العددان ٣-٤ خريف ٢٠١٢ / شتاء ٢٠١٣

القبيلة، المرتبة، العرق، الطبقة: حالة أفريقيا السوداء

النسخة الورقية

الارتباك النظري

يعلم الجميع أنّ ما يسمى «التوترات العرقية» موجود بالفعل في جنوب أفريقيا بقدر ما هو موجود في الولايات المتحدة وفي بريطانيا. ويعتقد البعض أنها موجودة أيضاً في أجزاء من أميركيا اللاتينية، وفي دول الكاريبي، وفي دول أخرى من جنوب آسيا وجنوب شرقها. لكن هل هناك شيء من قبيل «التوترات العرقية» في دول أفريقيا السوداء المستقلة؟ على العكس من ذلك، «يعلم» الجميع أنّ «القبلية» موجودة بالفعل في أفريقيا السوداء. فهل «القبلية» ظاهرة محصورة بأفريقيا، أم أنها معروفة أيضاً في دول صناعية ورأسمالية؟

تنشأ المشكلة من صعوبات مفهومية. ذلك أنّ مقولات «الشرائح الاجتماعية» social strata او «والكتل الإجتماعية» social grouping متعددة في الاستخدام العلمي اليومي ومتداخلة وغير واضحة التخوم. فنلقى مصطلحات مثل «طبقة اجتماعية» class و«صنف مغلق» caste و«جنسية» و«مواطنة» و«جماعة إثنية» و«ديانة» و«حزب» و«جيل» و«مرتبة شرفية» و «عرق». لكننا لن نلقى تعريفات قياسية لها، بل العكس هو الصحيح. حتى ان قليلين هم المؤلفون الذين يحاولون اقامة الصلات بين هذه المقولات.

إحدى المحاولات الشهيرة في هذا السياق هي تلك التي قام بها ماكس فيبر الذي ميّز بين ثلاثة تصنيفات أساسية: «الطبقة الاجتماعية» class و«المرتبة الاجتماعية» status group و«الحزب السياسي» party ١. المشكلة في تصنيف فيبر أنه غير صارم منطقياً، بل هو مبنيّ بطرق عدّة استنادا إلى أمثلة. وقد استقى فيبر امثلته بشكل كبير من أوروبا القرن التاسع عشر، وأوروبا العصور الوسطى والحقبة الكلاسيكية القديمة. وإكتفى بهذا البناء الفكري، لكن يصعب على الذين يتعاملون مع الوقائع التجريبية للقرن العشرين خارج مركزية العالم الأوروبي، أن يجدوا في تصنيفات فيبر نمطاً فكرياً مناسباً.

يعرّف فيبر الطبقة من ضمن التقليد الماركسي، بما هي مجموعة أشخاص مرتبطين بطرق متشابهة بالنظام الاقتصادي. ويعرّف الحزب كجماعة من الأفراد متشاركين في مجموعة متعاونة لغرض التأثير على توزيع السلطة وممارستها. لكنّ المراتب، وهي فئة لا يمكن تمييزها بناءً على معايير اقتصادية، تشكل فئة رسوبية من نواح متعددة. قد يبدو انه توجد معايير إيجابية. فالمرتبات مجموعات بدئية تضم أشخاصاً وُلدوا في عائلات مرتبطة بشكل مفترَض ومُتصوَّر عبر ولاءات غير مبنية على متحدات محسوبة وغرضية وهي مجموعات تتجذّر فيها الامتيازات التقليدية أو يتجذّر فيها الحرمان التقليدي من تلك الامتيازات، وتتشارك في الشرف والهيبة والمكانة، وقبل كل شيء، بنمط حياة مشترك (غالبا ما يتضمن ايضا التشارك في مهنة مشتركة) ولكن دون ان تتشارك بالضرورة بمستوى مشترك من الدخل أو من الانتماء الطبقي. ويشدد فيبر في تعريفه للمرتبة على الشرف الاجتماعي:

«بالمقارنة مع الطبقات، تكون المراتب في العادة مجموعات من البشر هلامية التكوين في الغالب. ففي مقابل «الوضع الطبقي» المحدّد اقتصاديا، نصنّف في الوضع المراتبي كل مكوّن نموذجي من مكونات حياة الانسان يتحدد وفق تقدير اجتماعي للشرف، ايجابيا كان هذا التقدير ام سلبيا...

ويمكن لاصحاب الملكيات كما للمحرومين من الملكية ان ينتموا الى المرتبة الواحدة وغالبا ما يكون لهذا الانتماء مترتبات ملموسة جدا...

من حيث المحتوى، يجري التعبير عن شرف المرتبة بالدرجة الاولى عن طريق نمط حياة مميّز يفترض ان يمارسه جميع الذين يودون الانتماء الى تلك الدائرة»٢.

ألا تتلاءم الأمة، تلك التي نكنّ لها مشاعر «قومية»، مع هذا التعريف بشكل لصيق؟ يبدو الأمر كذلك. لكن مفهوم المرتبة لا يحيل إلى الانتماء الوطني للوهلة الاولى. فقد استوحى فيبر مفهومه أساساً من المراتب القروسطية، وهي مقولة محدودة الانطباق على أفريقيا المعاصرة. يتحدث الكثير من الأدبيات المتعلقة بأفريقيا المعاصرة عن «قبيلة» أو عن «مجموعة اثنية». ومن شأن معظم الكتّاب أن يتعاطوا مع مصطلح «المجموعة الاثنية» بما هو الدلالة التجريبية الأكثر تعبيرا عن المرتبة، ولا شك أنّ هذا المصطلح يتلاءم مع روحية مفهوم فيبر. وغالباً ما يُستعمَل مصطلح «العرق»، مع ان علاقة العرق بالمرتبة الاجتماعية لا تزال غير واضحة المعالم في ذهن معظم المؤلفين. ويستخدَم مفهوم العرق في دراسات حول أفريقيا بشكل رئيسي للاشارة إلى نزاعات ذوي البشرة البيضاء والتحدّر الأوروبي، مع أصحاب البشرة السوداء، من سكان القارة الأصليين (وهناك فئة ثالثة في بعض المناطق تشير إلى أشخاص منحدرين من شبه القارة الهندية أو من مهاجرين وافدين من هذه المنطقة). لكن هذا المصطلح نادراً ما يُستخدَم للتمييز بين التنويعات القائمة في اوساط السكان الأصليين السود انفسهم.

