العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦

أنا القاريء وهذه كتبي

صرفتُ من العمر مع الكتب زمناً أطول بكثير من ذاك الذي صرفته مع الناس. ولربما السببُ أنني وجدت في الكتاب نوعاً من السلوى لم أجدها عند معظم الناس فقلّ بذلك عدد الأصدقاء وازداد عدد الكتب التي صادقتها. وتقدّم بي العمر فترسّخت عزلتي وأضحى عالمي الحقيقي هو عالم القراءة والكتابة. ويصف فخر الدين الرازي أخلاق سنّ الشيخوخة فيقول إنّ منها الشك في أكثر ما يقال، والامتناع عن الأحكام الجازمة، والجبن والخوف والعلم بعواقب الأمور وشهوة الأكل والوقاحة والغضب وحب السلامة. لست أدري كم من تلك الأخلاق أتحلى بها اليوم لكنني أجد في بعضها وصفاً نفسياً بالغ الدقّة لأخلاق الشيخوخة. ولا ريب عندي أنّ الشك والامتناع عن الأحكام الجازمة والعلم بعواقب الأمور كلّها أمور تأتي في غالب الأحيان من التجارب التي يقع عليها المرء في الكتب.فلو لم تكن للكتب فائدة سوى هذين الأمرين لكانت الفائدة عميمة النفع. أمّا ما تبقى من فوائد للكتب فليس ثمّة ما أحيل إليه القارئ أفضل وأجزل وأعمق فكراً من الجزء الأول من كتاب "الحيوان" للجاحظ.

ولا مناص من الاعتراف بأنّ الوحي المباشر لهذه الذكريات جاء من كتب عدّة آخرُها كتاب صدر عام ٢٠١٤ للناقد والأكاديمي البريطاني جون كاري بعنوان "البروفسور غير المتوقَّع: سيرة في أكسفورد" والذي يسرد فيه مؤلفُه حياتَه الأدبية ويأتي فيه على الكتب التي تركت تأثيرها في خياله وعقله. فراقت لي فكرة هذه الكتاب الذي أهدته لي ابنتي، وهي أيضاً أستاذة جامعية، وشجّعتني على السير على خطاه.ووجدتُ أنّ الإنسان الذي يمضي جلّ حياته في البحث والتعليم والكتابة الأكاديمية يكون في الغالب على هامش الحياة العامة والأحداث الجسام. فإذا كان ثمّة من فائدة تُرجى من تجارب حياةٍ منعزلة كهذه فهي تكمن في استعراض ما مر بذاك الإنسان من الكتب والنظريات التي شغلته عبر السنين. أمّا ذكرياته الأخرى فهي قد لا تهمّ سوى الأولاد والأحفاد وبعض الأصدقاء المقربين، هذا إذا اهتمّوا بها أصلاً.

 القدس، حوالي العام ١٩٤٣

كنت على ما أظن في الخامسة حين بدأت بتعلّم القراءة. وكان كتابي الأول بدعةً بين كتب القراءة في ذلك الزمن إذ كان يستند إلى نظرية جديدة في تعليم القراءة تقضي بأن يبدأ الطفل بتعلم كلمات كاملة وليس بحروف الهجاء. لا أدري مصدر هذه النظرية وهل كانت مستوردة من الغرب أم لا، لكنّ والدتي قالت لي فيما بعد إنّ العلّامة الفلسطيني الكبير خليل السكاكيني بالاشتراك مع والدي هو الذي طوّر هذه النظرية لتلائم الطفل العربي. والسكاكيني من أبرز كتّاب فلسطين، ومذكّراته بعنوان "كذا أنا يا دنيا" هي من أهمّ وأمتع المذكّرات في العالم العربي في القرن العشرين. وهو يستعيد تاريخ فلسطين في النصف الأول من ذاك القرن على شكل يوميات يختلط فيها الجدّ بالهزل وتبقي لنا صورة تنضح بالحياة عن المجتمع الفلسطيني، رجاله ونسائه وشخصياته المختلفة ومثقّفيه.

هذا المقال متوفر للمشتركين فقط. إشترك هنا.

العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