العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

«شعب واحد في بلدين»

المسكوت عنه في العلاقات اللبنانيّة - السوريّة

لا يعنيني من الحديث عن العلاقات السورية - اللبنانيّة إلّا التوقّفُ عند محطّاتٍ تاريخيّةٍ معيّنة ذات علاقةٍ مباشرة وحميمة بين لبنان وسورية، وذات إسقاطاتٍ ودلالات على أحداث معاصرة، ولعلّ اللبنانيّين يدركون أنّ تاريخ العلاقة مع سورية، ليس كلّه، كما يتصوّره فريقٌ منهم، معلّب الرأي سلفاً، فقليل من التاريخ قد «يفرفح» قلب اللبنانيّ، وربّما قلبَ السوريّ أيضاً.

عند نشوء الدولة اللبنانيّة على شكل كيان لبنان الكبير، حصل خطأ مميتٌ في بناء الحياة اللبنانيّة السياسيّة والاقتصاديّة كما مورستْ فيما بعد. وتمثّل هذا الخطأ بأنّ أكثر من نصف اللبنانيّين لم يكن يريد هذه الدولة، والنصف الثاني الذي يريدها كان يريد معها حمايةً أجنبيّة خوفاً من أن يلتهمها الطرف الأوّل من طريق إلحاقها بوحدةٍ مع سورية. والسبب الرئيس في ذلك عدم التوافق بين اللبنانيّين على رواية تاريخ معيّن تجد الأطرافُ اللبنانيّة نفسَها فيه متساوية أو متوازية مع الأطراف الأخرى.

أنتمي لجيلٍ لم يميّز بين سوريٍّ ولبنانيّ

هنا لا يسعني إلّا أن أقف أمام مدخلٍ شخصيٍّ يؤدّي إلى علاقتي بالموضوع السوريّ - اللبنانيّ، المسكون باعتقادي أنّ في سورية ولبنان شعباً واحداً في بلدَين، مقولةٌ انطلقتْ منذ ثلاثينيّات القرن الماضي من الصحافة السوريّة، وثبتتْ صحّتها على مدار العقود المنصرمة. وهي جزءٌ من الحكايات الصغيرة التي تشكّل منعطفاتٍ أساسيّة في مسيرة البلدين، بل هي جزءٌ من تاريخ ما أهمله التاريخ. هذا التاريخ الذي احتكر تفسيرَه من أراد الإيحاء أنّ هناك شعباً يريد أن يسيطر على شعب بلدٍ آخر، لا أن يكمّله.

روى الراحل نصري المعلوف، وهو السياسيّ اللبنانيّ والنائب والوزير السابق لكاتب هذه السطور، أنّه جاء إلى أستاذه فارس الخوري، بعدما تخرّج من كلّيّة الحقوق في دمشق، ليطلب منه توصيةً للعمل في مكتب المحاماة الذي أسّسه صبري العسلي، السياسيُّ الوطنيّ ورئيس الحكومة السورية فيما بعد. وكان نصري المعلوف من العروبيّين الوطنيّين دعاة الاستقلال، فقال له فارس الخوري: «يا ابني، نحن نحتاج إلى أمثالك من الوطنيّين في لبنان، عدْ إلى بيروت واعمل هناك. بالشام عندنا منك كثير!». وهكذا كان، وأصبح نصري المعلوف من ألمع المحامين والسياسيّين في لبنان. كان نصري المعلوف قد روى لي هذه الحكاية في سنواته الأخيرة، بشيءٍ من الزهو. وهو المحامي الأشهر الذي أبى أن يكتب أيّ شيءٍ عن ذكرياته السياسيّة، كما لم يكتب أيّاً من مرافعاته التي كان يرتجلها أمام المحاكم.

انطلاقاً من هذا المدخل الشخصيّ، كان لي الشرف والمتعةُ في احتراف العمل في الصحافة اللبنانيّة منذ نحو خمسين سنة. لكنْ قبل ذلك، كنت واحداً من نتاج ذلك الجيل العربيّ الذي جاء لبنان وهو في ذروة وهجه وعظمته، فدخل مدارسَه وتخرّج من جامعاته وانضمّ إلى أحزابه وتعلّم السياسة في مقاهيه وتنشّق حرّيّته وتسكّع في مكتباته، لكنّ الأهمّ من ذلك كلّه أنّ هذا الجيل قرأ صحافتَه وعرف من خلالها أنّ للرأي أكثرَ من وجه، وأنّ للفكر حرّيّةً هي في اتّساع العقل الإنسانيّ.

لم يكن لدى ذلك الجيل أيّ شعورٍ بالتمايز «القُطريّ» بين السوريّين واللبنانيّين. كان التطلّع خارج الحدود اللبنانيّة أمراً طبيعيّاً، وكان التقوقع داخل الحدود اللبنانيّة أمراً انعزاليّاً. كانت بيروت وقتَها امتداداً حقيقيّاً لدمشق، وكانت الحزبيّة السوريّة - اللبنانيّة حزبيّة أشخاص عاشوا معارك الانتداب معاً، وسعوَا إلى الاستقلال معاً. لكنّ هذا الجيل العربيّ لم يكن غافلاً عن قصور النظام اللبنانيّ وضحالة بعض أوجه الفكر اللبنانيّ وشراسة العصبيّة القبليّة اللبنانيّة وعمق التعصّب الطائفيّ اللبنانيّ المختبئة كلّها وراء مظاهر الليبراليّة الخادعة. كان يعرف أنّ ذلك كلّه يحمل في طيّاته أسباب الحساسيّة المفرطة التي يتمتّع بها الفردُ اللبنانيّ تجاه «الغرباء» إلى درجة الشوفينيّة، على عكس نظامه السياسيّ الذي أتاح دائماً وعبْر تاريخه كلّه «للغرباء» التدخّل في شؤونه١.