فهل ان العرق والمجموعة الاثنية ظاهرتان مختلفتان، أم أنهما منوّعان لفكرة رئيسة واحدة؟ اذا أخذنا بعين الاعتبار الارتباك الحاصل على صعيد المصطلحات، قد يكون من الأفضل ان نعمد أولاً الى وصف الواقع التجريبي والنظر في ما يستتبعه نظريا، بدلاً من رسم إطار نظري مسبَق والانطلاق منه لتفسير الواقع التجريبي.

البيانات التجريبية: ما انواع المراتب؟

تضمّ أفريقيا ما قبل الاستعمار مجتمعات عديدة مركّبة ومتراتبة. ولم يحتسب أحدٌ النسبة المئوية للأراضي الأفريقية أو السكان الأفارقة المنضوين في هذه المجتمعات المركبة والهرمية في مقابل المجتمعات المؤلفة من انساق أفقية تتمتع بنسب عالية من الاستقلال الذاتي. رغم ذلك، فمن المؤكد أن ثلثَي المجتمعات الأفريقية على الاقل كانت ذات طبيعة مركبة وهرمية. وكانت بعض هذه الدويلات تملك «مراتب»، اي فئات من البشر تحكمها وضعيات وراثية: النبلاء، العامة، الحرفيون، والارقاء، الخ. وضمّت بعض هذه الدويلات «مجموعات اثنية» ــ اي فئات من البشر تميّزها تسميات منفصلة تشير إلى انساب يفترَض أنها متمايزة، غالبا ما نتجت من فتوحات. بالاضافة إلى ذلك، كانت دويلات عدة تمتلك صنفاً معترفا به اجتماعياً من «غير الاهلين» أو «الغرباء». أخيراً، فحتى المجتمعات غير الهرمية غالباً ما كانت تميّز بين الافراد وفق معايير تصنيف محدَّدة أدّت إلى خلق سلالة متصوَّرة، عادة ما يسمّيها علماء الأنثروبولوجيا «عشيرة» او «فئة عمرية».

لم يؤدِّ إرساء قوانين الاستعمار إلى تغيير فوري لأيّ من هذه الفئات. الا انها فرضت فئة جديدة واحدة على الأقلّ، هي جنسية الدولة المستعمِرة، فصارت الجنسية مزدوجة او مثلثة (مثلاً جنسية نيجيرية وغرب أفريقية وامبراطورية بريطانية).

بالاضافة إلى ذلك اكتسبت الفئات الدينية في حالات عديدة بُعداً جديداً في ظل حكم الاستعمار. فبرز المسيحيون كجماعة فرعية مهمة داخل القبيلة او داخل المقاطعة٣. ورغم أن الاسلام سابق زمنياً على الاستعمار الأوروبي في جميع أنحاء افريقيا تقريباً، فالراجح أن المسلمين أصبحوا في عدة أماكن فئة اكثر وعيا لذاتها بما هي قوة مقابلة للمسيحيين. وبدا أن الانتشار المفاجئ للمسلمين في بعض المناطق يؤكد ذلك. وظهرت في كل مكان «مجموعات اثنية» جديدة. أخيراً، صار «العِرق» بمثابة التصنيف الأولي في العالم الاستعماري، يشكل رباط الحقوق السياسية والتوزيع المهني وتوازع المداخيل.

وأدّى بروز الحركات القومية وتحقيق الاستقلال إلى توليد المزيد من التصنيفات. فبات التعريف المرتبط بالإطار الجغرافي ــ أي القومية ــ شائعاً ومهماً. والى جانب مثل تلك التعريفات المرتبطة بالاطار الجغرافي، برز ولاء جديد للانتماء الاثني، غالباً ما يسمى انتماء قبليا. ومثلما قالت إليزابيت كولسون:

«لعل العديد من الشباب اكتشفوا ولاءهم لتقاليد عرقية معينة في الوقت نفسه الذي أعلنوا فيه التزامهم تجاه الاستقلال الأفريقي. في افريقيا، كان معلّم المدرسة والمثقف الاكثر حماسةً لإعلاء شأن لغته وثقافته ويرى الى نفسه مُهدَّداً اذا ما مُنح امتياز ما للغة وثقافة اي مجموعة أخرى داخل البلاد»٤.

متغيرات ما بعد الاستقلال

وقد عززت المعضلات الاقتصادية الخاصة بالطبقة المتعلمة في فترة ما بعد الاستقلال من هذا التوجه نحو «القبلية». فالقومية، في نهاية المطاف، تضمنت ايضا الانتماء القاريّ الأفريقي. اي تولته فئة من «الأفارقة» تتوافق مع نقيضها، اي «الأوروبيين». بداية، بدا ذلك الانقسام متطابقا مع لون البَشَرة. لكن في العام ١٩٥٨، بدأت افريقيا كمفهوم تتضمن، بالنسبة إلى العديدين، شمال أفريقيا (العربي) مع انها لم تتضمن المستوطنين البيض في افريقيا الشمالية والشرقية او الجنوبية.

أدخل مفهوم الاستقلال متغيرة أخرى: تعريف قضائي جامد لعضوية الدرجة الاولى في الجماعة الاخلاقية الاوسع، اي درجة المواطنة. وقد اختلفت الخطوط الفاصلة التي حددها هذا المفهوم ليس فقط عن تلك الموجودة في افريقيا ما قبل الاستعمار، بل ايضاً عن تلك التي كانت موجودة في الحقبة الاستعمارية. خلال هذه الحقبة، على سبيل المثال، كان بإمكان شخص نيجيري التصويت في انتخابات «الشاطئ الذهبي»، إذا ما غيّر مكان سكنه، بما أنّ المكانين كانا جزءاً من أفريقيا الغربية التابعة لبريطانيا، وبما ان الشخص المذكور كان من الرعايا البريطانيين. لكن بعد الاستقلال، ورغم استمرار الوحدات الإدارية الفدرالية من ايام الاستعمار بوصفها وحدات طموح وطني، لم تعد العضوية فيها تمنح حقوق المشاركة المتساوية في كل وحدة فرعية في الاقليم، فقد تحولت هذه الى أن اصبحت أمة ــ دولة ذات سيادة، كما اكتشف العديد من السياسيين والموظفين الحكوميين في اولى السنوات بعد الاستقلال.

