطوانات «أم كلثوم»؛ بوصفها الأكثر انتشارًا، فاستغل بوتاجي ذلك وبدأ يمارس مهارته الإعلانية في الترويج لأسطواناتها. وكان أول إعلان نشره العام ١٩٢٧ وحمل عنوان «الآنسة أم كلثوم»، قال فيه، بأسلوب:

«منْ لم يسمع بالآنسة أم كلثوم الذائعة الصيت! يوجد أفراد قليلون في الشرق الذين نالوا الشهرة التي نالتها هذه المغنية الباهرة. ولا شك أن لها منزلة عظيمة في قلوب عشاق الموسيقى والطرب في جميع أنحاء الشرق. عندما تُعلن عن عزمها على الظهور في أحد المراسح في مصر، تحتشد الجماهير لسماعها من جميع أنحاء القطر. صوتها جميل رنان ومطرب للغاية، ولا أتردد أن أقول إنها جريمة عظيمة على كل رب بيت أن يحرم نفسه وعائلته من التلذذ بسماع هذه الساحرة. ولها أسطوانة اسمها «ما لي فتنت» من أبدع الأسطوانات التي ظهرت لتاريخ اليوم. اسمعها واحكم لنفسك وهاكم القصيدة:

ما لي فُتنت بلحظكِ الفتّاكِ وسلوتُ كل مليحةٍ إلاكِ

يسراكِ قد ملكتْ زمامَ صبابتي ومضلّتي وهداي في يمناكِ

فإذا وصلتِ فكل شيء باسمٌ وإذا هجرتِ فكل شيء باكِ

هذا دمي في وجنتيكِ عرفتهُ لا تستطيع جحودهُ عيناكِ

لو لم أخفْ حرّ الهوى ولهيبهُ لجعلت بين جوانحي مثواكِ

إني أغار من الكؤوس فجنّبي كاس المدامة أن تقبّل فاكِ

لك من شبابك أو دلالك نشوة سحر الأنام بفعلها عطفاكِ»١٠

ومن الواضح أن هذا الأسلوب جاء بنتائج طيبة، فكرّره بوتاجي في إعلان تالٍ بعنوان «أسطوانات جديدة من الآنسة أم كلثوم»، ذكر فيه أن محلاته باعت في عام واحد خمسة آلاف من أسطواناتها، لذلك لقّبها بساحرة الشرق. وقال إن الطلب على أسطواناتها متواصل من جميع أنحاء البلاد: من عمان وصفد وطبريا والناصرة وجنين ونابلس ويافا وغزة واللد والرملة! ويختتم إعلانه بذكر كلمات أسطوانتها الجديدة «لي لذة»، التي يروج لها الإعلان، وتقول فيها:

لي لذة في ذلتي وخضوعي وأحب بين يديك سفك دموعي

وتضرّعي في رأي عينيك راحة لي من هوى قد كنَّ بين ضلوعي

ما الذل للولهان في شرع الهوى عارٌ ولا هجره الهوى ببديع

فرضًا أسأتُ فأين عفوك مهجتي عمّن رجاك لقلبه المصدوع

جودي رضًا من عفو لطفك واغنه بجمال وجهك عن سؤال شفيع١١

وطوال ثلاث سنوات بقيت محلات بوتاجي تروّج لأسطوانات «أم كلثوم»، مع تنوع في أسلوب الإعلانات وتطورها، وما تحمله من معلومات، ونشر لكلمات الأغاني، مثل أغنية «إنّ حالي في هواها» عام ١٩٢٧. وأهم تطوير وجدتُه أن المحلات خصصت فونوغرافًا داخل المحل، يستطيع الزبون أن يسمع أسطوانته قبل شرائها. وتطور الأمر أكثر بأن شغّلت المحال الأسطوانات الجديدة داخل المحل ليسمعها الزبائن من باب الدعاية لكل أسطوانة جديدة، وهذا ما فعلته المحال مع خمس أسطوانات جديدة لأم كلثوم عام ١٩٢٨، هي: «شرّف حبيب القلب» كلمات أحمد رامي وتلحين داود حسني، و«ذكرى سعد باشا زغلول» تلحين محمد القصبجي، وطقطوقة «ما تروّق دمك» نظم أحمد رامي وتلحين محمد القصبجي، ومونولوج «الشك يحيي الغرام» نظم أحمد رامي، وتلحين محمد القصبجي، وقصيدة «الصبّ تفضحه عيونه» نظم أحمد رامي! وتكرر الأمر مع ثلاث أسطوانات أخرى، هي: «حبيت ولا بانش عليّ» و«خلي الدموع دي لعيني» و«البعد علمني السهر». وعام ١٩٢٩ أعلنت المحلات عن أسطوانات أم كلثوم المطبوعة بالكهرباء؛ بوصفها نوعًا جديدًا، وظلت الإعلانات مستمرة على هذا المنوال حتى عام ١٩٣٠ ١٢.

