العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

عن المدينة بما هي لغة

لا يخلو حديثٌ عن «المدينة» من الحديث عن المكان، ولعلّ اللغة قادرةٌ على شرح هذه العلاقة التي وإن كانت تبادليّةً بين الدالّ والمدلول، إلّا أنّها - كذلك - تداوليّة، أي إنّنا بكلّ حديث وتدارس في دلالة المكان لغةً، اتّسعتْ لنا المدينة وتعدّدت، وبكلّ تعدّد لها احتجْنا للحفر أعمقَ في مفهوم اللغة مكاناً، لذا كان «المكان» لغةً هو المدخل الأنسب لموضوعة المدينة.

كلمة «مكان» مشتقّة من الجذر اللغويّ (م ك ن) بمعنى «امتلاك الشيء والتمكّن منه»١، ومنه اشتُقت كلمة «ممكن»، باعتبارها حالةً، و«إمكان» باعتبارها تربّصاً، بينما المكانُ لغةً هو «الحاوي للشيء المستقرّ كمقعد الإنسان من الأرض وموضع قيامه وإضجاعه»٢، وعليه، فالمكان هو «ممكناتُه» أو «إمكاناتُه»، فـ«تمكّن» المشتقّة من الأصل نفسه تعني: رسخ، استقرّ، ثبت في المكان، و«التمكّن» يعني القوة.

لعلّ الأصل / الجذر اللغويّ يؤسّس لفرضيّةٍ أساسيّة في ما يتعلّق بـمفهوم «المكان»، وهي أنّ ثمّة سلطةً ما يستلزمها ويستبطنها المكان، فكلّ ما يقع في مكانٍ ما، تقع عليه سلطة / قوّةٌ ما، وتوتّرات تلك القوّة / القوى، بين المكان وما يقع فيه / ضمنه، هي التي تولّد دراما المكان، والمدينة هي مكانٌ بالنهاية. ولأنّ الوجود الأوّل والأساس للإنسان يتحقّق من خلال البُنى الرمزيّة (المعنى) والمادّيّة (الجسد، كمكانٍ أوّل)، بما يفتح له باباً لتجاوُز العالم المادّيّ المحدود، وتحقيق ذاته في البُعد الاجتماعيّ الأوسع للإنسانيّة، من خلال بنيةٍ لغويّةٍ تتوسّط علاقة الذات والآخر (والعالم)، أو تربط بين الذّات والجماعة، ينبني حينئذٍ الوجودُ السرديُّ، والذي يستلزم مكاناً ما للتحقُّق، ولو في الخيال. فتمنحنا العمارةُ - كشكلٍ تعبيريّ ووظيفيّ - إمكان إنشاء عالَم، كما يقول مارتن هايدغر، يحمل معنىً رمزيّاً يعبّر عن الذات ويتماهى معها، ومن هنا جاءت المدينة، إذ يخبرنا ابن خلدون في مقدّمته: «الإنسان مدنيٌّ بالطبع، أي لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم، وهو معنى العمران»، ذلك أنّ الفاعليّة الكبرى للمدينة تنتمي للإحساس المشترك بين أفرادها باعتبارها نتاجَ علاقتهم الدراميّة المتبادَلة بسياسات الزمان والمكان والمعنى.

المدينة كلغة / اللغة كمدينة

بالتأمّل في أوضاع المدينة العربيّة المعاصرة وسياسات / دراما القوى فيها، نلحظ رابطاً بين ثلاث بُنى مركزيّة مترابطة عضويّاً هي بنيةُ الإنسان وتُجسّد إرادته التاريخيّة في البقاء / الأثر، وبنية العمران وتجسّد الامتدادَ الجماليَّ والرمزيَّ في الفراغ لذلك البقاء / الأثر، وبنيةُ السرد وتجسّد الرؤية الرمزيّة للوجود / البقاء / الأثر، وثلاثتها تتمظهر متّحدةً ومتداخلةً في السرد العمرانيّ / المدينيّ / المكانيّ.

