العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

وَرشة الشِعر في ضيافة المُستقبل

«ورشة الشعر، ليستْ شخصاً»

١
.. إذن، في ورشة الشعر١، ليس من الحكمة الانفراد بالعمل. فكلّما كان الأمر يتعلّق بالشعر، ازدهرت الورشة بمفهوم العمل الجماعيّ، متحرّرةً من وهْم الدرس والمواعظ، تفادياً لجاهزيّة الخطاب. فالشاعر لا يُحسن ذلك، ولا يحبّه. (افتح الأفق لأحداقك تُبصر بقلبك، أكثر ممّا ترى بعينيك).

٢
لسنا درساً ولا أجوبة، نحن الأسئلة، المزيد من الأسئلة، تبادلُ أنخابٍ من شأنها أن تساعدنا على صقل الموهبة بالمعرفة. إذا أنتَ أحببتَ الكتابة، فلا أحد يعلّمك الشعر.

بحاجة لما لا يُقاس من الأحلام والأجنحة.

اللغة، جماليّاتُها، آفاقها، ألغازُها، ورموزها التي لا تُحصى، هواءُ الشعر ومداركه. بغير ذلك أنت لا تدخل الشعر ولا تصل إليه.

ولا ينالك جنونُه. (سمّيتَ بابَ الناس أخطاءً ملفّقة، سمّيتها أفقاً. وبنيتُ فيها جنّةً الكلام).

وبما أنّ الشعر، بوصفه إبداعاً إنسانيّاً، لا يقبل الأجوبة النهائيّة، فنحن نذهب إلى غابةٍ كثيفةٍ من مجاهيل المعرفة والمخيّلة وشغف الجمال، وأخشى أنّنا نذهب نحو غابةٍ تحترق.

(النار لا تنال من أجنحة الشعر، الكتابة ريشٌ أقوى من الهواء).

٣
يتقدّم الشعرُ في الجديد، متحرّراً من جاهزيّات الأداة والآليّات وتقاليد البلاغة الموروثة. لذلك فإنّ مسؤوليّات الشاعر الجديد أكثر صعوبة وجوهريّة وذاتيّةً ممّا يزعم المحافظون، وما يظنّ بعض المجدِّدين.

الآن، باتَ على الشاعر الجديد أن يُقنع القارئ بشعريّة النّصّ عارياً من عناصره المألوفة.

٤
ربّما نكون قد اكترثنا بالحداثة، في شروطها الغربيّة، أكثر من اللازم؟ هل ثمّة تفريطٌ وتضحية بالتجربة اللغويّة للشعر العربيّ، ذهاباً إلى التجديد؟

هل لدينا قدْرٌ من الشجاعة يكفي لممارسة الفعل النقديّ لصنيعنا وما نذهب إليه؟

٥
لسنا رهائنَ تراث الماضي، لئلّا يكونَ سلطةً مع حداثة الحياة ومستقبلها، دون أن تكون سلطةً هي الأخرى، وبما أنّ شرط الإبداع هو الحرّيّة، فسوف يتطلّب هذا أن نرى إلى التراث بوصفه اقتراحَ الماضي، كاجتهاد، وليس قانوناً لازماً، كما أنّه لم يعُد قياس الآباء لصنيع الأبناء.

لكي تذهب نحو الجديد يتوجّب أن تعرف القديم، ولكي تكسر القاعدةَ يتوجّب أن تعرفها جيّداً. مع الانتباه أنّنا لا نضع تجربة المنطاد قبل الطائرة ووسائل الاتّصال الأحدث. فاللغة هي جوهرة الميزان في تراثنا جميعه.

ذلك ما أحبّ أن أسمّيه حيويّة الجذور والأجنحة.

٦
الكتابة الشعريّة في كلّ مرّة هي اكتشافٌ جديدٌ لإمكانات اللغة وجماليّاتها، ولعلّ هذا هو المبرّر والدافع الغامض لكتابة النَّص الجديد التالي.

٧
تكتب كمن يكتشف اللغة لأوّل مرّة، تلك هي طاقتك على الإبداع، كأنك تحاول استدراك ما فاتك في المرّة السابقة.

الحداثة ليستْ هناك، الحداثة هي أنتَ، والأصالة هي أن تكون أنت الأصلَ في الجذور والأجنحة. بأحلامك الجديدة المغايرة / المغامرة، وبالنشاط النوعيّ لمخيّلتك، وهي تبتكر الصور وتكتشفها.

كيف تكتب الشعر

١
كيف نكتب الشعر؟

هل فعلاً تريدون معرفة الطريق الممتازة لكتابة الشعر؟

عجيب، إنّه الهاجس نفسُه الذي شغلني منذ أكثر من خمسين سنة تقريباً.

وها أنا الآن اكتشفُ لكم الآتي:

ليست هناك طريقة واضحة أعرفها لكتابة الشعر.

منذ البداية، إمّا أن تكون مستعدّاً لكتابة الشعر أو لا تكون، لا أحد يمكنه ان يعلّمك الشعر،

ها أنتَ مثل السمكة والسباحة.

