العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

«مسؤوليّة الحماية» و«الحقّ في التدخّل الإنسانيّ»

سلطان الأقوياء على الضعفاء

عادةً ما تتشوَّش النّقاشات١ حيال مسؤوليّة الحماية، أو قريبتها مسألة «التدخّل الإنسانيّ» بقعقعة هيكل عظميّ في الخزانة: أعني التاريخ، إلى هذه اللحظة.

خلال مسيرة التّاريخ، لا نجد إلّا مبادئ قليلة متّصلة بالشؤون الدوليّة يمكن أن تنطبق على هذه الحالة عموماً. أحدها فكرة [المؤرّخ الإغريقيّ] ثوكيديدس بأنّ الأقوياء يفعلون ما يحلو لهم بينما الضّعفاء يعانون بحُكم الضرورة. وثمّة نتيجةٌ لازمةٌ هي ما يسمّيها الخبير البارز في القانون الدوليّ، إيان براونلي (Ian Brownlie) «منهج الهيمنة في التّشريع»: أي أنّ صوت الأقوياء يطرح السوابق التي تتحكّم بكيفيّة تطبيق القانون عمليّاً.

وإذا أردنا اقتباس نسخة كلاسيكيّة من الفكرة ذاتها، نقول إنّ «القوانين المُدوَّنة مثل شبكات العناكب؛ صحيحٌ أنّها تصطاد الضّعيف والفقير، إلا أنّها تتمزّق على يد الثريّ والقويّ»٢.

ويبرز مبدأ فعّال آخر من توصيف آدم سميث لرسم السّياسات في إنكلترا: يتأكّد «المهندسون الأساسيّون» للسياسة، وهم في أيّامه «التجّار والصناعيّون»، من أنّ مصالحهم هي «المرادة حصراً» بصرف النّظر عن مدى «فداحة» تأثير هذا على الآخرين، بمن فيهم سكّان إنكلترا، وبدرجة أكبر أولئك الرازحون تحت «جور الأوروبيّين الوحشيّ»، في الهند خصوصاً، إذ كانت الهند محور اهتمام سميث الأساسيّ.

ويقوم المبدأ الثالث على أنّ كلّ استخدامٍ للقوّة في الشؤون الدوليّة كان يُبرَّر فعليّاً بوجود نيّة إنسانيّة، ويصدق هذا حتى لدى أسوأ الوحوش. وإذا أردنا التوضيح، فإنّ شون مُرفي (Sean Murphy)، في دراسته عن التدخّل الإنسانيّ، يكتفي باقتباس ثلاثة أمثلة بين ميثاق كيلوغ - بريان (Kellogg - Briand Pact) [أو ميثاق باريس] الذي جرّم الحرب عام ١٩٢٨ وميثاق الأمم المتّحدة عام ١٩٤٥: هجوم اليابان على منشوريا، غزو موسوليني لإثيوبيا، واحتلال هتلر لأجزاء من تشيكوسلوفاكيا. وهذا لا يعني أنّه عدّها تدخّلات إنسانيّة فعليّة. بل يعني أنّها كلّها ترافقت برطانة مهيبة بشأن المسؤوليّة الصارمة لحماية السكّان الذين يعانون والذين سيكون هذا التدخّل كفيلاً بإنقاذهم. ليس من السهل إيجاد استثناء لهذا، ولا يزال النموذج الأساسيّ سائداً إلى هذه اللحظة٣.

وتجدر استعادة السجلّ التاريخيّ حين نسمع أنّ مسؤوليّة الحماية (R2P) أو قريبتها «التدخّل الإنسانيّ» توصف بكونها «فكرةً ناشئة» في المسائل الدوليّة، بحسب الخطاب السائد هذه الأيّام. إذ كانتا فكرتين [مطروحتين] أينما شئنا التوغّل في التاريخ. فالأيّام الأولى لأقوى دولة في العالم مثال على هذا. في عام ١٦٢٩، مُنحت مستعمرة خليج ماساتشوستس (Massachusetts Bay Colony) شرعيّتها على يد ملك إنكلترا الذي صرّح بأنّ إنقاذ السكّان المحليّين من مصيرهم الوثنيّ المرير هو «الغاية الأساسيّة من هذه المستعمرة». ونرى أنّ شعار مستعمرة [ماساتشوستس] يُصوِّر هنديّاً يحمل أسلحته ويُصوِّبها إلى الأسفل كإشارة سلام مع لُفافةٍ تخرج من فمه كُتب عليها «تعالوا وأغيثونا». وبذا كان المستعمرون الإنكليز يُنجزون مسؤوليّتهم في الحماية حينما بدأوا في «إبادة» و«اجتثاث» السكّان المحليّين، بحسب كلماتهم - وهذا من أجل مصلحتهم، أي مصلحة السكّان المحلّيين أنفسهم، كما شرح لنا المنتصرون المُظفّرون٤.

