العددان ٨-٩ - ربيع / صيف ٢٠١٤

محمّد دكروب يحاوره بالعامّيّة أَحمد عُلَبي

انا السمكري، الفوّال، الحمّال، بائع الياسمين

هذا جزء ثانٍ من الحوار الطويل الذي أجريته، منذ زمن بعيد، مع صديقي الراحل محمّد دكروب. أمّا الجزء الأوّل فقد أخذ طريقه إلى العدد الخاصّ الذي أصدرته مجلّة «الطريق»، تكريماً لذكرى مَنْ كان رئيساً لتحريرها عقوداً من الزمن، بحيث ارتبط اسم كلّ منهما بالآخَر. وما يميّز هذا الحوار أنّه، كما شاءه دكروب، انعقد باللغة العامّيّة. ولم نرغب في ردّه إلى الفصحى، لأنّ في هذا الصنيع تكلّفاً وخروجاً بالكلام عن سَمته الأصليّ المحبّب. ونخال أنّ عامّيّتنا اللبنانيّة مفهومة على العموم، فليس فيها الاستعصاء الذي يجابهنا في العامّيّة العراقيّة مثلاً.
وأهدت لنا جريدة «السفير» كتابها الشهريّ عن حزيران ٢٠١٤، العدد: ١٥٠، فإذا هو «الوجه الآخَر» للأديب العراقيّ الفائق الإبداع، فؤاد التِّكِرلي. ويدور الحوار خلال هذه الرواية الجميلة بالعامّيّة. ووجدتُ بعض العَنَت في تفهّم الحوار بدقائقه، وإن كنت قد حصّلت المعنى تقريباً. على كلّ حال تباحثت بهذا الموضوع، المنعقد حول العامّيّة اللبنانيّة، مع الصديق فوّاز طرابلسي، رئيس تحرير «بدايات» التي سوف تحتضن هذا الحوار، وكيف أنّ قرّاء المجلّة من غير اللبنانيّين قد يجدون صعوبة ما في فهمه، فكان الحلّ الذي أبداه فوّاز لطيفاً ولبنانيّاً بعض الشيء: يدبّروا حالهم! ونخال أنّ العامّيّة المصريّة مألوفة تماماً على آذاننا، وذلك بحكم أنّ مصر هي أُمّنا جميعاً، والحِضْن الكبير الذي نفيء إليه في الملمّات؛ كما أنّنا عِيال على الثقافة العربيّة التي أشاعتها منذ زمن النهضة، ومن ضمنها المسرح والسينما والفنون على أَنواعها. كذلك غدت العامّيّة اللبنانيّة لطيفة الوقع على الأذن العربيّة من الماء إلى الماء، لأنّ الإنجاز العظيم الذي قام به الأَخَوان رَحْباني خلال مسرحهم الاستعراضيّ الباهر، وصوت فيروز العجائبيّ الذي أطلقاه؛ فضلاً عن تراث الشحرورة صباح، وصوت وديع الصافي الداوي في الآفاق؛ هذه كلّها ساهمت بالتأكيد في تقريب العامّيّة اللبنانيّة إلى قلوب العرب أجمعين.
وبعد، ففائدة هذا الحوار مع الصديق الراحل أنّه يلقي الضوء على نحوٍ ساطع على نشأة محمّد دكروب البائسة المعذَّبة. كذلك كان من حظّه أنّه عرف المدرسة الجعفريّة، المباءة التي قامت بدورٍ حيويّ في اليَقَظة العلميّة في محيط جبل عامل، وليس في صُوْر وحدها، وكان من ثمارها مجلّة «المعهد» التي سوف نُلمّ بتاريخها خلال الحواشي. وقد علّم في الجعفريّة، وهي التي حملت للتبريك اسم الإمام جعفر الصادق، طائفة مميّزة من الأَساتذة. فإنعام الجُنْدي تعاطى التعليم في قاعاتها. كذلك علّم فيها أديب بيروت محمّد عيتاني، الذي لم يعرف البتّةَ تكريماً يليق بعطائه وذلك من أقرب رفاقه إليه. وإن لم أكن مخطئاً فالفنّان الراحل ميشال المير، والذي كان يتّخذ في لوحاته تسمية ملمير، قد نزل صُوْر، وأخاله علّم الرسم في هذا المعهد الذي غدا تاريخيّاً. وفي ثنايا هذا الحوار، الذي لا يخلو من طرائف وتشويق، وخصوصاً أنّ الكلام ينعقد فيه مع إنسانٍ كان الظَّرْفُ إحدى سماته، في ثناياه إيضاح مخلص كيف وفد كاتب عربيّ إلى يَنْبوع الشيوعيّة، من غير خَطَابة ولا تزويق. فالحياة نفسها بما تحمل من قساوة وحرمان، والثقافة التي تفتح العين والعقل والحواسّ على حقائق الوجود، كلاهما يتقاطعان ويتدامجان على استيلاد الوعي. ثم تأتي ممارسة الكتابة عند محمّد التي صهرت العوامل كلها تحت أَسَلة قلمه الذي بات مشرعاً لكلّ جميل وإنسانيّ.
ليس وراء نشر هذا الحوار مجرّد استذكار لمحمّد دكروب أو مرثاة له. فبقاء ذكر الكاتب رهن بالكتب الجيّدة التي يتركها غذاءً روحيّاً للذين يتعرّفون إلى اسمه وتراثه في مقبل الأَيّام. ودكروب قد أورثنا عدداً ليس كبيراً من الكتب، ولكنّها نافعة وطريفة السبك وتدلّ على جهد ميمون. دعك من أنّه وصل ليله بنهاره في التحرير الأدبي طَوَال عقودٍ من الزمن، وذلك في «الثقافة الوطنيّة» الآفلة، وجريدة «الأخبار»، وفي «الطريق» العريقة. وفي هذا التحرير الأدبيّ يتمثّل كدحه وتفانيه وإخلاصه، وذلك خلال زمن مضى كان مَنْ يمارس الإشراف على مجلّة أدبيّة أو صفحة ثقافيّة يقوم بالعمل من ألفه إلى يائه، أي أنّه يحرّر بمفرده ويصحّح وينهض بالإخراج. فالمجلّة هي نتاجه ووليدة سهره الطويل وعيونه المضحيّة. وإذا كان هناك من كتابٍ يعتزّ به محمّد ونعتزّ بدورنا به فهو عمله الجميل «جُذُور السنديانة الحمراء، حكاية نشوء الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ (١٩٢٤-١٩٣١)»، وذلك في طبعته الثالثة ذات الإضافات والتدقيقات الوافرة، وخصوصاً ذات المقدَّمة الجليلة الجديدة التي تستغرق خمسين صفحة عامرة بالنُّضج والاستنارة (دار الفارابي، بيروت ٢٠٠٧). ويطيب لي أن أَستعيد بتواضعٍ، ههنا، الإهداء المؤثّر الذي خطّه محمّد دكروب لشخصيَ: إلى الباحث الدؤوب والمدقّق، أَحمد عُلَبي، صديق الصبا والأَيّام السعيدة وأَحلام ذلك الزمان، مع كلّ تقديري (٢٧ حَزِيران ٢٠٠٧). الشكر لك، محمّد دكروب، والأَحلام متجدّدة يا صديقي.

Bidayat_Footer_Dots.psd طيّب منبلّش من بداية الرحله، يعني من شاطىء صور إذا صح، بظن إنت ولدان بصور محمّد. إمتى تاريخ ولادتك؟

Bidayat_Footer_Dots.psd سنة 29. بتقول إمّي بنص شعبان، عالتذكره ما في شي، بس في السنه. مرّه حاولت أنا وسڤيتا مرتي نقارن الأشهر حسب الأشهر الشرقيّه لحتّى نشوف. فقدّرنا هيك إنّو بكانون التاني، مطلع كانون التاني 29 هيك. بس لا في محل النفوس دوّرت بصور.

Bidayat_Footer_Dots.psd إنتو عائله من صور؟

Bidayat_Footer_Dots.psd نحنا عائله لوحدها بصور، ما في بيت دكروب غيرنا بصور. منين جايه؟ ولا حاولت أبداً، يعني في كتار بحاولو يشوفو شجرة العيله. ما بس أنا، كلّنا ما قمنا بأي محاوله لمعرفة مين هوّي بي بيي جد بيي كذا إلى آخره. بس في عائلة دكروب يلّي بعدّة قرى بالجنوب بقولو إنّهم بيقربونا.

Bidayat_Footer_Dots.psd صار في عدّة محمّدات، بتتذكّر بالماضي كنت تمضي: محمّد إبراهيم دكروب.

Bidayat_Footer_Dots.psd كان واحد محمّد دكروب كان ياكلها قتله بإسمي عالحدود السوريّه على زمن الوحده. فبتذكّر إجو أهلو أو ناس قريبينو إنّو يا عمّي طيّب شو ذنبنا كان هيك بيضربوه، بركي بتعملّك شغله. شو بدّي إعمل يعني، أو يغيّر إسمو أو ما يرحش عسوريا. يعني روح انضرب محلّو لأ. كانو يضربوه بيقلّهم: هيداك محمّد دكروب غيري عكروت شيوعي كذا. أنا آدمي. ينزلو فيه!

الوالد الفوال

Bidayat_Footer_Dots.psd طيّب إنتي والدك بتذكرو؟ شو كانت مهنتو؟

Bidayat_Footer_Dots.psd بذكرو طيّب. والدي كان أُمّي، ما بيعرف أبداً يقرا. كان فوّال، مطلع حياتو فوّال. كان عندو دكان صغيري، يعني مش فوّال فوّال. وكنت أنا فتره طويله إشتغل عندو. بس بيي كان صوتو حلو، وكان يأدّن، وكان يسكر، يسكر منيح، وكان بيقولولو بالبلد نكتجي، يعني مجالسو كان هيك مطلوبي. الى درجه السيّد عبدالحسين شرف الدين، يعني سيّد الشيعه، كان بهديك الفتره دائماً يستدعيه ليجلسو جلسات، بس يشترط عليه ما يكون سكران. بيعرفو إنّو بيسكر. فيروح يقعدو هيك، ينكّت، ويروي شعر، إلخ. حتّى عمل هيك، بعدنا حافظينلو بالبيت، قد ما يسكر عمل هيك قصيده، منها:

إدفنوني وادفنوا الخمر معي Line_3.psd

واجعلوا التعريص فوق المقبره Line_3.psd

هيدي بتذكّرني دائماً ببيت لشو إسمو ناظم حكمت بيقول: ما بعد موتي بتمنّى تحطّو فوق قبري شناتين بنات! فيعني بيي لا يقلّ عالميّة.

