العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

بازوليني في إيران

«ألف ليلة وليلة» في أربع عشرة ليلة

يقول بازوليني إنّه فكّرَ بزيارة إيران عندما كان يتحدّث مع الروائيّ الإيطالي، ألبرتو مورافيا، عن قصص ألف ليلة وليلة١. وذات مساء صيفيّ في روما، بينما كان بازوليني جالساً في بيته في روما خطرتْ ببالِه: إيران، لا بدّ من زيارتها، وفي خلفيّة هذه العبارة كثيرٌ من خيالِه الجامح وفكرِه المحطِّم.

هل كان بازوليني منذ ذلك الحين، وهو في أوجِ شهرتِه والجلَبة التي تركتْها أفلامُه، يفكّر بصناعة فيلمٍ في إيران وأراضٍ شرقيّة أخرى؟ وعندما زارها لأوّل مرة في الستينيّات، هل خطّط لتلك الثلاثيّة التي سيأخذ بتكوينها بعد مرور ما يقارب عشر سنوات على الزيارة الأولى؟ هل كان وراء تلك الفكرة أنْ يضعَ الجامعَ إلى جانب الكنيسة التي طالما دأب على نسف مؤسّستها في أفلامه، وقد حدثتْ مشاهد ومشاعرُ حميمةٌ في الجامع الإيرانيّ أمام كاميرته وخلفها، وأحدثتْ ضجّة؟ أم كانت فكرتُه تطغى عليها نظرتُه الرؤوفة نحو المسيح باعتباره رمزاً دينيّاً طاهراً وبريئاً كأيّ شخصٍ عاديٍّ وجميل من الطبقة الفقيرة، وكبشرٍ ملموس وحقيقيّ؟ وهل صنع أحدٌ فيلماً عن المسيح حتى اليوم أفضلَ من فيلمه؟

لم تكن لنظرةِ مُخرجنا المتمرّد أيُّ صلَة مع الرؤية الاستشراقيّة السائدة في الغرب آنذاك، والتي كانتْ قد وُلدتْ منذ وُلد الاستشراق، وهو الذي غدا في طليعة هادمي أطُرِ مؤسّسةٍ كهوليوود ومبدّد جميع رؤاها، سواء نحو المرأة أو الجنس أو الشرق أو حتى الإنسان، لكنْ هل يمكن إدراج نظرته المستغربة دائماً ضمن ما عُرف بخطاب ما بعد الاستعمار؟ هل يمكن العثور على بوارقَ من الحياة البدائيّة في تصويره مقاطعَ من فيلمه في جامعٍ وعمارة إيرانيّين، في آخر حلقة من ثلاثيّة «الحياة»، التي أعاد بها الإنسان إلى ذاته البدويّة المحبّة للأكل والتبرّز والجنس؟ أم هي إشارةٌ أخرى بأصبعه النّافرة نحو موت الخيرِ في العالَم الحديث، ليجعلَ الجمالَ جليّاً ومضمحلّاً في آن واحد، في أماكن خلّابة وفائقة الجمال خلقتْها الحضارةُ الإسلاميّة والإيرانيّة؟ وهل كان بازوليني سیعود إلى إيران مرّةً ثانية من أجل تصوير حلقة من ثلاثيّة «الموت» التي أنجز الجزء الأوّل منها بعنوان «سالو» salo، ليكون موتُه جزأها الثاني؟ أمّا جزؤها الثالث فما عساه يكون اليوم؟

ليس غرَض هذا المقال الردَّ على هذه الأسئلة، لكنّها «هدرت» مثل «شقشقة»، ويريدني هذا المقال أن أكتبَ فقط عن حضور أحد مخرجيّ الأحبّة القلّة، بيير باولو بازوليني، وتواجده في إيران.

في حوارٍ له بعد يوم من انتهاء التصوير لمقاطع كان يريد تسجيلها في إيران، حضر بازوليني مؤتمراً صحافيّاً قصيراً في فندق «آريا - شيراتون» في طهران، طُرحتْ عليه أسئلة من مراسلين عدّة، فنُشر التقريرُ عن ذلك المؤتمر غير المنسجم في مجلة «تَماشا» الإيرانيّة (١٠ أيّار / مايو ١٩٧٣)، لكنه يحتوي على أسئلة مختلفة وإضاءاتٍ كثيرة.

