العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦

بيروت في حوارية الرواية والعمارة

ننشر فيما يلي الحوار بين المهندس جاد تابت والروائي الياس خوري، الذي نظمه "المركز العربي للعمارة" و"بيت الكتب" في بيروت في متحف سرسق، في ٣١ آب\أغسطس ٢٠١٦.

الياس خوري: الرواية والعمارة

لا أعرف ما العلاقة بين الرواية والعمارة، لكنّني أعرف أنّ صداقتي الطويلة مع جاد تابت، أخذتني إلى عوالم جديدة، يقوم فيها المعماريّ بتحويل الخيال إلى حقائق لا نراها فقط بل نقيم فيها أيضاً. فنحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحوّل هذا الواقع إلى متخيّل تصنعه أحلامنا. المعماري يحوّل الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشريّة والماديّة إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنّهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيّل بالمتخيّل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش مع أبطالها الذين يصبحون حقيقيّين في وعينا، بل ربّما أكثر حقيقيّة من الحقيقة التي نراها. المتخيّل هو عيوننا الخفيّة التي نعيد بها رسم ملامح العالم، كي نعطي معنىً لحياة تبحث دائماً عن معناها، ولا تجده.

لا أحاول في هذه الكلمة القصيرة أن أنظّر، بقدر ما أحاول التعبير عن تجربتي في صحبة معماري كان دليلي إلى بيروت بأزقتها المدمّرة، وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرّافات السلام. وفي طرابلس القديمة، عندما كنت أكتب روايتي "سينالكول" مشيت صحبة جاد في الشوارع كأنّنا نمشي بين سطور رواية كتبها الزمن. كنت أبحث عن أزقّة روايتي، وكان المهندس دليلي إلى عالم متخيّل تحوّل إلى واقع عشت في داخله ثلاث سنوات.

علاقتي بالمهندس أخذت شكلها العملي في معركة مقاومة مشروع "سوليدير". يومها كان جاد مع عاصم سلام ومجموعة من المعماريّين يحاولون إنقاذ المدينة من هندسة الحرب والخراب، وكنت معهم على صفحات "الملحق"، التي تحوّلت إلى ميدان معركتنا التي خسرناها.

كانت الفكرة ألّا نسمح للحرب وقَيم الرأسمال المتوحّش التي التصقت بها، عبر اتفاق الطائف وبَعده، أن تكون مهندس مدينتنا الوحيد. صحيح أنّ الحروب هي أكبر مهندس تنظيم مدني في التاريخ، لكنّ الصحيح أيضاً هو أنّ البشر يعيدون هندسة ما صنعه توحّش الحروب بنكهة البُعد الإنساني الذي يدافع عن قيَم الحياة. غير أنّ محاولتنا الفاشلة كانت النذير الأوّل لمسار الخراب الروحي والمادي الذي سيجتاح وطننا الصغير.

خسرنا معركة الواقع ربّما، لكنّنا صنعنا مدينتنا بكلماتنا وأحلامنا. إلى هذه المدينة المتخيّلة ندعوكم اليوم، كي تشهدوا على الصراع الذي يدور في الكلمات والصور بين مدينتين، وكي تكون شهادتنا عن بيروت، صورة للمدينة التي يغيّبها اليوم وحش الباطون المسلّح، لكنّها تستعاد بكلماتنا ومرايا أرواحنا المتشظّية.

هذا المقال متوفر للمشتركين فقط. إشترك هنا.

العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