العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

من سويسرا الشرق إلى هانوي العرب

تاريخ مختصر لصورة بيروت

«بيروت، الشوارع في سُفن،

بيروت، ميناءٌ لتجميع المُدن»

محمود درويش، «قصيدة بيروت»

يصعب تصوّر مدينة١ أشدّ تماهياً مع دور، بل تَتابع أدوار، منعكسة عليها من خارج، قدر ما هي بيروت منذ قرابة قرنين من الزمن. هي مدينة منذورةٌ للتمثيل، يُنظر إليها من خارج، ومنه يجري تصميمها وتخيّلها وتكوينها. عليها انعكستْ مصالح أوروبا ورغبات الداخل العربي وتصوّراته المختلفة، التي ما لبث سكّانها أن تبنّوا هذه وتلك، واستنبطوها، وأعادوا إنتاجها وتعميمها، مغذّين بذلك الكليشيهات المختلفة التي كثيراً ما استُخدمت لتعريفها.

مدينةٌ خياليّة؟ هذا وصفٌ سهل جدّاً. الأحرى أنّها مدينة في غياب البديل، كما يقال في برامج الحواسيب. لجيرانها في الداخل، المتعطّشين لوَاحات، تبدو مدينة أوروبية تتكلّم العربية، للأوروبيّين تتمظهر بما هي مدينةٌ شرقيّة مُصابة بالحداثة. صُوَرها المختلفة، التي غالباً ما تدور حول وظيفتها بما هي صلة وصل، ترزح ثقيلة على المدينة، والأدوار التي ينعم بها الغير عليها تبدو كما لو أنّها صادرةٌ عن رسالة دهريّة تارةً وتارة أخرى على أنّها تعبيرٌ عن ضرورة جغرافيّة أو أحكامٍ طبيعيّة. الاختزال سيّد الأحكام هنا. فمنذ زمنٍ اختلطت صورة لبنان بصورة عاصمته وبتمثّلات تلك العاصمة، وقد جرى اختزالها، في كثير من الحالات، إلى مينائها ووَسَطها التجاريّ والليالي الحُمر في شارع الحمرا برأس بيروت.

ولادة مدينة حديثة

بيروت مدينة حديثة. كانت ميناءً صغيراً زمن الفينيقيّين، و«بيروتوس» الشهيرة زمن الرومان، الذين بنَوا فيها مدرسة الشرع الشهيرة. لعبتْ دوراً لا يُستهان به زمن المماليك الذي افتتح صِلاتها التجاريّة بالمدن الإيطاليّة. لكن بسبب تعرّضها لانتقال طرق التجارة وتقلّب مصائر الغزاة، تقلّصت إلى بلدةٍ صغيرة مطلع العهد العثمانيّ. كان لـ«أساكل الشرق» (من الأصل التركي، وهو جمع إسكلة أي ميناء) حينها أسماءٌ أخرى: عكّا، صيدا، طرابلس.

المدينة الحديثة هي نتاج القرن التاسع عشر العثمانيّ والاستعمار الأوروبيّ. بعدما اكتشفها إبراهيم باشا خلال فترة حكمه الوجيزة لسورية (١٨٣١ - ١٨٤٠) اكتسبتْ بيروت، زمن متصرفيّة جبل لبنان، دورها بما هي المنفذ الوحيد للجبل إلى الخارج والمخزن والمرفأ لتجارة برّ الشام. تحوّلت المدينة إلى صلة الوصل الرئيسة في المبادلات الكولونياليّة، تصدّر الموادّ الأوليّة والمنتجات الزراعيّة من حرير وحبوب وقطن وزيت من الساحل وجبل لبنان والداخل العربيّ، وتستورد في المقابل السلع المصنّعة أو «المنتجات الكولونياليّة»، القهوة والشاي وأنواع البهارات، الواردة من آسيا وأفريقيا عبر مارسيليا ولندن. ومع تولّي دمشق الوراثة التدريجيّة لدور حلب بما هي المدينة الرئيسة للداخل السوريّ، تَشكّلَ محورٌ تجاريّ جديد هو محور دمشق - بيروت، احتلّت بيروت فيه دور الميناء الرئيس للداخل العربيّ والآسيويّ على البحر الأبيض المتوسط.