يقول جان فرانسوا ليوتار: «يمكن النظر إلى لغتنا كمدينة قديمة، متاهةٍ من الأزقّة الضيّقة والساحات الصغيرة، ومن المنازل القديمة والجديدة، ومن منازلَ مع إضافاتٍ عليها من حقبٍ مختلفة، ويحيط بذلك كلِّه تقسيماتٌ حديثة، متعدّدة بشوارع مستقيمةٍ ومنتظمة، ومنازل موحّدة الطرز»٣، أوليستْ تلك هي مدينة؟!

في بنية السرد والعمران / المدينة تقاطع وتشابهٌ ما، وهو ما نراه جليّاً لدى فيلسوف اللغة النمساويّ لودفيغ فتغنشتين الذي اعتبر أنّ السرد واللغة يمكن النظر إليهما كما لو أنّهما «مدينة» أيضاً. فالبنايات والمدن والحواضر الكبرى هي نتاجٌ للغات ذات أنماط محددة، تتّصل في ما بينها لتشكّل نسقاً تتّضح من خلاله أشكالُ الهيمنة والسلطة، والبؤر التي تعطي معنى ما، ومعنى مقابلاً، بؤراً سرديّة مختلفةً ومتقابلة، وأحياناً متضادّة بالنسبة إلى الذّات والجماعة.

تنبني مركزيّة المدينة كفضاءٍ سرديٍّ للرمز باعتباره المكان الوحيد للتداول بين مَن هم/ن فيه، فـ«في المكان يكون شكل الموضوعات ومقدارُها وعلاقاتها المتبادلة، أو قابلاً للتحديد [....]. إنَّ المكان تمثّلٌ ضروريٌ قبليٌّ، يُتّخذ أساساً لكلّ الحدود الخارجيّة. ويستحيل علينا عدم تمثّل وجود المكان، في حين يمكننا تصوّر عدم وجود أشياء في المكان. يعتبر المكان، إذن، شرط إمكان الظواهر وليس يتوقّف عليها تحديداً»٤. من هنا يمكن فهم سياسات المكان أو الحيّز المدينيّ باعتبارها قضيّة اجتماعيّة تتبع الاستقلال النسبيَّ لسكّان تلك الأمكنة وسرديّاتهم/ن الفرديّة والجمعيّة، وتداول السيطرة لهم و/أو عليهم/ن.

يشير علينا بيار بورديو أنّ «كلّ التقسيمات الجماعيّة يجري تجسيدُها كلّ لحظةٍ في تنظيمٍ مكانيٍّ - زمانيّ، يمنح كلّ مقولةٍ مكانَها وزمانها المحدّدين»٥. ولأنّ الإنسان يأوى إلى العمران ليسجّل في فضاءاته حضوراً مرئيّاً لمقولاته عن الزمان(ـه) والمكان(ـه)، فإنّ ذلك يحدث لضمان الحاجات الرمزيّة والتواصليّة، فالعمارة والعمران هي تراكيبُ المعاني التي يستخدمها الإنسان لإضفاء «الشكل» على تجاربه وخبراته في بناء العالم. كما أنّ المدينة «هي أكثر محاولات الإنسان اتّساقاً، وعلى العموم أكثرها نجاحاً في إعادة تشكيل العالم الذي يعيش فيه بما يتّفق بدرجةٍ أكبر مع رغبات قلبه. لكنْ، إذا كانت المدينة هي العالم الذي يتعيّن عليه العيش فيه، فالإنسان بشكلٍ غير مباشر، ودون إدراك واضحٍ لطبيعة مهمّته قد أعاد أثناء خلقه للمدينة تشكيلَ نفسه»٦، بحسب عالم اجتماع العمران الأميركيّ روبرت بارك. إلّا أنَّ ثمة مَن يرى بموت المدينة، كعالم الاجتماع السوفياتيّ الراحل ميخائيل أوخوفيتش، في مقاله الشهير بعنوان «مسألة المدينة» (مجلّة سوفرمنايا أرشتكتورا - العمارة المعاصرة ١٩٢٩)، إذ يطعن فيه بقدرة المدينة على الاستجابة لتحدّيات الاجتماع الإنسانيّ، وعلاقات الإنتاج الجديدة.

