العدد السادس - صيف ٢٠١٣

إلى المتاريس!

مقاومة «حديقة الغازي» والفضاء العام

النسخة الورقية

على مدى عشرة أيام خلال شهر حزيران/يونيو ٢٠١٣، رسم عدد لا يُحصى من المتاريس حدوداً لساحة كبيرة خالية من الوجود الحكومي الرسمي في قلب إسطنبول. كانت تلك المتاريس عبارة عن منشآت متحرّكة رائعة تتغيّر يومياً. تبدو مؤقتة، لكنها في الوقت نفسه صلبة، وهي رغم هشاشتها منشآت مضادّة مذهلة. كانت تقام المتاريس ويجري تفكيكها وإعادة تركيبها يومياً بشكل جماعي، ما يعكس دينامية رئيسية تكشفت في الفضاء العام الذي طوّقته تلك الحواجز، دينامية تحرير السياسة من الأنصاب التاريخية.

تقدم هذه المقالة تأملات مبكرة حول المعنى المفاهيمي والجمالي والسياسي للمطالبة الشعبية العامة باستعادة وسط مدينة إسطنبول خلال مقاومة حديقة الغازي.

ذات صباح مبكر من الثامن والعشرين من أيار/مايو ٢٠١٣، استيقظت خيم «حديقة الغازي» على الأغنية المحببة على قلوب الشيوعيين الأناركيين في إسطنبول، وهي أغنية من صنف الريغي، تُعتبر نسخة صاخبة من نشيد أناركي يعود إلى الحرب الأهلية الإسبانية، تُدعى «A Las Barricadas»، أي «إلى المتاريس»:

إلى المتاريس إلى المتاريس

من أجل الخير والحرية والعدالة

بين الذين قضوا أيامهم ولياليهم نياماً في الخيم، عضو ساخط من هذه الفرقة، أعرب لاحقاً عن تململه إزاء نداء اليقظة الذي أطلقته الفرقة قائلاً: «حسناً، التشبيه معيب باعتراف الجميع، لكن فلنتخيّل ضرب رأس مايكل أنجلو بتمثال دافيد من أجل إيقاظه؟». لم تكن هناك متاريس لاجتيازها من أجل الوصول إلى الخبز والحرية أو العدالة في تلك المرحلة. كان مخيّم «حديقة الغازي» يعيش صباحه الأول، والنضال من أجل الحفاظ على الحديقة العامة وأشجارها بدا كمعركة خاسرة جديدة في إطار الهجمة الليبرالية التي لا هوادة فيها، بتسهيل من سلطة حكومية جاهزة لإطلاق العنان لأدواتها العنفية ضدّ أي معارضة، مهما كانت صغيرة. عند هذه المرحلة، لم يمكن أحد يتخيل إقامة متاريس في غضون بضعة أيام، والحديث هنا ليس عن الحواجز التي تقيمها الشرطة، بل عن متاريس يدوية من صنع حركة المقاومة. في الواقع، وُجدت الكثير من الحواجز التي صنعت حدوداً لمنطقة هائلة متفلتة من سلطة الدولة في قلب المدينة.

بات الأمر أشبه بمثال يجري التمثيل به: في منتصف ليل ٢٧ أيار/مايو، بدأت الجرافات بتحطيم جزء من «حديقة الغازي» في خرق فاضح لأذونات التخطيط. هرع المعنيون إلى المكان، وقد بات بضع عشرات ليلتهم هناك. وفي اليوم التالي، لم يصل عدد الذين اعتصموا في الحديقة يراقبون الأشغال إلى مئة شخص، لكنهم صمدوا أمام هجمات عناصر الشرطة الذين أُرسلوا لـ«توفير الأمن» لأعمال التدمير المخالفة للقانون، بالقنابل المسيلة للغاز والقوة المفرطة. حصل ذلك حين التُقطَتْ الصورة الشهيرة للمرأة ذات الفستان الأحمر، وهي باتت اليوم الصورة/الأيقونة التي تجسّد عبثية عنف الشرطة اليومي المفرط ضد المواطن العادي. بعد ظهر ذلك اليوم، أدّى وصول النائب سيري ثريا أوندر إلى الحديقة، ومطالبته برؤية أذونات التدمير، إلى تعليق مؤقت للأعمال. في تلك الليلة، وصل عدد الخيم إلى نحو ٤٠ خيمة. وفي اليوم الذي تلاه، أي في ٢٩ أيار/مايو، توجّه رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان إلى المعتصمين قائلاً: «افعلوا ما شئتم. لقد اتخذنا قرارنا وسنطبّقه»، في إشارة إلى خطط إزالة الحديقة العامة لإحلال مكانها مركـز تسوّق مع واجهة ثكنة عسكرية من طراز عثماني يعود إلى القرن الثامن عشر، كانت موجودة في المكان نفسه. وغداة خطاب أردوغان المليء بالتحدي، بات نحو ١٥٠ شخصاً ليلتهم في الحديقة العامة. وفي الصباح، عند الخامسة فجراً من الثلاثين من أيار/مايو، هاجمت الشرطة المخيم بالغازات المسيلة للدموع، وأحرقت خيمهم، وفتحت الطريق للجرافات لكي تواصل تدمير الحديقة العامة لبضع ساعات، إلى حين وصول النائب أوندر عند الساعة الثامنة إلا عشر دقائق صباحاً، مانعاً الشاحنات من مواصلة تدميرها مجدداً.