وفي عام ١٦٣٠، ألقى جون ونثروپ (John Winthrop) عِظته الشّهيرة التي تُصوِّر الأمّة الجديدة «التي شرَّعها الرَّب» بكونها «مدينةً موضوعةً على جبل»٥ وهو خطاب ذو وحي دينيّ يُستعاد بانتظام لتبرير أيّة جريمة بكونها في أسوأ الأحوال «انحرافاً» عن المهمّة النبيلة المتّصلة بمسؤوليّة الحماية٦.

وليس صعباً أن نضيف أمثلةً مُشابِهة من قوى عظمى أخرى في أيّام عزّها. ويمكننا فهم أنّ القويّ ينبغي له التّصريح بأنّ علينا نسيان التّاريخ والمضيَّ قدُماً. ولكنّ هذا ليس خياراً حكيماً بالنّسبة إلى الضعفاء.

السوابق والمادّة ٥١

الهيكل العظميّ القابع في الخزانة الذي ظهر في الحالة الأولى، تناولتْه محكمة العدل الدوليّة منذ ٦٠ عاماً، ونعني به قضيّة قناة كورفو (Corfu Channel). قرّرت المحكمة أنّها «لا يمكن أن ترى حقّ التدخّل المزعوم إلّا بكونه مظهراً من مظاهر سياسة القوّة، وهو مماثلٌ للمظهر الذي تسبَّب، في الماضي، بتوليد أقصى درجات الانتهاك وبذا لا يمكن أن يجد له مكاناً في القانون الدوليّ، أيّاً تكن مَواطن العجز في المنظّمة الدوليّة...، فبُحكم طبيعة الأشياء، سيكون [التدخُّل] مقصوراً على الدول الأقوى، وسيُفضي بسهولة إلى تحريف مؤسّسة العدل بحدّ ذاتها».

وقد حرّضت وجهةُ النظر هذه على انعقاد أوّل مؤتمر قمّة لدول الجنوب الذي ضمّ ١٤٤ دولة، في نيسان / أبريل ٢٠٠٠. وقد رفض بيانه، الذي وَضع في البال بكل تأكيد القصف الذي تعرّضت له صربيا أخيراً، «الحقّ «المزعوم» في التدّخل الإنسانيّ، الذي لا يملك أيّ أساس قانونيّ في ميثاق الأمم المتّحدة أو في المبادئ العامّة للقانون الدوليّ». وتُعيد صيغةُ البيان التأكيد على قرار الأمم المتّحدة المهمّ بشأن إنماء العلاقات الوديّة (UNGA Res. 2625, 1970). وقد تكرَّر منذئذ عدّة مرّات، كما في مؤتمر وزراء حركة عدم الانحياز الذي عُقد في ماليزيا عام ٢٠٠٦، والذي كان يمثّل، من جديد، الضّحايا المعتادين في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينيّة، والعالم العربيّ.

ونجد الخّلاصة ذاتها عام ٢٠٠٤ من جانب «اللجنة العليا للتّهديدات والتحدّيات والتغيير» التابعة للأمم المتّحدة. تبنّت اللجنة رأي محكمة العدل الدوليّة وحركة عدم الانحياز، لتَخْلُصَ إلى أنّ «المادّة ٥١ [من ميثاق الأمم المتّحدة] ليست بحاجة إلى توسيع أو تضييق مداها المتعارف عليه منذ زمن مديد». إذ تقدّم المادّة المذكورة الاستثناء الوحيد لصلاح استخدام القوّة ما لم يُشرَّع من جانب مجلس الأمن: تمنح المادّة حقّ الدفاع عن النّفس ضدّ الهجوم المُسلَّح إلى أن يصير بإمكان مجلس الأمن التدخّل لمعاقبة المعتدي، «الهجوم المُسلَّح» مفهوم لا يحظى بتأويلٍ واسع في القانون الدوليّ. وبمعزل عن هذه الاستثناءات، فإنّ «استخدام القوّة أو التّهديد باستخدامها» محظور بشدّة في العلاقات الدوليّة. وهذا يعني أنّ القائد السياسيّ الذي يُصرّح بأنّ «الخيارات كلّها مفتوحة» ينتهك القانون الدوليّ، وإنْ كان هذا القائد مسؤولاً في الحكومة الأميركيّة، فهو ينتهك الدستور الأميركيّ أيضاً الذي يعدّ ميثاق الأمم المتّحدة هو «القانون الأعلى في البلاد». وعلى المرء أن يكدّ في البحث ليجد أيّ اعتراف بهذه الحقائق الواضحة.