شجّعت اتفاقيّاتُ حماية التجّار الأجانب على استقرارهم في بيروت وزيادة عدد السكّان المحلّيّين الذين يمارسون الفعاليّات المرتبطة بهم: موظفو القنصليّات، المترجمون، المراسلون، أو وكلاء رؤوس الأموال والمصالح التجاريّة الأوروبيّة. كذلك كان النموّ السريع لبرجوازيّةٍ تجاريّة ماليّة وصناعيّة مرتبطة باقتصاد الحرير وبالوظيفة المرفئيّة للمدينة: مستوردو بزر القزّ، مصدّرو فيالج الحرير أو الحرير الخام، وأيضاً وفي الوقت ذاته، مصرفيّون، أصحاب حلّالات الحرير، مستوردو المنتجات المصنّعة، وسطاء وسماسرة بين التجّار الأجانب والفلّاحين، وبين تجار الجملة وتجّار التجزئة، وأخيراً مرابون يراكمون الأموال ويثرون عن طريق إقراض المال للفلّاحين مقابل رهن محاصيلهم، بما يجبرهم على بيعها لهم بأبخس الأسعار سداداً لديونهم.

تقديرا لأهمّيّتها في تجارة المتوسّط، عمّد العثمانيّون بيروت عاصمةً لولاية جديدةٍ سُمّيت على اسمها في العام ١٨٨٧، فاحتلّت المكانة التي كانت سابقاً لصيدا بما هي مرفأ دمشق والداخل العربيّ. وإذا بموجات النزوح المتتالية التي أفرغتْ جبل لبنان من قسمٍ كبير من سكّانه، هرباً من حوادث العام ١٨٦٠ الدامية في جبل لبنان، تُسهم في تعزيز دور المدينة الوسيط وتمكين سيطرتها على المناطق الطَرفيّة. أصبحت بيروت مركزاً لشركات النقل البحري (ومنها «ميساجُري ماريتيم» الفرنسية الشهيرة)، وإذا بتجّارها والمرابين يُقرضون «الناولون» (ثمن تذكرة السفر) للمرشّحين للهجرة مقابل رهوناتٍ وفوائدَ فادحة، فيما «قبضاياتها» ينظّمون تهريب البضائع والبشر بين الولاية و«متصرفيّة جبل لبنان» ذات الاستقلال الذاتيّ داخل السلطنة العثمانيّة. إلى هذا كلّه كانت مصارف بيروتَ ومكاتب الصيرفة فيها تستقبل تحويلات المغتربين إلى أهلهم، وقد قُدّرت قيمتها عشيّة الحرب العالميّة الأولى بنحو مليون جنيه إسترليني سنويّاً.

خلال تلك الفترة أيضاً بدأتْ بيروت تستقبل رؤوس الأموال الفرنسيّة والأوروبيّة التي أخذتْ تستثمر بكثافةٍ في اقتصاد الحرير، وأيضاً في البنية التحتيّة ووسائط النقل. في العام ١٨٥٨ افتُتحت أعمال طريق بيروت - دمشق، الشريان الرئيس الذي سوف يصل المدينة بالداخل السوريّ، تديرها شركةٌ عثمانيّة ذات رؤوس أموالٍ فرنسيّة. وقد قدّر جاك طوبي أنّها كانت الشركة الأوفر ربحاً بين مجموع الاستثمارات الفرنسيّة في السلطنة العثمانيّة٢. افتُتحت الطريق في العام ١٨٦٣ وفي العام ذاته انعقدت أوّل صلة تلغرافيّةٍ بين بيروت وأوروبا.

نالت شركاتٌ أوروبيّة امتيازاتٍ أخرى عن طريق وجهاء محلّيّين ما لبثوا أن دخلوا في شراكات معها: امتياز مرفأ بيروت، امتياز «شركة سكّة حديد دمشق، حماة وملاحقها» DHP و«شركة جرّ وكهرباء بيروت» TEB و«شركة غاز بيروت» وشركات أخرى سوف تشكّل الركائز الاقتصاديّة للانتداب الفرنسيّ على سورية ولبنان. أمّا رؤوس الأموال البريطانيّة، وقد كانتْ ذات موقعٍ أقلّي، فكان عليها الاكتفاء بتقاسم رؤوس الأموال الفرنسيّة في شركات توليد الكهرباء.