٢
الشغف / ماذا يُسمّى بالإنكليزي؟ passion؟

نعم / هل تلاحظون هذه المصادفات في التشابه الصوتيّ للحروف في الكلمة باللغتين: حرف الشين خصوصاً. أشعر بأنّ الشين بأضراسها الرهيفة، هي بمثابة المعنى وهو ينْشب أظفارَه في روح الكائن. الشغف إذن هو وحده الذي يضعك في موج الشعر، والباقي يتوقّف على معرفتك السباحة والتحليق والحلم.

غير أنّ الشغف ليس نهاية المطاف. عند «أوشو» (الشغف شهوةٌ والعطاء حبّ)، الشهوة هي من طبيعةٍ جسديّة أتمثّلها بمثابة المقدّمات الروحيّة لتحوّلات الشعر إلى مرحلة العطاء. الشعر إذن هو مرحلة العطاء الكريم بلغةٍ تضاهي الأحلام. ولئلّا نذهب كلّيّة فيما يذهب إليه أوشو نفسيّاً، سنضع الشغف في مصاف العاطفة الروحيّة، ونعتبر الانتقال باللغة الشعريّة إلى العطاء، كرَماً نوعيّاً يمنحنا الشعر طبيعته البشريّة، ويمكننا من وعي أخذ عناصر الشغف إلى مكوّنات العطاء. أوشو يصل إلى تقديس الإنسان، لفرط ملامح البذْل فيه، في حين أنّني لا أرى في التقديس طبيعةً شعريّة حرّةَ المخيّلة.

وكلّما توغّلتْ مخيلتك في جماليّات اللغة تسنّى لك المزيد من المكتَشفات في طريق الشعر.

٣
التفتْ ناحية تاريخ الكلام وهو يتحوّل إلى كتابةٍ. فمن غير التاريخ ليس من المتوقّع أن يتدفّق الدّم في أوردة الشغف الشعريّ في كيانك. وهذا ممّا لا يعلّمك إيّاه أحد. فنّ الكتابة يصدر من تاريخ الإنسان ويذهب إليه. منذ لحظتك الأولى ستشعر بسطوة التاريخ على استعدادك الأوّل للشعر.

تلك هي الإشارة المبكّرة للموهبة.

٤
إذا انتظرتَ من يعلّمك الكتابة، فستكتب.

ستكتب الشعر، لكن مثلما يصفُ لك شخصٌ:

(كيف تتعلّم كتابة الشعر في أسبوعٍ بدون معلّم).

فليس ثمّة مَن يعلّمك الشعر ... سواه.

سيكون لديك من تجربة الحياة ما يفيض على جميع مواعينك وكلّ أواني قريتك. فعلى قدْر الحياة، حياتك وغيرُها، يمكنك أن تتعرّف على الشعر، وتكتبه، فليس ثمّة درسٌ ناجع مثل درس الحياة، وبعد أن تتوفّر على الموهبة، ستجد نفسك في مواجهة المعرفة، بوصفها الحاجةَ الأهمّ من أجل أن تصير موهبتك صالحةً للعمل.

٥
كتابة الشعر، تجربةٌ مشوّقة فعلاً.

ها أنت في ورشةٍ للشعر دون أن تعدك بشيء. ستقرأ الشعر، كثيراً من الشعر، وستقرأ الأكثر عن الشعر أيضاً.

غير أنّك سرعان ما تكتشف أنّ الطريق إلى الشعر أكثر جمالاً من الشعر. بالمناسبة، ليس ثمّة جمالٌ في الشعر.

مثل سمكة أنت. ستعرف السباحة مثلها، أو أنك لستَ سمكة. فإذا لم تكن سمكة، عليك بالسهر على دراسة البحر. فالماء قبل البحر وبَعده.

٦
إذا طابَ لك الموج، فأنت على شفير الهاوية. اقذفْ بنفسك بلا تردّد. لا تتأخّر عن الهاوية، فثمّة أجنحةٌ كثيرة في انتظارك. لن تذهب إلى الشعر بلا أجنحة. المزيد من الأجنحة، والريش الكثير.

كلّما تيسّرتْ لك معرفة الماء، صار البحر صديقاً يرأف بك، في الموج والسفينة. أشياء كثيرة لا تصير شعراً، إلّا عندما تلمسها بأصابعك، بالأهداف الناعمة في اجنحتك الكثيرة. ففي الطريق إلى الشعر تتسنّى لك جماليّات المعرفة.

المعرفة هي الصخرة التي تَسند الجبل، فإذا سقط الجبل، عليك أن تتلقّاه بكتفيك المنهكتين. وإن كان الجبل أقوى عليك، ويكاد أن يسحقك، فدعْه يسحقك. فهذا حقُّه عليك. لجبل الشعر أن يسحقك.

تفادي سطوة العقل

١
لا تفكرْ وأنتَ تكتبُ الشعر.

الشعر يُكتب بالقلب لا بالعقل.

(أدفعُ العمرَ الباقي، نصفه على الأقلّ، مقابل أن أعرف الكلمات التي قالتْها «حوّاء» وهي تقنع «آدم» بالتفاحة. أسطورة مستحسنة).