آثار انحطاط القوميّة العربيّة

إنّ اللافت عند الاستغراق في متابعة بعض التفكير السياسيّ المسيحيّ، مدى التطرّف الذي يلوّن معظم أفكاره وطروحاته في الابتعاد عمّا يجمعه بالعرب وبسورية معاً، الأمر الذي دفع أصحابَه إلى الاجتهاد في تحريف التاريخ وتزويره، وتفسير المواقف وتأويلها، في محاولةٍ لتجريم العروبة وإدانة المتمسّكين بها، وذلك لتبرير شعور المسيحيّين بالخوف من طغيان الأكثريّة الإسلاميّة في المنطقة، سواءٌ كان هذا الخوف مستنداً إلى أساسٍ أو لم يكن.

نتيجةً لذلك، وقَع بعض المسيحيّين اللبنانيّين في ورطة، فأوهموا أنفسهم بأنّهم برفضهم الانتماءَ العربيّ تخوّفاً واستعلاءً، سيضعون قضيّة وجود المسيحيّين في المنطقة على المحكّ. بل الأخطرُ من ذلك، أنّهم شكّكوا في تراثٍ عربيٍّ وإسلاميّ عريقٍ شارك المسيحيّون العربُ جميعاً في صناعته، لا بوصفهم مسيحيّين قبل الإسلام وبعده، بل بوصفهم عرباً كسائر إخوانهم العرب.

وما كان ليحصل هذا لولا سقوط حركة القوميّة العربيّة والانحطاط الذي أصابها، وفشل المشاريع الوحدويّة، وضمور الأحزاب القوميّة، وانحلال الحركات العلمانيّة، فضلاً عن الهزيمة العسكريّة للأنظمة العربيّة أمام إسرائيل، وإهمالها لقيم الديمقراطيّة فكراً وممارسة. وما من شكٍّ في أنّ هذه الحال التي انتهتْ إليها حركة القوميّة العربيّة شجّعت على اختراع فهمٍ إيديولوجيّ مضلّل للكيان اللبنانيّ، من شأنه تحويل الطائفيّة إلى ظاهرة أزليّة - أبديّة.

لقد شجّعتْ إسرائيل، منذ الهزيمة العربيّة في حزيران / يونيو ١٩٦٧، الصراعات الطائفيّة، وجيّرتْها لمصلحتها ولحسابها. ونجحتْ طَوال سنوات الحرب الأهليّة في لبنان وما بعدها، في الإيحاء إلى المسيحيّين اللبنانيّين وإقناع بعضهم بأنّ العدوّ الذي ينبغي لهم أن يحاربوه هو العروبة التي تهدّد وجودهم، وهو سورية التي تنوي ابتلاعهم. وعندما استطاعتْ إسرائيل أن تُدخل إلى هذا الاتّجاه اللبنانيّ المسيحيّ عقليّة الصليبيّة الغربيّة، كانت تعرف أنّها ستخلق في المقابل عند اللبنانيّ المسلم عقليّة الفتح الإسلاميّ٢. لقد فتح لبنان أبوابه على مصاريعها لكلّ أجنبيّ يتوسّله ويستخدمه، لا لحماية استقلاله وكيانه، بل لحماية طوائفه والحفاظ على مكاسبها وربْط ما بقي من استقلاله في عجلة هذه أو تلك من الدول الأجنبيّة.

البطريرك عريضة بين السالخ والمسلوخ

لعلّ قصّة شعبٍ واحد في بلدَين المسكوت عنها في تاريخ العلاقات السوريّة - اللبنانيّة تبدأ أيّام الانتداب الفرنسيّ وعند قيام الدولة اللبنانيّة المحكومة بوحدة التاريخ والجغرافيا مع سورية التي هي من ثوابت التعامل بين البلدين.