وأضافت لجنة الأمم المتّحدة أنّه «بالنّسبة إلى مَنْ يتبرّمون من مثل هذه الاستجابة، لا بدّ أن تكون الإجابة أنّ المجازفة التي تهدّد النظام العالميّ ومبدأ عدم التدخّل الذي يواصل هذا النّظام الاعتماد عليه ستتعاظم جداً عند شَرْعَنَة وقبول الفعل الاحترازيّ أحاديّ الجانب، الذي يجب تمييزه عن الفعل الذي يُصادَق عليه جمعياً، في عالمٍ يضجّ بالتّهديدات المُحتَملة المحسوسة. فالسّماح لأيّ طرف بالمبادرة يعني السّماح للجميع»، وهذا خيار غير وارد بكلّ تأكيد.

وهكذا تبنّى مؤتمر القمّة العالميّ الذي نظمتْه الأمم المتّحدة عام ٢٠٠٥ الموقف المبدئيّ نفسه. وإضافةً إلى إعادة التأكيد على المواقف المُتوافَق عليها من قَبل، شدّدت القمّة أيضاً على رغبتها «باتّخاذ موقف جماعيّ... من خلال مجلس الأمن، بالتّوافق مع ميثاق الأمم المتّحدة... حينما لا تعود الوسائل السلميّة كافيةً وحين يتبيّن إخفاق سلطات الدّول في حماية سكّانها» من الجرائم الفادحة. وفي أفضل الأحوال، فإنّ التصريح يعزّز صياغة المادّة ٤٢ من ميثاق الأمم المتّحدة بشأن السّماح لمجلس الأمن باللجوء إلى القوّة. وهذا ما يُبقي الهيكل العظميّ في الخزانة إذا، وينبغي التّشديد على هذه الـ«إذا»، أمكننا التعامل مع مجلس الأمن بوصفه حَكَماً حياديّاً، وليس خاضعاً للأفكار التي عَرَضها ثوكيديدس وآدم سميث، وهي مسألة سأعود إليها لاحقاً.

«مسؤوليّة الحماية» بين شمال وجنوب

مسوؤليّتا الحماية وقريبتها [مسألة التدخّل الإنسانيّ] شديدتا التّرابط لكنّهما ليستا متطابقتين. ثمّة سبب موجب في أنّ يكون «حقّ التدخّل الإنسانيّ» قد خضع لسجالٍ محتدم بين خطَّي الشّمال والجنوب في قسمه الأكبر، بينما أشدّد على مسؤوليّة الحماية، أو أُعيد تأكيدها إذا شئنا الدقّة، بإجماع القمّة. والسّبب في هذا يعود إلى أنّ قبول القمّة بخطاب مسؤوليّة الحماية لا يُضيف شيئاً جديداً تماماً. فالحقوق التي يُؤكَّد عليها في الفقرتين الجوهريّتين ١٣٨ و١٣٩ من بيان القمّة لم تناقَش جدياً، بل أكِّد عليها والتّشديد عليها ورد، في واقع الأمر، بما يخصّ نظام الأپارتايد في جنوب أفريقيا مثلاً. وعلاوةً على هذا، كان مجلس الأمن قد قرّر أساساً أنّ بإمكانه استخدام القوّة تحت الفصل السابع [من ميثاق الأمم المتّحدة] لإنهاء الاعتداءات الجسيمة على حقوق الإنسان، والحرب الأهليّة، وانتهاك الحريّات المدنيّة: في القرارات ٩٢٥، ٩٢٩، ٩٤٠، حزيران / يونيو - تموز / يوليو ١٩٩٤. وكما أشار خبيرٌ آخر في القانون الدوليّ، فإنّ «معظم الدول قد وقّعت على مواثيق تُلزمها قانونيّاً باحترام حقوق الإنسان الخاصّة بمواطنيها»٦. كما أنّ النجاحات القليلة لمبدأ مسؤوليّة الحماية التي حظيتْ باحتفاء واسع، كما في حالة كينيا، لم تكن بحاجة إلى مقرّرات القمّة، وإنْ استُحضرت المصطلحات المتعلّقة بالمبدأ.