للعقل جلافةٌ تفسد الشعر، وإذا كنتَ تنوي إقناعنا بأمرٍ ما، عليك أن تترك الشعر بعيداً عنك. هكذا أتوجّسُ وأنا أقرأ النّصّ، فشعريّته تخبو وتتلاشى كلّما يقتحم عقلُ الشاعر لحظةَ الكتابة.

٢
الشعر تدفّقٌ عفويّ (لئلّا أقول بدائيّاً)، يقارب الهذيان، وقيل الهرطقة، الشعر يخضع للامنطقيّةٍ جامحة. فيرى الصوَر كما لا تُرى في الواقع، في الأصل. وقُل إنّه يتخيّلها ويبتكرها مخلوقةً.

وإذا جئتَ الى الكتابة مدجّجاً بمنطقٍ مسبَق، فستصدم بمقدار الفوضى التي تتفجّر بين يديك وفي وجهك، فيما تحاول تنظيم ما يستعصي على التنظيم.

ثمّة فوضى عارمة قيد التخلّق تحتدم في شكلِ ألعابٍ نورانيّة من الكلمات والحروف والصور والموسيقى والمَكر والسحر والجمال والمتعة والفجور والحُمم والأحلام في سديمها.

كيف تريد لكلّ هذا البركان أن ينضويَ تحت سرادق العقل والوعي والمنطق؟

٣
شيء يتأرجح بين العبقريّة والفلسفة والجنون.

هذا هو الشعر، كلّما أراد الشخص الكتابة أو القراءة.

النص، وهو يأتي مجرّداً من جاهزيّة أدواته القديمة، يتطلّب صرامةً حميمة يقنع بها القارئ بشعريّته. والتفريط في جدّيّة وجماليّة هذه العناصر الجحيميّة، التي تحضر لحظةَ الكتابة، إنّما هو تخلٍ عمّا يجعل النصّ شعراً.

٤
هل أنت ابن عقلك أم ابن قلبك؟

سوف يعرف الشعرُ ذلك. (كتبَ بالماء أشجاراً وقمراً وتفاصيل النوم الزاخر بالأحلام، وعندما ماتَ عجز المشيّعون عن حمله. طريق المقبرة كان مخفوراً بتماثيل ترتّل المطر).

إذن دع العقل خارج البيت، وأنت تدخل غرفة القصيدة. الذين يفكّرون لا يكتبون الشعر ولا يحبّونه. بل إنّ بعضهم يرى في الشعر انصرافاً عن الواقع وترويجاً للموت، وفاتَهم أنّ الشعر نقيضٌ للواقع. «هيدغر» في معرض كلامه عن «هولدرين»، ساهم في فتح الأفق للشاعر والقارئ معاً، وأوشكت الموسيقى أن تحتفل بزواجٍ نادر.

٥
لكي أفهم مقصد «رالف أمرسون»، الشاعر الأميركي، أتأمّل كلمته التالية: «القصيدة الحقيقيّة هي ذهن الشاعر». فإذن، لا يحتاج الشاعر للتفكير عندما يكتب شعره، الشعر يكفيه عجرفةَ التفكير، فالتأمّل مرحلةٌ أعلى من التفكير. هل يمكننا تخيّلُ ذلك. هل الشاعر يبدع نصوصاً غير مفكّرة؟

حسناً، ليس بهذا المعنى على وجه التعيين، لكن، كما نعتقد، إنّه إذا أراد الكاتب أن يقول فكراً، يتوجّب عليه الذهاب في اتّجاهٍ آخر وليس الشعر.

حتى إذا حدث وتضمّنت القصيدة فلسفةً ما، فهذه الفلسفة ليست فكراً، بالمعنى التقنيّ للفلسفة، إنّها انحيازٌ متهوّرٌ نحو الشعر، فالشعر هو أيضاً فلسفةٌ بوجهٍ من الوجوه. لكنّه ليس فكراً، بالمعنى التقنيّ أيضاً. ومَن أراد أن يفكّر فليذهب إلى سردٍ آخر. فالقصيدة هي فكر الشاعر.

٦
اكتب الشعر بقلبك،

واترك العقل لساعةِ تبييض النصّ ومراجعته.

الفلسفة في النّص

١
أشعر أنّ من بين أبرز مهمّات أجيال الشعر الجديدة، اكتشاف طاقة التأمّل في الصنيع الشعريّ، لتعميق الحسّ الفلسفيّ في الشعر العربي. ففي حضور خاصيّة الفلسفة بالنصّ الشعريّ، يُنجيه من الوقوع في السطحيّة، وفقر غنى الدلالات فيه.

٢
ممّا نتعرف عليه ونتعلّمه من تاريخ الشعر في الحضارة الإنسانيّة، أنّ الشعر كان غالباً بمثابة المواعين الفنّيّة لتحقّق الفلسفة في الحياة. وبما أنّ الفلسفة ليست موضوعاً محدَّداً منفصلاً ومكتفياً ومتجسّداً بذاته، وأنّها ليست سوى آليّاتٍ إجرائيّة تحدث من جرّاء سبل وأشكال وطرائق للنظر والتأمّل والتفكير، فهي تظلّ دائماً بحاجةٍ لمواعين وأدواتٍ وأوانٍ تتحقّق بها.