Bidayat_Footer_Dots.psd سبّاق أبوك. طيّب لأي عمر بقيت بتذكر أبوك؟ قدّيش كان عمرك لـمّا توفّي والدك؟

Bidayat_Footer_Dots.psd مش عارف تمام. بتذكّر كنت طلعت من المدرسه. كنت طالع. أنا درست لحد قبل صف السرتفيكا بسنتين بمدرسة الجعفريّه، ما درستش بغيرها١. كانو هونيك يهتمّو فيي منيح، يعني عبدالحسين شرف الدين٢ كان يعرفني ويهتم بيي، وكان يقولولو إطلع الأوّل التاني بالصف. وكنت بشكل خاص إحفظ قصص دروس الدين، خصوصاً القصص، يرويها إلنا الشيخ جواد شرف الدين صهرو للشيخ عبدالحسين. يدرّس دين ويرويلنا هالقصص المشوّقه. كنت إحفظ هالقصص وإرويها. وكان الشيخ جواد مسمّيني شيخ الصف، بمعنى الشيح الديني، مش إنّو شيخ ريِّس الصف. وكان لفتره طويله مدير المدرسه جعفر شرف الدين، كمان جعفر كان يهتم فيي، كان شايف إنّو عندي بعض ميول أدبيّه كتابيّه، لدرجه في ما بعد لمّا طلّع مجلّة «المعهد»، كنت طالع من المدرسه، صرت أُكتب فيها. هلّق بحكي عنها. أدّت دور منيح. حتّى بتذكّر السيّد عبد الحسين مرّه كنت بالمدرسه لحالي، يوم جمعه، وهو موجود كان لحالو بالمدرسه عبيتوضا. شافني. قرّبت بستلّو إيدو، زي العاده. صار يحكيني إلخ. بعدين مد إيدو عجيبتو وأعطاني كميّه من المصاري. بتذكّر يومتها كان إلها قيمه، ربع ليره أقل، أكتر، فرحت فيها كتير، إنّو عطاني السيّد بالذّات.

Bidayat_Footer_Dots.psd كان عندك مشاعر دينيّه يومتا؟ نشأتك دينيّه؟

Bidayat_Footer_Dots.psd كنت حتّى روح صلّي، إضهر من البيت الصبح بكّير قبل أدان الصبح، حتّى روح صلّي جماعه ورا السيّد عبد الحسين. وبنفس الوقت ميّل على الفرن شوف، وطل على قدرة الفول كانت تنحط بقلب النار يلّي بينقام من الفرن. تنحط طول الليل، الصبح بتكون مستويّه. فكان من الضروري دائماً قدرة الفول بالليل أو الصبح ينحطّلها مَيْ وتتحرّك مشان ما تحترق، أو تحريك الجمر. كان بدها طلّه على المحل. دايماً كان بيي بيعملها. أحياناً أنا ميّل لمّا روح عالجامع صلّي. كنت هيك حريص صلّي جماعه حتّى بإيّام الشتي. بعدني ما بتذكّر مشاعر دينّيه، مجرّد إنّو والله طرافه، ما بتذكّرش الحاله.

Bidayat_Footer_Dots.psd قدّيش كان عمرك؟ عشر سنين؟

Bidayat_Footer_Dots.psd تقريباً. أنا مشكلتي ذاكرتي من ناحية العمر لمّا عملت كذا مش.

Bidayat_Footer_Dots.psd بشكل تقريبي. تعرف ولد خلّص الابتدائي قبل سنتين من نهاية المرحله وقتذاك.

Bidayat_Footer_Dots.psd بتذكّر تمام لمّا فرض عليّ بيي إطلع من المدرسه حتّى عاونو بالمحل.

Bidayat_Footer_Dots.psd إنت كبير العائله؟

Bidayat_Footer_Dots.psd لا في أكبر منّي خيي. كان بيشتغل سنكري. كان بيي بحاجه إلي ووضعنا فقرا. فرض عليّ إطلع من المدرسه، رغم محبّتو الكبيره إلي. ما بتذكّر يوم أبداً أُهنت من بيي على الإطلاق. كان دائماً صديقي وصديقنا كلّنا يعني، وحتّى ما بتذكّر أي يوم أهان إمّي قدّامنا أو أهان حده مننا.

Bidayat_Footer_Dots.psd رغم إنّو كان يسكر؟

Bidayat_Footer_Dots.psd ما يجي عالبيت سكران. أكبر قتله نلتها منُّو بحياتي كنت ما بعرف شغلي هيك عملتها، قام شدّني من دينتي وبس. حتّى تقلّو إمّي أوقات: محمّد عمل كذا وكذا بدُّو قتله، بدُّو كذا. يقرّب يمسكني من دينتي ويبوسني.

Bidayat_Footer_Dots.psd إمّك عايشي؟

Bidayat_Footer_Dots.psd عايشي مع أختي.

Bidayat_Footer_Dots.psd والدك تزوّج مرّه واحده، أنتو أخوه كلكن من أم وأب واحد؟

Bidayat_Footer_Dots.psd إي. طيّب طلّعني بيي من المدرسه لأنو بحاجه إلي بالمحل، رغم معرفتو إنّو أنا بالمدرسه ماشي حالي وبطلع الأوّل. ألح وأنا عارضت كتير، وبتذكّر بكيت كتير بهديك الفتره حتّى إرجع عالمدرسه. وبعدني بتذكّر تماماً بأي محل كان بيي وإجا جعفر شرف الدين ٣، مدير المدرسه، وكنت أنا موجود، يترجّى حتّى إرجع عالمدرسه. كان بيي بيقولولو أبو خليل. في إلي خي أكبر من «العبد» مات وهو صغير إسمو خليل. فيقلّو: يا أبو خليل، إبنك كذا، وعبيطلع الأوّل، ونحنا منحبّو، ما تقضيلو على مستقبلو. ما كان يقتنع ويرددلو كلمه: إنّو أنا أُمّي وبيقولو عنّي إنّي منيح وذكي وبعمل شعر وبنكّت، وبيّك نفسو بيدعيني عالبيت حتّى نحكي. شو بكرا بيصير زي بعضو. شو يعني لحيعمل إذا أخد. وكنت مبلّش طالع. أنا بلّشت طالع وأنا بالمدرسه.

من أرسين لوبين إلى كتب الفلسفة

Bidayat_Footer_Dots.psd شو كنت تطالع؟

Bidayat_Footer_Dots.psd كل شي. أكتر شي في هديك الفتره كان في شي إسمو روايات الجيب: أرسين لوبين وجيمس ردنج والروايات العالميّة ملخّصه٤. كنت هيدي مدمن على قراءتها. وروايات «البدائع» التي كان يطلّعها فؤاد حبَيْش، كنت إقراها كمان. كنت إقرا في فتره لاحقه شوي أيّ كتاب أعثر عليه. بتذكّر قاري كتير من سلسلة «إقرأ» يلّي كانت بتطلع. كنت إقراها. اشتغلت في ما بعد، هلّق بذكرك شو، فكنت إشتغل سقّا إسقي الشغّيله بمشتل زراعي إسقيهم مَيْ. فخلال عمليّة إنّو ما لازمهم كنت إقرا. يوميي كنت إقرا كتاب. وحتّى عاهد نفسي إنّو إقرا الكتاب، يجي يخلص الوقت قبل ما إقرا الكتاب، صير قفّي صفحات حتّى سجّل على حالي إنّي قرأت الكتاب يعني٥.

Bidayat_Footer_Dots.psd هذه مرحله بعد ما تركت المدرسه؟

Bidayat_Footer_Dots.psd مرحلة القراءه القويّه هيي بعد المدرسه. كنت أحياناً جرايد إقرا. ما عوف أي شيء. يعني حتّى كان عندي صبر على قراءة الأشياء يلّي ما إفهمها، يعني بعدني بتذكّر في تلك الفتره قرأت بعض الأشياء لعبدالرحمن بدوي: أرسطو، نيتشه، إلخ. بدون ما إفهم أي شيء، وإقراها بكاملها، يلّي باقي بذهني منها بعض قصص حياة هالناس، بس فلسفاتهم لأ، بس يعني إستوعب قصصهم وأصبر. ما حاول إفهم شو، بس إقرا. كان كأنّو عبسابق الزمان حتّى خلّص صفحات، فهمتها ما فهمتها مش كانت تفرق معي. بعد مرحلة الشغل عند بيي كفوّال كنت يعني استلمت المحل، إعمل فول وحمّص وكذا. بعمل لحد هلّق فول منيح، وأحياناً بدعي الشباب لهون على فول. علقت ذات مرّه دعيتهم. كان حسن حمدان سمعان إنّي واللهِ بعمل فول منيح، صدف إنّو الفولات مش مناح، ابن الكذا لحد هلّق بيقول إنّي أنا ما بعرف إعمل فول. بعد مرحلة الفول اشتغلت بدكّان خيي سنكري، عند عبد. وسنكري أتقنت المهنه منيح، ومضى فتره كان يجينا مصاري مش بطّال. وصار خيي يترك المحل عليّ.

Bidayat_Footer_Dots.psd بهالوقت كان والدك توفّي حتّى تركت صنعة الفوّال؟

Bidayat_Footer_Dots.psd يمكن إي. بعد ما توفّي اشتغلت سنكري، بعد متذكّر وقت توفّي والدي، توفّي بالضبط من كترة السكر. وبأواخر حياتو صارتلو حاله نوع من الصوفيّه الدينيّه. وإجا علينا فتره كنّا كتير فقرا، وهو تعطّل شغلو، صار في فوّالين حديثين إلخ. فترك الدكّان وهجر. مضى فتره ما نعرف وين هوّي. صار عندو نوع من الصوفيّه وهجر البلد، ومضت فتره ما نعرف وين؛ أنا هالشي كتبتو مرّه في قصّه بعنوان «جاروفه يا سمك». وهيي شبكه كبيره، لأنّو هوّي لمّا فقر صار يشتغل صيّاد مشارك بالجاروفه. وضعف نظرو أشبه بأعمى. ضاع، راح عفلسطين، بعدين إجا على بيروت، إلخ. ما نعرف وين هوّي، تركنا من اليأس يعني. فأنا اشتغلت يومتا عدّة مهن. المهم هوّي بعد ما رجع على صُوْر وبطّل السكر، فصار يتفتت الكبد تبعو، قلّو حكيم كان عندنا إسمو الدكتور فرحات، كل إلّي يعرفن فقرا يحكّمن، قلّو: بدك ترجع تشرب شويّة عرق وإلّا بتموت. قلّو: ما بدي إشرب خلّيني موت بدون ما إشرب. ومات من عدم الشرب. أنا متذكّرو أوّل ما كنت قاعد حدّو، هيك مشهد في ذهني، لأنّي كنت حبّو كتير لبيي وإنس إلو باستمرار، دايماً كنّا أصدقاء ويحكيلي.

Bidayat_Footer_Dots.psd إنت إلى حدّ ما طبعك طالع لطبعو؟

Bidayat_Footer_Dots.psd هو كان كتير يعزّني، نقعد نحكي.

Bidayat_Footer_Dots.psd لأنّو كان يشوف فيك صورتو. إخوتك الباقيين: عبد، فخر، علي، بعاد جدّاً عن المرح كطبيعه.

Bidayat_Footer_Dots.psd بعد مرحلة الفول اشتغلت عدّة مهن قبل ما اشتغل سنكري. عملت، زي ما قلتلّك سقّا في المشتل الزراعي، صرت بيع خبز. إمّي تعجن الخبز وتخبزو، بيع بالسوق. بعدني متذكّر المحل يلّي كنت بسّط فيه وبيع.