المدينة العربيّة: حالة القاهرة

بين هذين النقيضين تتحرّك مدننا / سرديّاتنا، وبينهما يمكننا فهم أزمات المدينة الحديثة (عربياً، على الأقلّ)، ليس باعتبارها بنيةً خدميّة وتنظيميّة سياسيّة فحسب، إنّما باعتبارها «شكلاً» سردياً للوجود. وسنتناول هنا المدينة العربيّة «الحديثة» التي بُنيتْ بزعم امتلاكها للإجابة عن سؤال الاستعمار والاحتلال. فالمدينة، بما هي النتاج الأساسيّ للحداثة الإنسانيّة باعتبارها فضاءً مكانيّاً للزمن، ومركزاً للسرد القوميّ للدولة والمجتمع ونطاقه، بل وحتى تماهياتنا الفرديّة معها، ولكون مصنّعات المعنى الحداثيّ مركّزةً في المدن أكثر ممّا هي في القرى (كالمؤسّسات والهيئات) فقد قدّمت المدينة نفسَها باعتبارها الفضاءَ الأرحبَ للتنوّع والحرّيّات التي تعطي كلّ فردٍ فيها مساحته الفردانيّة، دون الإخلال بالسرديّة الجماعيّة. وهو ما أوضحه ابن خلدون في ما يتعلّق بالعصبية، والتي غايتُها تحويل المرتبة العمرانيّة للبشر إلى مرتبةٍ سياسيّةٍ تاريخيّة. من هنا نبعت أهميّة المدينة باعتبارها كياناً تاريخيّاً / زمنيّاً وسياسيّاً، والأهمّ سرديّاً.

لكنّ ثمّة أزمةً سرديّة ما اعترت المدينة العربيّة، فالمدينة التي قدّمت سردَها وكأنّها مدينة تاريخيّة، بدأت تتنكّر لتاريخها، وتهدمه باسم الرأسماليّة والتسليع والفساد. فالقاهرة مثلاً، وبحسب إحدى الصحف الموالية للحكومة العسكريّة فيها، اليوم السابع، و«احتفالاً باليوم العالميّ للتّراث تزفّ إلينا خبر ١٠ مبانٍ أثريّة اندثرتْ في القاهرة»٧، منها مثلاً قصر «المسافر خانه»، هو قصر محمود محرّم الفيومي أحد كبار تجّار القاهرة، أُسّس في عام ١٧٧٩، ثمّ أهداه إلى إبراهيم باشا ابن محمد علي الذي أهداه بدوره إلى ابنته فاطمة والدة الخديوي إسماعيل، ليشهد أوّل ٨ سنوات من حياته. تعرّض المبنى بعد ذلك لحالةٍ من الإهمال الشديد، ليصبح مكاناً للمخلّفات، ثمّ تعرّض القصر لحريقٍ كبير في عام ١٩٩٨ فدُمّرت أجزاء كبيرة كاملة منه. القصر الآن أطلال حوائط، ولم تتقدّم حتى الآن محافظة القاهرة أو وزارة الآثار للحفاظ على ما تبقّى من المبنى الأثريّ»٨. و«سور القاهرة الفاطميّة، سور القاهرة الذي بناه جوهر الصقلّي قائد الجيوش في بداية العهد الفاطميّ لمصر، بين عامَي ٤٨٠هـ/١٠٨٧م و٤٨٥هـ/١٠٩٢م، على شكل مربّع يبلغ طول كلّ ضلعٍ من أضلاعه ١٢٠٠ ياردة، تحيط بـ٣٤٠ فداناً يعاني من وضع مشابه. فقد اندثرتْ أغلب أجزاء السور، ولم يتبقَّ منها إلا جزءٌ من السور الشماليّ وأربعة أبواب، «باب النصر» و«باب الفتوح» في السور الشماليّ و«باب زويلة» في السور الجنوبيّ بالإضافة إلى «باب البرقيّة» الذي كان يفتح في السور الشرقيّ»٩، وهذا غيضٌ من فَيض. وحين قرّرتِ المدينة أن تتلبّس لبوس مدينة ما بعد الاستعمار، المدينة المتحرّرة، أتت المواءمات السياسيّة لتحتلّ معها السفارة الأميركيّة، والإسرائيليّة، ومنازلُ السفراء أحياءَ مركزيّةً في المدينة كانت محسوبةً على الاستعمار، فلم تعد «غاردن سيتي» في القاهرة للمصريّين، واستُبدل بالمستعمِر الإنكليزيّ، مستعمِر آخر، الأميركيّ وغيره.