وكان الشعر هو أحد الأشكال التعبيريّة التي تتماثل فيها الفلسفة. وأظنّ أنّ أجمل الشعر، وأكثره جوهريّة وبقاءً، هو الذي استطاع الشاعر الموهوب إبداع نصوصه بأعمق الدلالات الفلسفيّة، لنرى الشعر يتحقّق بوصفه (الفيض التلقائيّ للمشاعر الجيّاشة) حسب تعبير «وردزورث».

٣
كرهَ العرب الفلسفة في الشعر، امتداداً لموقفهم الإسلاميّ من الفلسفة. وتكريساً لمفهومهم الشعريّ، رفضوا أبا العلاء المعري الذي تفلسف، وقالوا، قدْحاً في الفلسفة: (المعرّي فيلسوف، والشاعر هو المتنبي). وكانوا يرَون المعري ملحداً. مع أنّ النظر النقديّ المبكّر كان يرى من الشعراء العرب ثلاثة: المعري والمتنبّي وأبو تمّام.

٤
نتوقّع من موهوبي الشعر العربيّ في المستقبل، أن يحقّقوا الحوار المنتج بين الشعر وحركة الفلسفة فيه. فربّما في مثل هذا الحوار (لئلّا اقول الصراع) يتجلّى الفعلُ الإبداعيّ القائم على نشاط المخيّلة في الصنيع الشعري.

٥
منذ تحوّل الشعر، من دوره الطبيعيّ المعبّر عن حياة الإنسان وتجاربه الداخليّة، إلى وظيفة المنافح الأوّل، بعد الاسلام، عن الدين ومجابهة مناوئيه، ظلّ العرب ينظرون، وينظّرون، للشعر بوصفه تجربةً تعني بعموميّة العالم، مجرّد ناطق باسم القبيلة ومهمّاتها. وبقيَ كذلك حتى بداية مرحلتَي الحكم الأمويَ والعبّاسيَ، حيث بدأ التفلّت الأيديولوجيّ من ربقة الجاهزيّات الدينيّة والسياسيّة العربيّة، عندها فقط بدأ شعراءُ ذلك العصر يتحرّرون ويحرّرون الشعر معهم. بعدها، فقط، أخذ الشعر يستعيد المبادرة، ليكون، عُمقياً، نابعاً من ذات الشاعر باعتباره جوهرة المراصد.

أتذكّر الآن، كيف أنّ بعض نقّاد العرب في وقتهم، قالوا، بعد الإسلام، أنّ الشعر «قد لانَ» لإحساسهم أنّ الشعر، بعد الإسلام «أسْلمَ واستسلم» حسب تعبير الشاعر أدونيس، ففقد حرّيّته.

٦
وظنّي أنّ الشعر هو أكثر فنون التعبير اللغويّة قدرةً على القول الفلسفيّ، بسبب تميّزه بنشاط المخيّلة اللغويّة في بنيته الفنّيّة. ولأنّ الشعر، حسب «بول فاليري» (لغة داخل اللغة)، يظلّ قولاً فلسفيّاً بواسطة قدرته الابتكاريّة للصوَر والتعبيرات والجمل الشعريّة، فالفلسفة، في عُمقها التعبيريّ، تقوم على الإشارة وتتحقّق بالصور ذات الدلالات اللامتناهيّة. ونذكر أنّ «أرسطو» قال في وقته أنّ (الشعر أقدر تفلسفاً من التاريخ، وأهمّ لكونه يتعامل مع الكلّيّات).

وفي الثقافة العربيّة، مثلما وقفَ دهاقنة الدين ضدّ التفلسف والتأويل الدينيّ لدى المتصوّفة المسلمين، جاءَ المحافظون ليصدّوا التحديث في الشعريّة العربيّة، باعتباره شكلاً من أشكال إدخال الفلسفة والتأمّل في الأدب والكتابة العربيّة، وفي الشعر، بابُ الفلسفة المكين.

وكما هو متوقّع، حيث لا يَفهم الفلسفة إلّا أقُّل الناس، كذلك هو الشعر من ثقافة نخبة القوم. ليبقى كلامُ عامّة الناس أكثر انتشاراً. وفهماً للعامّة من المجتمع.

٧
في القرن العشرين، اجتاحت الحياة العربيّة منافحةٌ كثيفة ضدّ التحديث في الشعر، وبما أنّ الرمز أحد ملامح حركة الحداثة الشعريّة، فقد كانت تلك المنافحات تهمة «الغموض»، لوصف الشعر الحديث بأقذع الأوصاف التي تجاوزَت الأدب، ولم تتوقّف عند السياسة، فوصلتْ إلى الدين، بتكفير أصحاب الشعر الحديث.