في تلك الليلة، توافد الآلاف إلى الحديقة العامة، وبات المئات ليلتهم فيها، قبل أن تهاجمهم مجدداً عند الخامسة من فجر ٣١ أيار/مايو شرطة مكافحة الشغب، لكن هذه المرة بواسطة مدافع رشّ المياه، فضلاً عن الغازات المسيلة للدموع. وعلى وقع استمرار حرب الشوارع خلال ذلك اليوم، قررت محكمة إدارية تعليق أشغال إزالة الحديقة، متّخذةً بذلك موقفاً مؤيداً للمعترضين. وبعد صدور دعوة للتظاهر المسائي في حديقة الغازي، حاول عشرات آلاف الأشخاص الوصول إلى المكان، لكن الشرطة كانت مصممة على منع نجاح التجمع، فخنقت «ساحة تقسيم» والأحياء المجاورة لها بغيمة من الغازات المسيلة للدموع استمرّت في الجوّ طوال ذلك المساء حتى الليل. وتضاعف الشعور بالسخط على عنف الشرطة وهذه الطريقة الاستبدادية في الحكم بفعل الانفصام الكامل بين ما كانت تورده وسائل التواصل الاجتماعي من جهة، والغياب التام لأي إشارة إلى العنف الذي تمارسه الشرطة بحق المعترضين في جميع محطات التلفزيون التركية تقريباً، والغالبية العظمى منها قنوات خاصة أرغمت على الطاعة أو رشتها الحكومة طوال السنوات الماضية. لم يعد بإمكان الناس، الناس العاديين، من كل أنحاء المدينة، ولا عاد بإمكان مواطني تركيا كلها، أن يحتملوا أكثر من ذلك. خرجوا إلى الشوارع. نهر لا ينتهي من البشر ظلوا يتوافدون نحو الشرطة بأياديهم العارية وبأناشيدهم١. وعندما كان الأشخاص المتمركزون في مقدمة المسيرة يُدفَعون بالقوة إلى الخلف، كان الأشخاص الواقفون في الخلف يأخذون أمكنتهم في المقدمة. في الواقع، تمّت استعادة «ساحة تقسيم» في اليوم التالي، بعد ظهر الأول من حزيران/يونيو، حين أرغم الناسُ الشرطة على الانسحاب من المكان ومغادرة الساحة، فأصبحت «حديقة الغازي» ومنطقة واسعة محيطة بها خالية تماماً من أي حضور رسمي لعشرة أيام.

«أمي، هل أنا بشري أم بربري؟»