من حيث الجوهر، «مسؤوليّة الحماية»، كما صيغت في قمّة الجنوب، حالةٌ مُشتقَّةٌ من «حقّ التدخّل الإنسانيّ» وفقاً لمصطلحات الشّمال، مع حذف الجزء المثير للإشكال، وهو حقّ استخدام القوّة من دون إذن مجلس الأمن. وهذا لا يفترض ضمناً عدم وجود مغزى للتركيز الأوضح على الحقوق التي جرى التّوافق عليها على نطاق واسع. وسيتحدّد مغزى النّقلة الخطابيّة وفقاً لكيفيّة تنفيذها. وضمن هذا السّياق، ثمّة أسباب قليلة تدعو للاحتفاء.

شهدنا افتراقاً كبيرا عن تقييدات حالة قناة كورفو وما تبعها. يشدّد القانون التأسيسيّ للاتّحاد الأفريقيّ على «حق الاتّحاد في التدخّل في شؤون إحدى الدول الأعضاء... في حال وجود ظروف قاهرة». وهذا يختلف كثيراً عن ميثاق منظّمة الدول الأميركيّة، الذي يحظّر التدخّل «بصرف النّظر عن الأسباب، في الشؤون الداخليّة أو الخارجيّة لأيّ دولة أخرى». وأسباب هذا الاختلاف واضحة. إذ يسعى ميثاق «منظمة الدول الأميركيّة» (OAS) إلى منع التدخّل من جانب «عملاق الشّمال»، وقد أخفق في هذا المسعى إلى حدٍّ كبيرٍ طبعاً. لكنْ إثر انهيار دول التمييز العنصري (الأپارتايد)، لم يواجه الاتّحاد الأفريقيّ أي مشكلة مماثلة.

وإذا أمكنَ لقانون الاتّحاد الأفريقيّ أن يسري على منظّمة الدول الأميركيّة أو حلف الناتو، فسيكون التجمّعان مُلزَمين بالتدخّل ضمن حدود تحالفاتهما. وتُفضي هذه الفكرة إلى خلاصات مهمّة وكاشفة حيال منظّمة الدول الأميركيّة والناتو، ليست بحاجة إلى إيضاح. لكنّ الخلاصات لن تكون مُعطَّلة، كما في الماضي القريب، وذلك بفضل طروحات ثوكيديدس.

نجد طرحاً بارزاً على مستوى عالٍ بشأن توسيع مسؤوليّة الحماية خارج مجال القمّة، أعني تحديداً تقرير اللجنة الدوليّة المعنيّة بالتدخّل وسياسة الدول بشأن مسؤوليّة الحماية (٢٠٠١)٨، الذي صدر بمبادرة من وزير الخارجيّة الأستراليّ الأسبق غارِثْ إيفنز (Gareth Evans). تتناول اللجنة الموقف الذي «يرفض فيه مجلس الأمن أحد الطلبات أو لا يناقشه ضمن فترة زمنيّة معقولة». في هذه الحالة، يجيز التقرير «التدخّل ضمن نطاق صلاحيّات المنظّمات الإقليميّة أو الإقليميّة الفرعيّة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم، بشرط سعيها إلى الاستحصال على موافقة لاحقةٍ من مجلس الأمن» ((3) E, II).

عند هذه النقطة، يقعقع الهيكل العظميّ في الخزانة عالياً. وترفع طروحات ثوكيديدس رأسها. عمليّاً، حقّ التدخّل محصور بالقويّ، محصور في عالمنا بقوى الحلف الأطلسيّ (الناتو)، التي يمكنها، بتصرّف أحاديّ الجانب أيضاً، أن تحدّد «نطاق صلاحيّاتها».