تكفي نظرة خاطفة على الأدبيات ليتجلّى انه لا توجد دولة مستقلة في افريقيا لم ينقسم سكانها الأصليون الى مجموعات فرعية تبرز كعناصر اساسية في الانقسامات السياسية داخل البلد. والمقصود ان الانتماءات «القبلية» أو الاثنية مرتبطة بتجمعات او فصائل او مواقع سياسية، وغالبا ما تكون مرتبطة بالفئات المهنية، وبالتأكيد بالمحاصصة الوظيفية. حين يعلّق الصحافيون الأجانب على ذلك، غالباً ما ينكر السياسيون الأفارقة حقيقة مثل هذا التحليل. لكن هذا الإنكار، وكذلك التأكيدات المعاكسة من قبل المراقبين الخارجيين، تخدم أهدافاً ايديولوجية لا تحليلية. وتوجد بالتالي لائحة طويلة من المنافسات الإثنو ــ سياسية في دول افريقية (مثلاً، كيكويو ولويو في كينيا؛ بمبا ولوزي في زامبيا؛ ساب وسامآلي في الصومال). في كل واحدة من تلك الحالات، واحياناً رغم جهود مفترضة من الحكومة او من اي حركة قومية سياسية، يصطف الأفراد او يستنفرون وفق خطوط «قبلية» لتحقيق أهداف سياسية (راجع روتشيلد، ١٩٦٩؛ روتبرغ، ١٩٦٧؛ لويس، ١٩٥٨).

في بعض الدول، تم تعزيز تلك الانقسامات المسماة قبلية بواسطة عوامل أضافية. في اثيوبيا، على سبيل المثال، تتوافق الانقسامات بين الامهريين والاريتريين، الى حد ما، مع الانقسامات الدينية بين المسيحيين والمسلمين، وهي انقسامات يدرك المشاركون فيها طبيعتها كلياً، خصوصاً انّ هذا الصراع ينحدر من تراث تاريخي قديم.

على طول ساحل غرب افريقيا وداخل افريقيا الوسطى، توجد سبع دول متجاورة (ساحل العاج، غانا، توغو، داهومي، نيجيريا، الكاميرون، وجمهورية افريقيا الوسطى) يمكن رسم خط افقي متواصل عبرها. فالناس شمال وجنوب هذا الخط يتناقضون في الكثير من الخصائص: «سافانا» مقابل غابات في ما يتعلق بطبيعة الأرض، وما يرافقها من خصائص ثقافية؛ إسلام مقابل وثنية حيوية؛ ومسيحية مقابل وثنية حيوية، في ما يتعلق بالدين؛ وتعليم اقل حداثة مقابل تعليم اكثر حداثة (يعود ذلك بشكل رئيسي الى الإرساليات المسيحية في الجنوب خلال الفترة الاستعمارية). ويمكن رسم خط مماثل في اوغندا بين من هم من غير البانتو، في الشمال الأقل تعليماً، والبانتو الاكثر تعليماً (واكثر مسيحية) في الجنوب.

أبعد إلى الشمال، في ما يسمى الحزام السوداني، يمكن رسم خط مشابه عبر موريتانيا، مالي، النيجر، تشاد، والسودان. في شمال موريتانيا والتشاد والسودان، بشرة الناس اقل سمرة، وقد تم تعريبهم، وهم مسلمون. في الجنوب، بشرة الناس أكثر سماراً وهم مسيحيون ووثنيون حيويون. لكن في مالي والنيجر، تلقى ان سكان الجنوب هم المسلمون. في كل تلك الدول، ما عدا السودان، كل من يسكن في الشمال أميَل لأن يكون بدوياً واقل تعليماً. يشكل هؤلاء الاكثرية في موريتانيا والسودان، والشماليون هم في السلطة. اما في مالي والنجير والتشاد، فالعكس هو الصحيح. وبسبب ارتباط هذه التمايزات الثقافية في دول الحزام السوداني مع الاختلافات في لون البشرة، يتم تناول هذه الانقسامات على انها «عرقية».

توجد مجموعة أخرى من البلدان من المثير تناولها. هي دول كانت موجودة ككيانات سياسية في الفترات قبل الاستعمارية، واستمرت في الفترة الاستعمارية، وما بعد الاستقلال، وفيها تبدو واضحة التمايزات «القبلية» العائدة الى فترة ما قبل الاستعمار. هذه الدول هي زنجبار (عرب وشيرازيون مقابل أفارقة)، ورواندا (توتسي وهوتو)، وبوروندي (توتسي وهوتو)، ومدغشقر (ميرينا وغيرهم). في كلّ تلك الحالات (ما عدا بوروندي) استطاعت الطبقات الدنيا التي كانت تشكل الأغلبية في فترة ما قبل الاستعمار، اعتلاء المراتب السياسية الاعلى اليوم. وحيث وجدت أنظمة تراتبية قبل استعمارية داخل وحدات استعمارية وبعد استعمارية اكبر منها، كانت النتيجة السياسية اكثر غموضاً (سلطنات الفولاني في نيجيريا والكاميرون، ومملكات الهيما في اوغندا وتانجانيقا).

منذ بدء الحكم الذاتي والاستقلال، حصلت العديد من عمليات «ترحيل» للافريقيين الى بلادهم «الأصلية». فالامبراطوريات مشهورة بكونها ليبرالية جداً في ما يتعلق بحركة الأشخاص. يخدم ذلك هدف الاستخدام الأمثل للعمالية. لكن في الجهة الاخرى، تحاول الدول ــ الأمم البرهان على ان الامتيازات انما هي حق من حقوق المواطنية.

