العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

التأثير الغربي في تطوّر الكتابة العربيّة

علامات التّرقيم نموذجاً

أدّى الانتداب الأوروبيّ إلى انتشار اللّغات الأجنبيّة في البلدان العربيّة، ممّا أوحى للكتّاب والمثقّفين العرب بالبحث عن طرُق لتطوير اللّغة العربيّة - وذلك في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين - كي تجاري اللّغات الأخرى، وذلك لأنّ اللّغات الأجنبيّة في ذلك الوقت بدأت تطغى على اللّغة العربيّة بسبب سهولة القراءة بتلك اللّغات (زكي، ١٩٠١: ٢). سأتكلّم في هذا المقال عن استخدام علامات الترقيم في منتصف القرن التاسع عشر كنموذج من تأثير اللّغات الأوروبيّة في تطوّر الكتابة العربيّة. سأشرح سبب إدخال علامات الترقيم على الكتابة العربيّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مع الاستشهاد بأقوال المفكّرين والكتّاب في ذلك الوقت، من هؤلاء المفكّرين الكاتبة اللبنانيّة زينب فوّاز١، وهي من أوّل من تحدّث عن أهميّة إدخال علامات الترقيم على الكتابة العربيّة٢ (فوّاز، ٢٠٠٧: ١٠٥ - ١٠٧)، والعلّامة أحمد زكي٣ الذي أدخل علامات الترقيم رسميّاً على اللّغة العربيّة عام ١٩١٢. سأتحدّث أيضاً عن رأي المفكّرين المحافظين وعن ممانعتهم في إدخال أيّ جديدٍ على الكتابة العربيّة بهدف الحفاظ على قدسيّة اللّغة العربيّة (لغة التنزيل) والحفاظ على الهويّة العربيّة عن طريق تجنّب إدخال أيّ مظهرٍ من مظاهر لغة المستعمِر على اللّغة العربيّة (مينييه، ١٩٧١: ٩٤).

في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان للّغة العربيّة دورٌ في توحيد الأمّة العربيّة، وشجّع الكثير من الصحافيّين والمفكّرين على تطويرها بما يواكب متطلّبات العصر، وهذا الأمر كان متناقضاً مع الفكرة السائدة وقتها والتي كانت تقدّس اللّغة العربيّة لأنّها لغة التنزيل الحكيم، ممّا دفع بالمفكّرين التقليديّين إلى الاعتراض على أيّ تغيير للّغة العربيّة والقول بوجوب الحفاظ عليها كما هي. ويوضّح رولاند مينييه هذا الأمر في كتابه عن مشاريع مجمع اللّغة العربيّة حول الكتابة العربيّة، فكتب عن وجود فكرين سائدين: الأوّل يرى اللّغة العربيّة لغة مقدّسةً لا يجوز المسّ بها، والثاني يعتبر اللّغة أداة اجتماعيّة يجب أن تتكيّف مع العصر، وبالتالي من الممكن إزالة ما أصبح غير مواكب للعصر منها (مينييه٤، ١٩٧١، ٩٤).

بدأ تاريخ علامات الترقيم باللّغة العربيّة الحديثة في النّهضة العربيّة الحديثة. معظم الدراسات التي تناولت تحديث اللّغة العربيّة في تلك الفترة تركز على تحديث المصطلحات والمفردات، ونادراً ما تذكر علامات الترقيم كمظهر من مظاهر تطوير اللّغة العربيّة وتحديثها. والكتب الموجودة عن علامات الترقيم العربيّة تذكر فقط عمل أحمد زكي عن الموضوع، وهي بذلك تمحي جزءاً كبيراً من تاريخها الذي بدأ قبل صدور كتاب زكي عن علامات الترقيم بنحو ثلاثين عاماً.

سأكتب فيما يلي تقديماً للعلامات والمفاهيم التي سبقتْ علامات الترقيم الحديثة والتي تتحدّث عن الفصل بين الجمل، ومن ثمّ سأتحدّث عن تاريخ إدخال علامات الترقيم الحديثة على اللّغة العربيّة، ذاكرةً أسباب إدخالها على اللّغة بالتفصيل، وسأذكر على وجه الخصوص أعمال زينب فوّاز والعلّامة أحمد زكي وحسن الطويراني٥.