في شباط / فبراير ١٩٣٣ أدلى غبطة بطريرك الموارنة مار أنطونيوس بطرس عريضة بحديثٍ إلى «المقطّم» المصريّة إبّان المفاوضات التي كانت جاريةً آنذاك بين المفوّض الساميّ الفرنسيّ في سورية ولبنان المسيو پونصو، وبين الحكومة السورية. وكان جلّ الحديث تعقيباً على بيان كان قد أدلى به پونصو أمام لجنة الانتدابات في عصبة الأمم، ذكر فيه أنّ لبنان بين البلدان التي قبلت الانتداب بطيبة خاطر، وذلك لاختلاف مذاهب سكّانه، ورأى أنّ جميع هذه المذاهب من الأقلّيّات التي لا يمكن واحدةً منها أن تسود الأخرى. لكنّ بطريرك الموارنة علّق لمراسل «المقطّم» في بيروت على كلام المفوّض السامي بقوله: «نعم، نحن قبلنا هذا الانتداب بطيبة خاطر. أمّا الأقلّيّات والأكثريّات وقولهم فينا فلا يعنينا، فلبنان وطنٌ مسيحيّ»٣. غير أنّ مراسل «المقطّم»عاد وسأل البطريرك: «لكنّ السوريّين يا صاحبَ الغبطة يتشبّثون بإرجاع الأجزاء التي ألحقتْها فرنسا بلبنان إلى سورية». فأجابه البطريرك: «ومتى كانت سورية ممتلكة لهذه الأجزاء وسلبناها منها؟ إنّ هذه الأجزاء هي أصلاً للبنان، وقد سُلبتْ منه في الأزمان الماضية، فإذا استعادها إليه فقد استعاد ما هو ملكه واستردّ ما هو حقٌّ له. ألم يكن لبنان ممتدّاً حتى أنطاكية وحتى عكّا وما وراءها؟».

قامتْ قيامة السوريّين على هذا الحديث، فكُذّب ثم نُفي ثمّ أُكِّد، إلى أنْ أصبح من العلامات الفارقة في العلاقات السوريّة - اللبنانيّة، على الرّغم من نفيه وتأكيده في آنٍ واحد، واستمرار الأخذ والردّ فيه إلى نهاية الانتداب.

وجاء حديث البطريرك عريضة في الوقت الذي كانتْ فيه سورية تفاوض الفرنسيّين على إلغاء الانتداب وتنظيم قضيّة المعاهدة السوريّة - اللبنانيّة المقترَحة. وردّ السوريّون على الشقّ السياسيّ في حديث البطريرك اللبنانيّ بقولهم إنّ سورية الآن في موقفٍ سياسيٍّ دقيق، أقلّ ما يقال فيه أنّه موقف تصفية بين سورية وفرنسا من جهة وبين سورية والبلاد التي سُلختْ عنها من جهةٍ ثانية. وما دامت قضيّة المعاهدة أو إلغاء الانتداب ستطغى على البحث في هذه الأيّام، فإنّ من حقّ سورية أن تعلم ما إذا كانت البلاد المسلوخة عنها عقب الاحتلال الفرنسيّ بلاداً سوريّة، وما إذا كان سكّانها سوريّين يجب المطالبة بها وإعادتها إليها، أم أنّها أخرجتْ نهائياً من الجسم السوريّ وأصبحتْ إلى الأبد بلاداً لبنانيّة متمّمة للوطن اللبنانيّ الذي يقول عنه البطريرك إنّه وطنٌ مسيحيّ.

يومَها فنّدت الصحافة السوريّة ما ورَد على لسان البطريرك وكتبت «القبَس» الدمشقيّة: «هذا سؤالٌ نلقيه على الفرنسيّين الذين اقتطعوا هذه الأجزاء السوريّة بقوّتهم وضمّوها إلى لبنان رغماً عن أهلها. وسؤال نوجّهه إلى المفاوض السوري الذي تقدّم إلى المفاوضة باسم سورية ذات القضيّة الوطنيّة التي تُعرض اليوم على التصفية النهائيّة لنعلم كيف يكون موقف هاتيك الأجزاء من الوطن السوريّ. وهذا السؤال نفسه نوجّهه إلى سكّان هاتيك البلاد الذين ضُمّوا إلى لبنان بغير إرادتهم، والذين لم يقولوا ساعة واحدةً بالانتداب ولا بلبنان»٤. وسخرت الصحافة السوريّة في مقالات كثيرةٍ وطويلة، على امتداد أيّام، من أقوال البطريرك اللبنانيّ، خصوصاً تلك التي زعمتْ أنّ الأجزاء السوريّة هي أصلاً للبنان وسُلبتْ منه. ومن أطرف ما ورد من تعليقات، ما قاله نجيب الريّس: «لستم أنتم يا سيّدي الذين سلبتم هذه الأجزاء من سورية وألحقتموها بلبنان... بل هم الفرنسيّون أصحاب الأساطيل والجيوش والمدافع. فأنتم لستم الآخذين بل أنتم المأخوذ لكم».

وكتب نجيب الريّس في «القبس» يقول: «كنّا نتمنّى ألّا يكون غبطتُه صاحب هذا الحديث الذي يتناول قضيّتنا الوطنيّة والقوميّة في الصميم، لأنّنا نحن في الشام لا نعرف ولا نريد أن نعرف ولا نقبل أن يعرّفنا أحد بأنّ سكّان دمشق غير سكّان طرابلس، وأهل حلب غير أهل اللاذقيّة، وأبناء حماة غير أبناء النبطيّة وبعلبك، فجميع هؤلاء سوريّون عرب يطلبون الوحدة والاستقلال ويرفضون الانتداب». وأضاف: «إذا كان اللبنانيّون الذين تكلّم بلسانهم صاحبُ الغبطة لا يريدون هذا التحرّر، فهم أحرار. لكنّ سكّان طرابلس وصيدا وصور وجبل عامل وبعلبك والبقاع الذين لم يقبلوا بالانتداب من قبْل والذين يريدون أن يتحرّروا من نيره ويطلبون أن يؤلّفوا مع إخوانهم هنا دولةً سوريّة واحدة، إنّ هؤلاء لا يستطيع صاحب الغبطة أن يتكلّم بلسانهم ولا أن يقول بالنيابة عنهم إنّ لبنان قبِل الانتداب عن طيب خاطر. وغبطته له ملء الحقّ في أن يقبل الانتداب باسمه... أمّا أن يقبله باسم رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وعمر الداعوق وغيرهم... فهذا كثير وعجيب ومدهش... إنّ لبنان ليس وطناً مسيحيّاً أو إسلاميّاً، بل هو وطن للجميع٥.