كان الانفجار السكّانيّ للمدينة مدهشاً: تضاعَفَ عدد سكّانها من٤٠ ألفاً العام ١٨٥٠ إلى ١٢٠ ألفاّ في نهاية القرن، عندما شكّل المسيحيّون، ومعظمهم نازحون من الجبل أو من دمشق بعد «حوادث الستّين»، نصف عدد السكّان. ومن معالم تحديث المدينة المتسارع أنّها كانت تحوي ١٧ نزلاً وفندقاّ، منها «فندق بسّول» الأشهر في «حيّ الزيتونة» على شاطئ البحر، وتعرض خدمات عشرات الأطبّاء والصيادلة، أكثرهم من المسيحيّين واليهود.

ابتداءً من العام ١٨٦٠ بدأ وجهاء بيروت يشيّدون الفِلل والقصور ذوات النسق المعماريّ الإيطاليّ على التلال المُشرفة على المرفأ: «الأشرفيّة» شرقاً و«زقاق البلاط» غرباً، فيما تنمو أحياءٌ جديدة بسرعة، منها الباشورة والمُصيطبة الهادئتان يسكنهما التجّار والموظّفون، والجمّيزة والبسطة الشعبيّان المرتبطان بالمرفأ، أمّا رأس النبع، فحيٌّ قديمٌ يجري تحديثه بسرعة على امتداد طريق الشام. في الوقت ذاته، تبدأ المدينة في ضمّ المزارع والقرى المجاورة: برج البراجنة، الغُبيري والشيّاح، التي سوف تشكّل مجتمعةً بعد قرن من الزمن ضاحية المدينة الجنوبيّة ذات الغالبيّة الشيعيّة.

والحال أنّ ذلك الربع الأخير من القرن شهد تَفتّح دَور بيروت التعليميّ والثقافيّ الذي سوف يتغذّى من جملة عوامل: الانتفاضات الشعبيّة والعامّيّات الفلّاحيّة ضدّ نظام المقاطعجيّة، نموّ العلاقات مع أوروبا، دور الإرساليّات، اليسوعيّة والبروتسطانتيّة، وظهور قاعدة ثقافيّة ثريّة من الصحف والمطابع والكلّيّات والجامعات، سوف تَمحض المدينة الدور الأوّل في نهضة الآداب والثقافة العربيّين.

نصٌّ تأسيسيّ

بين كُتّاب تلك «النهضة» ظهرتْ إرهاصاتُ ما يمكن تسميته «مخيال بيروتيّ». سوف تفرد الصحف والمجلّات أبرز مساحاتها للظواهر التي رافقت النموّ العمرانيّ والتجارة بما هي القطاع الاقتصاديّ المميّز، رائد التحديث المفترَض، وذلك بالمقارنة مع القيمة التقليديّة التي كانت تتمتّع بها الوظيفةُ الحربيّة والمُلكيّة العقاريّة. هنا يحدث انقلابٌ في المنظور، يشير إلى تحوّلٍ جذريّ في سلّم القيَم الاجتماعيّة.

يقدّم لنا الصحافيّ والكاتب سليم البستاني (١٨٤٨ - ١٨٨٤) نصّاً تأسيسيّاً لأسطورة بيروت هو أيضاً واحدٌ من أوائل نصوص الاقتصاد السياسيّ للمدينة. في مقالٍ منشور بعنوان «مركزنا»، يعرّف البستاني بيروت والجبل المجاور بما هما مركز «الأمّة الشرقيّة» التي تكاد تطابق «سورية الطبيعيّة» في حدودها. وبقصد إبراز أهمّيّة هذا «المركز»، يشبّه البستاني «الأمّةَ الشرقيّة» بالجيش، بحيث يقع «المركز» في القلب منها، أي الموقع الأشدّ منعةً والأكثر امتيازاً، يكتب قائلاً:

«لنا قوّة حتى أقاصي الغرب فنرى الأمّة الشرقيّة مع اختلاف طوائفها ومذاهبها مجتمعةً في بلادٍ

يلاصق بعضها بعضاً ونحن في الوسط وهو أقوى مراكز الجيش وهكذا نرى أنّ لنا من القوّة الطبيعيّة ما يكاد يكون أقوى قوّة في العالم...».

وفي غمرة التبجّح المعهود في ذلك العهد، يظهر لأوّل مرّة موضوع وحدانيّة بيروت، مصدراً أبديّاً للحسد والغيرة.

انطلاقاً من تلك المكانة المميّزة، يترتّب على المدنيّة أن تضطلع بدور اقتصاديّ يناسب موقعها الجغرافيّ: دور الوسيط الاقتصاديّ بين الشرق والغرب. ها إنّ استعارتين قد فرضَتا نفسيهما - «الباب» و«البطن» - وهما متناقضتان ما دامت الثانية توحي بالانكفاء على النفس والأولى بالانفتاح.