وظنّي أنّ ذلك كان امتداداً للموقف من الفلسفة، موقف تتبنّاه كافّة المؤسّسات العربيّة التقليديّة. ليصبح الكلام في تحديث الشعر ضرباً من التجديف، خشيةَ دخول التأمّل الفلسفيّ إلى الثقافة العربيّة من شرفة الشعر مجدّداً.

٨
وبعد تجربة الشعر العربيّ، الحديث خصوصاً، أشعر أنّنا نكاد نفقد الطبيعة الكونيّة لشعرنا، ونصاب بالإخفاق في مواجهة المعاني الجوهريّة في كتابتنا برمّتها، بوصف الشعر نموذجها الأرقى.

الآن، أتمنّى على الأجيال الشعريّة الجديدة إعادة الاعتبار للشعر باعتباره الشكل الراقي من أشكال التعبير الجماليّ، بعمقه الفلسفيّ، والعمل على التخلّص من النظرة السلبيّة إلى صنيع الفلسفة في الشعر بوصفه مثلبةً.

الشاعر في العمل

١
قال شاعرٌ ذاتَ نصّ:

«لجأتُ للكتابة لأنّني لم أكن أحسنُ عملاً آخر. فكلّ المهن التي عملتُ بها منذ البداية، هي مهنٌ يدويّة، الحِدادة، البناء، النجارة، وغيرها. وفشلتُ في أمورٍ كثيرة، الدراسة مثلاً، فإنّني لم أكمل الثانويّة. لم أحفظْ من المدرسة شيئاً كثيراً. العمل الوحيد الذي أنقذني هو عملي في المكتبة العامّة، حيث القراءة الحرّة. اعتبرتُها مكتبتي الخاصّة».

٢
موضوعيّاً، أحبّ أن أعتقد بأنّ معظم الذين كتبوا شعراً كانوا يفشلون في عمل شيءٍ آخر مفيد.

(ربّما بعض هؤلاء ما زالوا يفشلون في كتابة الشعر أيضاً).

وهذا ما أحاول، شخصيّاً، تفاديه طوال خمسين سنة وأكثر من ثلاثين كتاباً.

٣
بالإضافة إلى تجربتي في الحياة، فقد تعلّمتُ أيضاً، من الشعراء الذين قرأتُ لهم وأحببت كتاباتهم. منذ طرفة بن العبد حتى صالح زمانان [شاعر سعودي]. وإذا أردتُ الإشارة الى بعض الشعراء من كلّ بلد كنماذج فقط، سأقول: السيّاب من العراق، صلاح أحمد إبراهيم من السودان، أدونيس من سورية، صلاح عبد الصبور من مصر، خليل حاوي من لبنان، فهد العسكر من الخليج، عبد اللطيف اللعبي من المغرب، وتقريباً كل الشعراء الشباب اللاحقين الذين مازلتُ أتعلّم منهم يوميّاً.

٤
تعلّمتُ من الكتابة أن أحبّ اللغة إلى درجة العشق، ولا أزال أتعلّم ذلك، في ما أقرأ وفي كلّ نصٍّ أكتبه، وعندما أصادف شاعراً قليل الاهتمام بلغته أشفق عليه وأعرف قصور موهبته (كمن يملّح بملحٍ فاسد).

٥
هذه هي القاعدة،

أن تشتغل في ما تُحسن، وإلّا فإّنك سوف تفسد كلّ شيءٍ تضع يدك عليه. فلن يكتب أدباً شخصٌ لا يحسن اللغة. اللغة في الحياة. الدرس في الغرف المغلقة لا يساعدك على إنجاز إبداعك، إن كنتَ مبدعاً.

٦
فالقراءة هي باب المعرفة. وكلّما قرأتَ أكثر، تسنّى لك اكتشاف جديد الكتابة. إنّها زيت آلتك. ليس لك أن تَقصر القراءة على الشعر لكي تكتب شعراً. الشعر هو اختزال العالم، وعليك أن تقرأ العالم جميعه، قصيدة واحدة في غابة الحياة.

(نومك نعمتك، فلا تفرّط في الليل. وإذا خرجتَ من النوم، لا تترك أحلامك هناك).

٧
الأحلامُ كتابك الليليّ الذي تقرأه وحدك، وتكتبه وحدك، ويقرأه الآخرون في النهار. لا لكي تفسّر احلامك، لكن لتسعف الآخرين على موهبة التأويل. (ماء ثقيل، بخفّته التي لا تُحتمل، يصنع الأحلام).

اخلعْ قديمك وتقدّم

١
لا أرى الشعر إلّا جديداً. حتى أنّني حين أقرأ قصيدةً من التراث القديم، أقرأها كنَصٍّ معاصر «تاريخيّاً»، وجديدٍ «فنّيّاً». وإلّا فما الذي جعله يحضر الآن، وما الذي دفعني إليه، الآن، أيضاً.

مفهوم (الجديد) هو ما يتيح لي متعة الاتّصال بالشعر في كلّ زمانٍ ومكان. الشعر الحديث، عندي، يعني أنّه (حدث) الآن.

