العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦

شهادة عبد الحليم كركلا

تطوير الألحان التراثيّة على إيقاعات الجسد

زكي ناصيف نبع بحدّ ذاته١ تأثّر الجميع بجملته الموسيقيّة بشكل أو بآخر. هو انعكاس شعبيّ لكلّ الحالة التراثيّة بكلّ معنى الكلمة. هو ابن الأرض والعرس والموّال والعزاء وما يمثّل ذلك الزمن من قيَم، وبالتّالي لن تستطيع الأجيال القادمة أن تأتي بزكي ناصيف آخر.

كان أوّل لقائي بزكي ناصيف عبر أخي سعيد التي تولّى مهامّ إدارة موقع قلعة بعلبك وكان مثله منتمياً إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وأذكر الليالي اللبنانيّة الأولى في بعلبك العام ١٩٥٧ عندما تطوّعت مع حوالى ١٢ شاباً من أبناء المنطقة وأعضاء الحزب بشكل غير رسمي، لتوزيع أوراق تذكر أسماء الأغنيات التي لحّنها زكي كي يتعرّف الناس إلى أعماله، وقد كوّنت جزءاً كبيراً من البرنامج. أسعدت} زكي هذه المبادرة وقرّبتني إليه.

 تفرغتُ للعمل الفنّي بعد الحصول على بطولة لبنان والدول العربيّة في رياضة القفز العالي، واشتركت مع الفرقة الشعبيّة اللبنانيّة (الأخوين رحباني) إلى أن قمت بتأسيس فرقة كركلا. رحّب زكي بدعوتي للتعاون الفنّي خصوصاً بعدما اُستُبعد عن المهرجانات رغم أنّه رائد العمل الفلكلوريّ في لبنان، وكانت فرصة مناسبة له ليعود مجدّداً بزخم إلى العمل الفلكلوري الذي أحبّه وشغف به.

تخلّلت السنوات الأولى من عملنا المشترك بعض التباينات في وجهة النظر حول منهجيّة العمل التي كنت أسعى إليها ومحورها الرقص بالدرجة الأولى ومن ثمّ الموسيقى والغناء، إلى أن أخذت الأمور مداها الرّحب في العمل الثالث وهو "طلقة النوْر". فكنت أرغب أن أتخطّى ذاتي في كلّ عمل وأبحث عن آفاق جديدة في المواضيع والألحان والتوزيع الموسيقي. أصبح زكي أكثر حماسةً وانفتاحاً للتجديد في تعامله مع الفلكلور، وعاش حالة فنيّة متجدّدة لأنّ الفنّ تجربة. كان هو بحاجة إلى مَن يستطيع احتضان هذه التجربة ولوضعها على نار حامية بحيث يصبح بمقدوره أن يشهد على تنفيذ أعماله وتطوّرها.

تبنّى زكي مشروع كركلا وكان همّه أن ينجح هذا المشروع ويكمل مسيرته، وخلال ١٨ سنة من العمل المشترك لم يطلب منّي أيّ بدل مادّيّ رغم صعوبة وضعه المادّي. قال لي أنا سأعمل والمطلوب منك فقط النجاح. ولا بد من الإشارة إلى أنّ زكي كان هو مسؤولاً عن حالة كركلا، وكان أحد دعائم نجاحها. وتلك المراحل هي من أسعد المحطّات في حياتي، وقد تكلّلت بوجود زكي الداعم لأعمالي. في العام ٢٠٠٠، تغيّر أسلوب فرقة كركلا ولغتها الفنّيّة، وانتقلنا إلى مرحلة جديدة من العمل الفنّي.

 زرتُ زكي في المستشفى قبل أسبوع من رحيله. شعرت بأنّ هذا اللقاء قد يكون الأخير، فرقصت له "عالعميّم عالعمام" أمام سريره، وقبّلت يديه. لم تفارق الضحكة وجهه ولم يتكلم إلّا دعاءً بالتوفيق. لا أنسى هذه اللحظات. لولا هذا الإنسان قد لا يكون كركلا مثلما كان وأصبح الآن.

هذا المقال متوفر للمشتركين فقط. إشترك هنا.

تطوير الألحان التراثيّة على إيقاعات الجسد
العدد ١٥ - خريف ٢٠١٦