لا يمكن لمنظّمة الدول الأميركيّة أو الاتّحاد الأفريقيّ أن يفعل هذا، بخلاف الناتو الذي يقْدر، ويفعل. إذ حدَّد الناتو وبخطوة أحاديّة الجانب أنّ «نطاق صلاحيّاته» يشمل البلقان لكنّه، على نحو مثير للاهتمام، لا يشمل حلف الناتو نفسه، حيث ارتُكبت جرائم مروّعة بحقّ الأكراد في المنطقة الجنوبيّة الشرقيّة من تركيّا خلال التسعينيّات، وتعاود ظهورها الآن، لكنّها جرائم خارج الأجندة بسبب الدّعم العسكريّ والدبلوماسيّ الحاسم الذي حظيتْ به هذه الجرائم على يد إدارة كلينتون، مع بعض المساعدة من قوى أخرى ضمن حلف الناتو. وكذلك قرَّر الناتو أنّ «نطاق صلاحيّاته» يمتدّ إلى أفغانستان، بل وأبعد منها. إذ أبلغ السكرتير العامّ للحلف ياپ دي هوپ شِفر (Jaap de Hoop Scheffer) اجتماعاً للناتو في حزيران / يونيو ٢٠٠٧ أنّ «على قوّات الناتو حماية أنابيب النفط التي تنقل النفط والغاز اللذين يُصدَّران إلى الغرب»، كما تقع على عاتقه أيضاً حماية الطرق البحريّة التي تستخدمها ناقلات النفط و«بنى تحتيّة أساسيّة» أخرى ضمن منظومة الطاقة٩. وبذلك فإنّ نطاق صلاحيّات حلف الناتو يشمل العالم كلّه.

ذرائع جديدة

هذه الحقوق المتمدّدة التي منحتْها لجنة إيفنز محصورة بالناتو وحده عمليّاً، وتنتهك بشدّة المبادئ التي أرستْها حالة قناة كورفو وما تبعها، وتفْتح باب اللجوء إلى مسؤوليّة الحماية سلاحاً للتدخّل الإمبرياليّ على هواه.

منذ صياغة نسختَيْ مسؤوليّة الحماية، تواصلتْ حالات إساءة فهم هذا المبدأ على يد وسائل الإعلام والباحثين في الغرب. وإذا اكتفينا بمثال حاضر واحد، من مصدر عالي المستوى، يكتب ريتشارد هاس (Richard Haass)، رئيس المجلس الأميركيّ للعلاقات الخارجيّة، أنّ العالم «أكَّد حقّ التدخّل حين تُخفِق الحكومات في الوفاء بـ«مسؤوليّة حماية» مواطنيها»١٠. لكنّ العالم لم يؤكّد مثل هذا الحقّ. إذ إنّ الحقّ الذي يشير إليه هاس منحتْه لجنة إيفنز، لا الأمم المتّحدة. كلّما فضّلت قوى الناتو اللجوء إلى التدخّل بالقوّة، فإنّها تتذرّع باستمرار بالنّسخة غير المؤذية من موافقة الأمم المتّحدة، وإلى النّسخة الأكثر اتّساعاً التي قرّرتها لجنة إيفنز من أجل التبرير. وهذا ما تفعله وسائل الإعلام أيضاً، وكذلك الباحثون باستثناءات نادرة.

يسلّط مبدأ قناة كورفو ضوءاً قويّاً على كلٍّ من توقيت استدعاء مسؤوليّة الحماية وقريبتها، وانتقائيّة تطبيقهما. حدثت «الثورة المعياريّة» التي أطلقها المعلّقون الغربيّون في التسعينيّات، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرةً، الذي كان قد قدّم، في سنوات سابقة، ذريعة أوتوماتيكيّة للتدخّل. مع خروج الروس من المشهد، كان لا بدّ من ذرائع جديدة للتدخّل، فدخلت «الثورة المعياريّة» إلى الساحة، في الوقت المناسب - وهي في واقع الأمر صدىً للأفكار القديمة الخاصّة بالأقوياء وإنْ بقناع خطابيّ جديد.

تفاعلتْ إدارة بوش الأب مع الانهيار الوشيك للاتّحاد السوفييتيّ بكشفٍ رسميّ لمسار واشنطن الجديد: باختصار، سيبقى كلّ شيء على حاله تقريباً، ولكن بذرائع جديدة. ما زلنا بحاجةٍ إلى منظومة عسكريّة ضخمة، إنّما لسببٍ جديد: «التطوّر التكنولوجيّ» لقوى العالم الثالث، وما يثير الاهتمام هو أنّ أحداً لم يضحك. لا بدّ من صون «قاعدة الدفاع الصناعيّة»، وهو تعبير ملطَّف لصناعة الهاي - تك [التكنولوجيا الفائقة] المدعومة من الدولة. لا بدّ من إبقاء قوى التدخّل موجَّهةً إلى مناطق الشرق الأوسط الغنيّة بالطاقة، حيث نَحُول دون وضع الأخطار التي تهدّد مصالحنا التي استلزمت التدخّل العسكريّ «عند بوّابات الكرملين»، بما يناقض عقوداً من الذّرائع١١. ومجدّداً، من دون إثارة أدنى تعليق.