علامات ومفاهيم سبقت الترقيم الحديثة

يعتبر استخدام علامات الترقيم من المدخلات الحديثة على اللّغة العربيّة، وقبل ظهورها واستخدامها في الكتابة، كان العرب يستخدمون طرقاً أخرى لتجزئة النّصوص أو لإبراز جزءٍ معيّن من نصّ، فكانوا على سبيل المثال يميّزون العناوين الفرعيّة في النّصّ عن متنه من طريق وضع خطّ فوقها، وكان هناك مفهوم «الفواصل»٦ للفصل بين الجمل في النصّ غير القرآنيّ (وكان مرتبطاً عند العرب بالسجع، فالقافيّة٧ تدلّ على نهاية جملة). واستخدموا علامات الوقف لضبط مواقع الوقف عند تلاوة القرآن. فمنذ التنزيل القرآنيّ، كان هناك اهتمامٌ بتجزئة النصّ إلى آياتٍ وسور وكان هناك أيضاً اهتمامٌ بتمييز مواقع وطرق الوقف في القرآن، وتطوّر هذا الاهتمام بعد جمع القرآن ليشمل علاماتٍ لضبط التجويد، وعلامات لتقسيم القرآن إلى آياتٍ وأجزاء وأحزاب. وهذه العلامات كانت في بدايتها تدلّ على الجملة الكاملة أو غير الكاملة (أي تلك التي لا يجوز أن نقف في منتصفها)، وكانت أيضاً مهمّة في التجويد لأنّها علامات سمعيّة٨، ومن ثمّ تطوّرت علامات الوقف في القرآن لتشمل مواقع الوقف المسموح داخل الجملة٩، الوقف المحبّذ، والوصل المحبّذ. وكانوا يستخدمون الاختصار للدّلالة على الأساليب الوقفيّة المختلفة، فعلى سبيل المثال، الحرف «م» هو اختصار لـ«وقفٍ لازم»، أي الوقوف الإجباريّ، وحرف «ص» مع اللام الممدودة «لى» (صلى) هي اختصار لـ«الوصل أولى»، أي أنّه من المحبّذ عدم التوقّف.

يَرى أحمد زكي إلى علامات الوقف، الموجودة في «علم الوقف والابتداء»، بمثابة ممهّدٍ لظهور علامات الترقيم الحديثة. فقبل القرن التاسع عشر كان تقطيع الجمل ضروريّاً للنصّ القرآنيّ لعدم حدوث لغَطٍ أثناء تلاوته ممّا قد يؤثّر على معاني الآيات، ولم يكن ضروريّاً في النصوص غير الدينيّة.

بدأ الاهتمام الفعليّ بتجزئة النّصوص غير الدينيّة في العالم العربيّ في القرن التاسع عشر، فقالت زينب فوّاز بوجوب إدخالها على النّصوص العربيّة واعتمادها بصفة مستمرّة، في جميع النّصوص ومن قبل جميع النّاطقين بالعربيّة (حيث إنّ هناك كتّاباً ومستخدمين كانوا يستخدمونها بشكلٍ فرديّ). وكانت فوّاز قد استوحتْ ذلك من الكتابة الفرنسيّة واقترحتْ إضافة علامات الترقيم الأوروبيّة إلى الكتابة العربيّة في مقال نشرتْه في مجلّة «الفتى» المصريّة عام ١٨٩٣. وبناءً على اقتراحها، حاول حسن الطويراني، رئيس تحرير جريدة «النيل» وقتها، أن يخلق علاماتٍ مرادفة لعلامات الترقيم الأوروبيّة لتجنّب استعارة علامات أجنبيّة، لكنّ محاولته ذهبت سدىً. بعد ذلك قام أحمد زكي بتقديم علامات الترقيم في مقدّمة كتابه «الدنيا في باريس»، والذي يذكر فيه تفاصيل رحلته إلى فرنسا.

الجدير بالذكر أنّ المقارنة بين اللّغة العربيّة واللّغات الأوروبيّة كانت موجودة في كتابات الرحّالة العرب. فمثلاً، أرجع رفاعة الطهطاوي١٠ في كتابة «تخليص الإبريز في تلخيص باريس»، التطّور العلميّ والأدبيّ في فرنسا إلى «سهولة لغتهم وسائر مَن تكمّله»، ويقصد بهذه العبارة أنّ الفرنسيّين يستطيعون أن يقرأوا ويفهموا لغتهم بكلّ سهولة ودون الحاجة إلى إلمامٍ بعلوم النحو والأسلوبيّة والبلاغة. ولكن على الرّغم من وجود مقارنات شبيهة ومن ذكر علامات الترقيم من قبل بعض المؤلّفين (مثل أحمد فارس الشدياق)، فإنّ رسوخ علامات الترقيم في اللّغة العربيّة تمّ بفضل كتابات زينب فوّاز (ليست أوّل من ذكرها بل أوّل من اقترح ترسيخها في اللّغة العربيّة)، وحسن الطويراني (لتبيان الآراء المغايرة لقبول إدخال علامات الترقيم)، وأحمد زكي (من أدخلها رسميّاً).