اول مجموعة احست بهذا الضغط هم السياسيون. مع اقتراب الاستقلال، بدأت فئة الفرنسيين الغرب افريقيين والبريطانيين الشرق افريقيين تختفي. فوجد الماليون الذين أسسوا حياتهم السياسية في فولتا العليا، او الأوغانديون الذين اسسوها في كينيا، أنّ من الأفضل العودة الى بلادهم. بالإضافة الى هذه الاعترافات الخجولة بحقيقة سياسية جديدة، شهدنا طرداً علنياً، او شبه علني، لمجموعات كبيرة من الأشخاص: الداهوميين (والتوغوليين) من ساحل العاج والنيجر وغيرها؛ النيجيريين والتوغوليين من غانا؛ والماليين من زائير. في كل واحدة من تلك الحالات، كان المطرودون يحتلون مناصب في الاقتصاد المالي أيام البطالة المتزايدة. وجد هؤلاء فجأة أنّهم اصبحوا «غير مواطنين» عوض ان يكونوا أفارقة. كان ذلك بالفعل صحيحاً في ما يتعلق بالفئات غير الأفريقية، حتى لو ان بعضهم نال الجنسية رسمياً في حالات معينة: العرب في زنجبار، الآسيويون في كينيا، وقد طرد اللبنانيون بشكل متفرق من غانا. حتى هذه اللحظة، لم يحصل اي طرد جماعي للاوروبيين في افريقيا السوداء، رغم أنّه حصل نزوح جماعي لبلجيكيين من زائير، في وقت من الأوقات.

القبلية في الدولة الحداثية

يهدف هذا العرض السريع للمشهد الأفريقي الى التركيز على نقطة واحدة: لا يوجد تمييز مفيد بين الأنواع المفترضة من المراتب، كالمجموعات الاثنية، او الدينية، والأعراق، والاصناف المغلقة. هي كلها تنويعات على موضوع واحد: تصنيف الناس وفق تصور خرافي لقرابة سابقة على المشهدَ الاقتصادي والسياسي الحالي، وتزعم تعاضداً بين افرادها يتخطى اشكال التعاضد التي تقوم على اساس طبقي او ايديولوجي. فتظهر [تلك المراتب] بالتالي، كما في قولة اكيواوو عن القبلية، على انها «مجموعة من ردات الفعل المنمطة، والتعديلات التكييفية، اذا جاز التعبير، ازاء النتائج غير المتوقعة لمسارات بناء الدولة»٥. او فلنقل، مع سكينر الاشد فظاظة في كلامه، ان الوظيفة الرسمية للمراتب هي «السماح للناس بتنظيم انفسهم في كيانات اجتماعية، وثقافية وسياسية، قادرة على المنافسة مع كيانات أخرى على الاحتياجات والخدمات التي تعتبر ذات قيمة في بيئتهم» ٦.

ما دامت هذه الوظيفة متأصلة في المفهوم، فإنّ المراتب لا يمكنها، تعريفاً، ان يكون وجودها سابقا على وجود مجتمع واسع الذي هي جزء منه، حتى حين تدّعي تلك المجموعات التراتبية انها منظمة او انها موجودة في اكثر من نظام مجتمعي. وما يقوله فرايد بحذر عن «القبائل» ينطبق على كل الفئات الاجتماعية:

«تبدو معظم القبائل على انها ظواهر ثانوية في معنى مخصوص: فقد تكون نتاج مسارات حفزها ظهور مجتمعات تبدو نسبياً راقية التنظيم وسط مجتمعات اخرى منظمة بطريقة اكثر بساطة. اذا امكن البرهنة على ذلك، يمكن اعتبار القبلية على انها ردة فعل على إنشاء بنية سياسية معقدة لا على انها مرحلة اولية ضرورية من مراحل تطور تلك البنية» ٧.

في حالة العالم الحديث، تكون المرتبة مطالبة جمعية بالسلطة وبتوزيع الخيرات والخدمات داخل امة ــ دولة على أسس غير شرعية من الناحية الرسمية.

العلاقة بين الطبقة والمرتبة

كيف اذاً تقف هذه الادعاءات مقابل ادعاءات التضامن الطبقي؟ في استخدامه مفهوم الطبقة، ميّز ماركس، بين الطبقات «بذاتها» وطبقات «لذاتها». وكرر فيبر هذا التمييز حين قال: «وهكذا فكل طبقة قد تكون حاملة لأي شكل من اشكال العمل الطبقي اللاحصر لعددها، لكن ذلك ليس هو الحال بالضرورة. في كل الاحوال، فالطبقة لا تشكل جماعة قائمة بذاتها» ٨.

لماذا ليست الطبقات دوماً «طبقات لذاتها»؟ بالفعل، لماذا هي لماماً «بذاتها»؟ وإن اردنا طرح السؤال بشكل مختلف لقلنا: كيف نفسر حقيقة انّ وعي المرتبة الاجتماعية يستولد قوى سياسية منتشرة وقوية على امتداد افريقيا وفي العالم، اليوم كما عبر التاريخ؟ إذا أجبنا بالقول ان ذلك عائد الى وعي خاطئ نكون ببساطة ندفع السؤال خطوة منطقية الى الوراء، حين يجب ان نسأل: كيف يمكن لمعظم الناس ان يعبرّوا عن وعي خاطئ معظم الوقت؟

لدى فيبر نظرية لتفسير ذلك. هو يقول:

«بالنسبة إلى كون الظروف الاقتصادية العامة تؤدي الى سيطرة التصنيف المراتبي، يمكن قول ما يلي فقط: عندما تكون قواعد الحصول على السلع وأنماط توزيعها مستقرة نسبياً، يكون التصنيف عبر المراتب محبباً. لكن كل تطور تقني وتحوّل اقتصادي يهدد التصنيف المراتبي ويدفع بوضعية الطبقة نحو الامام. فالحقب الزمنية والبلدان حيث الوضعية الطبقية السافرة ذات اهمية غالبة، عادة ما تكون حقباً من التحوّلات التقنية والاقتصادية. وكل تباطؤ في وتائر التغيير تطال التراتب الاقتصادي سوف يؤدي، في المحصلة، الى نمو البنية المراتبية والى احياء الدور الهام للشرف الاجتماعي»٩.

يبدو تفسير فيبر بسيطا جداً يربط الوعي الطبقي بالتقدم والتغيير الاجتماعي، ويجعل من التصنيف التراتبي تعبيرا عن قوى رجعية ــ أي انه نوع من الماركسية المبتذلة. وفي حين قد يوافق المرء على الزخم الاخلاقي للنظرية، الا انها ليست ذات قدرة تنبؤية عالية بالنسبة للتحوّلات الصغيرة في الواقع التاريخي، ولا هي تفسر لماذا يمكن للمرء ان يعثر على ديناميات اقتصادية عصرية تتلبّس لبوس المرتبة، مثلما انها لا تفسّر آليات الحفاظ على الامتياز التقليدي داخل الوعي الطبقي. كذلك آليات الحفاظ على الامتياز التقليدي في الوعي الطبقي.