تحوّلت المنطقة إلى ساحة من فوران غير مسبوق للنقاشات، ولعدوى من الضحك ونوبات من النكات. وبدأ الحديث عن ضرورة إلغاء النسخة الثالثة عشرة من «بينالي إسطنبول» المقرر في أيلول ٢٠١٣، بما أنّه قد حصل عملياً في «حديقة الغازي». كان الأمر ذا صلة استثنائية بالمعرض؛ لأنّ موضوع البينالي الذي أُعلن باكراً هذا العام، حُدّد بـ«فكرة الفضاء العام كمنتدى سياسي»٢. وتحت عنوان «أمي، هل أنا بربري؟»، المأخوذ عن الشاعر التركي المحبوب لالي مولدور، كان مقرراً للبرنامج التنظيمي للبينالي أن يطرح السجال حول الأشكال المعاصرة للتمثيل الديمقراطي، وتحدّي السلوكيات الإقصائية للتحوُّل الحضري، والخوض في أثر صناعة الفن في تلك السلوكيات. ويبدو أنّ المستوى النقدي للإطار المفاهيمي للبينالي، إما أنه اعتُبر غير كافٍ، أو مخادعاً، أو طبّقت عليه استراتيجية للتطعيم الذاتي من قبل منتقدي البينالي، الذين كانوا ينظمون سلسلة من الاعتراضات تسبق العروض، لفضح ارتباطات إدارة البينالي بالمجموعات الرأسمالية التي تقود عملية التحوُّل المديني لإسطنبول. وقد كُتب على إحدى اللافتات: «أمي، هل أنا بشري؟»، وقد انتشرت هذه اللافتة لاحقاً في «حديقة الغازي» أثناء احتلالها.

يمكن القول إن التأثير المفاهيمي والجمالي للاستعادة الملموسة لوسط المدينة تجاوز تأثير أي حدث ثقافي أو فني سبق أن استضافته إسطنبول. أصبح حطام حافلات النقل العام، وسيارات الشرطة والنقل التلفزيوني، وبعضها مقلوبة رأساً على عقب، كآثار لما استحال تخيُّل حصوله قبْلا. كذلك إن رسوم الغرافيتي التي ملأت الجدران أثّرت على المارّة بالفكاهة وبالنفَس الشِّعري. باتت العروض الأدائية أمراً عادياً. أصبح يمكن مشاهدة الناس يقرأون الكتب أمام دروع الشرطة، ومعاينة درويش صوفي يؤدي دورانه في وسط «ساحة تقسيم»، وهو يرتدي القناع الواقي من الغاز. وأمكن أيضاً أن يشاهَد لاحقاً هؤلاء الذين اشتهروا بوقوفهم في وسط الشارع صامتين. كانت المتاريس بذاتها منشآت متنقلة مذهلة تتغيّر بوتيرة يومية، يُعاد صنعها وتعزيزها وتسميتها وتجميلها بشكل جماعي.

وذات صباح، استيقظ مخيم احتلال الساحة على متاريس مصنوعة من أحجار فخارية رُسمت عليها وجوه مبتسمة. وفي صباح آخر، أُعيد تركيب أحجار متراس آخر ليصبح من ستّة أقواس بمقاسات متر ونصف متر مكعب للقوس. وكان أحد المتاريس عبارة عن إطار لوحة إعلانات صودرت وتحولت الى بابٍ لدخول المشاة. وصُمّم متراس آخر بطريقة تمكّنه من استضافة عازفي طبول لإحياء موسيقى تصويرية لفيلم عن احتلال الساحة. كانت مشاهدة هذه المتاريس تثير الحيرة: هي صلبة للغاية وهشّة بشكل واضح في آن واحد.

مع المتاريس أو ضدها

منذ اليوم الأول للاحتلال، كانت المتاريس نقطة مركزية في نقاشات اجتماعات التنسيق التي كانت تعقد تحت إطار المنظمة الأم «تنسيقية «احتلوا تقسيم»». شعر البعض بأنّ شلّ الحياة اليومية بواسطة المتاريس في ساحة أكبر بعشر مرات من «حديقة الغازي» نفسها، قد نزع الشرعية عن احتلال الحديقة وعن مطالب «المحتلّين». وقد أعرب آخرون عن اعتقادهم بأنّ هذه المتاريس تشكّل خطراً على حركة الاحتلال، وتوفّر للسلطات العذر لكي تتدخل وتستخدم القوة، وكأنّها كانت تنتظر توافر العذر لكي تفعل ذلك. أكثر من ذلك، شعر آخرون بالقلق إزاء النشاط الخفي الذي تقوم به الشرطة عند المتاريس، مستفزّةً شباباً إلى العراك مع عناصر الشرطة المرتدين زيهم الرسمي، ومن ثمّ اعتقالهم. ولم تجعل المتاريس الحياة في الحديقة المحتلة أسهل؛ ففي الليالي الأولى التي أعقبت خروج الشرطة من «تقسيم»، تعرّضت الحديقة مجدداً لهجمات من الغاز المسيل للدموع الوافدة من فوق المتاريس، حيث دارت اشتباكات كان يمكن تفاديها، ما جعل الحديقة مكاناً غير آمن للأطفال وللكبار في السنّ. وأُثيرت اعتراضات تقنية أيضاً. فبحسب البعض، كان يجدر إزالة بعض المتاريس لأنها تعرقل الوصول إلى المستشفيات. (خلال أيام الاشتباكات الحامية التي شهدتها المقاومة، استخدمت الشرطة سيارات الإسعاف لنقل أسطوانات الغاز).