البحث عن ألف ليلة وليلة

في بداية الحوار، يقول بازوليني: «في حديثٍ كان لي مع ألبرتو مورافيا عن «ألف ليلة وليلة»، تعرّفتُ إلى هذه القصص، وفكّرتُ أن أزور إيران. يجري تصوير هذا الفيلم في عدّة بلدان شرقيّة. بدأ تصوير القسم المتعلّق بإيران منذ خمسة عشر يوماً، وانتهى يوم أمس». ويتابع موضّحاً: «ليس «ألف ليلة وليلة» فيلماً قرّرتُ صنعَه بشكل مباغت، بل إنّه جزء من ثلاثيّة متكوّنة من «ديكاميرون» (the Decameron)، و«حكايا كانتربري» (the Canterbury Tale). حين صنعتُ «ديكاميرون»، فكّرتُ بضرورة تشكيل هذه الثلاثيّة. فاستمرّتْ بفيلم (حكايات كانتربري)، وسوف تختتم بفيلم «ألف ليلة وليلة»».

لا أخفي عليكم أنّني بعد عثوري على هذا الحوار في المجلّة القديمة في أرشيف المكتبة الوطنيّة في طهران، أخذت أقرأ كلّ كلمة منه وبشغفٍ كبيرٍ كأنّه جزءٌ حميم منّي، وأقول له: «كم أحبّك، كم أحبّك!».

ثمّة محطّات أخرى، يمكن الوقوف عندها، وقد ذكر فيها بازوليني إيران. يذكر الكاتب الإيطاليّ فرانشيسكو بيرغو (Francesco Perego) في مقال له بعنوان «بازوليني يبحث عن ألف ليلة وليلة» والمنشور في ١١ آذار / مارس ١٩٧٣ في مجلّة Tempo الإيطاليّة٢، نقلاً عن المُخرج، وهو كان يصوّر آنذاك مقاطع من فيلم «ألف ليلة وليلة» أو «الليالي العربيّة» أو «زهرة ألف ليلة وليلة»، في مدينتي أصفهان ومورتشه خورْت القريبة منها:

«طالما تذكّرتُ هذه المدينة كمدينة هائلة، وآمل أن أستطيع استخدامها في فيلمي كلِّه. ولكن حين ذهبتُ إليها في المرّة الأخيرة لإيجاد مواقع للتصوير، رأيت الجرّارات تدمّر آخر البيوتِ فيها، والرافعات تشيّد مدينة حديثةً ووضيعة على أنقاض تلك الديار. لحسن الحظّ أنّ بعضاً من هذه العمارات والمعابد الجميلة جدّاً مازالت باقية. هذا يحدث اليوم في جميع البلدان النامية. ربّما لأنّ التعلّق بالعمارات هو أحد نتائج الرفاه الاقتصاديّ».

ويشير بازوليني هنا إلى الفنّ المعماريّ الرائع في اليمن، فيؤكّد أنّ ما يجري من هدمٍ للموروث الفنّيّ والثقافيّ في هذه البلدان هو «فعلٌ أحمق» يبدر من قبل رجال السلطة، «ذلك أنّ الموروث الفنّيّ له قيمتُه الاقتصاديّة الخاصّة». فيواصل بحماسةٍ حديثَه عن الفنّ المعماريّ الذي يحتضنه اليمن بما هو أهمّ ثروة يملكها البلد الفقير اقتصاديّاً، مؤكّداً أنّها ثروةٌ يمكن استخدامُها واستغلالها بشكلٍ ذكيّ، لكنّ الحكّام لا يعون ذلك.