بالنسبة إلى البستاني بيروت هي، أو يترتّب عليها أن تكون، «الباب الذي يدخل منه الغرب إلى الشرق ويتّصل من خلاله الشرق بالغرب». وهي نظرةٌ محكومة إلى ابعد حدٍّ بالتخييل الكولونياليّ: شرق مؤنّثٌ «ينفتح» لاستقبال «دخول» الغرب. لكنّها أيضاً نظرةٌ تتطابق وتقسيم العمل الكولونياليّ الذي يحكم أن يكون الشرق مصدراً للموادّ الأوّليّة والمنتجات الزراعيّة ومستورداً للسّلع المصنّعة.

هكذا فـ«قدَر» بيروت أن تكون الباب الذي منه يصدِّر الداخلُ السوريّ منتجاته الزراعيّة نحو أوروبا «بلد الحضارة والرّفاه»، أوروبا التي «تطير على أجنحة البخار والبرق»، ذلك أنّ «مغناطيس المحصولات في هذا العصر هو ثروة الغرب وصناعته المتقَنة». هنا ينمو توزيعٌ جديد للعمل داخل «الأمّة الشرقيّة» ذاتها بين ساحلٍ، منذور للتجارة، وداخلٍ منذور للإنتاج الزراعيّ.

وظيفة «الباب» تُضارعها وظيفة «البطن». في أحد أوائل النصوص التي تتحدّث عن النموذج الفينيقيّ، يقترح سليم البستاني على أهل بيروت أن يقتفوا أثر أسلافهم «الذين نجحوا في أن يكونوا الأمّة الأولى في العالم القديم. فها هُم عرفوا أنّهم مصبٌّ لغنى الشرق يجذب إليه ثروة الغرب ويجمع عندنا المكاسب التي نجمعها من الجهتين جمعَ سلامة». وها هو البستانيّ يُنبئ بالمستقبل الزاهر لمدينته، وفق صيغةٍ عضويّةٍ من شأنها إثارة إعجاب الفيلسوف والناقد الفرنسيّ غاستون باشلار «أصبحنا، ونِعم الصباح كالبطن من الإنسان يعيش بتعب اليدين والرجلين، وهو محمولٌ مكرّم»٣.

لقد وُلدتْ أسطورة، أسطورة الوسيط القادر على أن يجني الأرباح من هذه الجهة وتلك من القطبين اللذين يتوسّط بينهما. إنّنا في حقبة التراكم الأوّليّ لرأس المال التجاريّ، وهي حقبة اكتناز المال وحرّيّة التجارة في الآن معاً.

سويسرا فينيقيّة

كان هذا الدور الاقتصاديّ يبحث عن فضاءٍ سياسيٍّ يؤطّره ويمنحه الشرعيّة. إنّه «لبنان الكبير»، الناجم عن الاستقطاع الكولونياليّ وفْق اتفاقيّة سايكس - بيكو التي سوف توفّر لبيروت إطاراً يليق بطموحاتها، إذ ضمّ إليها جبل لبنان والبقاع وشمال البلاد وجنوبها. هنا التقى البحر والجبل لتكوين مساحةٍ تجمع «الطوائف الدينيّة التاريخيّة» والأقلّيّات في المنطقة. وها أنّ نموذجاً أوروبيّاً يخدم الغرَض: إنّه النموذج السويسريّ، الذي يضمّ في كيانٍ سياسيٍّ واحدٍ الأقلّيّات الناطقة بالألمانيّة والإيطاليّة والفرنسيّة.