زينب فوّاز: تطوير اللغة

كتبت زينب فوّاز في رسالة أرسلتها إلى مجلّة «الفتى» عام ١٨٩٣ عن أهميّة إدخال علامات الترقيم كجزء من الكتابة العربيّة. وقد قدّمت الموضوع بقولها «الفرنساويّون إذا كتبوا جملة تظهر للقارئ بتشخيصها وإشاراتها الدّقيقة وذلك بوضع علامات تدلّ على معانٍ خفيّة لا تظهر من تركيب الحروف فقط» (فوّاز ٢٠٠٧: ١٠٥). ذكرتْ فوّاز في رسالتها أنّ علامات الترقيم تساعد على سرعة فهم النّصّ دون الحاجة إلى إعادة قراءة الجمل ذهنيّاً بهدف وصل الجمَل أو فصلها، كما شدّدت على «المعاني الخفيّة» التي تحملها علامات الترقيم، ولعلّ اهتمامها بعلامات الترقيم من الناحية الدلاليّة يعود لكونها أديبة تهتمّ بطرائق التعبير الأدبيّة وقد رأتْ أنّ هذه العلامات تعبّر عن مشاعر وانفعالات الأديب، وهو أمر ذو أهميّة لتحقيق التواصل بين الأديب والقارئ.

ذكرتْ فوّاز في رسالتها العلامات التاليّة (وكانت قد وضعت تسميات عربيّة للبعض منها):

الصفران : وهي علامة تسبق شرح كلمة أو عبارة.

الألف والصفر ! للتعبير عن التفاجؤ والاشمئزاز والنداء.

علامة ؟ (دون إطلاق تسمية) توضع في نهاية السؤال.

القوسان () للإحاطة بجملة إذا حذفناها لا تؤثّر في المعنى.

أصفار التعليق (...)، حسب فوّاز، تستعمل هذه العلامة في وسط الجملة إمّا للدلالة على كلماتٍ مفهومة من سياق الجملة، أو للدلالة على كلمة لا يجوز ذكرُها، وفي نهاية الجملة للدلالة على أنّ تتمّة الجملة مفهومة من السياق، كما وترى فوّاز أنّ وجودها في نهاية الجملة قد يدلّ على التعجّب.

قالت فوّاز في رسالتها إنّ بعض الصحف (دون أن تسمّيها) استخدمتْ علامات الترقيم لكنّ القارئ العربيّ لا يفهم دلالاتِها. ودعت اللغويّين إلى البحث في هذا الموضوع بهدف اعتبار هذه العلامات كجزء من الكتابة العربيّة لأنّها اعتبرت غيابها بمثابة نقص في اللّغة العربيّة، فذكرت في رسالتها أنّ اللّغة العربيّة أغنى من اللّغات الأوروبيّة، إلّا أنّ الأخيرة تطوّرت وتقدّمت على اللّغة العربيّة من خلال ترقيمها للنّصوص، ويجب على اللّغة العربيّة أن تحذو حذوها كي تواكب تطوّر اللّغات الأخرى.

حسن الطويراني: لا مسّ بالعربية

أخذ حسن الطويراني (مؤسّس ورئيس تحرير جريدة «النيل» المصريّة) ما كتبتْه فوّاز بعين الاعتبار، وكتب كتاباً سمّاه «كتاب خطّ الإشارات» (١٨٩٣)، وذكر في مقدّمته رسالة زينب فوّاز. حاول الطويراني في كتابه اعتماد مفهوم ترقيم النّصوص مع ابتكاره لعلامات أخرى برموز مختلفة عن الرموز المستخدَمة في ترقيم النّصوص الأجنبيّة تجنّباً للاستعارة من اللّغات الأجنبيّة، وبالتالي التأثّر بها.