٢
الآن، لم تعد كتابة الشعر سهلةً كما يتوهّم الكثيرون. فالشعر لم يُعد جاهزاً بطواعيّته لصاحب (السوط). صار الشعر يتطلّب صاحب (الصوت) الخاصّ والمخيّلة النشطة واللغة الجديدة.

٣
بعض تلك التجارب ستبدو لك قناديلَ مُطفأة، إنْ أنتَ لم تتقدّم إليها بجرأة المغامرات. التردّد يؤخّرك عن النّصّ. الصعوبات التي ستبدو لك لأوّل وهلة، هي جمرات النّار التي تفتح لك الطريق، فتقدّم.

تقدّم، بهداية عبد الجبّار النفّري، «في المغامرة جزء من النجاة». عسى ألّا تنجو. كن واثقاً أنّ من يُقتل معنا لا يموت أبداً.

٤
تريد الشعر؟!

هذه هي الطريق إليه. لا تنتظر في المحطّات. خذْ أوّل عربة تصادفك واذهب معها إلى أيّ جحيم تأخذك. الجحيم هو الشعر. وعليك مسؤوليّة أنْ تجعل من هذا الجحيم جنّتك المنتظَرة.

لسنا أدلّاء مؤتَمنين. نحن خائفون من هذه المسؤوليّة. ماذا تتوقّع من أدلّاء مذعورين؟

غير أنّنا مكتنزون بذلك الشغف الغامض بالشعر. فإذا تقدّمتَ، ستجد خطواتِنا أمامك. لا أحد يفوّت فرصة الذهاب إلى الشعر.

٥
هل أنت كائنٌ جديدٌ بما يكفي؟

هذا شعرٌ يتطلّب جِدةَ الشخص وحداثة الأدوات الأخرى. لم تعدْ آليّاتك القديمة صالحةً لمعالجة اللغة الجديدة. كُنْ على ثقةٍ بأنّك قادمٌ عارياً من قديمك، لتكون مستعدّاً لجديدك الوشيك. توقّعْ صعوبات رحلتك منذ هذه اللحظة.

الشعر يَصعُبُ كلّما تتقدّم إليه بعريك البريء. لكنّها صعوبة الماء في النهر. فكلّما تقدّمتَ بأقداحك المتنوّعة، بدت القصائد على قدْر زجاجك الشفيف، تَزْخَرُ وتزهو.

٦
الشعر الجديد، يناقض عناصر الشعريّة الموروثة. خصوصاً تلك الرافلة بالآليّات القديمة الجاهزة، التي يتّكئ عليها المقلّدون المعاصرون في الكتابة الشعريّة. وهذا ما يجعل من صعوبة الكتابة الشعريّة الجديدة امتحاناً حيويّاً، يُنعِشُ التجربة الشعريّة العربيّة التي تتعرّض لخطورة الارتجال وأوهام السهولة.

في الشعر، الجديد، الجميل، الحرّ، لا يكون متاحاً لمتسرّعي الأعمال، فاقدي الموهبة، شاحبي المخيّلة.

إنّه يدعونا لتأمّل مفهوم «الجديد»، وهو مصطلحٌ نتداوله كثيراً منذ سنواتٍ طويلة، دون أن يبدو لنا مفهوماً واضحاً، وما إذا كانت الجِدّة فيه ذاتَ بعد زمنيّ، تاريخيّ. إنّه ذو دلالةٍ فنّيّة، تقنيّة، محدّدة؟

الإيقاع وموسيقى الشعر

١
لم يكن الإيقاع في الشعر العربيّ سوى منزلةٍ من منازل الموسيقى. هكذا فهمتُ موسيقى الشعر عندما بدأتُ اكتبُ محاولاتي الأولى أوائل ستينيّات القرن العشرين. وربّما كانت السليقة الموسيقيّة هي التي كانت تهديني لضبط الإيقاع في التجارب التي كنت أكتبها وأحسبها شعراً. حتى أنّني عندما سألتُ أستاذ اللغة العربيّة، في «مدرسة الهداية الابتدائيّة» بالمحرّق، عبد الحميد المحادين، عن أوزان وبحور الخليل التي سمعتُ عنها آنذاك، نصحني بتفادي تعلّم تلك القوانين إذا أردتَ كتابة الشعر. وظنّي أنّ نصيحة الأستاذ المحادين كانت في محلّها. وأعترف بأنّني لا أزال مخلصاً لها حتّى الآن، فأنا لا أعرف شيئاً مفيداً من أوزان الشعر الشهيرة.

٢
تلك هي المنزلة التي أعتقد بعدم قدرة «الشاعر» على تعلّمها، إن لم تكن من تكوين موهبته، لكي يكتب الشعر، ناهيك عن أن يكون شاعراً.

ولكي يقنعني الأستاذ المحادين بالفكرة، كان يقول لي: «ها أنا ذا أعرف بحور الخليل بكلّ أوزانها، لكنّني لا أستطيع كتابة الشعر، كما تفعل أنت، فأنت تمتلك الموهبة، وتكتب القصائد موزونةً كما يجب».