طفولة كادحة... وياسمين

Bidayat_Footer_Dots.psd إمّك كدحت معكم عمليّاً، وهلّق هيي كبيره.

Bidayat_Footer_Dots.psd إمّي كدحت ولا تزال. اليوم كبيره، ومع هيدي ما تقبل إلّا تشتغل، ما فيها تقعد، مع إنّها أصيبت بالأحداث. إجت قذيفه حد بيتنا، من ضغط القذيفه كانت قاعده على البلكون عليت ووقعت وكسرت إجرها. كنت بيع خبز، حتّى بتذكّر مرّه إجا لعنّا، ما بعرف يمكن خلال الحرب، جنود تابعين للجيش الإنكليزي، قبارصه بشكل خاص، فعسكرو حول صور، فصرت أنا روح بيعون خبز وزيتون. بهديك الفتره ازدهرت تجارتي، صرت بيع كتير. بعدين اشتغلت بيّاع فلافل، يلّي بقلولا طعميّه، كمان إمّي كانت تعملن بالبيت، مش بسّط بالشارع، إحملهم على صينيّه مع خبز وملح ودور فيهن، وإصرخ على الفلافل. وبعت ياسمين، كان عندنا ياسمينه بالبيت. كمان عن مرحلة بيع الياسمين كتبت ذات مرّه قصّه في «الثقافة الوطنيّة٦ إسمها «عقد الياسمين٧». أكتر هالمراحل كاتبن بقصص مش محطوطه بالمجموعه٨، جايين بالثقافه الوطنيّه.

Bidayat_Footer_Dots.psd إنت متل ما عبلاحظ، طفولتك مادّه قصصيّه حلوه، بتظن إنت استغلّيتها أدبيّاً؟

Bidayat_Footer_Dots.psd لأ، ما كتير، لأ، يعني بعد ما استغلّيتها.

Bidayat_Footer_Dots.psd الكاتب الملاحظ ذكرياتو طفولتو بتمدّو بمَدَد غريب.

Bidayat_Footer_Dots.psd كتبت بعض أشياء، بعدين تبيّن إنّو يمكن صار عندي قناعه بإنّو «العدّه الفنّيّه» عندي مش كافيه، تركت، يمكن إرجعلها يمكن، ما بعرف بضل عندي.

Bidayat_Footer_Dots.psd الملاحظ إنّك كتبت القصّه مرحلة نشأتك الأدبيّه، لمّا عرّفني عليك محمّد عيتاني، ذات يوم مساءً، عرّفني عليك على أساس إنّك قاصّ.

Bidayat_Footer_Dots.psd يومتا كنت أغلب القصص إكتبها من حياتي الخاصّه وحياة يلّي حولي.

Bidayat_Footer_Dots.psd كيف تركت القصّه فجأةً، ما عدت تعاطيت أبداً، تركتها مرحله ثم رجعت كتبت قصص قليله قصّه قصّتين؟

Bidayat_Footer_Dots.psd بعد ما طلّعت «الشارع الطويل» نشرت شي سبع تمن قصص كانو شويّه أفضل من الشارع الطويل يلّي كتير مليان، مش بس شعارات، فيه اصطناع للأحداث، فيه تخيّل ذهني ببعض الأحداث، بس ما بعرف. كان يومتا كتير في جدل حول القصّه والفن القصصي وإلخ. صار عندي زي قناعه ذاتيّه إنّو عدّتي مش قويّه. فأُترك هالقصص، يمكن بعدين.

Bidayat_Footer_Dots.psd مع إنّو كاتب القصّه مشكلتو يكون عندو أفكار وعندو موضوعات، وإنت حسب نشأتك الأحداث موفوره. غوركي نصف إنتاجو حول ذكرياتو، أكيد طبعاً عبيكتبن بشكل أدبي وليس بالشكل الذي حدثت٩.

Bidayat_Footer_Dots.psd الواحد ما بيعرف تماماً إمتى وشو سبب إنقطاعو يعني ما تماماً بيعرف، يمكن أحياناً في سبب مباشر بخلّيه يوقّف ما كان يجب أن يوقّفه يعني، يمكن، يمكن لو استمرّيت لكنت توصّلت إلى إتقان أكتر. لأنّو أنا يعني بعد السنوات الطويله مؤمن إنّو الواحد مهما تثقّف مهما كان مثقّف كبير ما بيصير كاتب رأساً، بيصير كاتب خلال عمليّة الكتابه. بيكتشف السر تبعها، يمكن لو استمرّيت لكنت توصّلت إلى نوع من الإتقان يرضيني أنا. على الأقل يعني قصصي كانت مضطربه. بس المهم هالفترات في حياتي عكستها في بعض هالقصص.

بتذكّر لمّا كنت بيع ياسمين كنت نادي عالياسمين: ياسمين، ياسمين. بتذكّر مرّه، ما بنسى هالمشهد، كنت ماشي بالشارع مش معي ياسمين ورايح لمحل. شوي اكتشفت إنّي عبصرخ ياسمين ياسمين وما معي ياسمين. اطلّعتْ ما حدن منتبه يعني حولي. بس ركضت إنّو هلّق بقولو عنّي مجنون، بهرّكض في تأكيد لهالنفس الجنون. بتذكّر بالنسبه للياسمين في يعني ملاحظه بهديك الفتره، ما كنت لاقيلها تفسير. أكتر الناس يلّي بيشترو منّي ياسمين هنّي الفقرا يلّي بيقعدو على القهوه بيلعبو طرنيب والبحّاره يلّي كانو يقعدو هنّي على شط البحر وبيلعبو. كون جايي من بعيد عبصرخ ياسمين، تعا يا ابن أبو خليل حطّلنا ياسمين, إلخ. في قواهي بيقعدو فيها هالتجّار كذا، روح لهونيك ما بتذكّر واحد اشترى. وإتساءل: طيّب ليش؟ الفقرا والبحّاره كانو يشمّو الضمّه بشكل يعني بدّن ياكلوها، ويقولو: خَيْ! ويحط الواحد منن حدّو الضمّه يلعب ويمسكها ويقول: آه! طيّب هيدا شرّا وهيدا شرّا. ما بحبّوش يشمّو الريحه؟! الياسمين كان عندنا شجرة ياسمين. وبنجيب قش تبع نخل، منقصقص تبع البلح ومنعمل شناغيب منهن، ونشكُل الياسمينه الزهره بقلب الشنغوب. فبتطلع زي المروحه المطبّقه. لما تتفتّح تصير زي البوكيه. فكنت أنا بيعن بهالشكل، مش متل هلّق بخانق بيعملوهم. فإعملهم وحطّن بصحن هيك. والصبح بكّير نعملهم، تجي عشيّه يكونو مفتّحين. أنا بيعن خصوصاً بعد الضهر.

اشتغلت كمان بيّاع ترمس. كنت بيع ترمس بالخمّارات، الناس بيسكرو يتسلّو بالترمس. وكنت نادي: أحلى من اللوز يا ترمس. كمان هالمرحله بيع الترمس كتبتها. وبتذكّر إنّي كنت يومها بدّي إعمل مجموعه وعنوانها: أحلى من اللوز. بتذكّر كانت إيَّام الحرب التانيه ويمرق طيّارات، وبعدني متذكّر يمرق واحد ينادي: طفّو النور، سكّرو الشبابيك. بعدني متذكّر طابع النداء، وهيدي كمان كاتبها بقصّة «أحلى من اللوز»١٠، وناشرها بالثقافه الوطنيّه. هيدي بعد «الشارع الطويل» يلّي صدر ٥٤.

عامل بناء وسنكري

Bidayat_Footer_Dots.psd عندك نسخه من«الشارع الطويل»؟

Bidayat_Footer_Dots.psd إيه، وحيده. اشتغلت كمان عامل بناء، مش بالمعنى المهني، وإنّما إنقل حجار ورمل على راسي. بتذكّر ذات يوم هيك من التعب صرت إبكي وأنا عبنقل على راسي الحجاره. مش متذكّر كل الإيّام، بس متذكّر هالمحطّه حامل قفّه فيها حجاره وطالع ونزلو دموعي.

Bidayat_Footer_Dots.psd من الضيق النفسي؟

Bidayat_Footer_Dots.psd لا، مش من الضيق النفسي، من التعب العضوي، الضيق النفسي ما بتذكّر عانيت هالمأساويّه، كان هيدا الشي الطبيعي. كان التعويض عن المدرسه القراءه المستمرّه واستمرار علاقتي بالمدرسه الجعفريّه بالذات، إلى درجه كان علاقتي بالمدرسه وعلاقتي بالطلّاب ممكن أكتر بكتير من بعض الطلّاب. حتّى ساهم بالجمعيّات داخل المدرسه، الجمعيّات الخطابيّه ساهم فيها كأنّي لا أزال بالمدرسه، وكانت إدارة المدرسه ما ينظرولي إنّي خارج المدرسه، رغم إنّي مش منتمي إلها. ولمّا صرت سنكري فكان طلّاب الجعفريّه بالذات بعد ما يحلّو من المدرسه يمرّو على المحل عندي بعد الضهر تلاته أربعه أصدقاء بعدني متذكّرو، نقعد نحكي ونتناقش. وهيدا كان ينرفز خيي أبو ابراهيم كتير. كان ينرفز من مطالعاتي، لأنّي كنت لمّا مفيش شغل إقعد إقرا. كان يقول: القرايه بالدكّان بتقطع الرزق! كيف بتقطع الرزق يا خيي؟ إنت كمان هيك بتفكّر؟ يقلّي: يكون واحد جايه بدّو يشتغل شغله بشوفك عبتقرا ويشوف جارك هونيك مش عبيقرا عميشتغل، بروح لعندو وبيبطّل يجي لعندك. كان دايماً نقار، ولمّا يجو طلّاب المدرسه كمان يسدّو الدكّان يجن وينرفز. كان مان. وكانت هيدي دايمه المعركه معو.

Bidayat_Footer_Dots.psd كان مزدهر الشغل يعني؟

Bidayat_Footer_Dots.psd في فترات كان في شغل منيح وفي فترات يعني. شغل السنكري كان مركّز إلو علاقه بالتنك، ما متل شغل السنكري اليوم تصليح حنفيّات. كنّا نعمل أباريق، نوّاسات، مزاريب، إلخ. كل الأشياء يلّي إلها علاقه بالتنك، تصليح بوابير الكاز، قدّاحات. بهديك الفتره كنت إخترع شغلات بالتنك. مرّه عملت، مش اخترعت، زي ما يلّي بيعملو فيها غزل البنات. عملت واحده منها على إيدي وصرت إعمل فيها، اشتغلت يومين تلاته وبعدين من الحماوه فرطت. بس متذكّر منيح إنّي اشتغلت مدّه طويله حتّى إعمل فرد مسدّس. كانت سنوات ٤٧، ٤٨، كان غرض المسدّس حتّى ندّرب عليه ونروح عفلسطين. وبالفعل إجا يوم هربت أنا وصديقي يلّي بعدو هلّق موجود وإسمو حسن محيي الدين. فكتبت رساله، مرّه عثرت عليها، ما بعرف هلّق وينها، لا بد أُعثر عليها. كتبت رساله إلى إمّي وإنّي أنا رايح على بيروت على مكتب الهيئه العربيّه العليا بدّي حارب بفلسطين، بدّي كذا وبدّي كذا، شارحلا ليش. وما تحزني عليّ.