لم تكن فكرة «سويسرا الشرق» جديدةً بذاتها: كان الشاعران الفرنسيّان لامارتين وجيرار دُ نيرفال أوّل من أشار إلى الشبَه بين جبل لبنان وبلد جبال الألب، حيث وصَفه الأوّل بما هو صيغةٌ شرقيّة من سويسرا بما يسمح بتقريبه من القرّاء الأوروبيّين. سرعان ما تسيّست الصيغة وجاءت البشارة للّبنانيّين بأنّه قُدّر لهم، بمساعدة فرنسا الحنون، أن يكونوا سويسرا الشرق. على أنّ ذلك الوعد سوف يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يتحقّق. فخلال نقاشٍ في «الجمعيّة الوطنيّة» الفرنسيّة حول أحداث ١٨٤٥ الدامية وما أدّت إليه من تقسيم جبل لبنان إلى قائم مقاميّتين، واحدة مسيحيّة والأخرى درزيّة، توجّه النائب دُ ملڤيل إلى وزير الداخلية باسم ذلك الوعد قائلاً «منذ بضعة أيّام، كان مساعدوك وأصدقاؤك يعلنون: يجب أن نجهد بحيث يصير لبنان مثل سويسرا. أمّا بالنسبة لي، سيّدي الوزير، فجلُّ ما أطمح إليه هو ألّا تحّولوا لبنان إلى بولونيا جديدة»٤. فمنذ انطلاقته، كأنّما من قَبيل التنبّؤ، كان للنموذج السويسريّ نموذجُه النقيض: تقسيم بولونيا.

جرى الاستحواذ المحلّيّ على النموذج خلال الانتداب الفرنسيّ، في تركيب مدهشٍ ربط بينه وبين بعث الأسطورة الفينيقيّة. كان اقتصاد الحرير بالكاد قد استعاد نشاطه من الأزمة التي هزّتْه خلال الحرب العالميّة الأولى عندما انهار كلّيّاً خلال الثلاثينيّات فأثار موجةً ثانيةً من الهجرة أدّتْ إلى نزفٍ سكّانيٍّ غزير من جبل لبنان خصوصاً. في نصٍّ ذي نبرة نبوئيّة، يصف الكاتب أمين الريحاني، المغترب في الولايات المتّحدة، هذا الأثرَ المزدوج للهجرة وانهيار اقتصاد الحرير:

«هي الضَيعات الضائعة، تحلّ محلّها البطالةُ والكسل والقنوط. هي المعامل المقفلة تعزّيك بها والكنائس... والأديرة للرهبان والراهبات. هي الثروة الذاهبة تندبها الصحف... والأزياء الفرنجيّة... هي الكرامة الوطنيّة ترفل بالحرير النباتيّ وتأكل خبزها مغموساً بعرق أفريقيا»٥.

في هذا المناخ الدراميّ ورَدَت للمرّة الأولى إمكانيّة أن يعيد جبل لبنان تدوير اقتصاده لينمّي قطاعَي الاصطياف والسياحة. كانت الفكرة جزءاً من مشروع «الفينيقيّين الجدد» وهم مجموعة مثقّفين مسيحيّين منبثقين عن برجوازيّة بيروت الناطقة بالفرنسيّة، متحلّقة حول «المجلّة الفينيقيّة» أبرزهم شارل قرم وميشال شيحا وألبير وألفرد نقاش وفؤاد خوري وجاك ثابت وسعيد عقل، يَدعون إلى بعث فينيقيا بما هي هويّةٌ ثقافيّة وقوميّة متمايزة عن العرب، تقوم على نموذج اقتصاديٍّ يتمحور حول التجارة والمبادلات. جعل «الفينيقيّون الجدد» من ثنائيّة سويسرا / فينيقيا المعادلَ الرمزيّ لثنائيّة الجبل / البحر، وهي الثنائيّة الجغرافيّة التي أَسّست لقيام «لبنان الكبير».

كان الاختصار مغرياً والمحاجة لا تعوزها الجرأة: سوف تخدم فينيقيا بما هي نموذجٌ للنشاطات التجاريّة والخدميّة والماليّة في بيروت والساحل، فيما تصير سويسرا نموذجاً للجبل وقد تحرّرَ من الفقر والمجاعة. في بلدٍ «يفتقر إلى رأس المال الماليّ» بات بالإمكان أن يستثمر في «وفرة رأس المال - الجمالي ورأس المال - المناخيّ» وكلاهما موصوفٌ بما هو «فريد في العالم»، عن طريق تنمية السياحة والفَندقة والاصطياف، على أمل اجتذاب «أثرياء سورية وفلسطين ومصر وحتى أوروبا» والإفادة بذلك من «ثروات الأمم». ظهر في السنوات الأولى من الانتداب الفرنسيّ، يبلور هذه المحاجّة بتفاصيل وفيرة «من أجل تحويل لبنان إلى سويسرا الشرق: وصف للظروف السياسيّة والاقتصاديّة والسياحيّة للبلدين»٦.