«ولمّا كانت الدلالة على هذه المعاني [لعلامات الترقيم] تهمّ الكاتب والقارئ والمستمع ولم تكن موجودة عندنا وليس علينا أن نكتفي بمجرّد الأخذ والتلّقي بل لا بدّ من التروّي والتدبّر في كيفيّة الضروريّ منها وصور استعماله وما يلزم وليس معلوماً عندنا أو ليس موضوعاً له علامةً عندهم أو ما هو موجود لديهم وليس ممّا يلائمنا وكيف يصحّ أن نبحث عن مجموع هذه العلامات وما هي الصّور التي تناسب أن تكون علامة على حسب أشكال خطّنا وقابليّته كما فعلنا بالأشكال الحسابيّة والهندسيّة وغيرها وأن نتحرّى أبسط الصّور التي يسهل تعلّمها وتعليمها وتداولها بين العموم منّا وأن نتباعد بقدر الإمكان عن العلامات المركّبة أو ذات الصّعوبة حتى لا تشقّ معرفتها على العامّة.» (الطويراني ١٨٩٣: ٧).

سمّى الطويراني علامات الترقيم بـ«فن خطّ الإشارات»، وربطها بالعلامات الموسيقيّة التي تدلّ على النوتات الموسيقيّة والتنغيم وتقود الموسيقيّ أثناء عزفه. وابتكر رموزاً للترقيم (مقسّمة إلى ثلاثة أقسام) كي لا نستخدم رموزاً أجنبيّة في كتابتنا، لكنّ نظام الترقيم الذي ابتكره بقي دون استخدام، ويرجع السبب إلى العدد الكبير للرموز التي ابتكرها إضافةً إلى تشابه بعضها في الشكل، ممّا يجعلها صعبة الحفظ على القارئ والكاتب. قسّم الطويراني علاماتِه إلى ثلاثة أقسام حسب وسيلة نقل المعرفة (أي حسب قراءة النّصوص إذا كانت فرديّة صامتة أو جهوريّة):

إشارات المفاهيم، وهي ٥٤ علامة للقراءة الصامتة. هدف هذه العلامات هو تجزئة الجمل والدلالة على التعابير المختلفة من تعجّب أو استفهام. تقبل إشارات المفاهيم علامات الترقيم الأوروبيّة.

إشارات الأصوات، وهي ١٧ علامة للقراءة الجهوريّة أمام جمهور من الناس. هدف هذه العلامات هو تبيان الوقف والتحكّم بسرعة القراءة وبنبرة الصّوت.

إشارات الأفعال، وهي ١٤ علامة للقراءة الجهوريّة، وهدفها الإشارة إلى الحركات الجسديّة التي يجب أن يستخدمها القارئ أثناء القراءة.

لم يتضمّن كتاب الطويراني أيَّ تفسيرٍ لشكل العلامات أو للوظائف التي حدّدها. يبيّن كتاب الطويراني العقليّة السائدة وقتها والتي ترفض دخول أيّ أجنبيّ على اللّغة العربيّة بهدف الحفاظ على أصالتها، كما ويبيّن التناقض الحاصل بين الكتّاب واللغويّين حول موضوع الاستعارة من اللّغات الأجنبيّة.

ويوضّح المستشرق مينييه في كتابه عن أعمال مجمع اللّغة العربيّة ذلك التناقض حول اللّغة العربيّة المكتوبة:

«يريد العرب، في مواجهتهم للغرب، فرض كيانهم القوميّ، ويبدو أنّهم يحاولون إقناع أنفسهم بغنى ثقافتهم، حضارتهم ولغتهم. قد يبدو هذا الأمر مفارقة لأنّنا نعلم، دون أدنى شكّ، مدى فخر العرب بماضيهم».

«إنّ القبول بتغيير الكتابة العربيّة يعني تغيير أسس اللّغة، والاعتراف بالنقص الموجود في اللّغة العربيّة وبأنّ الآخر الأوروبي هو على حقّ. إنّ أيّ تغيير في اللّغة العربيّة يظهر على أنّه تقليد لهذا الآخر وقبول بأسس الكتابة عنده. إنّ اللّغة العربيّة هي ما تبقّى للعرب للتعبير عن فرادتهم ولهذا فإنّ العرب متعلّقون جدّاً بها. قد سلبهم الآخر هذا الحقّ وسلبوه هم أنفسهم، عندما وظّفوا في علوم الآخر وتعرّضوا للغزو العلميّ والتكنولوجيّ لذلك الآخر، ولغزو فنّه وأشكال التعبير [الغربية] (كالرواية والمسرح والسينما...) ولذلك يرفض العرب أيّ مسٍّ بلغتهم». (مينييه، ١٩٧١: ٨٨)