وفي مقال لبازوليني بعنوان «ذوو الشّعر الطّويل، في خدمة الثقافة الكاذبة للسلطة» (٧ كانون الثاني / يناير ١٩٧٣)، ترجَمه إلى الفارسيّة «بيروز ملكي»، ونُشر في العدد ١٥٧ من مجلة «نِكین» (في ٢٠ حزيران / يونيو ١٩٧٨)، يشير بازوليني ثانية إلى زيارته لأصفهان، فيذكر في ختام المقال:

«في سبتمبر الماضي، كنتُ في إيران. في قلبِ إيران. هو بلدٌ يوصَف بالمتخلّف بشكلٍ مقزّز، أو يقال عنه بطريقة لا تقلّ قُبحاً وبشاعة إنّه بلد «في قفزةٍ تطويريّة». على أنقاض اصفهان التي زُرتها قبل عشرة أعوام، وكانت من أجمل مدن العالم، وربّما أجملها، قد نشأت اصفهانُ جديدةٌ، حديثة، وقبيحة جدّاً. ولكنّك ما زلتَ تشاهد في المساء، في شوارعها وورشاتها ومتنزّهاتها، شباباً كالذين كنّا نراهم في إيطاليا قبل عشرة أعوام. شباباً وقورين ومجهولين وذوي أقفيةٍ جميلة ونظيفة، ووجوهٍ جميلة ونقية ومُشرِقة تزيّنها خصلة شعر رزينة وبريئة.

ذات مرّة، وأنا أتجوّل في شاعر المدينة الرئيسي، رأيت كائنيْنِ مخيفيْن. لم يكونا ذويْ شعرٍ طويل حقيقيّ، يل حلقاه على الطريقة الأوروبيّة: طويلاً من القفا، وقصيراً حيث الغرّة، مدهوناً ومسحوباً، بخصلتيْن مصطنعتين ووسختيْن، على الصدغين والأذنين.

ماذا كان يقول ذلك الشّعر؟ كان يقول: نحن لسنا من هؤلاء الشحّاذين. لسنا في زمرة هؤلاء البؤساء المتخلّفين الذين مازالوا يعيشون في زمن البربريّة. نحن موظّفو بنوك، نحن طلّاب جامعات، أبناء لآباء أصبحوا أثرياء بعد أعمالهم في شركات البترول. نحن نعرف أوروبا. وقد قرأنا الكتب. نحن بورجوازيون. وهذه شُعورنا، دليلاً يُثبت حداثتَنا العالمية وميزاتنا»٣.

أعمدة الرياح والإمساك بيد الحياة

أمّا المحطّة الثالثة التي يتطرّق بازوليني فيها إلى إيران فهي في فيلم وثائقيّ بعنوان «في إطار مدينة»، حيث يشير إلى مدينة «يَزْد» الإيرانيّة بعد أن ينتقد إمبراطوريّة شاه «بلاد فارس»:

«أتذكّر هناك مدينة مذهلة اسمها يَزْد، في أعلى الخليج الفارسيّ، وبالقرب من الصحراء. هي مدينة مدهشة، وفي أنحاء المدينة كلّها، ثمّة نظامٌ قديم لتوجيه الرّياح، يعود إلى ألفين أو ثلاثة آلاف عام، ومازال كما هو منذ البداية. يشتمل هذا النظام على أعمدةٍ تستقبل الرّياح، ثم توجّهها نحو المدينة. وفي هذا المشهد، تبدو المدينة تحت سلطان أعمدة الرّياح تلك، والتي تشبه معابد يونانيّةً أو مصريّة. شيءٌ مذهل. لكنّنا عندما ذهبنا مرّة أخرى إلى هناك، كانت المدينة مدمَّرة كأنّها قُصفتْ كلّيّاً. قرّر الشاهُ تحطيم تلك الأعمدة كي يُظهر لأتباعه وشعبه أنّ بلادَ فارِس قد أمستْ بلداً حديثاً ومتقدّماً»٤.

رابع محطّة التقى فيها بازوليني بإيران، وربّما أشهرها، كانت في فيلم «ميديا» (Medea - ١٩٦٩)، والذي استَخدم فيه الموسيقى الإيرانيّة عدة مرّات بصوت المطرب الإيرانيّ «أكبر كُلبايكاني» (Akbar Golpayegani)، وعَزْفٍ للموسيقار الإيرانيّ «نورْ علي خان بُرومَند» على آلة «التّار»، وفي مقام «السيكاه» الموسيقي. عزفت هذه الموسيقى في قاعة منظّمة اليونسكو الدوليّة عام ١٩٥٦، فاعتُبر هذان الموسيقيّان، إلى جانب «علي أصغر بَهاري» في طليعة الموسيقيّين الذين عرّفوا العالم إلى الموسيقى الإيرانيّة. استخدم بازوليني الموسيقى في فيلمه دون إذن من المطرب والعازف، وعندما عرف كُلبايكاني بذلك، وهو المعروف في إيران بـ«كُلبا» Golpa رفع دعوى ضدّ بازوليني بناءً على قانون حماية حقوق المؤلّف.