يكتسب التأويل الطبيعيّ للتوقيت دعماً من انتقائيّة تطبيق مسؤوليّة الحماية. وبالطبع لم تكن هناك أدنى فكرة لتطبيق المبدأ على العقوبات المفروضة على العراق التي أشرف عليها مجلس الأمن، والتي وُصفت بكونها «إباديّة» من جانب دبلوماسيَّيْن دوليَّيْن بارزَيْن أشرفا على برنامج النفط مقابل الغذاء، دِنِس هالِداي (Denis Halliday) وهانس فون سپونِكْ (Hans von Sponeck)، اللذين قدّما استقالتيهما احتجاجاً. وقد تعرّضت دراسة فون سپونك التفصيليّة عن التأثير المروِّع للعقوبات لمنع تامّ في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة، المسؤولتيَن الأساسيّتيْن عن الجرائم١٢. وعلى النحو ذاته، ما من أدنى فكرة اليوم بشأن حماية أهل غزّة المحرومين من حقوق الإنسان الأساسيّة، وهي إحدى مسؤوليّات الأمم المتّحدة أيضاً، أسوة بباقي «السكّان الخاضعين للحماية» (بحسب اتفاقيّات جنيف). وما من تفكير جديّ حيال أكبر كارثة في أفريقيا، إن لم تكن في العالم بأسره: الكونغو الشرقيّة، حيث نقلتْ بي بي سي منذ مدّة [عام ٢٠٠٩] أنّ الشركات متعدّدة الجنسيّات مُتَّهمة مرّة أخرى بانتهاك قرار الأمم المتّحدة المعارِض للتجارة المحظورة المتعلّقة بالمعادن الثمينة، والمُفضية بالتالي إلى تمويل صراع دمويّ، قُتل فيه ملايين الناس في الأعوام الماضية١٣.

وفي مجال آخر، لا نجد أدنى تفكير بشأن أكثر المبادئ الحميدة لمسؤوليّة الحماية في التعامل مع مسألة الجوع المستفحل في البلدان الفقيرة. إذ قدَّرت الأمم المتّحدة أخيراً أنّ عدد المُهدَّدين بالجوع قد تجاوز المليار، فيما أعلن برنامج الغذاء العالميّ التّابع للأمم المتّحدة تخفيضاتٍ كبيرةً في المساعدات لأنّ الدول الغنيّة خفّضت مساهماتها الشّحيحة، ومنحت الأولويّة لمساعدة البنوك التي كانت مسؤولة عن الانهيار الاقتصاديّ عام ٢٠٠٨، وهو أسوأ انهيار منذ الكساد الكبير [عام ١٩٢٩]. وحتى عام ٢٠٠٩، يموت أكثر من ١٦٠٠٠ طفل تحت سنّ الخامسة يومياً بفعل نقص الغذاء، ويموت عدد أكبر بسبب أمراض سهلة العلاج. وفي بلدان أفريقيا الجنوبيّة وحْدها، هذا يعادل مستوى القتل في رواندا، لا خلال ١٠٠ يوم، بل كمعدّل يوميّ. وهذا محض تحذير بسيط بلا شكّ، لكنْ لا نجد أدنى تفكير بفعل شيءٍ ما وفقاً لمبدأ مسؤوليّة الحماية مع أنّ الأمر في غاية السهولة في حال توفّرت الرغبة١٤.

في هذه الحالات وحالات عديدةٍ أخرى تتوافق هذه الانتقائيّة بدقّة مؤلمة مع طروحات ثوكيديدس، ومع توقّعات محكمة العدل الدوليّة منذ ٦٠ عاماً.

«التدخّل» في بلاد الصرب وتيمور الشرقيّة

لعلّ أسطع مثال عن الانتقائيّة الراديكاليّة كان عام ١٩٩٩، حينما قصف الناتو صربيا، وهو هجوم صُوِّر في الخطاب الغربيّ بكونه جوهرة تاج «الفكرة النّاشئة» المتعلّقة بالتدخّل الإنسانيّ، حينما كانت الولايات المتّحدة في «أقصى عزّها» في قيادة «الدول المتنوِّرة»، وحينما افتتح «العالم الجديد المثاليّ المُصمِّمُ على إنهاء اللاإنسانيّة» حقبةً جديدةً في التاريخ من خلال التصرّف وفق «مبادئ وقيَم»، إذا أردنا اقتباس بضعة إطراءات من التي تداولتْها ألسن المثقّفين الغربيّين١٥.