لكن طوال فترة احتلال الحديقة، وخلال أوقات الاستراحة، وعندما كانت أعداد الأشخاص تصل إلى أدنى مستوياتها وفي عزّ فترات الإرهاق، كان الشعور العام في الحديقة تجاه المتاريس مليئاً بعرفان الجميل، على اعتبار أنها هي من حمتهم. ذلك أنّ إدراك الناشطين أنّ المتاريس موجودة، وفّر لهم شعوراً ضعيفاً بالأمان، لكنه كان ذا معنى، بعدما كان عشرات الآلاف من الأشخاص الذين زاروا الحديقة وساحة تقسيم يذهبون إلى منازلهم في الساعات المتأخرة من الليل، ليعودوا مجدداً إليهما في اليوم التالي. لقد خفّفت هذه المنشآت جزئياً من رعب ساعات الفجر الأولى، لتشكل تلك المتاريس ما يشبه المنازل للمعتصمين.

كان الأشخاص الذين بنوا هذه المتاريس وحرسوها بغالبيتهم شباناً مراهقين لم يبلغوا العشرين من عمرهم، أو بالكاد دخلوا العقد الثاني من حياتهم، بعضهم أعضاء في منظمات يسارية راديكالية، لكنّ غالبيتهم لم تكن ذات انتماء سياسي واضح. كانوا مزيجاً غريباً من محرومي الأحياء المجاورة، وأفراداً من الطبقتين الوسطى والعليا. لقد وفّرت المتاريس لهؤلاء مجالاً للمشاركة في المقاومة، ومساحة للتمفصل على عتبة صناعة السياسة، وكان ذلك اتحاداً هامشياً من دون شكّ، لكنه يملك كرامته الخاصة. عندما حاولت السلطات التفاوض مع المقاومة، واقترحت عليها السماح لها بمواصلة احتلال الحديقة بشرط إزالة المتاريس، أتى أحد شبّان المتاريس المفوّهين إلى اجتماع «تنسيقية «احتلوا تقسيم»» ليقول: «إن كنتم تريدون منا إزالة المتاريس، يمكننا فعل ذلك، وسيحتاج بنا الأمر إلى نصف يوم فقط لإعادتها إن لزم الأمر». هذه القدرة اللامتناهية على فعل الأمر وعكسه، شكّلت بالضبط روحية تلك المتاريس. كانت عابرة، هشّة، قابلة للتدمير، ولإعادة نصبها، فكانت بذلك منشآت مضادّة يستحيل التخلص منها.

كسر المحظورات

إن إقامة المنشآت المضادّة تعبير مناسب لوصف ما كان يحصل في تلك المساحة المسوّرة بالمتاريس خلال تلك الأيام العشرة التي عاشتها المنطقة المتحررة من أي وجود حكومي رسمي: كان هناك إعادة استملاك وكسر لهالة المكان، بالمعنيين الجمالي والسياسي. فالوزن الرمزي لساحة تقسيم، وهي «الموقع الرمزي في الوجدان المديني العام لكل ما يتعلق بسنّ الحيّز السياسي وإنتاجه وإعادة إحيائه»٣، كان مدعَّماً بعدد من المنشآت والأنصاب التذكارية، أشهرها «نصب الجمهورية» الذي يتوسط الساحة، ومبنى «مركز أتاتورك الثقافي» التاريخي الشهير. غُطّي كلا المعلمين باللافتات والأعلام خلال احتلال الساحة، وهو المشهد الذي كان يعيد طرح التساؤل نفسه: هل ما يحصل حقيقي؟