نمَتْ أدبيّاتٌ كاملة حول موضوعة «الخلاص» الذي سيسمح للشعب المعذَّب من تجاوز المحنة، فيما شارل قرم، مؤسّس «المجلّة الفينيقيّة» يغنّي بالفرنسيّة «الفقر المكابر» للفلّاحين، ويبزّه سعيد عقل، بالعربيّة، مفاخراً بالجبليّين - المغتربين الذين «من صخر وشذى أرز كفايتهم / زُنودهم، إن تقل الأرضُ، أوطانُ». هكذا الهجرة، منظوراً إليها بما هي رسالةٌ ألفيّة لشعب بأكمله، تصير التعبير الأسمى عن «روح الحرّيّة والمغامرة الذي لا يُقهر» والذي ورثه اللبنانيّون من أسلافهم الفينيقيّين. أخيراً سوف يصير الجبل ذاتُه، وقد جرى تقديمه بما هو «مأوى الروح والإيمان» بمثابة المَطْهر لمدينةٍ تجاريّة مستسلمة للقيَم الماليّة.

خزنة الكنوز

مع نَيل لبنان استقلاله العام ١٩٤٣، سوف تلتفت الأنظار إلى الوجه الاقتصاديّ من النموذج السويسريّ. بعيد الحرب العالميّة الثانية «يتعَولم» الاقتصاد اللبنانيّ المتمحور حول بيروت قبل عصر العولمة٧. تتكاثر تعريفات الدَّور الجديد الذي تضطلع به المدينة، نلقاها بنوعٍ خاصٍّ في كتابات ميشال شيحا، المصرفيّ والصحافيّ والسياسيّ وأبرز دعاة العقيدة اللبنانويّة: «ساحة عامّة»، «صلة وصل»، «محطّة تجاريّة»، «سوق»، «مفترق طرق»، «منطقة تبادل حرّة»، «رأس جسر»، «مستودع»، إلخ٨. ثمّ إنّ الاقتصاد اللبنانيّ الحرّ المنفتح على الخارج والمتمحور حول القطاع الثالث سوف يتعزّز عن طريق النموّ اللافت (وإن يكن عشوائيّاً) لقِطاع مصرفيٍّ يستقبل دولارات النفط المتدفّقة عليه من أقطار الخليج والجزيرة إضافة إلى رؤوس أموال لاجئةٍ من مصر وسورية هرباً من التأميمات. هكذا تغتني كناية «البطن» بمضمونٍ غير مسبوق وبمفرداتٍ جديدة تعبّر عن تحوّلاته: «صرّة»، «مخبأ»، «خزنة»، «قفص»، وغيرها من صُورٍ تتكاثر للدلالة على دور بيروت المشتهى.

في العام ١٩٥٦ أقرّ البرلمان اللبنانيّ قانون السرّيّة المصرفيّة ليشكّل الإطار القانونيّ لتلك التحوّلات. هكذا اكتملت الاستعارة السويسريّة بوظيفتين بَنى عليهما ميشال شيحا تصوّره للنّظام اللبنانيّ: الطوائف المسيّسة هي نظير كانتونات الكونفدراليّة الهلڤيتيّة، وخزنة الأموال هاربة ومُهرّبة، تتمّثل بالبنوك السويسريّة ذات الأرقام السرّية لإخفاء المال الوسخ.

لبنان - خزنة - الكنوز ذو حضورٍ وازن في مسرح فيروز والأخوين رحباني الغنائيّ. يشكّل الخيط الواصل لنحو عشرين من الغنائيّات، التي أنتجوها بين ١٩٥٨و١٩٧٥ والتي تدور مدار ثلاثيّة «الغريب / الكنز / الأعجوبة». «الغريب» طامعٌ بـ«كنزٍ» مكنون في الضيعة، يسعى للاستحواذ عليه ويقاومه الأهالي، تنصرهم «الأعجوبة». وفي منوّع آخر، يحتجب الكنزُ بسبب نزاع يقع بين أهالي ضيعتين، ولن يظهر إلّا بعد المصالحة بينهم، في توريةٍ بالكاد مخفيّة عن السلْم الأهلي الذي يلي الحرب الأهليّة - الشرط الضروريّ لظهورٍ لمعجزة الازدهار الاقتصاديّ الذي انحبس بسبب النزاع الأهليّ. في مسرحهم الغنائيّ مطلع الحرب الأهليّة يلجأ الرحابنة إلى منوّع آخر من منوّعات ثلاثيّ الغريب - الكنز - الأعجوبة. تتولّى البتراء، مدينة الأنباط، تمثيل وجهٍ آخرَ من الدراما اللبنانيّة: التدخّل الخارجيّ الطامع بالكنز وبالدَّور الاقتصاديّ معاً. فالمدينة - الدولة الصحراويّة، هي محطّةٌ للقوافل ومخزنٌ لكنوز المنطقة وثرواتها، يعتمد ازدهارها والاستقلالُ على قدرتها على الدفاع عن حرّيّتها في وجه القوى العظمى التي تسعى لبسط هيمنتها على المنطقة كلّها. هكذا تصير بترا، حيت الثروة المادّيّة تترافق والحضارة، رمز النضال ضدّ الإمبراطوريّة الرومانيّة. وها هي رواية النزاع على لسان ملكة بترا في تنويع الجديد على منوال الخزنة والباب:

«روما بدّا تسلب كنوز الشعوب، وبترا ما بدّا تخلّي الشرق يفرغ من حضارته، من المال. من الجواهر،

من التماثيل اللي نحتها نبوغ الإنسان، لهالسبب فتحنا خزنتنا حتى تقدر المناطق الخاضعة للحكم الروماني تهرّب كنوزها لعنّا. خزنة بترا صارت التحرّر وصارت المعركة»٩.

هكذا تتجلّى شروط النزاع: الخزنة المنيعة في وجه أقوياء العالم. ومع أنّ صورة الخزنة التي تحرِّر لا تنتمي إلى عالم البدهيّات، يبذل الرحابنة محاولةً - ليست موفّقة كثيراً - لجمع طرفَي رمزيّة بيروت والمصالحة بين الدَّورين الأساسيّين للمدينة: دور «الباب» = التحرّر، ودور «البطن» = الخزنة.

من الواحة الثقافيّة إلى هانون الثوريّة

«ساحة عامّة»، «منطقة حرّة»، «رأس جسر»، هذا ما تصيره بيروت تدريجيّاً، ليس لرؤوس الأموال المادّيّة وحسْب وإنّما أيضاً لرؤوس الأموال البشريّة، بمجرّد ما تقع البلدان المجاورة فريسة أنظمةٍ استبداديّة. ابتداءً من ستّينيّات القرن الماضي، تستقبل بيروت زهرة الإنتليجنسيا العربيّة التي تلجأ إليها، تنتج فيها وتنشر أعمالها، في فضاءٍ من الحرّيّة والتسامح يقع على طرفَي نقيضٍ مع المناخ الإقليميّ السائد.

في «قصيدة بيروت» يثير الشاعر الفلسطينيّ محمود درويش المفارقة التي تتحكّم ببيروت - الأندلس الجديدة، صلة وصلٍ متفارقة بين «شرق» و«غرب» حين يكون الشرق أحياناً عكس الغرب وأحياناً أخرى مرآته وسلْعته. لكنّ بيروت الشاعر الفلسطينيّ المنفيّ تتجلّى في وجهين: إنّها «الخيمة الأخيرة» للشّتات الفلسطينيّ لكنّها أيضاً «نجمته الأخيرة»: أي أنّها، في الآن ذاته، ملجؤه الأخير والنقطة المضيئة التي تقود مسيرته لتحرير وطنه المحتلّ. وها نحن مجدّداً في إزاء استعارتَي «البطن» / «الباب».

إذا كان دخول الشاعر الفلسطينيّ المنفيّ إلى بيروت يبدو بديهيّاً، فإنّه ليس كذلك بالنسبة إلى اللبنانيّين الوافدين من الأطراف. حسن العبد الله، الشاعر القادم من الجنوب، ابن جيلٍ اقتُلع من أرضه وقَذف به البؤس والحرب نحو العاصمة، يصطدم بسؤالٍ وجوديٍّ جعله عنواناً لأوّل دواوينه، «كيف أدخل في الوطن؟»، ديوانٌ عبّر فيه العبد الله عن العلاقة التصادميّة بين المركز والأطراف، بين المدينة المزدهرة والأرياف المحرومة. فإذا بيروت المضيافة، المفتوحة على الرياح الأربع، بيروت التي تفتح أذرعتها للغرباء القادمين من خارج، تدير ظهرها للداخل، للشاعر الجنوبيّ وأترابه الذين هجّرهم البؤس الريفيّ من قراهم، وتُوصد بابها في وجوههم.