لم تنتهِ موجة تذرّر الفضاء السرديّ المدينيّ وتَفتّته عند هذا الحدّ، فأتت الدولة العميقة المباركيّة ليستحوذ رجالُها وأبناء رئيسها وأزلام زوجته، على حقّ القاهريّين والقاهريّات في حكاية مدينة القاهرة، فتغيّرت اتّجاهات الشوارع في أحياء كاملة (الزمالك) بما يتناسب مع «أمن» ابن الرئيس. كما استحوذ وزير داخليّة الرئيس على أحياء كاملة له ولعائلته، ليتربّح منها، حتى أن انتهت محاكمتُه بتبرئته من تهمةٍ مطّاطة سُمّيتْ «الاستحواذ على المال والملك العامّ»، لتظلّ التساؤلات: هل يعود بتلك البراءة المدّعاةَ ليستحوذ على حكاية المدينة؟ وهل تلك الحكاية ملكٌ عامّ فعلاً؟! فالقاهرة ليست استثناءً، وإن كانت مركزيّة في حكاية المدينة العربيّة.

السرد الأوحد والهويّة الواحدة

«المدن لا تُعاش إلّا إذا كانت في حاجةٍ إلى تأليف حكايةٍ عنها، أو كانت هي في حاجةٍ إليك لتكمل حكايتها معك»١٠ يقول ياسين النصير الذي يضيف: «استثمر ديستوفسكي وغوغول وبوشكين ومالدشتام خراب وتخلّف شارع النيفيسكي في بطرسبورغ، كما استثمر ديكنز خراب المدينة الأوروبيّة»١١. لا يمكننا القول إنّ نصاً مدينيّاً سرديّاً نقيّاً هو الحلّ، لكنّ مشكلة سرديّتنا المدينيّة العربيّة أنّ التناقض الاجتماعيّ فيها على مستوى السرد والتلقّي لا يقبل التنوّع ولا التعدّد، إذ هناك هويّةٌ واحدة تفرضها السلطة المهيمِنة على المدينة / السرد، وتفرض على كلّ مَن فيها التماهي مع هذا السرد، ولو كلّفها الأمرُ محاربة أهالي المدينة / السرد وسكّانها، كما هو الحال في القاهرة ودمشق وصنعاء وطرابلس والرياض وغيرها، في ما يكاد يكون «عسكرةً للعمران». وحيث إنّ «التخطيط المدينيّ مشروعٌ اجتماعيٌّ دائمٌ لا يكتمل، مهمّته إدارة تعايشنا في الفراغات المشتركة للمدن وللأحياء بطريقة تدعم وتُثري الحياة البشريّة، وبهدف الوصول إلى عدالةٍ اجتماعيّة وثقافيّة وبيئيّة»١٢، باتت الحركة داخل نصّ المدينة العربيّة السرديّ تحدث بين طرفين عنيفين: العمران المعسكر، وما يعرف بالإبادة المدينيّة Urbicide. كلاهما ينطلقان من فكرة أساسيّة وهي قوّة السيادة (sovereignty power) التي هي بحسب الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو سلسلةٌ لامتناهية من الممارسات التراكميّة والصغيرة التي تضمن إطاعة قوانين سلطة ما أو فردٍ من الأفراد. فالمجتمعات التي تقوم على السيادة أكثر من تنظيمها لحياة النّاس، لا تهدف ممارساتُها في كلّ مكان فقط للمطالبة بالمزيد من السّيطرة على الأراضي / المكان، وإنّما لتأمين إخلاص التّابعين لها، وشكْل ظهورها الأوّل، والأكثر فجاجةً، كان العمارة الصّرحيّة، التّي تعمّق الإخلاص للقوّة السياديّة، عن طريق فرض شكل أحاديّ وثني للذّاكرة والهويّة.