فارس الخوري: لا أقليّة ولا أكثريّة

في مطلع عام ١٩٣٣، وقف فارس الخوري في قلب مدينة حلب ووسط الجامع الأمويّ خطيباً في جمْعٍ من المسلمين والمسيحيّين يقول لهم: «لا أقليّة ولا أكثريّة، بل نحن جميعاً سوريّون عرب ندين بدين الوطنيّة والقوميّة». وقف هذا الزعيم المسيحيّ الوطنيّ الكبير خطيباً في جمْعٍ يقدَّر بنحو سبعين ألف نسمة من مسلمين ومسيحيّين، داعياً إلى القوميّة وإلى تناسي هذه الفوارق المذهبيّة، وذلك مع معرض ردّه على صوت أكبر رجلٍ في الموارنة بصفته زعيماً سياسيّاً لبنانيّاً يقول: «إنّ لبنان وطن مسيحيّ».

لكنّ هذا لم يمنع فارس الخوري من لوم صديقه نجيب الريّس صاحب جريدة «القبس» الدمشقيّة لنشره في كتابه «نضال» (الصادر في شباط / فبراير ١٩٣٤) تصريح البطريرك المارونيّ والتعليق عليه بعدما أثار جدلاً واسعاً في حينه في الأوساط السياسيّة السوريّة - اللبنانيّة. وكانت حجّة فارس الخوري في لَفت نظر صديقه نجيب الريّس، أنّ البطريرك اللبنانيّ كان قد نفى في حينه أن يكون قد أدلى بهذا الحديث لمراسل «المقطّم» كما نشر، وأنّ الردود السوريّة عليه تجاهلتْ نفي البطريرك، وخاصّة أنّ البطريرك - في رأي فارس الخوري - قد عاد وأدلى بتصحيح لهذا الحديث، الذي وصفه فارس الخوري بـ«الموقف النبيل الأخير الذي يقفه غبطة البطريرك في الدفاع عن مصالح البلاد». وكان الهدف من ذلك رأب الصدع مع الجانب اللبنانيّ وترطيب خواطر الموارنة وعدم تأزيم علاقات سورية بالمسيحيّين اللبنانيّين٦.

عندما «مشتْ سورية إلى بكركي»

وفي أيار / مايو ١٩٣٥ (أي بعد سنتين تقريباً) تغيّرت الأجواء حين أدلى غبطة البطريرك عريضة نفسُه بحديثٍ صحافيّ تعقيباً على تعليقٍ خرجتْ به صحيفة فرنسيّة اسمها «لاديبيش نوفيل» سخرتْ فيه من تقارب الوطنيّين في سورية والموارنة في لبنان إثر شبه اتّفاقٍ اقتصاديّ عُقد بين البلدين، وسمّت هذا التقارب من الوطنيّين السوريّين «أزهاراً مسمومة يقدّمونها إلى غبطة البطريرك ليخدعوه ويستغلّوا نفوذه»، وردّ يومها البطريرك اللبنانيّ في حديثه الصحافي على هذا التحريض قائلاً: «إنّنا نقبل هذه الأزهار من السوريّين، سواءٌ أكانت مسمومةً أم نقيّة، لأنّ هذا أمرٌ يعنينا وحدَنا»، ثمّ تساءل بلهجةٍ ملؤها الألفة والتقريع: «وماذا يضرّ الآخرين إن اتّفقنا؟ إنّ قضيّة اتّفاقنا مع السوريّين ليستْ قضيّة أزهارٍ مسمومة، بل هي قضيّة مصلحةٍ أو مصيبة جمعتْنا».

وفي خلال سنتيَن خرج السوريّون عبْر صحافتهم، وكانت في حينه من أكثر الصحافات العربيّة حرّيّةً في التعبير وفي تعدّد وجهات النظر، يرحّبون بحديث البطريرك اللبنانيّ ويؤيّدون موقفه ويقولون إنّهم إذا أيّدوا موقف البطريرك اليوم فلا ينكرون أنّهم لم يكونوا كذلك بالأمس، وإنّ هذا الاعتراف الصريح منهم أكبر دعامة في اتّفاقهم، لأنّ الذين يعرفون لماذا كانوا يختلفون يعرفون أيضاً لماذا غدَوا يتّفقون. فإذا فرّقتهم أحقاد الماضي وسياسة الماضي، فقد جمعتْهم اليوم مصيبة الحاضر ومصلحةُ المستقبل. وليس عجباً أن يتّحد المسلمون والنصارى في هذا الوطن المشترَك أو الموارنة في لبنان والوطنيّون في سورية، لكنّ العجيب أن يتأخّروا في هذا الاتّحاد الصريح الواضح حتى اليوم، وهم يعلمون أنّهم مُرغمون على ما توجبه المصلحة ويفرضه حبُّ البقاء.