Bidayat_Footer_Dots.psd كنت عايش بالهمشاعر القوميّه وبهالاندفاع القومي؟

Bidayat_Footer_Dots.psd كنت قومي متعصّب. وبهديك الفتره كنت ضد الشيوعيّه.

Bidayat_Footer_Dots.psd مين كان ناشط سياسيّاً؟ بلّشت توعى وقتها سياسيّاً؟ شو كان عمرك 18 سنه؟

Bidayat_Footer_Dots.psd بهالسن الواحد بيعمل ثوره وبخلّصها تاني يوم يعني. لمّا هربنا لنحارب بفلسطين إجينا على بيروت ورحنا على المركز هونيك، ما كانو يقبلونا، فرجعنا حزينين على صُوْر.

Bidayat_Footer_Dots.psd ليش رفضوكم؟

Bidayat_Footer_Dots.psd ما بتذكّر ليش.

Bidayat_Footer_Dots.psd والفرد المسدّس؟

Bidayat_Footer_Dots.psd كنا نروح نتمرّن على الفرد على شط البحر، وكمان فرط الفرد.

Bidayat_Footer_Dots.psd منيح ما فرط فيك.

Bidayat_Footer_Dots.psd استعملتلّو الرفّاص وإبره وإلخ. ، رجعنا حزينين يومتا على صور وارتاحت إمّي.

Bidayat_Footer_Dots.psd إمّك أُمّيّه، يا محمّد؟

Bidayat_Footer_Dots.psd لا إمّي بتقرا شويّه، وبتقرا أدعيه، صارت بتقرا صحف وبعض شغلات يلّي كنت إكتبها. بهديك الفتره كان يؤرّقنا شي، يعني هالطلّاب يلّي يجو لعندي عالمحل. كنّا لازم نعمل عمل ينقذ الأمّه العربيّه.

من البعث إلى القومية إلى الشيوعية

Bidayat_Footer_Dots.psd مين كان مؤثّر فيك سياسيّاً؟

Bidayat_Footer_Dots.psd كان في تأثير للبعث. وأنا بشكل خاص تأثّرت فترة شهرين تلاته بالقوميّين السوريّين لمّا إجا أنطون سعاده على لبنان. بطّلت تأثري فيه لمّا إجا على صور. حضرت جلسه، فلقيت إنّو في نوع من التمثيل بأحاديثو. بدون مناقشه لشو الأفكار يلّي قالها.

Bidayat_Footer_Dots.psd يعني نفرت منّو شخصيّاً، مع إنّهم هوّي كانو بيقولو إنّو شخصيتو جذّابه.

Bidayat_Footer_Dots.psd رحنا منشان هيك. يمكن هذا العامل يلّي خلّاني ما شوف هالصوره يلّي أعطوني ياها، لأنّو كان عنّا صوره بذهنّا إنّو آسر وجذّاب وكذا، فرحنا طيبّ ما لقينا.

Bidayat_Footer_Dots.psd ما سَحَرَكْ؟

Bidayat_Footer_Dots.psd فلمّا ضهرنا صرنا نتناقش، طيّب شو ما سحرنا، كس إخت هالشغله يعني. تأثّرنا أكتر شي بالبعث.

Bidayat_Footer_Dots.psd مين كان من رُوّادو بصور؟ إنعام الجندي كان هونيك؟

Bidayat_Footer_Dots.psd إنعام مرّ فتره كان إستاذ بالجعفريّه. الغريب إنعام يلّي بعدو لحد هلّق تقريباً ما كتير تقدّم عن هيديك الفتره.

Bidayat_Footer_Dots.psd بالعكس تراجع قياساً للتطوّرات.

Bidayat_Footer_Dots.psd الغريب كان له نوع من التأثير الرومنطيقي.

Bidayat_Footer_Dots.psd هوّي لأنّو خلوق.

Bidayat_Footer_Dots.psd يعني ما عندوش هالفكر المقتحم المنطقي، بس عندو تأثير عاطفي. وهو شخصيّاً كان عندو تأثير عاطفي ومحبوب، كانو يحبّو الطلّاب. وكنت أنا مش طالب، بس كنت على علاقه فيه. حتّى بتذكّر لمّا جيت هون عبيروت كنت في جلسه معو في أحد المطاعم عميفهّمني شو الوحده العربيّه وليش نحنا بدنا وحده عربيّه. وكانت الطاوله بلاط، قام قلم رصاص وصار يرسم خارطة البلاد العربيّه، وإنّو شو يلّي بيفرّقها، ليش ما تكونش وحده طالما هولي كلّياتهم وحده. وبتذكّر مرّه جمعني حد الجامعه الأميركيّه بسعدون حمّادي ما غيرو. بس شفت صورتو تذكّرتو. شو حكَيْنا ما بعرف.

Bidayat_Footer_Dots.psd نفس السَّلَطه القوميّه.

Bidayat_Footer_Dots.psd فكنّا بهديك الفتره حاطين رساله على ضهرنا إنّو بدنا نتجسس على الشيوعيّين.

Bidayat_Footer_Dots.psd كانو ناشطين بصور؟

Bidayat_Footer_Dots.psd إيه.

Bidayat_Footer_Dots.psd يعني الخيّاط المناضل رفله أبو جمره كان موجود؟

Bidayat_Footer_Dots.psd إيه، نروح بالليل عالرمل هيكي ننتظر إمتا يجو يجتمعو.

Bidayat_Footer_Dots.psd ليش كانو يجتمعو على الشط؟

Bidayat_Footer_Dots.psd في مرّات على الشط. ما فيش هدف توصيل رساله لجهه، بس نحنا عمنراقبن. كنّا خايضين معركه ضدّهم. ويلّي عنّف هالمعركه هوّي أحداث 48. والمؤسف صدف وجود بعض شيوعيّين هالفتره في صور فهمو الحكايه كلّها بقفاها، وقالو بعض أقوال استفزازيّه للمشاعر القوميّه للعرب. وطبعاً قوّلوهم أشياء كتيره. ونحنا ساهمنا. من جملة الأشياء يلّي قلتها لرفله أبو جمره، ونحنا عمنتناقش، قلّو إنتو قياصره. بهديك الفتره كنت بلّشت إنشر قصص بـ «التلغراف» يلّي كان يطلّع عدد يوم التنين، ويُشرف عليه رئيف خوري.

دكروب المشبوه

Bidayat_Footer_Dots.psd كان صار هونيك «إخوان عمر فاخوري»، إثر خلاف رئيف خوري ورفاقه مع الحزب بسبب قرار تقسيم فلسطين الذي أيّده السوڤيات، وكانو يشرفو على صفحات التلغراف الثقافيّه يوم الاثنين.

Bidayat_Footer_Dots.psd يعني هنّي مستلمينا، ولمّا صارو إخوان عمر فاخوري كانو فيها، فحوّلوها إلى إخوان عمر فاخوري. كنت إبعت عالتلغراف، فرفله أبو جمره كان يقرالي، نتناقش. يقلّي: يا محمّد إنت شيوعي. قلّو: فشرت، واحد متلك، أنا عربي. يقلّي: ما نحنا عرب. قلّو: فشرت، إنتو قياصره. يقلّي: إنت يا محمّد بس تكتب شيوعي، وبس تحكي فاشستي. بدّك تصير شيوعي. قلّو: فشرت، إلخ. دائماً كنت لاحظ نقاشو معي يختلف عن طابع نقاشو مع الآخرين. هو كان يتميّز بهديك الفتره إنّو محبوب حتّى من أعداؤو السياسيّين. كان خدوم، آدمي، وكان معروف عنّو إنّو مناضل، كل ما يصير شغلي يعتقلوه يضربوه، ويضل كما هوّي ما تفرق معو. فكان هيدا عاملّو احترام. خلال نقاشي معو يهاجم الآخرين بعنف، أنا يهاجمني على أساس كأنّي من عضام الرقبه. وهيدا ينرفزني أكتر.

Bidayat_Footer_Dots.psd إنّك مشبوه!

Bidayat_Footer_Dots.psd يعني مش معقول. إلى أن لمّا نقلت على بيروت، ونقلت بواسطة حسين مروّه، ذاكر شوي منها بالكتاب يلّي عملنا عن حسين مروّه. كاتب هونيك شغلات. بالمناسبه كريم مروّه كان كمان بالمدرسه الجعفريّه، وأنا صادقتو من المدرسه الجعفريّه، ما كنّاش طلّاب سوا، كان هوّي طالب، وأنا كنت طلعت ولكن، متل ما قلتلّك، على صله بالمدرسه. كان كريم من الشباب يلّي عندهم هالفكر القومي إلخ. حتّى في عندي رسائل من العراق منّو أحياناً بهدّدو فيها. رسائل باعتلياها من العراق. راح سكن مع حسين مروّه وعيلته بالعراق. وهونيكي بدأ يكتب كريم مروّه، بدأ يدخل بالحياة السياسيّه، وبالعراق بالضبط تحوّل. قبل ما يتحوّل كان يبعتلي رسائل، بالضبط في 48 بهجوم الجيوش العربيّه على فلسطين. باعتلي رساله يمكن عشيّة الهجوم، فيها حماس هائل، إنّو خلص. بعدها عندي الرساله. فعن طريق كريم بمراسلتي معو تعرّفت على حسين مروّه. كان هوّي يقلّي عمّي بيكتب وبيعمل وإلخ. ومهتم بأخبارك وعمبيتبّع أخبارك. عن طريق كريم تعرّفت على حسين مروّه بالمراسله. إلى أن كان ذات يوم، يمكن في ٤٩ تقريباً، كنت قاعد بالمحل عمبطقطق، بيتقدّم منّي رجل شب، نحيف، طويل شوي: مرحبا محمّد، أنا حسين مروّه. أهلا وسهلا، قعد. أنا بالمقال يلّي كاتبو قايل: مدّيت إيدي سلّمت عليه، ولا تزال أيدينا متشابكه حتّى اليوم. كان أبو نزار جايي من العراق ورايح على صور، لأنّو عيلة بيت كريم بيّو وإخوتو كانو بصور. راح لعندن. أوّل مرّه راح لعندن إجا لعندي. كان في خيّو لكريم، إسمو مرتضى، خيّاط، دكانتو بأوّل الشارع يلّي فيه دكانتي أنا كسنكري، فدلّو عليّ. ما بدّو يجي مع حدن، إجا لحالو وقلّي: مرحبا محمّد، أنا حسين مروّه. هيك. وحكينا ما بعرف شو بالضبط. عن طريق حسين مروّه، كان هوّي بيشتغل بـ«الحياة»، وكان بيعلّم بمدرسة الإصلاح ببيروت. كان المشرف المالي على مدرسة الإصلاح واحد إسمو محمّد علي المسكي، تاجر ورق. كنت أنا حاكي مع حسين مروّه إنّو أنا بدّي إطلع من صور، بدّي إشتغل ببيروت، بدّي شوف الدني. في ضيقه يعني بوضعنا. فحكى مع محمّد علي المسكي إنّو يشغّلني عندو. وبَعَتْ ورايي، إجيت اشتغلت بالمحل محاسبجي، تصوّر، أنا محاسبجي!