بالرغم من أنّ الاستاذ المحادين كان يكتب شعراً يعجبني آنذاك.

٣
فإذن، الموسيقى في الشعر ضربٌ من سليقة الشخص، ومكوّنٌ من مكوّناته الفنّيّة. وهذا ما صار يتأكّد لي كلّما كنت أتقدّم في التجربة.

إذ سرعان ما تكشفَّتْ لي أسرارٌ بالغة الجمال في تقنيّة الإيقاع الموسيقيّ وفي مجمل العمليّة الشعريّة، وعلاقة الإيقاع الشعريّ بموسيقى اللغة العربيّة.

من يدرس تقنيّة الكتابة الشعريّة والتكوين الإيقاعيّ فيها، ويتقارب، في عشقه المتنامي للّغة العربيّة، لن يَعسر عليه اكتشاف العمق الجوهريّ في الصنيع الإبداعيّ للخليل بن أحمد. فهو، فيما كان يصوغ تقنيته لأوزان الشعر العربيّ وتصنيف بحوره، إنّما كان يستمدّ تلك الإيقاعات من موسيقى اللغة العربيّة نفسها. الحروف والكلمات والعلاقات الإيقاعيّة وانسجامها النحويّ والصَّرفيّ، هي الأساس الذي تنبني عليه تفاصيل أوزان الشعر والموسيقى فيه.

٤
تلك هي عناصر الموسيقى غير المتناهية التي ترفد إيقاع الشعر وتمنحه الهارموني بالغ التنوّع. ويمكنك اكتشاف جماليّات الموسيقى في اللغة العربيّة، التي أغنت مخيّلة الخليل بن أحمد.

حتى أنّني أرى بأنّ في اللغة العربيّة ما يُغني تجربة الكتابة الشعريّة بلا حدود، بل إنّ هذه اللغة من شأنها، بموهبة الشاعر، أن تُغني الشعر الجديد، خصوصاً ذلك الذي يكتب نصوصه خارج أوزان الشعر التقليديّ وبحور الخليل وجاهزيّات الكتابة الشعريّة العربيّة.

٥
الكتابة الشعريّة، خارج المتعارَف عليه من جاهزيّات الشعريّة العربيّة الموروثة، سوف تكون قادرةً، بما هي مطالَبة، بإقناع القارئ بشعريّة الكتابة الجديدة، إذا تيسّر للشعراء الجدد امتلاك ناصية اللغة العربيّة، وسَبْر جواهر الجماليّات فيها.

ففي اللغة العربيّة من جماليّات الموسيقى ما يمنح الشاعرَ الجديد كنوزاً لا متناهية الجمال والموسيقى لإقناع القارئ بحساسيّةٍ جديدة، ذات خصوصيّة متميّزة لا يمكن تفاديها، كلّما تعلّق الأمر بالشعريّة في الكتابة الجديدة.

وحينها لا يعود الشاعر الجديد عارياً فيما يأتي للكتابة، بل سيكون مدجّجاً بالأدوات الفنّيّة للإبداع، وممتلكاً للحقّ التقنيّ في اقتراح جماليّاته الجديدة، ليفعل حرّاً ما سبق أن صنعه، تماماً، الخليل بن أحمد والأخفش. ففي حرّيّة الشاعر نفسُ تلك الجماليّات التي اقترحها علينا، منذ تلك القرون، الشعراءُ، ثمّ منظّرو ومقنّنو الشعر بالأوزان والبحور. أقول عن الذين (اقترحوا)، بوصفهم بشراً مثلنا، وليسوا آلهةً مقدّسة لا يأتيهم الخطأ من كلّ الجهات. بشرٌ يحقّ لبشرٍ مثلهم، يتميّزون بالموهبة والمعرفة، أن يقترحوا ما يحبّون من الإبداع.

الشعر مستحيلٌ فحسب

١
حين نقول: هذا هو الشعر، لن نكون متأكّدين، على وجه التعيين، ممّا نقول. فربّما كان الشعر هو الشيء الذي سيكون في المكان المختلف في كلّ مرّة. كما أنّه ليس شيئاً موجوداً في مكان، ربّما كان الشعر هو المكان بالذات.

لسنا حواةً، وقد يحتاج الشعر إلى أكثر من السحر. صار النقد والنظر النقديُّ أدواتٍ أقلّ من الشعر لتنجوَ من التنجيم. ومن يزعم أنّ الشعر من السهل الممتنع، سيكون إلى الوهم أقرب. الشعر ممتنعٌ على المزاعم، مثل الدرّ في زرد البحر والمحار.

٢
عندما نقول إنّ الشعر هو هنا. فالشعر ليس شيئاً واحداً، في مكانٍ واحد، على وجه التعيين.

لذا يتوجّب تفادي الثقة البالغة فيما نتحدّث عن الشعر. ففي كلّ مرّةٍ نقول عن الشعر كلاماً، إنّما نحن «نتكلّم» عن الشعر والكلام عن الشعر هو بالطبع شيءٌ يختلف عن الشعر، وربّما خالطه قدرٌ من الوهم. الشعر غالباً يكمن في مكانٍ لا نطاله بالكلام، بينما هو يحدث لنا بالفعل.