وتساءلت «القبس» الدمشقيّة: «ولماذا كانوا يتّهموننا بالتعصّب يوم كنّا مختلفين، ولماذا كان جوابهم أنّ هذه البلاد لا تستحقّ الاستقلال إلّا أن تزول منها الفوارق المذهبيّة، حتّى إذا اتّفقنا اليوم راحوا يعجبون من اتّفاقنا ويحاولون تلغيمه؟ لقد أثبتْنا باتّفاقنا على المطالبة بسيادة بلادنا وحرّيّتها وتخفيف الأعباء الماليّة عن كواهل أهلها، أنّ اختلاف المذاهب لا يمنع الاتّفاق، وأنّه ليس ضروريّاً أن تزول هذه الفوارقُ حتى نعيش مع بعضنا في وطن: نحن أهله ونحن أصحابه الشرعيّون. فالمسلم يظلّ مسلماً، والمسيحيّ يظلّ مسيحيّاً والوطن يبقى للاثنين ما دامتْ مصلحة سورية في سيادتها وفي اقتصاديّاتها وفي ثروتها هي نفسها مصلحة لبنان».

بعد تسعة أشهر من هذا الاتّفاق ومن التصريح البطريركيّ، مشتْ سورية إلى بكركي في كانون الثاني / يناير ١٩٣٦، لتهنّئ بطريرك الموارنة في لبنان بعيده. ولم يكن قراراً سهلاً، فقد قاد فخري البارودي، نائب دمشق وخطيب سورية والمتكلّم بلسانها وفداً سوريّاً كبيراً إلى بكركي، الذي كان الأوّل من نوعه. وقف زعيم الشباب فخري البارودي في حضرة البطريرك ليقول: «إنّ دماءنا ودماءكم أيّها اللبنانيّون المارونيّون قد سالتْ للدفاع عن هذه البلاد وعلى أرض الوطن الواحد وعلى ضفاف العاصي منذ مئات السنين. أجل لقد التقتْ سورية ولبنان على أعواد المشانق في عهد جمال باشا، كما التقتْ دماؤنا على ضفاف العاصي في عهد الغزاة الرومانيّين. واليومَ نلتقي من جديد في صعيد واحدٍ وفي بكركي... في سبيل الألم الذي وحّد قلوبنا، وفي سبيل إزاحة هذا النِّير الثقيل الذي يحزّ في أعناقنا، نلتقي لنطلب الحرّيّة ونَنشد الخلاص...»٧.

وعلّقت الصحافة السوريّة على هذا الحدث البارز الكبير في حينه بقولها إنّ «هذه أوّل مرّة تمشي فيها سورية من دمشق إلى لبنان، لا للنّزهة ولا للتّجارة، بل لتدشين عهدٍ طالما بقينا عليه وطالما نادَينا به، وطالما قلنا إنّه الوسيلة الوحيدة الناجحة لخلاصنا جميعاً. فإذا بهذا العهد الذي نشدناه طويلاً وأخفقنا في الوصول إليه كثيراً يدشّن في بكركي وعلى باب كنيستها وأمام هيكل المسيح، بعد أن دُشّن في الجامع الأمويّ وعلى باب محرابه».

ونظم شاعر لبنان الكبير بشارة الخوري الأخطل الصغير، قصيدةً بمناسبة زيارة الوفد السوريّ لبكركي، اشتهرت في الأوساط السياسيّة والأدبيّة في حينه، ونشرتْ كاملةً بعد سنوات، قال فيها:

«يا رُبى لا تتركي ور

داً وَلا تبقي أقَاحاً

مشت الشام إلى

لبنان شوقاً والتياحاً

فافرَشي الطُّرق قلوباً

وثغوراً صُداحا»٨

لماذا حشر الشيعة بين الأقليّات!

قبل حديث البطريرك عريضة وتفاعلاته، وفي حمأة الغضب السوريّ من جماعة الانتداب الفرنسيّ ومواقفهم، نشرتْ في كانون الأوّل / ديسمبر من عام ١٩٣٢ جريدة «لا سيري» لصاحبها جورج فيسيه، الناطقة بالفرنسيّة والصادرة في بيروت، مقالاً بقلم وليم مارتان، وهو صحافيّ سويسريّ صاحب جريدة «جورنل دوجنيف»، يقول فيه مبرّراً وجود الانتداب الفرنسيّ في سورية ولبنان، إنّ لفرنسا مصالح على البحر المتوسّط، هي حماية أسطولها البحريّ وحماية خطوط الملاحة الجوّيّة وحماية أنابيب النفط، وهي مصالح كبيرة لا تقْدر على تركها دون ضمانات، وخاصّة واجباتها تجاه نصارى لبنان والأقليّة الشيعيّة٩.