تعطينا فافريه مفتاحاً لفهم المسألة في تناولها لتمرد بربري في الجزائر:

« المجموعات الأصلية لا توجد بشكل مستقل (في الجزائر)، ذاهلة عن مدى كونها عتيقة، بقدر ما توجد بما هي رد فعل. فالانثروبولوجي الذي تغريه فكرة تجميع ظواهر سياسية تقليدية، يتهدده خطر الوقوع في سوء فهم هائل إذ يحلل تلك الظواهر بشكل ساذج، ذلك ان سياقها الراهن مقلوب رأسا على عقب. فخيار المنحدرين من قبائل القرن التاسع عشر الافقية التنظيم لم يعد خيارا بين اهداف ــ اي التعاون مع الحكومة المركزية او تشريع الانشقاق ــ لأنّ الخيار الاول هو الذي بات ممكنا من الآن فصاعداً. ان خيار فلاحي القطاع الزراعي المتخلف ــ او قدرهم ــ كامن في وسائل تحقيق هذا الهدف، والمفارقة ان الانشقاق واحد من تلك الوسائل»١٠.

تدفعنا فافريه إلى التدقيق في الادعاءات التي ترتكز على الإنتماء المراتبي ليس بما يرتبط بالشروط الفكرية للفاعلين في الحالة المذكورة، لكن بما يتعلق بالوظائف الحقيقية التي تؤديها تلك الادعاءات في النظام الاجتماعي.

مراجعة ثالوث فيبر

لعلنا نستطيع هنا إعادة صياغة ثالوث فيبر عن الطبقة والمرتبة الاجتماعية والحزب، ليس بما هي ثلاث مجموعات مختلفة ومتقاطعة، بل بما هي ثلاثة اشكال وجودية مختلفة لواقع أساسي واحد. في كل الاحوال، ينتقل السؤال من سؤال فيبر عن الشروط التي بموجبها يتفوق التصنيف المراتبي على الوعي الطبقي الى الشروط التي تتجسد بموجبها شريحة اجتماعية معينة بما هي طبقة او مرتبة اجتماعية أو حزب. فبالنسبة إلى مثل هذا التصوّر، لن يبقى من ضرورة للمحاججة بأنّ حدود المجموعة، في تجسيداتها المتتالية، ستكون متطابقة. لكن الاحرى بالمحاججة ان تجري على اساس وجود طاقم من المجموعات تتكون منها اي بنية مجتمعية في اي وقت من الاوقات، تترابط وتتصارع في ما بينها في آن معا.

تقول إحدى المقاربات التي يقترحها رودولفو ستايفنهايغن بالنظر الى المراتب الاجتماعية بوصفها «أحافير» لطبقات اجتماعية. ويجادل على النحو الآتي:

«تمثل التراتبات [اي المراتب الاجتماعية]، في معظم الحالات، ما نسميه ركائز اجتماعية، غالبا ما تعمل بوسائط قانونية وتأكيدا بوسائط ذاتية، لعلاقات انتاج اجتماعية مخصوصة، تمثلها العلاقات الطبقية. وتدخل على الركائز الاجتماعية عوامل اخرى ثانوية وطارئة (دينية وإثنية مثلا) فتدعّم التراتبات، وتمارس في الوقت نفسه وظيفة «تحرير» تلك العلاقات من علائقها بقاعدتها الاقتصادية، اي تسمح لها ان تحافظ على قوتها حتى لو تغيّرت قاعدتها الاقتصادية. نتيجة لذلك، يمكن النظر الى التصنيفات الاجتماعية على انها تبريرات او تسويغات للنظام الاقتصادي القائم، اي انها بمثابة الايديولوجيات. والتصنيفات، مثلها مثل كل الظواهر في البنية الاجتماعية الفوقية، تتمتع بميزة الهمود التي تساعد في الحفاظ عليها حتى لو تغيّرت الظروف التي ولدتها. ومع تغيّر العلاقات بين الطبقات... تتحول التصنيفات ذاتها الى أحفورات للعلاقات الطبقية التي قامت عليها اصلا... بل اكثر من ذلك، يبدو لي أنّ نوعي التجمعات (الطبقة المسيطرة، والطبقة العليا) يمكنهما التعايش لفترة من الزمن وأن تتنزلا داخل البنية الاجتماعية، وفاقا لظروف تاريخية معينة. لكن عاجلاً ام آجلاً، سوف ينشأ نظام تراتب جديد يتناسب بشكل افضل مع النظام الطبقي الراهن»١١.

في تحليل لاحق استخدم فيه بيانات مؤسسة «سانترال اميركان داتا»، يفصح ستافنهاغن عن الكيفية التي مكنت مرتبتين اجتماعيتين دونيتين تشبهان «صنفين مغلقين» (هما الهنود واللاتينيون) من أن تندمجا، وتتنزلا في منزلة واحدة وتقاوما مختلف الضغوط الناجمة عن الوضوح الطبقي، كما يسمّيه المؤلف. ويجادل بأنّ شكلين من اشكال التبعية (شكل كولونيالي، يرتكز على تمييز اثني، وخضوع سياسي) وشكل طبقي (يرتكز على علاقات العمل) نمَوا جنباً الى جنب وعكسا نظام تصنيف موازياً. فبعد الاستقلال، وبالرغم من النمو الاقتصادي، استمر الانقسام بين هنود ولادينيين (اي سكان اميركا الجنوبية المنحدرين من اصول اسبانية لا من السكان الاصلييين) «مغروسا بشكل خفي في اعماق قيم افراد المجتمع»، واستمر الانقسام «كقوة محافظة أساسية» في البنية الاجتماعية. «في انعكاسه لوضع ينتمي الى الماضي... ظل [الانقسام] عنصر إعاقة أمام نمو علاقات جديدة بين الطبقات»١٢. في هذه الرواية، لا يزال التمييز الطبقي الحالي أحفوراً من الماضي، لكنّه ليس أحفوراً عن العلاقات الاجتماعية بذاتها.