أحمد زكي: جهود للتحديث

كانت علامات الترقيم، إذاً، معروفة شكلاً في اللّغة العربيّة قبل أن يدخلها أحمد زكي رسميّاً على اللّغة العربيّة١١. في كتابه «الترقيم وعلاماته في اللّغة العربيّة»، أطلق زكي عليها اسم علامات الترقيم وسمّى كلّ علامة باسمها المتعارف عليه حاليّاً. شرح زكي استخدامات كلّ علامة بتفصيل أكبر من سابقيه، واعتمد في شرح الاستخدامات على الاستخدام الفرنسيّ لها كما على استخدام علامات الوقف في القرآن (زكي، ١٩١٢: ٧). كان زكي قد كتب عن وجود علامات ترقيم في فرنسا لتيسير القراءة في مقدّمة كتابه «الدنيا في باريس»، وذلك قبل كتابه الذي تناول علامات الترقيم بالتفصيل، وتحدّث في المقدّمة، عن اعتراض المفكّرين التقليديّين المحتمل لاستخدام هذه العلامات:

«وقد رأيت في التعبير عن أسلوب جديد، قد لا يروق المتمسّكين بقديم التقاليد، الغافلين بمنهاجهم القديم العقيم، عمّا حدث في العالم من التقدّم العظيم». (زكي، ١٩٠٠: ١)

وكتب زكي عن الترقيم كعلامات للقراءة الصامتة كما للقراءة بصوتٍ عالٍ أو «التلاوة» كما سمّاها:

«لقد أشار سعادة أحمد حشمت باشا١٢ بتدارك النقص الحاصل في تلاوة الكتابة العربيّة، وطلب استنباط طريقة لوضع العلامات التي تساعد على فهم الكلام، بفصل أجزائه بعضها عن بعض، ليتمكّن القارئ من تنويع صوته (...) واشترط (حفظه الله) أن يكون ذلك الاصطلاح بطريقة منطقيّة مضبوطة، منطبقة على القواعد والأصول المقرّرة للوقف والابتداء، في اللّغة العربيّة». (زكي، ١٩١٢: ٧)

لاحظ زكي، خلال بعثته العلميّة إلى باريس، أنّ الترقيم يساعد الفرنسيّين، باختلاف أعمارهم أو خلفيّاتهم العلميّة، على القراءة دون تردّد، على عكس حال قراءة النّصوص العربيّة وقتها، حيث كان يجب على قارئ النصّ العربيّ أن يكون على دراية كافية بقواعد اللّغة العربيّة ليتعرف على بدايات الجمل (زكي، ١٩١٢: ٥)، ولذلك، رأى أنّ من المهمّ ترقيم المخطوطات العربيّة القديمة وطباعتها بهدف تيسير قراءتها وفهمها على الناس، وكان ذلك أيضاً بمثابة وسيلة للحفاظ على التراث العربيّ الموجود في هذه المخطوطات كي يتسنّى للأجيال القادمة دراسته.

وكان سبب إدخال زكي لعلامات الترقيم في البدء سبباً اجتماعيّاً على اعتباره أحد طرق مقاومة الانتداب الغربيّ في العالم العربيّ وقتها، فقد خشي الكتّاب العرب أن يؤدّي الانتداب إلى استخدام لغة أجنبيّة، خصوصاً الفرنسيّة، بدلاً من العربيّة. فكان الترقيم إحدى وسائل تيسير اللّغة العربيّة وجعل قراءتها بسهولة قراءة الفرنسيّة وبذلك، محاربة طغيان اللّغة الفرنسيّة على اللّغة العربيّة. ويوضّح الاقتباس التالي هذه النظرة لوجوب ترقيم النصّ العربيّ:

«ولقد طالما فكّر الغيورون على اللّغة العربيّة، العاملون على تسهيل تناولها، في تلافي هذا الخلل الفاضح، وتدارك هذا النقص الواضح، خصوصاً بعد اندماج الأمم بعضها ببعض، وشيوع اللّغات الأجنبيّة في بلادنا، فرأوا أنّ الوقت قد حان لإدخال نظامٍ جديد في كتابتنا الحاليّة - مطبوعة أو مخطوطة - تسهيلاً لتناول العلوم، وضنّاً بالوقت الثمين أن يضيع هدراً بين تردّد النظر وبين اشتغال الذّهن في تفهّم عبارات كان من أيسر الأمور إدراك معانيها، لو كانت تقاسيمها وأجزاؤها مفصولة أو موصولة بعلامات تبيّن أغراضها وتوضّح مراميها». (زكي، ١٩١٢: ٦)