وغضب السوريّون من هذا القول وانزعجوا من ربْط فرنسا قاعدة أسطولها وطرق مواصلاتها وأنابيب النفط بحماية النصارى والشيعة. واتَّهم الوطنيّون السوريّون بعض رجال السياسة بالمتاجرة بالنصارى وأنّهم يظهرونهم أمام العالم دائماً بمظهر المحتاجين إلى الحماية من هؤلاء «المسلمين المتوحّشين المتعصّبين». وما أغضبَ السوريّين، وقد تعوّدوا أنّ كلمة الأقلّيّات كانت تَعني دائماً النصارى، أنّ فرنسا قد حشرت الشيعة العرب المسلمين من بين الأقلّيّات، لتبرّر بقاء انتدابها وسيطرتها على لبنان. وما أزعج السوريّين أكثر، أنّ توقيع هذا الكلام جاء خلال البحث في معاهدة فرنسا مع سورية التي سلّم السوريون بأنّ أحد أهدافها حماية المواصلات البحريّة والجوّيّة والنفط. لكنّهم خافوا من أن تنصّ المعاهدة مع سورية على حقّ حماية فرنسا لنصارى الجمهوريّة السوريّة، لتشمل فيما بعد كافّة الأقلّيّات غير السُّنية.

وأدرك السوريّون أنّ فرنسا في الحقيقة تريد أن تعود إلى اتّفاقيّة «سايكس - بيكو» وتقسيم سورية إلى منطقتين: ساحليّة وداخليّة، فتحتفظ بانتدابهم على الساحل، وتمنح استقلالاً ذاتيّاً للداخل، فتصبح الجمهوريّة السوريّة المستقلّة الداخلة في عصبة الأمم عبارة عن هذه المدن وتلك القرى والسهول، مطوّقة من الجنوب ببريطانيا، ومن الشمال بتركيّا ومن الغرب بالبحر.

وتساءل السوريّون: ألم يعد يكفي فرنسا وجودُ النصارى لادّعاء الحماية وتأبيد الانتداب، فجاءتْ إليهم تستثمر اسم الشيعة وتجعلهم بحاجة إلى الحماية؟! مؤكّدين أنّ الشيعة عرب مسلمون في سورية ولبنان والعراق، وليسوا بحاجة إلى حماية أحد. من المفيد هنا التذكير بأنّه بعد مؤتمر سان ريمو في إيطاليا عام ١٩٢٠، ونتيجةً لاتّفاق سايكس - بيكو عام ١٩١٨، قُسِّمَت المناطق العربيّة بين فرنسا وبريطانيا. فقَسّمت فرنسا، الدولةُ المنتدبة على سورية، البلادَ إلى دويلاتٍ طائفيّة، وأعلنت أيضاً بحكم انتدابها على لبنان، بلسان الجنرال غورو في أوّل أيلول / سبتمبر عام ١٩٢٠ ولادة دولة لبنان الكبير. ولمّا عُقد مؤتمر الصلح في فرساي في باريس، أرسل اللبنانيّون والسوريّون بمختلف فئاتهم، برقيّاتٍ ومذكّرات وعرائض احتجاج إلى ذلك المؤتمر، يرفضون فيها رفضاً قاطعاً تقسيم البلاد السوريّة. وشملتْ هذه المذكّرات احتجاجاً على موقف البطريرك المارونيّ إلياس الحويّك، الذي كان أوّل من طالب بفصل لبنان عن سورية وضمّ الأقضية الأربعة إليه.

وكان المؤتمر السوريّ العامّ المنعقد في باريس بين ١٩١٩ و١٩٢٠ برئاسة الأمير فيصل بن الحسين، وشاركتْ فيه وفودٌ من مختلف أنحاء سورية ولبنان، قد أعلن رفضه القاطع، بإجماع المؤتمرين، لانفصال القطرَين. لكن ما إن هزم الجنرال غورو جيش فيصل (وكان قد أصبح ملكاً على سورية) بقيادة وزير دفاعه يوسف العظمة في ميسلون في تموز / يوليو ١٩٢٠، حتّى أعلن دولة لبنان الكبير في أيلول ١٩٢٠، على الرغم من استمرار اللبنانيّين والسوريّين الوحدويّين في مطالبتهم بوحدة البلاد السوريّة، مؤكّدين مضارّ التقسيم من النواحي القوميّة والسياسيّة والاقتصاديّة والجغرافيّة وحتى اللغويّة، في مذكّرات وعرائض متلاحقة إلى المسؤولين الفرنسيّين يطلبون فيها بإعادة وحدة سورية ولبنان.

واستمرّ دعاةُ الوحدة من اللبنانيّين في التعبير عن رفضهم الاعتراف بصيغة لبنان الكبير حتّى عام ١٩٢٦، عندما حاول المفوّض السامي هنري دي جوفنيل إشراك جميع الطوائف اللبنانية في صياغة دستور الجمهوريّة اللبنانيّة، طالباً من جميع الطوائف والجماعات الدينيّة والسياسيّة رأيها في الدستور، فامتنعت القوى الإسلاميّة الوحدويّة عن المشاركة في صياغة الدستور، تعبيراً عن رفضها للواقع التقسيميّ للبلاد السوريّة١٠.