Bidayat_Footer_Dots.psd ما لخبطلّو بالحسابات؟

Bidayat_Footer_Dots.psd بالمحل تعلّمت الجمع والضرب. وقصقص ورق بنفس الوقت، ورق كياس وطرحيّات. لهديك المحل كان يجي دايماً محمّد عيتاني. هيدا المحل جنب سينما كريستال، يلّي عملنا فيها احتفال أوّل أيّار. كنت أنا متعرّف عليه بصُوْر، علّم بصور. هلّق بحكيلك تعرّفي بمحمّد، هي وحدها قصّه. فعن طريق أبو نزار انتقلت على بيروت. كانت أفكاري يعني بدأت، قبل ما انتقل على بيروت، كانت بدأت أفكاري تتغيّر شوي، بعد هزيمة ٤٨ والإشيا يلّي صارت، وأنا كنت إقرا. ومن خلال مطالعتي بـ «التلغراف» صار في نوع من المراسله مع رئيف خوري، كان يهتم فيي.

مراسلات وحكايا

Bidayat_Footer_Dots.psd كان رئيف خوري يكتبلك؟ عندك رسائل منّو؟

Bidayat_Footer_Dots.psd عندي رساله من نسيب المتني. فكنت إبعت قصص ينشرلي ياهم رئيف بمحل منيح. بس كنت لاحظ هونيكي يكتبو بقلم الأستاذ هاشم الأمين، بقلم الأستاذ قدري قلعجي، بقلم محمّد إبراهيم دكروب. ذات مرّه شو عملت أنا. كتبت بقلم محمّد إبراهيم دكروب، جبت قلم رصاص وأضفت الأستاذ كأنّو محرّر عاملها. طلع بالأسبوع التالي بقلم الأستاذ محمّد إبراهيم دكروب. كيّف وصار أستاذ. فمرّه بعتلّو قصّه عن حياتي كسنكري. ما بتذكّر شو كان عنوانها. بس يبدو هوّي رئيف خوري غيّر العنوان وكتب: أديب وسنكري. وقلّي هوّي بعدين حتّى إلفت النظر. بهديك الفتره بدأو الشيوعيّين هون يتساءلو مين هوّي محمّد دكروب يلّي عبينشط بالتلغراف؟

Bidayat_Footer_Dots.psd كانو على عداء مع صفحات «التلغراف» الثقافيّه يلّي كان يشرف عليها رئيف ورفاقو كل اثنين بعد خلافهم مع الحزب.

Bidayat_Footer_Dots.psd تأكدّلي هالشي من رساله عثرت عليها ذات مرّه، أو حدن من الحزب عطاني ياها، وهيي بخط نسيب نمر، بقلبا غير نسيب نمر بإمضاء حركي. يقلّهم عرفت إنّو محمّد دكروب هوّي بيشتغل سنكري في صور، كويّس وليس محايداً أو شي من هالنوع. فعرفت من خلال هالورقه يعني إنّو يبدو سائلين مين هيدا.

Bidayat_Footer_Dots.psd لكان استخباراتي من زمان نسيب!

Bidayat_Footer_Dots.psd إيه، متقنها على عدّة جبهات، يمكن هالورقه موجوده غير عندي.

Bidayat_Footer_Dots.psd بتتذكّر إسمو الحركي؟

Bidayat_Footer_Dots.psd ما بتذكّر، ناسي. يبدو من تأثير «التلغراف» هيكي وقراءاتي بدأ فكري شويّ، مش يبطّل قومي، يصير مش عدوّ للشيوعيّه. ولكن فكرة العربي والوحده العربيّه ما راحت من ذهني، وبقيت ولا تزال. وبعدين تبيّن نحنا، بعد ما صرنا ماركسيّين، اكتشفنا إنّا نحنا الأكتر عروبه. فبتذكّر لمّا جيت عبيروت وطبيعة الحال اتصلت بحسين مروّه. فبدأت من خلال حسين مروّه إتعرّف على هالأجواء، وبدأت أكتب. كان في صفحة التلغراف، وكان في «الطريق» قبل «الثقافه الوطنيّه». بدأتْ كتاباتي كان فيها بهديك الفتره نوع من النغم الرومنطيقي، لأنّو كان في جريدة «الصرخه» يومتا كلّها كدس مقالات سياسيّه، فكنت أكتب أنا هالقطع الرومنطيقيّه يلّي فيها نوع من العاطفيّه. فبدأت إلفت نظر الشيوعيّين العاديّين يلّي بيقرو. وبالمناسبه يمكن يلّي أنا معتز فيها إنّو كتاباتي لفترات طويله كانت تلاقي صدى عند هالناس بالذات، ولا تزال بعض كتاباتي تلاقي صدى عند عامّة الناس. رجعت على صور وأنا يعني صاير شيوعي بس مش بالحزب. رجعت بتذكّر.

Bidayat_Footer_Dots.psd رحت عند رفله أبو جمره دوغري (ت 1995).

Bidayat_Footer_Dots.psd من السيّاره رحت عند رفله. مرحبا رفله. قلّي: ما قلتلّك، بدون رد على مرحبا. ما قلتلّك، أهلا وسهلا فيك، لك مبيّن عليك. أنا قلّو: كيف عرفت إنّو أني لحصير هيك؟ يا خيي إقرا الشي يلّي بتكتبو في «التلغراف»، بعدين إسمع كلامك غير شكل. ما بدّاش عبقريّه.

بدّي إحكيلك فترة مجلّة «المعهد». من يومين إجاني رساله رجّعتني للمعهد. وذكّرني صاحب الرساله بالإشيا يلّي كاتبها وأيّا سنه كاتبها. واحد إسمو حسين شرف الدين هوّي مدير الجعفريّه هلّق. عبيعمل أطروحه عن الجو الثقافي والفكري في صور بهديك الفتره، وخاصّا من خلال مجلّة «المعهد». مجلّة المعهد يلّي كان يطلّعها جعفر شرف الدين من المدرسه. لكن إطلالتها أكتر من المدرسه. كان يكتب فيها كتّاب آخرين.

Bidayat_Footer_Dots.psd في محيط صور؟

Bidayat_Footer_Dots.psd لا، أكتر من محيط صور، من الجنوب، بعض مقالات يطلبن هوّي من بولس سلامه وغيره. كان طابعها أكتر من مجلّه شهريّه تصدر عن مدرسه.

Bidayat_Footer_Dots.psd استمرّت سنوات؟

Bidayat_Footer_Dots.psd لا، لا. يمكن سنه مش أكتر١١. بدأت أنا أكتب بعض مقالاتي فيها. أربع خمس مقالات. مقال منهن هيكي بذكّرني بعنوانو: هذه المادّه الحاكمه. عمبحكي فيه روحانيّات الواحد إذا قعد على الرمل لحالو كذا واتصل بالعلياء إلخ. ، وشغلات من هالنوع. بس في مقال تاني هيدا إلو هيك دلالتو بعنوان: رساله إلى فنّان. حضرتو غلطان فيها وكاتب: رساله إلى فتاة. سنة 48. الفنّان إسمو يوسف محمّد رضا، مترجم كُتُب رصينه، هيدا كان يومتا كاتب كتاب من نوع الشعر المنثور إسمو: جحيم الأرض. رمزيّات وإلخ. فأنا كتبت هالرساله بعنيه هوّي إنّو لوين إنت رايح، ما في ببلادنا كذا وكذا، شو هالأشياء والرمزيّات. فيه بؤساء وفيه ما بعرف شو، في كذا وكذا. وبذكرلو أسماء بعض الكتّاب، يمكن منهن غوركي، يلّي كتبو عن البؤساء. يومتا ما كنتش بعد صرت زي البشر.

Bidayat_Footer_Dots.psd بس هيدا وعي فطري تلقائي يلّي وصّلك في ما بعد، مش القناعات الفكريّه يلّي وصّلتك.

Bidayat_Footer_Dots.psd في عندي بحياتي نوع من المواكبه، يعني حياتي والمطالعات. ما إجيت إلى الشيوعيّه فقط عن طريق كوني بائس، ولا عن طريق فقط القراءات. كانو متزاملين. يعني نفس الوقت يلّي أنا عبعاني البؤس والفقر وإلخ. كنت طالع وكنت شوف بنفس الوقت. كنت شوف بضوء وضعي. إقرا كمان من خلال وضعي. هو أول ما بدأت أنشر بتذّكر قطع صغيره في جريدة «الحياة» في الصفحه الأخيره نطالب فيها بإصلاحات للبلد. في الصفحه الأخيره كان في زاويه لمطالب الناس أو شي من هالنوع. أنا وتنين تلاته نكتب ونبعت صفحة يُنشر منها خمس ست سبع أسطر. روح اشتري الجريده وجرايد تانيه وإحملها تحت باطي، يعني صرت إستاذ. فصار هونيكي يعني إسمنا فلان وفلان عمبيكتبو بالجرايد وعبيطالبو بحقوق البلد. وعملنا يومتا هيك نوع من الحركه. بتذكّر أنا كتار يقولولي هيدا هيك بتروح ما بتكفّي واستمرّيت. بدأت بهالنوع من الرسائل، وبعدين صرت أكتب بالمعهد، بعدين بـ«العرفان». كتبت مقالين تلاته، سلسله ورا بعض، ما بعرف بأي عنوان، عبحكي عن الجيل الطالع والعلم وإلخ. وما بعرف كذا، وشو لازم يصير مدارس، وسبيل الإصلاح. بهالمقال كان الشيخ أَحمد عارف الزين١٢ يضع تعليقات ضمن المقال نفسو بين أهلّه. بقول بالمقال بعدني متذكّر: هذا الجيل الضائع، فيعلّق: الضائع هو الكاتب وحده (التحرير)، كان يومتا مقال حديث الجنوب. وبتذكّر أنا إنطباعي عن هالشي كتير ظريف. يعني ما أخذتو إنّو بهدله. ما بعرف شو عمبقول في محل تاني إنّ الكذا هو كذا. فجاء المحرّر ليقول: هذا غير صحيح! ناشر عرضي بالمقلوب. بس إنطباع هالشي عندي كان ظريف. وكان المقال حديث التحزّبات.