المقاربة الاخرى هي النظر الى الانتماء الطبقي او المرتبي بما هي خيارات مفتوحة امام مختلف افراد المجتمع. تلك هي مقاربة بيتر كارستنس. في بحثين صدرا أخيراً، واحدهما كتبه كارستنس١٣ وآخر كتبه آلان١٤ يتفق المؤلفان على أنّ الأفريقيين الذين يعملون في الأرض في المناطق الريفية يجب ان يسمّوا «فلاحين» بوصفهم جزءا من «الطبقة العاملة»، اي انهم اشخاص يبيعون قوة عملهم حتى لو كانوا يعملون فعليا بما هم مزارعون مستقلّون ينتجون محاصيل نقدية. لكن فيما يهتم آلان بالتركيز على نمط التعاقب المترابط بين زراعة المحاصيل النقدية والعمل المأجور، فإن كارستنز اكثر اهتماما بتفسير الجهاز المراتبي للتنظيم الفلاحي الطبقي، او ما يسمّيه «الانظمة المراتبية الفلاحية».

يبدأ كارستنس المحاججة بالقول إنّ «الحفاظ على الولاءات القبلية الضعيفة، او احياءها، موردان من الموارد المتوافرة للبشر كي يؤسسوا لهيبة او احترام ما»١٥. ويذكرنا بأنّ «المؤسسات نفسها التي أثّرت في القوى الخفية التي انتجت طبقة الفلاحين، هي ذاتها التي انتجت انظمة المراتب الفلاحية. فعلى سبيل المثال... ان الطريقة الأضمن للوصول الى الاعتراف، والهيبة، والاحترام في عيون الطبقة الحاكمة، وكذلك في عيون الفلاحين المحليين، هي في المشاركة في المؤسسات التعليمية والدينية المفروضة من الخارج»١٦. ينجم عن ذلك بالتالي ان «وحده التلاعب بانظمتهم الاجتماعية الداخلية يسمح للفلاحين بالوصول الى انظمة مراتبية اخرى موجودة في الطبقة الاعلى من طبقتهم. اما استراتيجية التلاعب المراتبي فتظهر في اوضح اشكالها بما هي وسيلة لتخطي الحدود الطبقية»١٧.

إنّ قوة التراتب بواسطة المرتبة الاجتماعية يمكن النظر اليها من هذا المنظار. فالشرف المراتبي ليس فقط آلية لمن حققوا الانجازات في الماضي للحفاظ على امتيازاتهم في السوق المعاصر، أي على القوة الرجعية كما يصفها فيبر؛ ان الشرف هو ايضاً الآلية التي بواسطتها يصل الساعون الى الارتقاء لبلوغ اهدافهم داخل النظام ذاته (من هنا العلاقة المتبادلة بين الوعي الاثني الحاد والتعليم، الذي لفت كولسن النظر إليه). بمساندة من مثل هاتين المجموعتين المهمتين، [الاثنية والتعليم] يسهل فهم التفوق الأيديولوجي للمرتبة الاجتماعية [على حساب الطبقة]. يتطلب الأمر وضعاً تنظيمياً استثنائياً لخرق هذه التوليفة من العناصر ذات المصلحة في الحفاظ على هذا الغشاء الحاجب (او على هذا الواقع ــ لا فرق).

كان فيبر على خطأ. لا يحتلّ الوعي الطبقي المقدمة حين يحصل تغيير تقني او تحوّل اجتماعي. كل التاريخ المعاصر يكذّب هذه المقولة. يحتل الوعي الطبقي المقدمة فقط في ظرف أكثر ندرة من ذلك، في وضع «ثوري» حيث الوعي الطبقي يكون التعبير الأيديولوجي [عن الحالة الثورية] والدعامة الأيديولوجية في آن معا. بهذا المعنى، كان الحدس المفاهيمي الماركسي على صواب.

اعادة تحليل المعلومات الأفريقية

دعونا نعود الآن الى الواقع التجريبي لأفريقيا المعاصرة المستقلة في ضوء هذا الاستطراد النظري. تتألف افريقيا السوداء المستقلة اليوم من مجموعات من الدول ــ الأمم، الاعضاء في الامم المتحدة، ولكن لا يمكن اعتبار ايّ منها تقريباً مجتمعا قوميا، بمعنى وجود كيان سياسي ونظام اقتصادي وثقافة تتمتع بقدر نسبي من الاستقلال والمركزية. تشكل كل تلك الدول جزءاً من النظام الاجتماعي العالمي، وأغلبها مندمج بشكل كامل في شبكات اقتصادية امبريالية معينة. المعالم الاقتصادية لتلك البلدان هي بشكل أساسي متشابهة. يعمل معظم الشعب في الأرض، وينتجون المحاصيل من اجل السوق العالمي والطعام من اجل قوتهم اليومي. اغلبهم عمال، ينالون اجورهم من مالكي الأرض او يعملون لحسابهم الخاص لكن في حالة توجب عليهم الحصول على النقد (ويعتبرون الزراعة بديلا اقتصاديا لأشكال اخرى من العمالة المأجورة). هناك آخرون يعملون أجراء في مناطق حضرية، احياناً كجزء من نمط الحوّالة الدائرية.

ونلقى في كلّ بلد من تلك البلدان طبقة بيروقراطية تعمل في خدمة الحكومة وهي متعلمة وتسعى لتحويل بعض ثروتها الى ممتلكات عقارية. وفي كل حالة من تلك الحالات، لدينا مجموعات معينة (مجموعة واحدة او اكثر) ممثلة بطريقة غير متناسبة في الطبقة البيروقراطية، كما يوجد مجموعات أخرى ممثلة بطريقة غير متناسبة بين الأجراء الحضريين. وفي كل مكان تقريباً توجد مجموعة من البيض في مرتبة عالية من الجاه تحتل المناصب التقنية. ولم يتغيّر نفوذ هؤلاء او بالكاد منذ الحكم الاستعماري. وتعكس المراتب العالية للبيض موقع تلك البلدان في النظام الاقتصادي العالمي، حيث تشكل دولاً «بروليتاريّة»، وتعاني من آثار «التبادل غير المتكافئ»١٨.