مؤتمر الساحل وبداية التحوّلات

لكنْ في أوائل الثلاثينيّات لجأت بعض القوى الإسلاميّة إلى الاعتراف بلبنان الكبير والتّفاعل معه، فشارك المسلمون بإحصاء عام ١٩٣٢، الذي أثبت تساوي عدد المسلمين بعدد المسيحيّين. لكن لمّا جاءت انتخابات رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة عام ١٩٣٢ خسر مرشح السياسيّين المسلمين للرئاسة الشيخ محمد الجسر، رغم موالاته لفرنسا، لا لشيء إلّا لأنّه مسلم. وكان المسلمون ميّالين للاعتقاد بأنّ الاتّفاق يقضي باتّباع المناوبة في اختيار رئيس الجمهورية، وأنّ من حقّهم الترشّح إلى هذا المقام والوصول إليه. واتّخذت المفوضيّة الفرنسيّة حجّةً في رفض ذلك مفادها «أنّه لمّا كان رئيس الجمهوريّة السوريّة مسلماً، فمن الإنصاف أن تكون الرئاسة في لبنان لمسيحيّ».

منذ عام ١٩١٩ لم يشهد لبنان اتّجاهاً سياسيّاً موحّداً تجاه المشكلات السياسيّة أو القوميّة. لكنّ تلك الاتّجاهات السياسيّة الفكريّة لم تكن في حينه قائمة على أساسٍ طائفيّ إسلاميّ أو مسيحيّ. وكان «مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة»، قد عُقد في دار سليم علي سلام عام ١٩٣٦، الذي طالب بإقامة الوحدة السوريّة. فيما خرج عن هذا الرأي عضوُ المؤتمر كاظم الصلح الذي رفض الوحدة السورية أو الوحدة العربيّة القائمة على أساس إسلاميٍّ أو طائفيّ.

وكانت أهمّيّة مؤتمر الساحل من الناحية السياسيّة، أنّه آخر مؤتمرٍ وحدويّ عُقد في لبنان، في الوقت الذي انطوى فيه على أمرين مهمّين:

الأوّل: جملة تراجعاتٍ وتنازلات من جانب المسلمين اللبنانيّين عن طلب الوحدة والاتّجاه إلى الاعتراف بلبنان الكبير، شرط إقامة العدل والمساواة بينهم وبين الطوائف المسيحيّة.

الثاني: تسابُق السياسيّين السوريّين إلى الاعتراف بلبنان وسورية دولتين منفصلتين، خصوصاً بعد توقيع المعاهدة الثنائيّة الفرنسيّة - السورية في عام ١٩٣٦، التي تولّى بعدها هاشم الأتاسي رئاسة الجمهوريّة السوريّة، ولم يعد متحمّساً لوحدة البلدين، الموقف الذي فسّره اللبنانيّون بأنّه تخلٍّ عنهم واعتراف بصيغة لبنان الكبير١١.

ويلاحَظ عند هذا المنعطف أنّ اندفاع اللبنانيّين - وأغلبهم من المسلمين - نحو الوحدة مع سورية، كان أقوى بكثيرٍ من اندفاع السوريّين أنفسهم إلى تلك الوحدة. ومن أسباب ذلك، أنّ التوزّع الديمغرافيّ الذي كان في لبنان والتقسيمات الإداريّة وسياسة الانتداب الفرنسيّ الطائفيّة، كانت تختلف عنها في سورية. مع لفت النظر إلى أنّ الدعوة إلى الوحدة السورية لو حصلت، لكانت في ظلّ الانتداب الفرنسيّ، بعيداً عن المطالبة بتحقيق الاستقلال.

والمفارقة اللافتة أنّ المسلمين اللبنانيّين الذين كانوا يطالبون بالوحدة مع سورية، لم يكونوا في العهد العثمانيّ من دعاة القوميّة العربيّة أو الوحدة العربيّة أو من دعاة الانفصال عن الدولة المركزيّة العثمانيّة باستثناء قلّة منهم. بينما كان معظم أبطال الاستقلال عن الدولة العثمانيّة وتحقيق الاتّحاد على أسسٍ قوميّة عربيّة غير قائمة على أسسٍ فكريّة دينيّة أو طائفيّة، هم من المسيحيّين. واللافت في موقف كاظم الصلح في مؤتمر الساحل، أنّه كان يمثّل توجّهاً إسلاميّاً جديداً في مفهوم الوحدة مع سورية، حيث أرادها وحدةً قوميّة لا طائفيّة أو دينيّة، على نحوٍ لا تتحقّق فيه، رغم إرادة الفريق المسيحيّ.

وإذا اعتبرنا أنّ «مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة» لعام ١٩٣٦ هو آخر مؤتمر وحدويٍّ تمثّلتْ فيه كلُّ الفئات اللبنانيّة المطالِبة بضرورة تحقيق الوحدة السورية، كان «المؤتمر القوميّ الإسلاميّ» في العام نفسه (تشرين الأول / أكتوبر ١٩٣٦) الذي عُقد في دار عمر بَيهم في بيروت، ذا صبغة إسلامية تمثّلت بوفود من المناطق الملحَقة بلبنان الصغير، وهو المؤتمر الذي رفع بدوره مذكّرة إلى المفوّض السامي يطالب فيها بتحقيق وحدة شاملة لأجزاء سورية أوّلاً وللأقطار العربيّة ثانياً، مع تسجيل بعض التراجعات الوحدوية والاستعداد للاعتراف بواقع لبنان الكبير. وكانت دعوة كاظم الصلح، ومعه عادل عسيران وشفيق لطفي، إلى تطوير مفهومَي «الوحدة» و«اللبنانيّة»، بحيث لم تعدْ الأولى تعني «الإسلاميّة»، ولم تعد «اللبنانيّة» تعني «المسيحيّة» بمفهومها الضيّق، قد أخذت تجد أنصاراً لها، حيث قرّ الرأي على أنّ الوحدة يجب ألّا تكون بقرارٍ من المفوّض السامي الفرنسيّ، ولا حتى بالتظاهرات، «لأنّنا لا نريد أن نبني وطناً نصفُ سكّانه أعداء له».