المكان التاريخي بحسب تعريف هنري لوفيفر: يُحَدَّد بما يمكن أن يحصل في ذلك المكان، وبالتالي بما لم يحصل (المحلل/المحرّم؛ المرئي/المخفي)٤. كان ثمة تحوّل ما في النموذج النظري عند رؤية الناس على سطح مركز أتاتورك الثقافي، ومن ثم عند مشاهدة الناس جالسين أو ممدّدين أو ينصبون خيمهم على المساحات الخضراء المحيطة بنصب الجمهورية، وهو الأمر الذي كان يستحيل تصوّر حصوله على هذه البقعة التي كان محظوراً دوسها حتى دون حاجة لوضع اللافتات المعتادة التي تمنع الجري على العشب الأخضر لإبقاء الناس خارجها. ثم إنّ «حديقة الغازي» نفسها هي حديقة تاريخية. إنها حديقة بُنيَت على مستوى مرتفع من الساحة، حتى إن الداخل إليها من جميع المداخل عليه أن يتسلق السلالم، وللوصول إليها من «ساحة تقسيم»، على الزائر تسلّق ١٩ درجة. ربما بسبب تصميمها غير الرحب الذي يجعلها أقرب إلى المعبد، لم تُستخدَم «حديقة الغازي» كفايةً بالمقارنة مع الحدائق العامة الأخرى، مثل «حديقة عباس آغا» المحببة على قلوب أبناء إسطنبول في حيّ بيشيكتاش، و«حديقة يوغورتشو» في كاديكوي (وكلتاهما أصبحتا اليوم عنواناً لتسعين منتدىً عاماً منذ إنهاء احتلال حديقة الغازي بالقوة).

ليست المعالم التاريخية مجرد رموز للقوة، بحسب ما تذكّرنا به عالمة الاجتماع والمفكرة النقدية ملتم أحيسكا. إنها تنتج أيضاً جماعة متخيّلة من خلال تخليد الذاكرة الأسطورية لجذور الأمة، فارضةً نقطة نهاية لتاريخ تكوين هذه الأمة، حيث لا تتوافر مثل نقطة النهاية تلك، وتحنيط الأحياء في تماثيل من حجر. ووفق أحيسكا، إنّ المعالم التاريخية «تأبيد الحاضر بما هو استكمال للحظة للوصول»٥. والدولة - الأمة التي فرضتها المعالم التاريخية في «ساحة تقسيم» هي دولة إقصائية، بطريركية وقمعية، بما يتوافق مع الإيديولوجيا الرسمية للدولة التركية، وإنّ الرمزية السياسية لـ«ساحة تقسيم» حوّلتها، خصوصاً منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى عنوان رئيسي للنشاط السياسي وللمعارضة. إن أردنا فهم الدينامية المكانية لحركة الاعتراض من نواحي «إعادة الاستحواذ على الفضاء الوطني والمحلي والجماعي وعلى مميزاته الرمزية»٦، فإنّ معظم حركات الاعتراض التي نُظِّمَت حول الساحة في العقود الماضية، وخصوصاً منذ تظاهرة الأول من أيار/مايو ١٩٧٧ الدموية، قادتها رغبة مركزية، ألا وهي «استعادة ساحة تقسيم»، وكأنّ تلك الساحة كانت في يوم من الأيام ملكاً للشعب. ولقد قُوبلت الرغبة بالاستعادة الرمزية لـ«ساحة تقسيم» بحضور كثيف للشرطة في المكان طوال العقود الماضية، وقد بلغ ذروته مع الإعلان الضمني لتطبيق الأحكام العرفية لمناسبة تظاهرة الأول من أيار/مايو للعام الجاري٧ وما تلاه من حظر لتظاهرات جميع الأحزاب السياسية في الساحة ومحيطها.

في العديد من تجسيداتها، جرت فانتازيا استعادة «ساحة تقسيم» بقيادة مخيلات سياسية أغرتها أيضاً فكرة الأنصاب الضخمة. أحد أشكال ترجمة ذلك خلال احتلال الساحة في حزيران/يونيو الماضي، عبّر عنها الإصرار الشديد للأحزاب اليسارية التقليدية على إبقاء أعلامهم في الساحة، على الرغم من الطلبات العديدة بـ«إنزال الأعلام لنتمكن من رؤية وجوه بعضنا البعض». لكن ما حدّد روحيّة حركة الاحتلال كان تحديداً حركة أبعد من السياسة التقليدية. ومثلما ورد في العديد من المقالات حول مقاومة «حديقة الغازي»، تحوّلت المنطقة الخالية من أي وجود حكومي رسمي إلى ساحة للتواصل السياسي بين مجموعات ومنظمات كان يستحيل تخيّل تلاقيها سابقاً. قانون هذه المساحة المنتظمة ذاتياً كان السلوك الحضاري والتضامن والفكاهة المتفجّرة التي تُحطّم التصنيفات المتخشبة التي تفصل بين أعضاء الجسم السياسي وتنظم وظائفه. وقد شكّل ذلك بدايات لتفكُّك الأحكام المسبقة المتجذرة والعداوات البالية، وإعادة تمفصل لقوة تأسيسية بجميع تنويعاتها، ولصعود ذاتيات جديدة ظاهرة وقابلة للحياة بعيداً عن الأيديولوجيا الرسمية المتحجرة للدولة ــ الأمة. وبالإمكان وصف هذه العملية بأنها تحطيم أصنام المخيلات السياسية.