بالعودة للمدينة العربيّة، تحوّلت الفضاءات المدينيّة إلى أشكالٍ تأديبيّة مجتمعيّة، عن طريق تشكيل البنية الرمزيّة للمدن ومساحاتها بما يتناسب مع سرديّة الدولة / الأب الحاكمة والأحاديّة، بما يهيمن على نشاطات الناس وأوقاتهم، وسلوكهم وعاداتهم، وبنْيتهم الرمزيّة وتداولاتهات. ولعلّ تلك الصوّر، وإن كانت ذات عنفٍ حداثيّ - كما يصفه زيغمونت باومان - سيّال، يتسرّب إلينا في اليوميّ العاديّ بكلّ مضمونه السياسيّ، إلّا أنّها أيضاً امتدادٌ لشكلٍ من أشكال العسكرة المادّيّة لتداول الفضاء العام والمدينة. يخبرنا ستيفن غراهام أنّ هناك عودةً مدينيّة لمظاهر العسكرة التي طُبّقت في المستعمرات، حيث الحدودُ القاسية ونقاط التفتيش والسياج والمناطق المحميّة والسجون، وفي وجود أحياءٍ ذات طبيعة إثنيّة وطائفيّة، ما يجعل سرديّة الدولة القوميّة / القُطريّة ما بعد الاستعمار أقربَ للمستعمِرين منهم للمستعمَرين. فمثلاً، أنشأت الحكومة المصريّة ما سمّتْها «العاصمة الإداريّة الجديدة» على أطراف مدينة القاهرة، واستوحتْ من اسم الرئيس اسماً لمسجدها، وباتت الصلاة في هذا المسجد، بكلّ ما تحمله من قيمةٍ معنويّة ورمزيّة وأخلاقيّة، مرهونة بموافقة جهاز «الأمن الوطنيّ» و«وزارة الشباب المصريّة»١٣. ولعلّ التأمّل البسيط في فضاءات تلك العاصمة يكشف لنا الآتي:

أوّلاً: كّل فضاءات تلك المدينة قابلةٌ للاحتواء والتفريغ، وبالتالي تسْهل مراقبة الفضاءات العامة فيها وضبطُها بسهولة.

ثانياً: لا مركزيّةُ المدينة من حيث كونُها بنيةً اجتماعيّة، فالمركز - حتى على مستوى الخطاب - يسهل بناء الرمز وتداوله، كما هو الحال مع ميدان التحرير، باعتباره مركزاً ورمزاً.

ثالثاً: بالرّغم من النقطة السابقة، استخدم النظام المصريُّ العسكريّ أدبيّات العمارة الصرحيّة، المتعلّقة بالدولة القوميّة ليعيد إنتاج المكان في سرديّةٍ تعمّق أبويّة الدولة والذاكرة الجمعيّة، وأثرها في المخيال الجمعيّ. بالرّغم من هذا الانفصال الواضح بين مؤسّسات دولٍ تنهار، ونظام تتقوّى أركانه، ممّا يبشّر بالمزيد من تنامي عنف الدولة المباشر والرمزيّ.