وكان المفوّض السامي الفرنسيّ الكونت دي مارتيل، قد اتّهم المؤتمر القوميّ الإسلاميّ بأنّه «مؤتمر طائفيّ»، ما دفع رياض الصلح، أحد أعضاء المؤتمر، إلى الدفاع عنه بالقول: «إنّنا لم نتقدّم بمطالبنا باسم الشعار الطائفيّ، إلّا لأنّ انفصال لبنان نفسه يستمدّ وجوده من الشعار الطائفيّ، ولولا الطائفيّة لما كان لبنان منفصلاً عن سورية». في الوقت نفسه، أبدى المسلمون استعدادهم للاعتراف بدولة لبنان الكبير وبالجمهوريّة اللبنانيّة مقابل الوصول إلى حقوقهم ومساواتهم بالمسيحيّين. لكنّ سياسة الانتداب الفرنسيّ الطائفيّة لم تحاول استغلال هذا الاستعداد لتوحيد لبنان والكيان١٢.

إنّ الحياة السياسيّة في لبنان، التي قامت على ما يمكن الاصطلاح عليه بـ«التكاذب التاريخيّ» بين نخَب الطوائف وزعمائها، ستنشئ لعبة أقلّ ما يقال فيها أنّها كانت واحدة من الثوابت المؤسّسة للعنف المسلّح وللحروب الأهليّة الباردة المستمرّة.

لقد لاحظ المؤرّخ كمال الصليبي المنطق الداخليَّ لعناصر اللعبة اللبنانيّة التقليديّة، رائياً إليها بوصفها «لعبةً تشمل توالياً من التعاملات المراوغة بين لاعبين يزعم جميعُهم التمسّك بأفكارٍ ومبادئ قوميّة أو وطنية، تهدف إلى خدمة الصالح العام، فيما يسعى كلٌّ منهم إلى الاحتيال على الآخر والإطاحة به، مدفوعاً إلى ذلك بولاءات وضغائنَ وأحقاد بدائيّة خبيثة تعود في أصولها إلى غابر الأزمان»١٣.

اللغة العربيّة قبل أن تتدهور

لا بدّ لي في النهاية من التذكير باعتباري كاتباً صحافيّاً خَبر وعرك الصحافة اللبنانيّة، من إسقاطٍ أخيرٍ ذي صلة بموضوعنا السوريّ - اللبنانيّ، له دلالاته العميقة اليوم في العلاقة بين البلدين، لعلّها تُلقي على الذاكرة التاريخيّة المشتركة بقعة ضوء.

في كانون الأوّل / ديسمبر ١٩٣٠، أُقيم في بيروت في التياترو الكبير حفل تأبين للشاعر الراحل إلياس فياض، قالتْ عنه الصحافة اللبنانيّة إنّه «كان عرساً من أعراس الأدب العربيّ، أشبه بسوق عكاظ»، شارك فيه فحول شعراء لبنان من أمثال الأخطل الصغير (بشارة الخوري) وخليل مطران وإلياس أبو شبكة ونقولا فيّاض وأمين تقيّ الدين وغيرهم.

بعد الحفل التفَتَ عبد الله اليافي، أحد السياسيّين اللبنانيّين الشبّان في ذلك الزمان، ورئيس الحكومة اللبنانيّة فيما بعد، وسأل أديباً سوريّاً كان في الحفل: أرأيت هذه الحفلة؟ أجاب الأديب السوريّ: نعم، سأل: «وهل ترى مثلها في دمشق؟ أجاب السوريّ: ولا في مصر. قال: أقول لك الصحيح، إنّ اللبنانيّين لا يزالون هم حفظة لغة القرآن، قلْ هذا ولا تبالِ».

كان هذا الحديث قبل نحو ثمانين سنة، وقبل أن تهبط اللغة العربيّة في لبنان إلى مستوى متدنٍّ من الاستعمال على أيدي السياسيّين وصغار الكتبة الجدد، وصلت إلى هذا الدرك الذي نسمعه اليوم في الخطابات والمهرجانات والتلفزيونات اللبنانيّة. وعلى الرّغم من انبهار السوريّين بهذا التألّق اللغويّ العربيّ في لبنان، فإنّ ذلك لم يمنع الصحافة السوريّة من أن تتساءل ساخرةً في تعليقها على حفَظة لغة القرآن: «أترى لو مضت ثلاثون سنة أخرى وأراد لبنان أن يؤبّن فقيداً عزيزاً عليه، أتكون الخطب والقصائد باللغة العربيّة، أم باللغة الفرنسيّة؟ اللهم إنّنا نخشى على حماة لغة القرآن من أن يصبحوا غداً حماة لغة فيكتور هيغو وجان راسين»١٤.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
المسكوت عنه في العلاقات اللبنانيّة - السوريّة

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.