انتشرت في إيران أخبار عن القضيّة التي رفعها «كُلبا» ضدّ بازوليني، وامتثالهما أمام المحكمة، ودفعِ بازوليني غرامةً ماليّة كبيرة. إلّا أنّ المخرج الإيطاليّ قال، في المؤتمر الصحافيّ الذي عقده في طهران، والمشار إليه سابقاً، إنّه سمع تلك القطعة الموسيقيّة على أسطوانةٍ وزّعتْها اليونسكو، فاستخدمها في فيلمه. أمّا في ما يتعلّق بحقوق المؤلّف، فأردف قائلاً «هذا أمرٌ يتعلّق كليّاً بمنتج الفيلم، وليس بي».

وعن سبب استخدامه للموسيقى الإيرانيّة في فيلم «ميديا»، يجيب بازوليني: «فيلم (ميديا)، فيلم رمزيٌّ وليس فيلماً حقيقيّاً. وهو من ناحية الإيقاع والحركة يشبه تماماً فيلم «توريما» (Teorema). ولأنّه خارج عن الحالة الحقيقيّة، فقد استخدمتُ فيه نوعين من الموسيقى: الموسيقى الدينيّة، واعتمدتُ في ذلك على موسيقى بلاد «التيبت»، وعلى موسيقى الحبّ، حيث استخدمتُ الموسيقى الإيرانيّة».

أمّا محطّة بازوليني الإيرانيّة الأخيرة فهي في قصيدةٍ شعريّةٍ بعنوان «قصيدة حديثة على شكلِ وردة»، في ديوانه «شعرٌ على شكل وردة». يَذكر في مقطع من القصيدة، والذي عنونه «الورقة العبِقة الثانية»، رئيسَ الوزراء الإيرانيّ، الدكتور محمد مصدّق، والذي أمّم صناعة البترول في إيران عام ١٩٥١، بعدما كانت تسيطر عليها بريطانيا. يبدأ المقطع بذِكرِ صديقه «ليونيتي»٥ (Leonetti) صارخاً، فيتابع:

«في البتلّة الثانية، آمال كبيرة مع إيناودي٦.

ومن منفاه

مثله مثل مصدّق الصغير،

يداعب حلماً يكون فيه ديغولُ ملكاً.

حلقة تماثيل لأقزام مرسومة بأسلوب SS

ولا شيء لنا

نحن أصدقاءه الأعزّاء، إلخ.

ينهي حلمه: ممتاز. يستعيد الخطايا للخاطئين: ممتاز».

الصوَر المتعلّقة بوجود بازوليني في إيران محفوظة حاليّاً في متحف بازوليني في مسقط رأسه، بولونيا. بعضُها التقطه هو نفسه، وبعضها الآخر صوّره المصوّر روبرتو فيلا (Roberto Villa) الذي رافق بازوليني في مشروع فيلم «ألف ليلة وليلة».

الحياة البدائيّةً غير ملوّثة بالحداثة، كما كان يحلم بها بازوليني، وكما صوّرها في ثلاثيّته الأسطورية، تتجسّد في صور لمشاهد من الفيلم وصور خلف الكواليس. ونرى في تلك الصور - في الظاهر كما في الباطن - مُخرجاً وشاعراً ومبدعاً لا يعرف القرار ولا يريد اللاقرار. ويمكن الاكتفاء بتلك الصور للاطّلاع على أنواع التناصّ الفنّيّ والأدبيّ التي يمارسها بازوليني في السينما. إنّ صُوره تمسك بيدَ الحياة، وتسير معها جنباً إلى جنب نحو الجمال ونحو هاويته، كما تفعل أفلامُه، وكما أمسكَتْ مسيرتُه الإبداعيّة بيد الموت وسخرتْ منه في آن. أتصوّره يصرخ في أعماق روحه وهو يلفظ أنفاسَه الأخيرة أمام قاتله: «تبّاً لكِ أيتها الحياة، تبّاً لكَ أيّها الموت!».

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
«ألف ليلة وليلة» في أربع عشرة ليلة

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.