ثمّة صعوبات عدّة تواجه صورة التملّق الذاتيّة هذه. أولى المشكلات هي أنّ ضحايا التدخّل الغربيّ التقليديّين اعترضوا بقوّة. اقتبستُ توّاً موقف حركة عدم الانحياز، وقد كان نلسن مانديلا شديد القسوة في إدانته. ولم يكن هذا ليثير إشكاليّة: من السّهل تجاهل آراء ذوي المكانة الدنيا. وعلاوة على ذلك، فإنّ القصف ينتهك ميثاق الأمم المتّحدة بكلّ وضوح. لكن كان من السّهل تنحية تلك المشكلة أيضاً. إذ لجأ البعض إلى المناورات القانونيّة، ولكن، كما أشارت لجنة غولدستون بصراحة أكبر، كان القصف «غير قانونيّ ولكنّه شرعيّ»، وهي نتيجة خلصت إليها عبر قلب الترتيب الزمنيّ للقصف والانتهاكات. وهذا يقودنا إلى مشكلة ثالثة: الوقائع، التي صادفَ أنّها ممتازة التّوثيق من جانب مصادر غربيّة نزيهة. وما تكشف عنه [الوقائع] جليٌّ لا لبس فيه. لم يوقف قصف الناتو سلسلة الانتهاكات بل إنّه حرَّض على اقتراف أشنع الانتهاكات، كما توقَّعت قيادة الناتو والبيت الأبيض، وكما تنبّأَ بوضوح القائد الجنرال وسلي كلارك (Wesley Clark) أثناء محادثاته مع البيت الأبيض عند التّخطيط للقصف.

وتتعزّز الخُلاصات التي وثّقتْها السجّلات الغربيّة بلائحة الاتّهامات الموجَّهة ضدّ سلوبودان ميلوشفتش، التي أصدرتْها المحكمة الدوليّة في ذروة القصف. باستثناء واحد، فإنّ الجرائم المقصودة تلَت القصف. ويمكننا أن نكون على ثقة بأنّ التّهمة التي سبقت القصف - مجزرة راكاك - لم تمثّل أهميّة كبرى بالنّسبة إلى الولايات المتّحدة وبريطانيا، إذ كانتا في الوقت ذاته لا تغضّان الطّرف وحسب بل تدعمان جرائم أفظع في تيمور الشرقيّة، حيث كانت خلفيّة الانتهاكات أشنع بما لا يقارَن من أيّ شيء حدث في البلقان. وهذا مجرّد مثال واحد من أمثلة كثيرة آنذاك١٦.

تمَّ تجاوز هذه المشكلة ببساطة متناهية: عبر الطمس التامّ لهذا السجلّ الحافل.

قضيّة تيمور الشرقيّة خاصّة الأهمّيّة. على صعيدٍ شخصيّ، قدّمتُ شهادتي بشأنها أمام لجنة الأمم المتّحدة الرابعة عام ١٩٧٨، حينما وصلت الانتهاكات إلى مستوى «الإبادة بوصفها جريمة ضدّ الإنسانيّة اقترُفت بحقً سكّان تيمور الشرقيّة»، بحسب كلمات لجنة تقصّي الحقائق التي شكّلتْها الأمم المتّحدة لاحقاً. انضمّت بريطانيا وفرنسا إلى الويلات المتّحدة في دعم الإبادة، إلى جانب أستراليا ودول أخرى، حيث كان وزير الخارجيّة غارث إيفنز يلعب دوراً شنيعاً في دعم الغزاة الإندونيسيّين. تواصلَ هذا حتى عام ١٩٩٩ حينما تعاظمت الانتهاكات بحدّة من جديد. وبعد النوبة الأخيرة من إرهاب الدولة في أيلول / سبتمبر ١٩٩٩، الذي دمَّر معظم ما تبقّى من البلاد، قال مستشار الأمن القومي الأميركيّ ساندي برغر (Sandy Berger) إنّ واشنطن ستواصل دعمها للمعتدين، وقال مفسِّراً: «لا أظنّ أنّ أحداً استنّ سُنّة تقول إنّ علينا التدخّل كلّما تكون هناك مشكلة إنسانيّة». تلاشتْ مسؤوليّة الحماية على نحوٍ مألوف.

ولم يكن إنهاء الانتهاكات في هذه الحالة يستلزم قصفاً، أو فرضَ عقوبات، أو أيّ تصرّف آخر بخلاف الانسحاب. وهذا تبدّى إثر وقتٍ وجيز بعد إعادة تأكيد برغر على القيَم الغربيّة الفاعلة، حين أوعز كلينتون إلى الجنرالات الإندونيسيّين بأنّ اللعبة قد انتهت، بفعل ضغط محليّ ودوليّ. فانسحب الغزاة مباشرةً، وتمكّنت قوّة حفظ سلام أمميّة من الدخول دون مواجهة أيّ جيش. وكان يمكن فعل هذا في أيّة لحظة في ربع القرن الذي سبق الانسحاب.