عبد الوهاب، علية فوزي، نادرة

يوحي الكمُّ الهائل لإعلانات محلات بوتاجي عن أسطوانات أم كلثوم بأنها كانت المطربة الأهم في الساحة الغنائية العربية، لا سيما أن إعلانات بوتاجي لم تنشر سوى إعلان واحد فقط لمحمد عبد الوهاب عام ١٩٢٩، قالت فيه: محمد أفندي عبد الوهاب، لا يحتاج إلى تعريف فإنه مُطربُ صاحب الجلالة ملك مصر؛ ولكن لا يمكن أن تعرف قوة سحر صوته ما لم تسمع هذه الأسطوانة الجديدة التي أخذت على الكهرباء، وهي قصيدة من نظم الأستاذ أحمد رامي، ومطلعها: «تعالي نُفني نفسَينا غرامًا... ونخلد بين آلهة الفنون»١٣.

ومن الغريب أننا وجدنا إعلانًا واحدًا فقط أيضًا من إعلانات محلات بوتاجي لأسطوانات علية فوزي عام ١٩٢٩؛ وكأنها تتساوى مع محمد عبد الوهاب. وحمل الإعلان عنوان: «أسطوانات جديدة للمطربة والممثلة الشهيرة الآنسة علية فوزي». ثم تحدث عن أسطوانتها الأولى حول مونولوج «يا هل ترى يسمح زماني»، مشيرًا إلى أنه من تأليف وتلحين كامل الخلعي، ثم ذكر الإعلان كلمات المونولوج. وبعد ذلك جاء الكلام عن طقطوقة «ليلاتي سهران بره» كلمات الأستاذ فؤاد ميلاد، وتلحين محمد هارون، ونشر الإعلان كلمات الطقطوقة أيضًا١٤.

أما المطربة نادرة فكان حظها أفضل من محمد عبد الوهاب وعلية فوزي، إذ نشرت محلات بوتاجي ثلاثة إعلانات لأسطواناتها خلال أسبوعين في عام ١٩٣٠. حمل الأول عنوان «موهبة نادرة الفنية»، وفيه نقرأ أنها أميرة الطرب، وأن أسطواناتها ستكون قريبًا منتشرة في أشهر الصالونات وأعظم محلات الاجتماع وأرقاها، وسيقبل عليها الجمهور، و«سوف يشعر جميع من لم يقتنوا إلى الآن من أسطوانات هذه المطربة الشهيرة، بفراغ عظيم في ما بين الأسطوانات العديدة المختلفة التي جمعوها، والأدوار التي سمعوها. ولا يسدّ هذا الفراغ غير الالتذاذ بسماع رنّات صوت هذه المطربة العذبة، أو اقتناء أسطواناتها»١٥.

وحمل الإعلان الثاني عنوان «نادرة.. الصوت الحنون الذي يأخذ بمجامع القلوب». وهو إعلان تشويقي من خلال قصة هذا نصها: «هل تصورت ذلك المسافر المسكين الذي تاه في الصحراء مع رفاقه، لأنهم لم يهتدوا إلى طريق الرجوع، فضلوا أيامًا في الصحراء وقد نفد منهم الماء إلى أن وصلوا على وشك الموت من العطش. وكان في أثناء ذلك أصدقاؤهم يفتشون عنهم بطائرة حلّقت في السماء أيامًا وساعات، تفتش عن الضائعين إلى أن عثروا عليهم. فكان أول ما عملوا أن بادروا إلى إسعافهم بقليل من الماء. فتأمل أيها القارئ العزيز قيمة ولذة تلك الجرعة من الماء، فبعد أن تصورتَ هذه الحادثة في مخيلتك هلمّ بنا نسمع أسطوانة من الأسطوانات الجديدة لأميرة الطرب «نادرة»؛ فكأني وأنا أسمعها في عالم الخيال عندما أسمع من ذلك الصوت الحنون الذي يأخذ بمجامع القلوب. فكأنها تلك الطائرة تقدم جرعة الماء إلى النفس العطشانة والتي على وشك الهلاك. ولئلا تظن أني أبالغ في الوصف أرجو تزور محل «بوتاجي» القريب عليك لسماع الأسطوانة التالية: موال «لما أمرت الفؤاد باللحظ لباك... صبح أسيرك ومن بالحسن رباك»»١٦. أما الإعلان الثالث فجاء بعنوان «الصوت الجميل غذاء النفس.. الآنسة نادرة»، وهو إعادة للإعلان السابق بصيغة مختلفة ١٧.