دكروب الكاتب والرفاق

Bidayat_Footer_Dots.psd إنتِ صار عندك شعور إنّك لحتعمل كاتب؟

Bidayat_Footer_Dots.psd من يومتا، من أوّل ما بدأت أنشر بالتلغراف قصص، بدأت حس إنّو خلص صير كاتب. يعني بدأ تفكيري إنّو هون طريقي. بس كيف بدّي أوصل حتّى صير بس أكتب، ما إعمل هون وهون. حطّيت بذهني إنّو هيدي طريقي. وكان إلحاحي على أبو نزار ليدبّرلي شغل في بيروت هدفي لأقدر يعني إنخرط بجو الكتابه تتصير هيدي شغلتي، مش أي شغل آخر يعني. المهم كان التدرّج: صفحة «الحياة»، «المعهد»، «العرفان»، «التلغراف». ثم بدأت أُّنشر شويّه في «الصرخه» إلّي بتطلع كل أحد. نشرت فيها بعض شغلات، ومنها مقال عن غوركي. وأكتر ما بتذكّر تمام، ومارس عليّ تأثير من ناحية الشيوعيّين، كان يوم الأحد كنت شوف شيوعيّين يبيعو هالجريده. وكتير تأثّرت مرّه، كان العدد فيه مقالي، وكان الشباب عبيبيعو. وكان يمارس عليّ نوع من الرومنطيقيّه، يعني هول الشباب يلّي عبيبيعو الجريده عبيوزّعو مقالي. بعدني في هاديك الفتره كمان، وعن طريق حسين مروّه نشرت أول قصّه إلي بالطريق في ٥٢. هيي أوّل قصّه إلي بصحافه شيوعيّه. كنت عبنشر مقاطع سابقاً، بس هيي كتير باعتز بنشرها وبأثرها.

Bidayat_Footer_Dots.psd تقصد قصّة «خمسة قروش» الموجوده في مجموعة «الشارع الطويل».

Bidayat_Footer_Dots.psd لأنّي بتذكّر في هاديك الفتره ما بقي حدن من يلّي بعرفهم إلّا ما كان يحكيني عنها، ويبقى بذهنو إنّو هالشخص يلّي رايح يشتري البيضه وفجله، ورايح عالبيت ليقلي البيضه ويحلم بأكل البيضه والفجله عليها. انكسرت البيضه بجيبتو وهو طالع بالتراموي. كان كتير تعليقات من شيوعيّين وهالمعارف، كانو يقرو، وأنا بالفعل بعدني حد هلّق مستغرب كيف حسّيت حالي إنّو الناس صارو بيعرفوني. يعني كتار كنّا نروح، كانو الشيوعيّين بيعملو رحلات عالأرز كذا. وين ما روح هيدا محمّد دكروب، خمس قروش كذا، بشكل عجيب. هلّق الواحد بيكتب عشرات الأشياء ما حدن بيقلّو يعطيك العافيه، ما حدن بيشتمو! بالفعل كانت ظاهره. بتذكّر تماماً هالنوع من التأثير. مع تأثير حاسم بهديك الفتره لرواية «الأم» عليّ. يعني رواية الأم كانت هي الدفعه الحاسمه، ترجمة أيّوب.

Bidayat_Footer_Dots.psd مع إنّها ترجمه رديئه؟

Bidayat_Footer_Dots.psd ما باقي بذهني شي، باقي بذهني ملحمة الأشياء يلّي فيها. إنطباعي مهم عن المقدّمه الطويله يلّي هوّي كاتبها، أيّوب، إنطباعي كتير منيح عن المقدّمه. ما بعرف هلّق اذا أعدت قراءة المقدّمه كيف يعني بكون.

Bidayat_Footer_Dots.psd هلّق ما راح تعجبك لا المقدّمه ولا الروايه المترجمه. ترجمة أيّوب رديئه جدّاً. بتنفّر. يعني أنا قريتا وقريت «أسرة أرتامانوف» لـ غوركي في الوقت نفسه، ترجمة منير بعلبكي. مع إنّي كنت شب صغير، رأيت الفرق كبير جدّاً وهائل بين الترجمتين. وبعدين صراحة أنا الحماس الموجود في رواية «الأم» ما عجبني. أدبياً عبحكي. وهيدي حكاية الحماس خلقتلي وجع راس مع بعض الرفاق الشيوعيّين يلّي كانو متّخدين بالحماسه الثوريّه في بعض الأفلام السوڤياتيّه، وهي في نظري حماسه خطابيّه ليس لها عمق إنساني. والموضوع طويل.

Bidayat_Footer_Dots.psd يبدو هيدا الحماس بالذات هو يلّي دفعني. كانت زي الدفعه الأخيره أو نقطة التحويل من حد إلى حد. كنت مستوي، وإجا غوركي دفشني دفش. صرت من يومتا أنشر في «الطريق»، وكان يومتا مشرف على الطريق يبدو وصفي البنّي وخصوصاً محمّد معصراني. طلبت منّو مقال مؤخّراً، فقلّي دخيلك من مليون سنه ما كتبت. وإنت كل ما إجيت على موسكو بتحركلي جروحي. بتخلّيني إبكي ليالي. رحت خلص. هو مترجم بموسكو. بعتلّو قصّه ومقال ناشرن قديماً، أوّل ما نشر بالطريق، وقلتلّو: بدّك تكتب غصبن عنّك. بدّو يكتب ذكرياتو مع الطريق وعلاقتو معها.

Bidayat_Footer_Dots.psd وصفي البنّي من جماعة خالد بكداش؟

Bidayat_Footer_Dots.psd بالفترة الأخيره صار مش من جماعة خالد. انتهى بس محرّر بوكالة تاس السوڤياتيه. استمرّيت بالنشر بالطريق قصص وبعض مقالات. كنت بنفس الوقت عبشتغل عند المسكي. وبدأت أتصل بهالمجالس عند حسين مروّه، محمّد عيتاني. ومن خلال محمّد عيتاني طُلْ على علي سعد، أحمد أبو سعد، أحمد سويد لبدايات قصّة «أُسرة الجبل الملهَم».

Bidayat_Footer_Dots.psd لا بأس نحكي علاقتك العريقه بمحمّد عيتاني.

Bidayat_Footer_Dots.psd طبعاً. تعرّفت على محمّد عيتاني بصُوْر. بس كيف؟ لمّا كنت أُنشر بالتلغراف هديك الوقت صدرت مجموعه قصصيّه لرياض طه، عنوانها: شفتان بخيلتان.
رياض طه كان طالع طلعتو بالصحافه، فكُتبت عن المجموعه مقالات كتير.

Bidayat_Footer_Dots.psd إطراء بالتأكيد.

Bidayat_Footer_Dots.psd أنيي ما عجبتني لا المجموعه ولا الإطراء.

(كلام بالروسيّه بين محمّد وزوجته سڤيتا التي تريد الخروج للتبضّع، فطلبت مالاً من محمّد، ففتح أحد الكتب، حيث يودع عُملته الورقيّه وأعطاها ما تريد).

طبعاً محمّد كتب؛ ويومتا كتب واحد من بيت حماده من بعلبك، فقال مدائح. فأنا كتبت مقال ناقش حماده وبكتب عن «شفتان بخيلتان» من كعب الدست. بتذكّر بجريدة «كل شيء» طلع مقال بقلم محمّد عيتاني مدائح بالمجموعه، متل ما بتذكّر ومنطبع بذهني. محمّد بس يمدح ما بخلّي كلمه إلّا ما بقولها، وبس يذم كمان يعني. ما فيش عندو وسط. تغزّل كمان برياض طه. فأنا هاجمتو بالتلغراف، ما بعرف مين رد عليّ. بهديك الفتره إجا محمّد عيتاني على صُوْر إستاذ بالجعفريّه. بتذكّر تماماً يوم التقينا، كنت في مكتبه كان يبيع فيها كُتُب ياسر نعمه، وإذ شب لابس أبيض بعدني بتذكّر، حتّى يعني المقال يلّي بدّي أكتبو عن محمّد بذهني ببلّش بالأبيض. قميص أبيض وبنطلون أبيض، وعينان يعني مكسكسين هيك. الأبيض عاملو طوال المقال. برمز لتصوّري أنا عن محمّد. أنا كتير بحبّو كإنسان. عرّفوني: محمّد عيتاني، محمّد دكروب. ما بعرف مين قال للتاني إنّو، وبلّشنا رأساً نحكي عن المعركه حول رياض طه، كانت بعدها طازه. وبتذكّر عبقلّو: شو هالمدائح! طيّب صديقنا شو بدّك تقلّو. زي ما هوّي محمّد. إنّو صديقنا كذا. محمّد عيتاني بدأت العلاقه فيه من هيديك الفتره. وعن طريق محمّد عيتاني أو على الأصح عن طريق ذاكرة محمّد عيتاني عرفت على الأقل أسماء وأجواء الأدب العالمي، لأنّو كان يومتا نَهِم للقراءه ويستوعب، بمعنى بيحفظ، يعني عندو ذاكره حديد. بيجي بيحكي الأشيا يلّي بيقراها وبيسرد الأسماء. وكان يومتا عمينشر في «الأديب»، ينشر أشياء إلها علاقه بالأدب العالمي. فمحمّد من هون يعني دخّلني. أنا إذا كنت بعرف أشياء عامّه عن الأدب العالمي، فبيكون النافذه إلها تبعي محمّد عيتاني. أنا ما بعرف فرنسي ولا لغه أجنبيّه. عدا طرافة محمّد، كنت كتير إستفيد بالمعنى الحرفي من علاقتي بمحمّد. إتثقّفت. عدا عن التوافق الروحي١٣.

Line_3.psd

الهوامش

1 في حوارٍ نشره كامل جابر، عقب رحيل محمّد دكروب، في جريدة «السفير» (٢٨ تشرين الأوّل ٢٠١٣، ص ١٨) يذكر محمّد أنَّ أُستاذين في المدرسة الجعفريّة غمراه برعاية خاصّة هما: أحمد حجازي الملقَّب بابن البادية (ت. ١٩٧١) وزكي بيضون (ت. ١٩٧١) والد الناقد الضّليع والأديب عبّاس بيضون. وعندما أخذ محمّد دكروب يكتب قصصاً مستوحاة من بيئته عن البحّارة والشغّيلة والمسحوقين، كان يعرضها على أحمد حجازي، ابن البادية، ليقرأها ويعطيه رأيه فيها. «فيصحّح لي، من دون أن يشطب كلمة، ثم يشرح ويوضّح، حتّى تعلّمت منه كثيراً في تلك الفترة». وابن البادية هو، فضلاً عن التصحيح، الذي شجّع دكروب، الفتى الطموح، على النشر. وهكذا بعث محمّد بقصصه الأولى إلى رئيف خوري، الذي كان يُشرف، كلّ اثنين، على الصَّفحات الثقافيّة في جريدة «التلغراف» لصاحبها نسيب المتني. وقد كان ابن البادية يكتب في مجلّة «المعهد» الصادرة عن المدرسة الجعفريّة، وقد وقعنا له فيها على مقالات غزيرة بلغت ٤٤ نصّاً. كذلك كان يكتب في مجلّة «العرفان» الشهيرة الصادرة في صيدا.