٣
يصحّ على الشاعر أن يدرّبَ نفسه على الندَم، ويدمي شفاهه حسرةً ويجلس في ظلّ شجرة اليأس. فالشعر ليس متاحاً، وإنّ ما بين يديه ليست الكتابة.

يصحُّ له الأسف على دفق الحبر وتسويد الورق، عليه فقط أن يأخذ وضع القراءة مأخذ الجدّ، استعداداً لنصٍ منتظَر، لا يأتي.

٤
جرّبتُ ذلك قبله مرّات كثيرة، وانتظرتُ عند عتبة الكتابة سنواتٍ من الظلام والضَّوء، تضرّعتُ بجبهتي حتى الأرض، عند شرفة الشعر رجاةَ أن يفتح لي القلبَ ويشفع لصلاتي، لكنّه لم يفعل.

جرّبتُ الكتبَ والدفاتر كي يصغيَ لِوَجِيب روحي وارتجاف أيّامي، لكنّه لم يفعل.

عرفتُ كم أنّ الله أرحمُ وأقرب ويستجيبُ.

سمعتُ، أثناء انتظاراتي، جبالاً تحمحم وتنجرف وتذهب من مواقعها، لكنّه لا يلتفت لي ولا ينتبه

لتصدّع الأصفاد في خطواتي.

فلا تصدّقْ من يقول إنّ الشعر متاحٌ ومستحيل.

الشعر مستحيلٌ فحسب.

التأويل جنّة الدوال

١
ثمّة زعمٌ يقول بالمعنى الواحد في النّصّ، غير أنّ شاعراً فرنسيّاً تمنّى أن يكون لقصيدته من المعاني بعدد قرّائها. وفي هذا طموحٌ فعّالٌ من شأنه فتح باب الفتنة في النقد الأدبيّ. لولا أنّ للشاعر حقَّ الإثنين في عالم الأدب: الناقد والقارئ.

٢
ففي الشعر، على الخصوص، ستكون الدلالات مثل الأفق الأقصى، مكشوفةً وتحتمل الكشف، أوّلها مولود وآخرها مفقود. وكلّما تسنى للقارئ اكتشاف دالٍّ جديد، صارتْ له الحرّيّة وطابَ له الفضاء. ليس هذا فحسب، بل إنّ في التأويل تحريراً للنّصّ والقارئ في آن. وهذا حقٌ مُجازٌ للإثنين إذا تسنّى.

٣
وربّما يمكننا القول بأنّ الشعر من غير تأويلٍ يعتبَر نصّاً محبوساً، فالتأويل يمنح الشعر الجمال منذ لحظة الكتابة، والحرّيّة لحظة القراءة.

٤
إضافةً إلى ذلك، فالتأويل يطلق الشاعر من شَرط المعنى المسبَق، ويحرّر القارئ من قيد التفسير. بل إنّ التأويل يتجاوز الفهم، بالمعنى الذهنيّ المنطقيّ للكلمة.

ويأخذ بيدنا نحو اكتشاف فهرس الدلالات القصوى، في مقترحات المعجم الشعريّ الذي يذهب إليه الشاعر.

وأزعم أنّ للشعر الجديد، من طاقةِ المخيّلة النشطة، ما يكفي لجعل المغامرة الشعريّة، كتابةً وقراءةً، غريبةً وبالغة المتعة، فالجديد هو غريب بالضرورة، والغريب جديدٌ بالطبيعة.

٥
في الأدب، ليس ثمّة ما يوقف السعي الحثيث نحو المعاني، وإذا كفّ التفسير عن إسعاف القارئ، فسيسعفه التأويل بأبوابه المشرعة على آخره. ففي التأويل حياة مضاعفة للنص والقارئ معاً. فلكُم في التأويل حياةٌ إذا أردتم.

٦
وإذا أحسن الشاعر العربيّ وعي تراثه الشعري والنقديّ، سيدرك كم أنّ أجمل النقد الشعريّ هو ما أطلق للمخيّلة النشيطة حقّ الذهاب الحرّ للبحث في تعدّد الدلالات، والذي قال بعدم تقييد المعنى بالمعاجم والقواميس. بل إنّ بعض نقّاد الشعر وفلاسفة اللغة قالوا بنهل المعاني ممّا يبدعه الشعراء. فالشعراء هم المؤسّسون الدائمون للغة.

٧
ولن يتبلور الصنيع الشعريّ إلّا إذا أطلقنا للشاعر حّرّية المخيّلة، ومنحنا القارئ حرّيّة التأويل، ففي التأويل حياةٌ للنّصّ والكتابة. ذلك هو الحقّ الذي يسعى إليه الشاعر عبر التاريخ المعروف للكتابة. حتى أنّنا نستطيع أن نفهم التجربة التي لا تخلو من الدلالات لأسطورة «بروميثيوس» الذي غامر بحياته ضدّ قوانين الآلهة، عندما ذهب لسرقة النار ليضيء الكون، فالمعنى هو أنْ تعرف.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.