ان درجة الاستقلالية السياسية التي مثلتها السيادة الشكلية قد مكنت النخب المحلية او الكتل النخبوية من السعي إلى الترقي في النظام العالمي، عبر التوسع السريع للنظام التعليمي في بلدانهم. فكل ما هو فعال فردياً في معايير النظام العالمي هو غير فعال جماعياً. فآليات تشغيل النظام العالمي لا تؤمّن ما يكفي من الوظائف على المستوى الوطني. فيجبر ذلك الكتل النخبوية على ايجاد معايير تكافئ البعض منها وتنبذ البعض الآخر. وخطوط الانقسام هنا اعتباطية ومتغيرة من حيث التفاصيل. ففي بعض الاماكن، يكون الانقسام وفق خطوط إثنية؛ وفي أخرى وفق خطوط دينية؛ وفي غيرها وفق خطوط عرقية؛ وفي معظمها وفق تركيب ضمني يجمع هذه كلها.

ان التوترات بين المراتب الاجتماعية هو التمظهر غير الفعال والمتهالك ذاتيا للاحتقانات الطبقية. وهي الخبز اليومي للسياسة والحياة الاجتماعية لافريقيا المعاصرة. يميل الصحافيون، وهم في الغالب اقرب الى الادراكات الشعبية من علماء الاجتماع، الى تسمية هذه الظاهرة بـ«القبلية» حين يكتبون عن افريقيا السوداء. ان النزاعات القبلية او الإثنية نزاعات حقيقية جداً، كما تبرهن عن ذلك الحروب الاهلية في السودان ونيجيريا ببلاغة تامة. وهي نزاعات اثنية بمعنى انّ الأشخاص المتورطين فيها تحفزهم تحليلات تستخدم تصنيفات اثنية (او ما يشابهها من التصنيفات المراتبية) اضافة الى انهم يعبّرون في العادة عن ولاءات اثنية قوية. ورغم ذلك، فوراء هذه «الواقع» الإثني يقبع صراع طبقي غير بعيد عن السطح. اقصد بذلك الاقتراح التالي، المباشر والممكن التحقق منه تجريبيا (لكنه اقتراح لم يتم اختباره بشكل تام): اذا اختفت الفروقات الطبقية ذات العلاقات المتبادلة بالمراتب (او تلك المتوائمة معها) نتيجة لظروف اجتماعية متغيرة، ستختفي الفروقات بين المراتب الاجتماعية ذاتها في نهاية الأمر (لتحلّ محلها مراتب اخرى بلا ريب). إنّ الولاءات المراتبية ولاءات ملزِمة وفعالة، بحيث يبدو انها تصعّب على الولاءات الطبقية ان تكون اي شيء آخر إلا في اوان الأزمات، الا انها ــ الولاءات الطبقية ــ ايضاً ذات طبيعة اسرع زوالا كظواهر من وجهة نظر المحللين. فاذا اصبح المجتمع «مندمجا» من الناحية الاثنية، لن تنحسر التناقضات الطبقية، بل العكس هو الصحيح. فإحدى وظائف شبكات الانتماءات المراتبية هي اخفاء حقائق الفروقات الطبقية. ويصل ذلك الى حد أنّه في حال انحسار او اختفاء بعض التضادات او التباينات الطبقية المخصوصة، تنحسر التضادات (بل الفروقات) ايضا بين المراتب الاجتماعية وتختفي.

في فائدة مفهوم العرق

في أفريقيا السوداء، يتحدث المرء عن نزاع «إثني». في الولايات المتحدة او أفريقيا الجنوبية، يتحدث المرء عن نزاع «عرقي». هل من معنى لاعتمادنا على كلمة واحدة، العرق، لتوصيف المراتب الاجتماعية التي تبرز في بعض دول اكثر من غيرها (مثل دول افريقيا السوداء)؟ اذا لجأنا الى اعتبار كل قضية وطنية على انها متفردة ومنفصلة منطقيا، فلن يكون من معنى لذلك، لانّ التصنيف المراتبي يخدم الهدف نفسه في كل حالة.

لكن القضايا الوطنية ليست متفردة ومنفصلة بشكل منطقي. انها جزء من نظام عالمي. ولا يمكن فصل المرتبة والنصاب في النظام الوطني عنهما في النظام العالمي، كما سبق وقلنا خلال نقاش دور المهاجرين الأوروبيين البيض في افريقيا السوداء اليوم. توجد مراتب اجتماعية عالمية كما توجد مراتب اجتماعية وطنية. وما نقصده بالعرق هو بشكل أساس المراتب الاجتماعية العالمية. فثمة انقسام مبدئي بين البيض وغير ــ البيض. (بالطبع، توجد انواع مختلفة من غير ــ البيض، والتصنيف يختلف وفق الزمان والمكان. فاحد التصنيفات يتم وفق لون البشرة، لكنه في الحقيقة ليس هو التصنيف الطاغي. التصنيف الآخر الاكثر انتشارا يتم وفق القارات، رغم أنّ العرب غالبا ما يطالبون بتصنيفهم على حدة.

بناءً على هذه الثنائية العالمية، يفقد لون البشرة من اهميته. فعبارات «البيض» و«غير ــ البيض» واهية الارتباط بلون البشرة. «ما هو الأسود؟ وأساساً: ما لونه؟» سأل جان جينيه. حين ينكر الأفريقيون، كما تفعل الأغلبية الناس، انّ النزاع بين العرب ذوي البشرة الأقل سمرة في شمال السودان، وسكان وادي النيل ذوي البشرة الاكثر سمرة في جنوب السودان، حين ينكرون أنّه نزاع عرقي، فإنّهم لا ينافقون. بل يحتفظون بتعبير «عرق» للتعبير عن توتر اجتماعي عالمي مخصوص. الامر ليس أنّ النزاع في السودان ليس نزاعا حقيقياً او هو لا يعبر عن نفسه من خلال تعابير المراتب الاجتماعية. انه كذلك. لكنه نزاع، مع انه يبدو مشابهاً للصراع بين السود والبيض في الولايات المتحدة، او بين الأفريقيين والاوروبيين في جنوب أفريقيا، لكنّه مختلف عنه سياسياً. ويقع الاختلاف السياسي في معناه داخل النظام العالمي وبناء على معطيات هذا النظام العالمي.