الخوف المدينيّ

ما يحدث في مدننا العربيّة هو بالأساس إنتاج حالةٍ من الحالات الذهنيّة الجمعيّة، تحوّل أفراد المجتمع الواحد إلى ضبّاط شرطةٍ وجيشٍ في خدمة السلطة، على مستوى إنتاج الرموز وتدوير الخوف الذي يبرّر وجودها طوال الوقت، ويبرّر لها كلّ إجراءاتها العنيفة. يصف سيمون تولوميلو١٤ «الخوف المَدينيّ» بأنّه مركبٌ اجتماعيّ سياسيّ يُنتَج بإحدى طريقتين، إمّا بالتشتّت المكانيّ، أو بإنتاج فضاءاتٍ عامّةٍ خاضعة للتحديد. يُنتج التشتّت المكانيّ من خلال تذرير الفضاءات العامة وتفتيتها، وجعلها فضاءات مرور فقط - وهو ما حدث بالأساس في ميدان التحرير في القاهرة - من تفتيتٍ له وتحويله إلى فراغاتٍ مقسّمة ذات أبعادٍ صغيرة ومقاسة، والتي تعمّق الفرديّة والعزلة لتعزيز «الآخريّة»، عن طريق إنتاج شكل واحد من «الذات» الموالية - حدَّ التطابق - للسلطة، مقابل كلّ «آخر» غير متطابقٍ مع ذات السلطة تلك. أمّا الفضاءات العامّة الخاضعة للتحديد، فتكرّس منعَ الفراغات العامّة من تحقيق حيويّتها عن طريق تحويلها دائماً إلى مساحة تجربة ومرور مؤقّت لا أكثر. ما يعني أنّ التخطيط المدينيّ يخلق مشاكل أكثر ممّا يحلّها. من جهة أخرى، فإنّ الخوف والأمن مرتبطان بشدّة، نظراً للدور القويّ الذي تؤدّيه خطاباتُ الخوف في تحديد الأشخاص المهدّدين أو المهمّشين أو «الآخرين»، ولعلّ هذا ما حدث في نموذجيّن أساسين من المواجهات المدينيّة، للدولة المصريّة وهو نموذجُ ميدان التحرير، والأوضح منه ميدان «رابعة العدويّة» والذي حدثتْ فيه مذبحة سُمّيتْ بالاسم نفسه، عملتْ خلالها أجهزةُ الدولة الخطابيّة والرمزيّة على إنتاج تصاوير للمعتصمين والمعتصمات في الميدان تبرّر المذبحة، باعتبار هؤلاء «آخَرَ» يهدّد «الذات» المصريّة، والأهمّ أنّه يهدّد «المدينة» المصريّة، وسرعان ما خرجتْ علينا حينها أدبيّاتٌ عن كمّ الإساءة التي يُوْقعها هؤلاء على «مظهر المدينة» وحضارتها بأشكالهم/ن المخيفة والمنتمية إلى زمن سابق، ليس هذا وحسب إنّما بنتْ تلك الأجهزة خطابَها بشأن هذه الآخريّة - الإخوانيّة - باعتبارها تهديداً ذاتيّاً للقاهريّين ومدينتهم/ن، باعتبار أنّ المعتصمين في الميدان مسلّحون وأنّهم اختاروا «ميدان رابعة» ليتمكّنوا من اتخاذ رهائن من أهالي الحيّ، وأنّ عمليّات تعذيبٍ تحدث هناك، بجانب التسليح وغيره١٥. كلّ هذه الأدبيّات لعبتْ بالأساس على مكوّن «الخوف المدينيّ» باعتباره محرّكاً أساسيّاً للفرد والجماعة في تداول المدينة كنسيجٍ حقوقيٍّ وقانونيّ ورمزيّ وليس فقط مكانيّاً.

قراءات لم تخرس بعد

كيف لنا أن نقرأ كل هذا سرديّاً؟! يُعرّف فيكتور هوغو المدينة باعتبارها «كتاباً حجريّاً»، مقارناً بين صيَغ العمارة والعمران وصيغ الكتابة الروائيّة. ولأنّ الكتابة الروائيّة هي بنيةٌ لغويّة بالأساس، فعلينا أن نعود إلى لفظة «المدينة» في اللغة، فهي في لسان العرب مشتقّة من الجذر «م د ن»، والذي يعني الإقامة في المكان، و«مَدَنَ المدينة» أي أتاها وقصَدها، و«مدَن المدائن» أي بناها ومصّرها، وتمدّن أي تخلّق بأخلاق أهل المدن، وانتقل من الهمجيّة إلى حالة الأنس والظرف والتأدّب.