«الآنسة سهام» تنافس أم كلثوم

يتّضح لنا مما سبق أن إعلانات محلات بوتاجي لأسطوانات أم كلثوم كانت تفوق إعلانات جميع أسطوانات المطربين والمطربات طوال ثلاث سنوات، من ١٩٢٧ إلى ١٩٣٠، ما يعني أنه لم يكن هناك أي منافس لأم كلثوم في مجال الأسطوانات الغنائية وفقًا لإعلانات محلات بوتاجي. وعلى الرغم من وضوح هذه الحقيقة، لا يصح تصديقها أو الاعتماد عليها. لقد وُجدت مطربة أخرى، هي الآنسة سهام، أعلنت محلات بوتاجي عن أسطواناتها طوال تسعة أشهر فقط، من تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٢٩ إلى آب/ أغسطس ١٩٣٠. وقد فاقت إعلانات بوتاجي لها، في الكم والكيف، جميعَ إعلانات أسطوانات أم كلثوم خلال ثلاث سنوات. وهذا يعني أن أسطوانات الآنسة سهام كانت مطلوبة في فلسطين أكثر من أسطوانات أم كلثوم. لا نعلم الكثير عن الآنسة سهام سوى أنها مصرية وُلدت في الإسكندرية عام ١٩٠٧ وتوفيت عام ١٩٥٢، وقامت بالتمثيل في فيلم «المندوبان» عام ١٩٣٥ ١٨.

والجدير بالذكر أن أغلب الصحف الفلسطينية ظلت تُعلن عن أسطوانات المطربة سهام حتى تموز/ يوليو ١٩٣٣ ١٩، ثم توقفت فجأة! ولأن الفترة الزمنية المحددة في بحثنا هذا تنتهي عند ١٩٣٠، سأذكر أهم إعلانات محلات بوتاجي عن المطربة سهام وأسطوانتها طوال الشهور التسعة، كي تتضح لنا مكانة هذه المطربة. هذا بالإضافة إلى توثيق عناوين بعض أسطواناتها، ومعرفة كلمات بعض أغانيها، لعلّ هذه المعلومات تفيد مستقبلاً الباحثين ومن يكتبون عن هذه المطربة، التي فاقت في شهرتها ومنافستها أم كلثوم في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي. وأشعر أنّ الآنسة سهام ظُلمت فنيًّا وتاريخيًّا بسبب التعصب الديني، فقد أشار محمد علي الطاهر في كتابه «نظرات الشورى» المنشور في مصر عام ١٩٣٢ إلى أن المطربة سهام يهودية الديانة واسمها الحقيقي «أستير»، وأنها تنكّرت باسم سهام خوفًا من أن تقف يهوديتها عائقًا بينها وبين إقبال الجماهير الشرقية على أغانيها، وأنه كان ينوي نشر هذه المعلومة، إلا أنه راجع الجريدة فوجد فيها إعلانات عن سهام فتوقف عن نشر المعلومة، سواء كانت معلومة حقيقية أو غير حقيقية!