وما يثير العجَب هو أنّ هذه القصّة الرّهيبة سرعان ما أعيد تأويلها بحيث تصبح تسويغاً لمسؤوليّة الحماية، وهي ردّة فعل تعجز الكلمات عن توصيف شناعتها١٧.

مجلس الأمن ليس حكَماً حياديّاً

ذكرتُ أنّ توافُق قمّة العالم لا يتناغم مع مبدأ حالة كورفو وما تبعها إلّا إذا افترضْنا أنّ مجلس الأمن حَكَم حياديّ. ومن الواضح أنّه ليس كذلك. فالمجلس تحت قبضة أعضائه الخمسة الدائمين، وهم ليسوا متساوين في السُّلطة الفعليّة. أحد المؤشّرات هو سجلّ استخدام حقّ الفيتو، وهو أقصى حالات انتهاك أيّ قرارٍ لمجلس الأمن. تمتدّ الفترة الزمنيّة المعنيّة من أواسط الستينيّات، حين ساهم التحرّر من الكولونياليّة والتّعافي من دمار فترة الحرب في منح الأمم المتّحدة بعضَ المكانة كممثِّل للرأي العالميّ. منذئذ، تصدّرت الولايات المتّحدة ترتيب سجلّ الفيتو، بفارق كبيرٍ، تلتْها بريطانيا، من دون أن يقاربهما أحد: فحتى عام ٢٠٠٩، استخدمتْ كلٌّ من الصين وفرنسا الفيتو ضدّ سبعة قرارات، روسيا ضدّ ستّة، بريطانيا ضدّ عشرة، والولايات المتحدة ضدّ ٤٥ قراراً، بما فيها حتّى القرارات التي تحضّ الدول على الالتزام بالقانون الدوليّ. يومئ الهيكل العظميّ في الخزانة إذ تبدّتْ طروحات ثوكيديدس مرّة أخرى١٨.

ثمّة طريقة لتخفيف هذا الخلل في توافق قمّة العالم، ألا وهي التخلّص من حقّ الفيتو، وللمصادفة، فإنّ هذا يتّفق مع تفضيلات معظم الأميركيّين الذين يرون أنّ على الولايات المتّحدة أن تلبّي رغبة الأغلبيّة وأن تكون الأمم المتّحدة، لا الولايات المتّحدة، هي الحَكَم في الأزمات الدوليّة١٩. لكنّنا سنقف هنا بمواجهة أطروحة آدم سميث التي تضمن أن تكون مثل هذه الهرطقات خارج نطاق التفكير، وكذلك الأمر بالنّسبة إلى تطبيق مبدأ مسؤوليّة الحماية على أولئك المحتاجين إلى الحماية حقاً ولكنّهم ليسوا على لائحة تفضيلات الطرف القويّ.

يحرّض الرأي العامَّ الأميركيّ اعتبارٌ آخر. فالمبادئ التي لها القسطُ الأكبر في إدارة العلاقات الدوليّة ليست منقوشةً على الحجر، بل إنّها - في واقع الأمر - باتت أقلّ حدّة على مرّ السنين بفعل التأثير التحضّريّ للحركات الشعبيّة. ويمكن أن تشكّل مسؤوليّة الحماية أداةً ثمينة بالنّسبة إلى ذلك المشروع الجوهريّ المتواصل، كما كانت عليه حال الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. ومع أنّ الدول لا تلتزم بالإعلان العالميّ، بل إنّ بعضها يرفض قدراً كبيراً منه رسميّاً (وهذا يشمل فعليّاً الدولة الأقوى في العالم)، إلّا أنّه يشكّل غايةٌ مثلى يمكن للنّاشطين اللجوء إليها في مساعيهم التثقيفيّة والتّنظيميّة، وعلى نحو فعّال في الغالب. وتقديري أنّ إسهاماً كبيراً في مناقشة مبدأ مسؤوليّة الحماية سيكون له أثرٌ مشابه، وفي حال وجود التزام وافٍ، لا نجد له آثاراً عند الطرف القويّ بكلّ أسف، يمكن أن يشكّل هذا المبدأ أهميّة حقيقيّة.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
سلطان الأقوياء على الضعفاء

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.