٢ هو عبدالحسين شرف الدين (١٨٧٣ – ١٩٥٧) أحد أَعلام الشيعة في جبل عامل، الذي عاد إليه بعد إقامة مديدة في العـراق حيث درس في النجف ونال درجة الاجتهاد المطـلق. وفي صُوْر كــان مقصد جميع الباحثين عـن حلول فِقْهِيّة. ومـن جملـة مساعيه التعليميّة أنّه أنشأ الكلّيّة الجعفريّة عام ١٩٣٨، وقد صار لها صيت واسع. وكان وطنيّاً صادقاً ناصب الانتداب الفرنسيّ العداء، وله دور ملحوظ في مؤتمر وادي الحجَيْر عام ١٩٢٠ الذي حضّ على مقاومة المحتلّين. وهو من دُعاة الوحدة السوريّة بزعامة الملك فيصل. وقد اضطهده الفرنسيّون وأحرقوا داره ومكتبته النفيسة، فاضطر إلى مغادرة لبنان هرباً من حكم الإعدام الذي استصدروه ضدّه. رُزق ستة أَبناء، بينهم جعفر الذي قاد الكلّيّة الجعفريّة، وصدرالدين الذي أصدر مجلّة «الألواح» في بيروت. ترك السيّد عبدالحسين شرف الدين ذخيرة من الكتب والرسائل، قاربت الثلاثين، وهي تتناول مسائل فقهيّة واجتهاديّة جمّة. ومنها كتاب «المراجعات» الذي تكرّر طبعه، وهو نتاج مناظرات بين السيّد عبدالحسين الذي وَفَدَ على مصر عام ١٩١١ وتَلْمَذَ لشيخ الأزهر عهدذاك سليم البِشْري، وكان عالِماً ضليعاً؛ فالكتاب حصيلة البحث بين الرجلين حول الإمامة على نحوٍ خاصّ.

٣ وُلد جعفر شرف الدين ابن السيّد عبدالحسين في بلدة شحور عام ١٩٢٠ وتعلّم في صُوْر، وذلك إبّان عهد حافل بالأَحداث السياسيّة الجِسام، وخصوصاً أنّ والده كان مناضلاً جَسُوراً ضد الانتداب فلاقى التنكيل والتشريد. وابتدأ جعفر ارتشاف العلم في صور، وذلك في كُتّاب السيّد نورالدين الأَخوي عام ١٩٢٧، «وقد اتّخذ ـ كما يترجم السيّد جعفر سيرته في المجلس الثقافيّ للبنانَ الجنوبيّ بتاريخ ٥ أيّار ١٩٨٣ ـ من بيته مكاناً لهذه المدرسة اقتطع لها صحن الدار الواسع، واحتفظ لعائلته بغرف البيت. كان يجلس إلى طاولة على كرسيّ يُشرف منه على التلاميذ، ويعطي توجيهاته بصوت يُشيع الهدوء ويبعث الرهبة، فلا تسمع إلّا أَصواتاً هامسة تتدارس أَجزاء القرآن الكريم. وربّـما تسمع صرير الأَقلام الحجريّة تخطّ الحروف على أَلواحها. وحَلَقات أرقى من هذه وتلك هي حَلَقات تحسين الخطّ وضبط الإملاء». وآل الأَخوي عائلة إيرانيّة المنبت، معروفة في شيراز، وقد نزلت صُوْر. ثم ارتقى جعفر التلميذ من الكُتّاب إلى المدرسة الرسمية في صور حيث أمضى ستّة أَعوام. و»تحوّل كيس الكتب إلى حقيبة، وقضيب الرّمّان أو الخيزران إلى مسطرة. هذا من حيث الشكل. أمّا من حيث الأساس فقد تغيّر جذريّاً، إذ أصبح لكلّ مادّة أستاذ». وفي عام ١٩٣٨ تسلَّم السيّد جعفر المدرسة الجعفريّة التي أرسى أساسها والده السيّد عبدالحسين، والتي غدت لاحقاً الكلّيّة الجعفريّة. «وبقيام الجعفريّة انتهى عهد الكتاتيب في صور، وانتقل أبرز أَصحابها أستاذنا السيّد نورالدين الأَخوي إلى الجعفريّة».

4 يقول محمّد دكروب في الكلمة التي ألقاها، إبّان الاحتفال بتكريمه في «الحركة الثقافيّة ـ أنطلياس» عام ٢٠٠٨: «وكنت في ذلك الزمان مهووساً بقراءة روايات الخيال العلميّ، مغرماً بالابتكارات العلميّة المستقبليّة، وبالتنقّل السهل بين النجوم والكواكب والسماوات العُلى... على أنّني جرّبت بنفسي، كتابة قصّة في الخيال العلميّ، واخترعت ـ داخل القصّة طبعاً ـ جهازاً يتنبّأ بما بعد الإنترنيت: تخيّلت جهازاً فيه شيء يشبه شاشة سينمائيّة صغيرة، وفيه أُنبوب يوجَّه شعاعه الخفيّ إلى رأس شخصٍ ما، فينقل الشعاع إلى الشاشة صوراً لما يدور في دماغ هذا الشخص ـ فتاة غالباً وشابّ أحياناً». «هذه القصّة أَرسلتها في حينه إلى مجلّة كانت تصدر في القاهرة باسم «قصص للجميع»، ويبدو أنّ هذا الاختراع العجيب قد أعجب رئيس تحرير المجلّة فنشر القصّة في مكان بارز».

5 هذا النهم إلى القراءة رافق محمّد دكروب في غضون حياته المديدة، وكان من المألوف أن نراه يذرع الشوارع وهو مستغرق في القراءة، ولا يخشى على نفسه تعثّراً أو مفاجأة غير محمودة. يقول لكامل جابر في الحوار الذي نشره عنه في «السفير»: «لأنّني قرّرت أن أُعلّم نفسي، وصرت أَستعير الكتب من هنا وهناك، وأَقرأ حتّى خلال سيري على الأَقدام. وبقيت هكذا طَوَال عمري أَقرأ الجريدة وأنا أَجوب أَرصفة بيروت». ومن العلامات اللافتة على هذا الحرص عند دكروب على القراءة والتثقّف أنّه شرع، كما يذكر في الحوار المتقدّم، منذ ١٩٤٥، يبتاع مجلّة «الكاتب المصري» الشهيرة، والتي كان يرأس تحريرها طه حُسَين؛ وكانت هذه المجلّة الراقية الجديدة على القارئ العربيّ تبيع في صُوْر ١٥ عدداً!

6 «الثقافة الوطنيّة» مجلّة تقدّميّة صدرت ببيروت في ١٩ كانون الأوّل ١٩٥٢. وكانت في سنتها الأولى وحوالى شهرين من الثانية، أي عام ١٩٥٣ على العموم، جريدة أسبوعيّة ثقافيّة سياسيّة. وكانت بحجم صغير، كما هو شائع حاليّاً في الصحافة؛ وتقع في ٨ صفحات، وثمنها ١٥ قرشاً. وقد كتب في عددها الأوّل: حسين مروّه، جورج حنّا، محمد جواد مغنيّه، رِضْوان الشهّال، إنعام الجندي، منير مغنيّه، علي سعد، مصطفى فرّوخ، ومحمّد إبراهيم دكروب (هكذا كان محمّد يكتب اسمه في البداية، ثلاثيّاً، ثم عدل إلى الثنائيّ). ثم تحوّلت الجريدة إلى مجلّة شهريّة، من آذار ١٩٥٤ حتّى تشرين الثاني ١٩٥٩، أي خلال ستّ سنوات. وقد ساهمت على نحو نَشِطٍ في معركة الحداثة، وشارك في الكتابة فوق صَفَحاتها أبرز الأدباء العرب من شعراء وكتّاب قصّة وباحثين؛ بحيث غدت في سنواتها الأخيرة مجلّة راقية، دسمة، واسعة الانتشار، وخصوصاً في لبنان وسورية. ويمكن أن نعتبر أنّ هذه المجلّة كانت الورشة الأولى التي عمل فيها محمّد دكروب، وتعلّم من خلالها شؤون التحرير والتبويب ومختلف شجون العمل الصَّحَفيّ (للاطّلاع على نبذة وافية حول هذه المجلّة، راجع ـ أَحمد عُلَبي: رئيف خوري، داعية الديمقراطيّة والعُروبة، حاشية ص ٢٣٥ و٢٣٦، دار الفارابي، بيروت ٢٠١٣).

7 نشر محمّد دكروب قصّة «عقد الياسمين» في مجلّة «الثقافة الوطنيّة» (س٦، ع٢ (١٥ شباط ١٩٥٧)، ص ١١ ـ ١٤). وهي تشي بموهبة قَصَصيّة، وقد استمدّها من صميم حياته عندما كان في مسقِط رأسه صُوْر. وإن كان لنا أن نأسف فلأمرين: أوّلهما أنّ محمّداً مارس كتابة القصّة في مطالع حياته الأدبيّة، ثم هجر هذا النوع الأدبيّ الجميل والممتع وذلك على نحو نهائيّ. وقد أخطأ في تركه القصّةَ، لأنّ ما كتبه، وهذه القصّة مثال على ذلك، شيء لطيف وينبئ بموهبة واعدة. على أيّ حال، دكروب نفسه عبّر في ما بعد عن ندمه البالغ وحُرقته على ما أقدم عليه. الأمر الثاني المؤسف أنّ محمّداً أسقط من حسابه حياة معذَّبة حافلة بالمهن الكثيرة وبالكدّ وبالشقاء وبمفارقات الدنيا، عاشها في بلدته، وكان حرِيّاً به أن يُفيد منها في أدبه القَصَصي، ولكنّه هدرها وأضاعها. وهذه القِصّة «عقد الياسمين» مشبعة بجو صُورْ الشعبيّ وبمقاهيها وبحّارتها، وتشيع فيها الكلمات العامّيّة الاصطلاحيّة الشائعة والحوار العامّيّ المعبّر الخاطف. زِدْ أنّ لغة القصة سلسة، ناصعة، تنساب برقّة؛ وتُفصح عن هواجس الفتى يوسف، بائع الياسمين، وتطلّعه الشغوف البريء بفتاة أَحلامه مريم.

8 أصدر محمّد دكروب مجموعة قصصيّة واحدة هي «الشارع الطويل»، وقد احتوت على ثماني قصص، وتقع في ١١٢ صفحة من الحجم الوسط، دار القلم، بيروت ١٩٥٤. وقد مهرها رِضْوان الشهّال برسومه التزيينيّة الجميلة. ومعظم هذه القصص نشرها محمّد دكروب في مجلّة «الثقافة الوطنيّة»، قبل إصدارها ملمومة الشمل في كتاب.

9 يقول محمّد دكروب، منهياً حوارَه مع كامل جابر في «السفير»: «إنّها حرقة في قلبي، لأنّ حياتي كانت غنيّة بشكل يمكن أيّ روائيّ أن يغرف منها روايات وروايات. لذلك كانت مقالاتي وأَبحاثي في النقد الأدبيّ فيها سرد قَصَصيّ، كان نوعاً من التعويض».