وبناءً عليه نقول إنّ أول إعلان نشرته محلات بوتاجي عن أسطوانات سهام كان في تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٢٩. كان إعلانًا غير مسبوق في ضخامته، إذ شغل صفحة كاملة من جريدة «الكرمل»٢٠، وحمل عنوان «أسطوانات جديدة نقلت على الكهرباء للمطربة الشهيرة الذائعة الصيت الآنسة سهام». وفيه نقرأ أن الأستاذ مصطفى بك رضا، رئيس النادي الموسيقي الشرقي في مصر، جمع نخبةً من الموسيقيين لسماع أسطوانات سهام، «فأبدوا جميعًا دهشتهم وعجبهم من صوتها العريض الجميل الذي ظهر في الأسطوانات. وأخذوا يتنبأون بما ستصادفه أسطوانات سهام من الرواج والانتشار». وبعد هذه المقدمة التشويقية، يقول الإعلان: «وقد وصلت الآن أسطوانات الآنسة سهام إلى مركز شركة الجرامافون في فلسطين، ويمكن سماعها في محلات بوتاجي». ولمزيد من التشويق وجذْب الزبائن، نشر الإعلان كلمات هذه الأسطوانات، التي تحمل الأغاني والطقاطيق والأدوار والمونولوجات، ومنها مونولوج «يا ناس مين اللي شاف» تأليف حسن مبروك، وتلحين داود حسني، وتقول كلماته:

يا ناس مين اللي شاف قدّي عذاب في الحب واتلوّع

ودمع العين جرح خدي وقلبي بالهوى مولّع

يصعبش عليك حالي وطيفك ما يروحش من بالي

في حبك لما لاموني زعلت وقلت بزيادة

ما كنتش أفتكر هجرك يوازي الحسن وزيادة

وأشكي ذلي وشجوني ويمكن تشفقي لحالي

أشوف الحسن بعيني يخفف عني آلامي

وأوهب روحي وعيني وارحمي ذلي وغرامي

وقصدي ترحمي شوية في يدك حياتي وزوالي

أداري في الغرام حبي عيني تحكي ودموعي

وأشكي من سهاد جفني وأسهر بالبكا ليالي

أما كلمات طقطوقة «شرط المحبة»، من نظم وتلحين الأستاذ داود حسني، فتقول:

شرط المحبة تصون هوايا خلفت عهدك ليه يا ضنايا

خلفت عهدك الله يسامحك صعبان عليّ وقصدي أصافحك

يا مدلع يا غصن البان تتركني وتعمل غضبان

وحياة عيونك دي مش عوايدك وبرضه قلبي ناوي يسامحك

إنت نستني ولا فاكرني إنت جفيتني وليه تفوتني

ومسلط كده عواذلنا يا مئطئط بعدك يشغلنا

عزيز عليَّ وحياة عيونك يا نور عيني دايمًا هاجرني

يا ريت تحبيني وتنصفني تاني غلط وفاتت من جور زماني

يا حبيبي دنا قلبي نار مش بيدي أنا عقلي احتار

يمكن ترقق قلبك عليّ حسن بوصلك دا كله فاني

بلّغ سلامي لنور جبينك وقول له قلبي عندك رهينك

مستنظر ساعة توافيه يترجى علشان ترضيه

مش ناسي منك حلو ابتسامك وورد خدك الله يزيدك

كما نشر الإعلان دور «قلبي قال لي بعد حبي» من نظم وتلحين داود حسني، ودورًا آخر بعنوان «حكم قلبي عالعواطف شيء كثير». أما طقطوقة «وعدي رماني في هواك» من نظم وتلحين داود حسني، فتقول كلماتها:

وعدي رماني في هواك ما أقدرش عمري أسلاك

بتشعللي نار حبي ليه

الشوق جفاني والقلب هام وكتر بعدك زادني هيام

لحظك أسرني وحسف القوام وأنا أعمل إيه في دي الغرام

بتشعللي نار حبي ليه

ومين يطول يقطف وردك سهام عيونك تمنعني

وأنا المتيّم في حبك ومين خلافك ينصفني

بتشعللي نار حبي ليه

أصل الغرام سحر العيون كوى فؤادي وأنا أعمل ايه

أشكي ضنايا يا ناس لمين وكتر شوقي والأنين

بتشعللي نار حبي ليه

إن كان غرامك ده حيسمح بالود وتنسى الهجران

والله فؤادي كان يصرخ وتنطفي منه النيران

بتشعللي نار حبي ليه

وآخر ما نشره الإعلان، مونولوج «مين في الغرام يقدر يقول» نظم وتلحين كامل الخلعي، وتقول كلماته:

مين في الغرام يقدر يقول إنه تنعّم في الهوى

سحر العيون يسبي العقول والهجر أسى والنوى

دي جنة الحب عذاب إن كان وحال أو كان جنا

يوم المنى بعد العتاب ويّا الحبيب هو الدوا

يا فرحة القلب الحزين ساعة لقاه بعد الجفا

حلو الجميل لو كان آمين ويعيش معاه عيشة صفا

شبكني بالعين والحاجب وسحر طبعك يغويني

ملقتش في الدنيا صاحب يقدر برأيه يشفيني

أبكي وحدي من نار وجدي والهجر ناره تكويني

أهل الهوى ده من الواجب ياخد فؤادي ويباعد

بالحسن والتيه يتعاجب ومن يعطف ويواعد

يخلف وعدي وانا علي عهدي ليلة وجوده تجيني

والإعلان التالي، في اختيارنا، نشرته جريدة «فلسطين» في فقرة مشوّقة جاء فيها: «ما سمعتُ الآنسة سهام المرة بعد المرة إلا لأكتشف كل مرة في صوتها الرائع أسرارًا جديدة مدهشة، ومزايا لا يتم الفن إلا بها، حتى خيّل إليّ في النهاية أن تلك الحنجرة النادرة تدفع الصوت منها في توهّج يكاد يشتعل نارًا تكاد تبصرها العيون، أو أن ذلك الصوت الملتهب هو مقدار عظيم من كهرباء مضغوطة قد انفجرت في النهاية وتطاير منها الشرر. تلك هي مواهب أميرة البلابل الآنسة سهام جوهرة عصرها. فلتهنأ الآنسة سهام بمواهبها الصوتية، ومزاياها الفنية النادرة. ولتهنأ مصر بتلك «التحفة» التي بات الشرق يفتخر بها، ويجرّ باسمها ذيول العجب والخيلاء. وإن كنت تشك بصحة أقوالنا إذهب لمحل بوتاجي القريب لبيتك واسمع الأسطوانة إلى جانبه واحكم لنفسك»٢١. أما الأسطوانة فعنوانها «قال لي بعد حبي» نظم وتلحين داود حسني، وتقول كلماتها:

 قلبي آل بعد حبي ما فيش جمال من جفاه صبح فؤادي قايد نار

قلت له لكن غياب الحلو طال ما نلت شيء غير عذاب الانتظـار

حكم قلبي عالعواطف شيء كتير أشكي وجدي والهيام يا عاشقين

يا عذابي في الهوى ماليش نصير كفاني لوم وأنا يا ناس م الصابرين

أما الإعلان الثالث فنشرته جريدة «الكرمل» بمقدمة سبق نشرها عن المطربة سهام، لكن الجديد كان نشر كلمات مونولوج «الحب في أول أمره» من نظم وتلحين كامل الخلعي٢٢:

الحب في أول أمره خفيف ولكن بالغيرة أوي يتمكن

كل واحدة تحب تغير تخاف على طيرها ليطير

والصيادين في الدنيا كتير صياد ويبقى عنده ضمير

دا ماهش ممكن

الغيرة دي بين العشاق من الأمور الضرورية

مادام تحب وله مشتاق غيرتك عليه لازمة وغية

لازمة وغية

أوعى تقول دا مانبهنيش ونا صغير معرفشي

واجبي عملته ما تلمنيش تشكيلي منه مسمعشي

أيوه تمسكن

حرام تخون والحب أمين يحفظ ودادك ويصونك

الزوجة تاج أو كنز ثمين إحرص عليه زي عيونك

أوعى تصهين

والإعلان الأخير الذي اخترناه، نشرته جريدة «فلسطين» عام ١٩٣٠، وعنوانه «الآنسة سهام»، وجاء فيه الآتي: «هي مطربة الشرق العجيبة. قد تكهّن عنها الخبيرون بأصول الغناء أن مستقبلها سيكون باهرًا جدًّا. وكلما سمعت أسطواناتها الليلة بعد الأخرى أرى نفسي نازعة إلى طلب المزيد، فأندفع إلى اقتناء حلقة تامة متسلسلة من أسطوانات هذه الآنسة. وإني موقن بأن جمهور المغرمين المولعين بالفنون الجميلة يقدّرون هذه المطربة الجديدة حق قدرها ويشاركونني في هذا الشعور ويحبّذون ميلي. لعمري إنها لصدفة غريبة بل هي موهبة جليلة القدر، وذلك أن تكون فتاة صغيرة بسن الآنسة سهام وتتمتع رغمًا عن صغر سنها بصوت عذب، يسيل رقّة وطلاوة حتى صار يُعدّ في برهة وجيزة في ما بين الطبقة الأولى من ملوك الطرب. ولا بدع أن تكون هذه الآنسة سعيدة وفخورة بما قد نالته من المولى من جميل الصوت، الذي أضحى هبتها العجيبة، وتزيد غبطتها بما يجلبه في البيوت وبين العائلات الكثيرة من المسرّة والأفراح بواسطة أسطواناتها، التي أكسبتها ثقة الجمهور واستحسانهم. بناءً عليه، لقد عزمت محلات بوتاجي المنتشرة في أنحاء فلسطين وشرق الأردن أن تعلن للعموم في هذا الشهر عن أسطوانتين جديدتين لهذه الآنسة، وتسهيلاً لفهم المعاني الشيقة المتضمّنة في تلك القصائد نورد نصها في ما يلي، ونحث الجمهور الكريم على الإقبال لاقتناء هذه الأسطوانات البديعة من محلات بوتاجي في حيفا وفي سائر الفروع»٢٣. ثم نشر الإعلان كلمات «طقطوقة» من نظم محمد التوني وتلحين محمد القصبجي:

يا جميل ارحم محبّك في هواك زاد عذابي ومستحيل أعشق سواك

في غرامك كل شيء عندي يهون انبرى جسمي وزاد بي

الشجــــــون

من لواحظك والحواجب والعيون زاد عذابي ومستحيل أعشق سواك

العواذل علموك كتر الأسية والدلال والبغددة يا نور

عنيّـــة

بعد ميل قلبك بتتقل ليه عليّة زاد عذابي ومستحيل أعشق

سواك

ذنبي إيه لما عشقتك بتجافيني أكمني مغرم في هواك حبي رميني

رق وأرحم مهجتي الوجد ضنيني زاد عذابي ومستحيل أعشق سواك

من صدودك لي زادت نار فؤادي ليه بتقصد في الهوى دايمًا عنادي

إن جفيت ولا نسيت أنا برضه راضي زاد عذابي ومستحيل أعشق سواك

ظهور الراديو

إلى هنا نصل إلى نهاية بحثنا، الذي تتبّعنا فيه توثيق الغناء في الصحف الفلسطينية من خلال إعلانات محلات بوتاجي حتى عام ١٩٣٠. ويرجع السبب في تحديد عام ١٩٣٠ لنهاية هذا التوثيق إلى أمرين: الأول ظهور الراديو، وقيام محلات بوتاجي بالإعلان عنه عام ١٩٣٠ ٢٤، مما يعني أن الغناء أصبح متاحًا في الفضاء، وأي راديو يستطيع أن يلتقط الإرسال ويسمع الأغاني، حتى ولو أن الإذاعة المصرية لم تبدأ في البث، أو إذاعة فلسطين. ولكن كانت هناك إذاعات عالمية ومحلية وخاصة موجودة، وبإمكانها بثّ الأغاني، ما يعني ضعف الإقبال على شراء الغرامافونات أو الأسطوانات! ويتمثّل الأمر الثاني في البدء بسماع المطربين والمطربات بصورة حيّة وجهًا لوجه، لا سيما زيارة محمد عبد الوهاب الأولى إلى فلسطين عام ١٩٣٠، وأم كلثوم عام ١٩٣١. وقد أثّرت سلبًا بعض الشيء هذه الزيارات التي توالت لاحقًا، على مبيعات الأسطوانات، وبالتالي تقليل إعلانات الصحف عنها.

وإن كان البحث قد التزم بإعلانات محلات بوتاجي، فهناك محلات أخرى ظهرت منذ عام ١٩٢٩، ومنها محلات «أبو صلاح العكاري»، وهي محلات صاحبة توكيل أسطوانات أوديون وبيضافون في فلسطين، كما أن «أبو صلاح العكاري» نفسه هو الوكيل والمتعهد لأسطوانات وحفلات محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم في فلسطين، الموضوع الذي ربما يتناوله آخرون لاحقًا، أو أكتب عنه قريبًا.

العدد ٣٢ - ٢٠٢١

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.