أُزيلت معظم المتاريس في الحادي عشر من حزيران/يونيو. واستعادت الدولة ساحة تقسيم والطرقات المؤدية إليها. وبعد بضعة أيام، في الخامس عشر من حزيران/يونيو، طُرد محتلّو «حديقة الغازي» بالقوة أيضاً. واستُبدلَت بلافتات حركة المقاومة وشعاراتها على مبنى «مركز أتاتورك الثقافي» أعلام تركية كبيرة بشكل استفزازي وبصورة عملاقة لأتاتورك، وعاد نصب الجمهورية إلى حالته العقيمة السابقة.

بجميع الأحوال، تفرّقت حركة المقاومة ولم تتبدَّد، بدليل أنّ حدائق عامة محلية على امتداد إسطنبول تواصل استضافة جمعيات عمومية ليلية، وأصبحت طرقات وسط المدينة محطة لتظاهرات ونشاطات خلّاقة مرات عدة في الأسبوع. مع أنه لا يزال من المبكر جداً تقويم الانتصارات السياسية الملموسة لمقاومة الغازي؛ فقد أُطلق العنان لدينامية خاصة في المجال العام تعد بتحويله إلى الأبد. يمكن تعريف ذلك بأنه المعادل «السياسي» لما حصل عملياً في المنطقة الخالية من أي حضور رسمي خلال الأيام العشرة تلك: تخريب النصب التاريخية، والبناء المتواصل لأنصابٍ مضادّة.

نعم، يمكن بناء المتاريس وتدميرها وإعادة بنائها وتدميرها مجدداً. لكن ما لا يمكن تفادي فعله هو إلغاء تحطيم الأصنام في الحيّز السياسي نفسه.

نشرت هذه المقالة باللغة الانكليزية بتكليف من مجلة «إبراز» ibraz ونعيد نشرها هنا مترجمة الى العربية بالتعاون مع المجلة المذكورة. www.ibraz.com.

 

 

  • ١. بحسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية التركية في ٢٢ حزيران/يونيو، شارك ٢.٥ مليون شخص في تظاهرات حديقة الغازي في ٧٩ مدينة من أصل ٨١. اقرأ ‘2.5 Milyon İnsan 79 İlde Sokaga İndi’, Milliyet, 23rd June 2013, «gundem.milliyet.com .tr/2-5-milyon-insan-79 -ilde-sokaga/gundem/det ay/1726600 / default.htm» (١٥ تموز/يوليو ٢٠١٣).
  • ٢. «أعلن عن البرنامج المفاهيمي للمهرجان» «bienal.iksv.org/en/archive/newsarchive /p/1 /622».
  • ٣. Yael Navaro-Yashin, Faces of The State: Secularism and Public Life in Turkey, Princeton, Princeton University Press, 2002, p. 1.
  • ٤. Henri Lefebvre, The Production of Space, trans. Donald Nicholson-Smith, Oxford, Blackwell, 1991, p. 224.
  • ٥. Meltem Ahıska, ‘Monsters that Remember: Tracing the Story of the Workers’ Monument in Tophane, Istanbul’, Red Thread 3, 2011, pp. 1-23.
  • ٦. Aysegül Baykan and Tali Hatuka, ‘Politics and culture in the making of public space: Taksim Square, 1st May 1977, Istanbul’, Planning Perspectives 25:1, 2010, p. 55.
  • ٧. ‘May Day in Istanbul: 72 Detained, Scores Injured’, Bianet, 2nd May 2013. www.bianet.org /english/lab or/146303-may-day-in-istanbul -72- detained-scores-injured. www.bianet.org/ english/labor/ 14630 3-may-day-in-istan bul-72-detained- scores-injured. (١٥ تموز/يوليو ٢٠١٣).
العدد السادس - صيف ٢٠١٣
مقاومة «حديقة الغازي» والفضاء العام

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.