قدّم زكي في كتابه عشر علامات ترقيم١٣: الفاصلة، الفاصلة المنقوطة، النقطة، علامة الاستفهام، علامة التعجّب، النقطتان العموديّتان، نقاط الحذف، الشرطة، علامات التنصيص والقوسان. وقسّم هذه العلامات إلى قسمين: علامات الوقف وعلامات النبرات الصوتيّة وتمييز الأغراض الكلاميّة، وجاء هذا التقسيم حسب وظيفة كلّ علامة إن كانت نحويّة، صوتيّة أو تعبيريّة.

علامات الوقف

استوحى زكي في هذا القسم من علامات الترقيم في اليونانيّة القديمة، وهي نقاط أرسطوفان، واستخدم المصطلحات نفسَها المستخدمة في تسمية أسلوب الوقف القرآنيّ١٤. وعلامات الوقف حسب زكي هي التالية:

الوقف النّاقص: وهو ما يقابل النقطة السفليّة عند أرسطوفان، وتعادلها الفاصلة.

الوقف الكافي: وهو ما يقابل النقطة المتوسّطة عند أرسطوفان، وتعادلها الفاصلة المنقوطة.

الوقف التام: وهو ما يقابل النقطة العليا عند أرسطوفان، وتعادلها النقطة.

علامات النبرات الصوتيّة وتمييز الأغراض الكلاميّة

علامات النبرات الصوتيّة هي علامة الاستفهام، علامة التعجّب ونقاط الحذف لأنّها تغيّر من نبرة الصوت في نهاية الجملة ومن وقع الجملة على القارئ. أمّا علامات تمييز الأغراض الكلاميّة فهي علامات التنصيص، النقطتان العموديّتان، الشرطة والقوسان، وتحدّد هذه العلامات الغرض من الكلام كما وتنسبه إلى شخصٍ يحدّده الكاتب. وابتكر زكي علامة إضافيّة خصّصها للكتابة العربيّة سمّاها «الشولة المثنّاة»، وهي عبارة عن فاصلة (أي شولة) وضع في أسفلها نقطتين متجاورتين، وتدلّ هذه العلامة على نهاية الجملة في النصّ المسجوع.

أوضح زكي أنّ الهدف من علامات الترقيم هو ليس فقط تبيان أماكن الوقْف، بل أيضاً تنظيم الأفكار في النصّ لإيجاد رابطٍ بين الكاتب والقارئ. وأعطى الحريّة للكتّاب باستخدام بعض هذه العلامات دون غيرها، شرط التقيّد بقواعد استخدامها (زكي، ١٩١٢: ٣١). أرسى كتاب زكي قواعد عامّة للكتّاب وقتها كي يرقّموا نصوصهم، وقد ساهم كتابه في تحسين الكتاب العربيّ المطبوع١٥.

في الخلاصة، يمكن القول إنّ إدخال علامات الترقيم على اللّغة العربيّة كان له ثلاثة أهداف رئيسة:

تمكين العالم العربيّ من قراءة الكتب العربيّة القديمة والحديثة، من أجل أن تكون القراءة سهلةً ومتاحة للجميع.

القدرة على القراءة بيُسر وبشكلٍ أسرع دون الحاجة إلى تكرار الجمل في الذهن للتأكّد من بدايات الجمل.

أن يستعين الكاتب بعلامات لغويّة غير الكلمات للتعبير عن أفكاره وعن المشاعر التي يريد أن ينقلها للقارئ، ممّا يمكنّه من كتابة جمل أقصر لأنّه ليس بحاجة للكلمات للتعبير عن العواطف والأفكار.

إنّ إدخال علامات الترقيم مثالٌ على استخدام اللّغة والتحسين فيها لأهدافٍ سياسيّة واجتماعيّة. لقد غيّر هذا التحسين من دور الكتابة العربيّة وجعل منها لغة للتعليم والتثقيف، كما وشجّع العرب على القراءة بلغتهم الأمّ، خصوصاً أنّ إدخال علامات الترقيم رسميًاً تزامن مع انتشار الكتاب المطبوع بالنسبة إلى الكتاب المخطوط.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
علامات التّرقيم نموذجاً

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.