لا يرهم أن تؤخذ الاستعارات دوماً على محمل الجدّ!

مزيداً من الانزياح والاستبدال! الأسطورة الثقافية عن بيروت الأندلسيّة تحلّ محلّها ابتداءً من سبعينيّات القرن الماضي، أسطورة أخرى، أقلّ هناءةً من الأولى: إنّها أسطورة هانوي الفلسطيّنيين. انتُخبتْ بيروت عاصمةً لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة بُعيد «أيلول الاسود» في الأردن، العام ١٩٧٠، وإلى عقدين من الزمن بعده، نظر الثوار العرب إلى بيروت على أنّها «رأس جسر» لتحرير فلسطين. مع أنّ ياسر عرفات كان يأمل أن يقايض المساحات التي كان الفدائيّون يسيطرون عليها على ارض لبنان مقابل دولةٍ مستقلّةٍ في فلسطين، فالأكثر جذريّة بين الثوار رأوا في العاصمة اللبنانيّة نقطة انطلاقٍ لقلب نظام دوليّ يكرهونه. نحو بيروت تدفّق ثوريّو العالم العربيّ من مصريّين وعراقيّين وسوريّين ويمنيّين ومن أبناء الجزيرة والخليج، ووفَدَ معهم وفي أعقابهم من الذين خابتْ آمالهم من الثورات المُجهضة عبر العالم، من مناضلي أيّار ١٩٦٨ وأعضاء الفيالق الحمراء في العالم أجمع، وأبرزهم الجيش الأحمر اليابانيّ - تدفّقوا من كلّ حدب وصَوب. فكان للحرب الأهليّة اللبنانيّة، «الفيالق العربيّة» و«الفيالق الدوليّة»، على غرار ما كان للحرب الأهليّة الإسبانيّة (١٩٣٦ - ١٩٣٩)، مناضلون يخوضون على الأرض اللبنانيّة حروب استبدال أو حروب التعويض عن حروبٍ لم يستطيعوا، أو لم يشاءوا خوضها، على أرض بلادهم.

بيروت - هانوي للفلسطينيّين؟ مهما يكن، كانت «هانوي» نقيضها. عندما احتلّ الجيش الإسرائيليّ بيروت في صيف - خريف العام ١٩٨٢، أخذ وزيرُ الدفاع الإسرائيليّ آرييل شارون بالمقارنة الفيتناميّة حرفيّاً، فقد اعترف للصحافيّة الإيطاليّة أوريانا فالاتشي بأنّه، في بيروت التي تحاصرها قوّاتُه، كان يشعر بأنّه يثأر للإهانات التي تعرّض لها الجيش الاميركي في... فيتنام! سوف يذهب رئيس وزرائه، مناحيم بيغن، أعمق من وزير دفاعه في عمليّة الاستبدال التاريخيّة. خلال الأيّام الأكثر دمويّة من حصار بيروت، كتب بيغن إلى رونالد ريغان، الذي قيل إنّه صُدِم لمرأى صوَر الأطفال اللبنانيّين والفلسطينيّين ضحايا ارتكابات «تساحال»: «أنا في بيروت أطارد آخر فلول القطعان النازيّة في برلين المحاصَرة...».

ثمّة سينما هوليووديّة في الجوّ! واليوم، وبعدما ذهبت إلى نهايات فانتازماتها، إلى حدّ أنّها دمّرت نفسها بنفسها، تجد بيروت نفسها مشتّتة، تبحث عن دورٍ جديد تؤدّيه، ولا مَن يعرضه عليها. إنّها أشبه بشخصيّات بيرانديللو: مدينةٌ تبحث عن مؤلّف.

ولكن، من يدري؟ لعلّ بيروت مثلها مثل الممثّلين الهرميّين الذين ينتفضون بعد فترة بطالة / فراغ، بعد فقدهم القدرةَ على لعب الأدوار الحاذقة أو الأدوار التي يؤدّيها النجوم الشباب، عشيّة مباشرة العمل في مهنةٍ جديدة.

لقد أجاد ايتالو كالڤينو التعبير حين قال: «المدن، مثلها مثل الأحلام، مصنوعة من رغباتٍ ومخاوف». بالمعنى ذاته، يمكن القول إنّ بيروت هي المدينة بلا منازع: مصنوعةً من رغبات ومن مخاوف... الآخرين.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
تاريخ مختصر لصورة بيروت

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.