ثلاثة عتباتٍ يجب أن نعبرها في قراءة النّصّ الروائيّ السرديّ ليكون نصّاً مميزاً. أوّلاً، التماهي Identification، وهو أنْ نرى تقاطعاتنا مع بعض الكيانات الرمزيّة والشخصيّة في السرد، وثانيها، الفاعليّة Agency، أي أن تنتزع تلك الشخصيّات والكيانات قدرتَها على الفعل في مواجهة سلطة النّصّ، وأخيراً وثالثاً، تحرير البؤرة السرديّة Focal Point، والبؤرة السرديّة هي المنظور الذي يُروى النّصّ من خلاله، بكلّ ما يحمله ذلك من سلطة، وأمّا تحريره، فالمقصود أن يمتلك النّصّ أكثر من شكلٍ ليُروى من خلاله. لعلّ أبرز الأمثلة وأبسطها هو أنّنا لم نسأل يوماً الذئب عمّا حدث له مع ليلى ذات الرداء الأحمر وجدّتها، إذ إنّ البؤرة التي تحكى منها الحكاية دائماً هي ليلى وجدّتُها.

ولعلّ أبرز النماذج وأكثرها فجاجةً لشكلٍ أحاديٍّ وسلطويّ للنّصّ المدينيّ السرديّ هي فكرة «العاصمة الإداريّة الجديدة» في مصر، حيث للمكان شكلٌ واحد ومعنى واحد للذّات «المصرية الجديدة» فيه، من حيث طبقتُها الاجتماعيّة والاقتصاديّة ومواقفُها السياسيّة، لتتحوّل تلك العاصمةُ وسكّانها إلى مكانٍ يجمع فيه أشخاصاً يكادون أن يكونوا متطابقين في ذاتهم وآخرهم، ما يقتل أيّ إمكانيّةٍ للتنوّع، ويحوّل تلك السرديّة المدينيّة إلى سرديّة عنيفة.

بالتأمّل في الحراك الثوريّ العربيّ الذي انطلق من ساحات المدينة العربيّة وميادينها، أمكننا أن نلاحظ حجم محاولات استرداد الحقّ السرديّ في المدينة، عن طريق تحرير البؤر السرديّة المتمثّلة في الميادين العامّة والمساجد، والمؤسّسات العامّة والجامعات، حينها تماهى العديد من المواطنين والمواطنات مع بعضهم/ن البعض، وانتزعوا فاعليتهم/ن في تشكيل نصّ مدنهم/ن، وحكاياتهم فيها. تلك العلامات السيميائيّة المتوتّرة في النصّ السرديّ تأخذ شكل توتّراتٍ مكانيّة أيضاً، إذ ثمّة علاقة بين شرعيّة تلك العلامات وخطاباتها السرديّة المكانيّة والعنف - وهذا أمر بادٍ في المدينة العربيّة - حيث سياساتُ الذاكرة والنسيان والذاتيّة والآخرويّة والطمس والإظهار واضحةٌ، وحادّة وفجّة، بهدف فرض «حمولةٍ ثقافيّة دالّة على شكلٍ معيّن من القيَم وتؤيّد علاقات القوى»١٦ المهيمنة، في محاولةٍ لتحويل المدينة إلى «طروس» لسلطة الأب الرئيس المخلّص، والطِرس هو «المكان» الذي تُكتب فيه النصوص وتمّحى لتُكتب نصوصٌ أخرى فوقها. إلّا أنّ ثمّة ما يميّز طروس المدينة العربيّة في حّراك شعوبها الثوريّ، وهو أنّها لم تستسلم بعد، ولا تزال خاضعةً لقراءاتٍ لم يُخرسها عنفُ الكتابات.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.