ان العرق، في العالم الحديث، هو المرتبة الوحيدة ذات البعد العالمي. لقد حل محل الدين، الذي لعب ذلك الدور منذ القرن الثامن ميلادي، على الاقل. والنصاب في هذا النظام، وليس اللون، هو ما يحدد العضوية في المرتبة الاجتماعية. وهكذا قد نقع في ترينيداد على حركة «القوة السوداء»، موجهة ضد حكومة مكونة برمتها من السود، لأنّ هذه الحكومة تتصرف بوصفها حليفا للإمبريالية الاميركية الشمالية. وهكذا، يطلق انفصاليو الكيبيك على انفسهم اسم «الزنوج البيض» في أميركا الشمالية. كذلك، فالقومية الأفريقية قد تتضمن عرباً بيض البشرة من شمال افريقيا، لكنها ترفض افريقيين بيضا (من ذوي الأصول الاوروبية) من سكان جنوب افريقيا. كما انّه يمكن دعوة قبرص ويوغوسلافيا (السابقة) الى مؤتمرات التضامن لآسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية لكن يتم استبعاد اسرائيل واليابان عنها. والعرق، بوصفه إحدى المراتب الاجتماعية، تمثيلٌ جماعي مبهم لفئة طبقية عالمية، هي فئة الأمم البروليتارية. والعنصرية هي بالتالي مجرد فعلِ الحفاظ على التركيبة الاجتماعية العالمية الحالية، وليست تعبيرا جديدا للتمييز العنصري. وهذا لا يعني أنّهما ظاهرتان منفصلتان. فمن الواضح أن العنصرية تستخدم التمييز كجزء من ترسانتها التكتيكية، وكسلاح مركزي، من دون شك. لكن كثيرة هي المواقف التي تظهر فيها العنصرية من دون تمييز بالمعنى المباشر للكلمة. وربما انه يوجد تمييز من دون عنصرية، رغم أنّ ذلك قد يكون اندر الحصول. المهم أن نرى أنّ هذه المفاهيم تحيل إلى افعال على مستويات مختلفة من التنظيم الاجتماعي: فتحيل العنصرية الى فعل داخل النطاق العالمي، فيما يحيل التمييز الى افعال داخل تنظيمات اجتماعية على نطاق اضيق نسبياً.

خلاصة

في الخلاصة، كانت نقطتي الرئيسة أنّ المراتب الاجتماعية (وكذلك الأحزاب) هي تمثيل جماعي مموّه للطبقات. والخطوط المموّهة (وبالتالي الخاطئة) تخدم مصالح عناصر مختلفة عديدة في معظم الاحوال الاجتماعية. فحين يصبح النزاع الاجتماعي اشد حدة، تقترب خطوط المراتب الاجتماعية من خطوط الطبقات، من دون ان تلتقيا، حينها يمكن ان نشهد ظاهرة «الوعي الطبقي». لكن اللقاء بين الطرفين لا يحصل ابداً. وبالفعل، كأنه يوجد حقل مغناطيسي حول نقطة اللقاء، يدفع بالخطوط المقاربة بعيداً عنها. وفي النهاية، فالعرق نوع خاص من المراتب الاجتماعية في العالم المعاصر، انه ذلك الذي يحدد المكانة في النظام الاجتماعي العالمي. بهذا المعنى، لا يوجد توترات عرقية اليوم داخل الدول الأفريقية السوداء المستقلة. الا ان احد تجليات الهوية الوطنية، كما سوف يتم تحقيقها، سيكون تنامي الوعي المراتبي المتعولم، او الانتماء العرقي المتعولم، الذي سيمكن التغلّب عليه او تجاوزه كلما اقترب المرء من نقطة لقاء الوعي الطبقي العالمي.

  • ١. نظر: ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع، نيو يورك، ١٩٦٨، الصفحات ٧ -٣٠٢ و٩٨ - ٣٨٥، و٤٠ -٩٦٢.
  • ٢. فيبر, المصدر ذاته، ص ٩٣٢
  • ٣. وغندا حالة بارزة حيث تتبلور السياسة الى درجة ما حول قسمة ثلاثية دينية: بروتسطانت، كاثوليكون ومسلمون
  • ٤. Elizabeth Colson, ‹Contemporary Tribes and the Development of Nationalism›, in June Helm, ed., Essays on the Problem of Tribe, 1967, p. 205
  • ٥. Akinsolo Akiwowo, ‹The Sociology of Nigerian Tribalism›, Phylon, vol. 251, no. 2, 1964, pp. 155-63.
  • ٦. Elliott Skinner, ‹Strangers in West African Societies›, Africa, vol.23, no. 4, 1963, pp. 307 - 20, p. 173.
  • ٧. Morton Fried, ‹On the concept of «Tribe» and «Tribal society»›. in June Helm ed., Essays on the Problem of Tribe, 1967 pp. 3 - 20, p.15
  • ٨. فيبر، المصدر ذاته، ص ٩٣٠
  • ٩. فيبر، المصدر ذاته، ص ٩٣٨.
  • ١٠. Jeanne Favret, ‹Le traditionalisme par exces de modernité› Archives Européemmes de sociologie, 1967 vol. 8, no.1, pp.71-93, p. 73.
  • ١١. Rodolfo Stavenhagen, ‹Estratificacion social y estructura s de clases (un essayo de interpretacion)›, Ciencias politicas y sociales, 1962, vol. 8, np. 27, pp. 73-102, p. 99-101.
  • ١٢. Rodolfo Stavenhagen, ‹Clases, colonialismo y aculturacion: ensayo sobre un sistema de relaciones innteretnicas en Mesoamerica›, America Latina, 1963, vol. 6, no.4, pp. 73-102, p.94
  • ١٣. Peter Carstens, ‹Problems of Peasantry and Social Class in Southern Africa›, paper presented at the Seventh World Congress of Sociology, Varna, Bulgaria (13-19 September 1970)
  • ١٤. V. L. Allen, ‹The Meaning nad Differentiaion of the Working Class in Tropical Africa›, paper presented at the Seventh world Congress of Sociology, Varna, Bulgaria (13-19 September 1970).
  • ١٥. كارستنس، المصدر ذاته، ص٩
  • ١٦. المصدر ذاته، ص ١٠
  • ١٧. المصدر ذاته، ص٨
  • ١٨. لصياغة متبلورة لهذا المفهوم والتبسّط في مترتباته الاجتماعية، انظر Arghiri Emanuel, L›échange inégal, Paris, Maspero, 1969.
العددان ٣-٤ خريف ٢٠١٢ / شتاء ٢٠١٣

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.