10 نشر محمّد دكروب هذه القصّة «أحلى من اللوز» في مجلّة «الثقافة الوطنيّة» (١٥ حزيران ١٩٥٤، ص ٣٦ – ٣٨). وهي، بدورها، تؤكّد ما ذكرناه سابقاً، حول قصّة «عقد الياسمين»، من التصوير الناجح عند دكروب للأَجواء الشعبيّة ولروّاد الخمّارات ههنا الذين كان يقصدهم محمّد ليبيعهم الترمس، وعقله برغم العَتمَة الحالكة، والجوّ في صُوْر متأزّم راعب بسبب الغارات الجويّة الألمانيّة ودوريّات الدرك لا تفتأ تنادي: طفّوا النور! سكّروا الشبابيك! عقل الفتى، الحامل سلّةَ الترمس، مشغول بفاطمة ابنة الجيران، وبوعد أمّه له أن تبتاع له جلّابية جديدة يزهو بها أمامها. موهبة دكروب القَصَصيّة واضحة المعالم؛ وكنت أَحسَبُ، قبل مطالعتي هذه القصص للكتابة عنها، أنّها من النوع الساذَج أدبيّاً، ففاجأتني بأنّها على شيء من الرقيّ الأدبيّ، بمعنى أنّها واعدة وحلوة، ومتفرّدة بالتعبير عن قاع المجتمع في مدينة ساحليّة وُلِد فيها دكروب وترعرع.

11 بخلاف ما يخمّن الصديق دكروب، فإنّ مجلّة «المعهد» استمرّت أربع سنوات: ابتداءً من عددها الأوّل الصادر في شباط ١٩٤٥، حتّى عددها الأخير الصادر في حزيران ١٩٤٨. وبين يديّ المجموعة الكاملة المصوَّرة، وقد تلطّف بإهدائي إيّاها الأخ المهندس محمّد شرف الدين، ابن السيّد جعفر الذي كان يرأس تحرير هذه المجلّة القيّمة. وهي قمينة بدراسة مفصّلة تقييميّة، نظراً للدور الثقافيّ الذي نهضت به، على قصر عمرها؛ كذلك رعاية لأَسماء الكتّاب الذين شاركوا فيها، إذ تكاد المجلّة، برغم صدورها عن معهد تعليميّ واقع في طرف الوطن، تستقطب كوكبة واسعة جدّاً من أَقلام ذاك الزمن، والذين لا سبيل إلى تَعْدادهم ههنا لكثرتهم. وقد قام بتحقيق هذا العمل، بإضافة الفهارس والترجمة لجميع الذين كتبوا في «المعهد»، حسين شرف الدين، المدير الحاليّ للجعفريّة، إبّان الحوار الذي عقدناه مع محمّد دكروب الذي يشير إلى أنّ هذا المدير عهدذاك بعث إليه برسالة، كما جاء في ثنايا الحوار، يخبره فيها بما كتب دكروب في «المعهد». وإن كنّا نأخذ على عمل حسين شرف الدين اضطراباً في إيراد بعض الأَرقام؛ كما هناك عدم الدقّة في ذكر بعض المعلومات العائدة إلى الكتّاب. وحصيلة محمّد دكروب أربعة نصوص نشرها في عام ١٩٤٥، أي خلال السنة الأخيرة من حياة هذه المجلّة، وكان عهدذاك في السابعةَ عَشْرَةَ من عمره، ما دام أنّه من مواليد ١٩٢٩. وهي التالية: قصّة مقال، مهداة إلى صاحب مجلّة «الرسالة» (س٤، ع١، ص ٢٨ و٢٩)، هذه «المادّة» الحاكمة (س٤، ع٣، ص٢٩)، رسالة إلى فنّان (س٤، ع٤، ص٢٧)، لكي نؤدّي الرسالة (س٤، ع٥، ص٢٥ و٢٦).

منذ المقالة الأولى المذكورة أعلاه، يستوقفك أنّ كاتبها محمّد إبراهيم دكروب على شيء من نُضج الفكر وسلامة العبارة، ولا يخطر في بالك أنّه فتًى في السابعةَ عَشْرَةَ فقط! وموضوع المقالة أنّ صديقه علي سلامي، الطالب في الكلّيّة الجعفريّة، قد بعث إلى مجلّة «الرسالة» المصريّة بقصّة تدور حول حادثة المعتصم مع المرأة العربيّة التي أسرها الروم فاستنجدت بالخليفة: وامعتصماه! وعوض أن تُنشر القصّة في المجلّة حاملةً توقيع صديقه، نزلت معدّلةً قليلاً ولكن باسم عمر الدسوقي. ويختم دكروب مقالته التي قارن فيها بين النصَّيْن قائلاً: «عفوكم يا سَدَنَة الأدب ورُوّاد العلم والمعرفة. إنّنا من الذين يتعشّقون العلم والمعرفة، فلا تُقحموا اليأس إلى نفوسنا بمثل هذه الدروس القاسية، التي نتلقّاها منكم بين الحين والحين. وإذا كان لكم ما تقولونه في صدد قصّة هذا المقال، فإنّنا لسامعون. وما أسعدني إذا كنت على خطأ، فإنّني إذن لأغيّر رأيي» (س٤، ع١، ص٢٩).

في مقالته الثانية، «هذه «المادّة» الحاكمة!»، يتحدّث دكروب عن طغيان المادّة على حياة البشر، بحيث تشوّهت عندهم القيم المعنويّة. وها هو صاحبه يجلس بين أَحضان الطبيعة بعيداً عن البلدة وضوضائها، فارتفعت معنويّاته، واتّسعت مداركه، وبدا له الناس جاهلين بعيدين عن الله وعن أَنفسهم. «إنّ البشر بعيدون في هذه الحياة عن أَنفسهم، ومتى بَعُدَ الإنسان عن نفسه بَعُدَ عن الله» (س٤، ع٣، ص٢٩).

أمّا في مقالته الثالثة، «رسالة إلى فنّان»، فيحضّ فيها صديقه أن يجعل موهبته في خدمة قومه الذين يمرّون في مرحلة توثّب وبناء، فيعمل بنظريّة «الفنّ للمجتمع»؛ لا أن ينساق لعواطفه ونزواته وخفقات قلبه، فيكون عندئذٍ من أَصحاب «الفنّ للفنّ». فهذه الأُمور الشخصيّة لا تخدم المجتمع ـ وَفْقَ رأي دكروب في ذاك الزمان ـ وهي في أَضرارها على الناس المتذوّقين الأدبَ أشبه بأَضرار المخدّرات الفتّاكة، وذلك أنّها «تعمل على هدم كيان نهضتنا الأدبيّة الحديثة، إذ إنّها تُبعد بعض الشباب عن متابعة مشاكل المجتمع وعلاجها، إلى هذا الترف الفنّيّ» (س٤، ع٤، ص٢٧). لا تعليق سوى: سامح الله محمّداً على سَذاجته وضلاله عهدذاك

ويتبدّى النَّفَس القوميّ المتّقد عند الفتى دكروب في مقالته الرابعة، «لكي نؤدّي الرسالة»، وهو على ما يظهر في ثناياها كان متأثّراً في تلك المرحلة بالبعثيّين، وكان معادياً للشيوعيّين. وهو تأثّر حدّثني عنه خلال حوارنا الطويل، ويبدو جليّاً ههنا من تَرْداده لشعار البعث الشهير حيث يقول: «نحن العرب نحمل في أَعماقنا رسالة سامية إلى الإنسانيّة». ويتناول في مقالته هذه وضع الشعر العربيّ، فيُطالـب بالشعر القوميّ التوجيهيّ، لا الشعر الشخصيّ. عـودة إلى الفكرة السابقة حـول دور الفنّ ووجوب خضوعه لحاجـات المجتمع. والأديب الحقّ الصحيح هو الذي يعبّر عن روح الأُمّة. وهو مطالَبٌ بالاعتدال، فلا يعلو فوق «البرج العاجيّ» ولا ينحدر إلى ما تحت «الكوخ الخشبيّ». والخطر كلّ الخطر كامن في الأدب الجنسيّ المسيء إلى روح الأُمّة. كذلـك هناك ما ندعوه «الشعر المنثور» الوافد علينا من الغرب، فههدّام لكياننا الأدبيّ. «ولكنّ هذا الأدب «يحمل بيده جراثيم فنائه»، كما يقول العقّاد في الشيوعيّة» (س٤، ع٥، ص٢٥ و٢٦).

12 هو أَحمد عارف الزين (١٨٨٤ ـ ١٩٦٠) الذي مارس الصِّحافة في جرائد عصره الشهيرة، شأن «ثمرات الفنون» و»الاتحاد العثمانيّ» و»حديقة الأخبار»، ثم أصدر مجلّته التي اقترن اسمه باسمها وهي «العرفان» التي كان لها في الجنوب اللبنانيّ دور أدبيّ وثقافيّ بارز. عُرف بوطنيّته، بحيث سِيْقَ إلى الديوان العُرفيّ العثمانيّ في عاليه بلبنان، ولم يُطلق سراحه منه إلّا بعد انتهاء الحرب الكونيّة الأولى عام ١٩١٨. عاش مع عائلته في صيدا، وتعلّم عدّة لغات هي التركيّة والفارسيّة، فضلاً عن الإنكليزيّة والفرنسيّة. أصدر «العرفان» عام ١٩٠٩ في بيروت، ثم نقلها عام ١٩١٢ إلى صيدا. دخل السجن غير مرّة، وذلك لمناصرته الثورةَ السوريّة ولمناهضته الانتدابَ الفرنسيّ. وكان الشيخ أَحمد عارف الزّين يملك مطبعة العرفان؛ وفيها صدر ديوان بدوي الجبل، كذلك كتاب الثورة العراقيّة الكبرى لعبدالرزّاق الحسني.

13 يقول محمّد دكروب في حواره مع كامل جابر في «السفير» عن محمّد عيتاني: «في بيروت وجدتُ أَجمل صداقات العمر مع محمّد عيتاني، الذي بقيت إلى يوم وفاته، وأنا لم أَزل أشعر بوجوده قربي إلى الآن. لقد ملأني هذا الرجل بثقافته كثيراً وصداقته وإنسانيّته، وعن طريقه تعرّفت إلى ألبير أديب، صاحب مجلّة الأديب». ويذكر محمّد في الكلمة التي ألقاها عند تكريمه في الحركة الثقافيّة ـ أنطلياس عام ٢٠٠٨: «ولعلّي لم أَشعر أنّني صرت، بالفعل، واحداً من الكتّاب، إلّا عندما بدأتْ مجلّة «الأديب»، ذات الشهرة الواسعة، تنشر لي أَشياء من كتاباتي: مقطوعات من النثر الفنّيّ، ومقالات حول بعض الكتب الجديدة، وأَقاصيص». ويعاود دكروب في حواره، المتقدّم الذكر، الأسف البالغ على غياب محمّد عيتاني (١٩٢٦ ـ ١٩٨٨): «خسارته كانت كبيرة بالنسبة إليّ، كصديق وككاتب وفنّان. هو أهمّ مَنْ كتب عن ناس بيروت وبحرها، حتّى الآن لم تُعْطِ بيروت مثله».

العددان ٨-٩ - ربيع / صيف ٢٠١٤
انا السمكري، الفوّال، الحمّال، بائع الياسمين

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.