العددان ٣-٤ خريف ٢٠١٢ / شتاء ٢٠١٣

شهادة من صبرا وشاتيلا: يوميات التيه

النسخة الورقية

كانت النسوة يلطمن على وجوهن ومنهن من يشددن شعرهن من الألم. أجساد متراكمة بلا انتظام، أمام البيوت وفي الأزقة وعند الجدران. أجساد متراكمة لرجال ونساء وأطفال، أحياء قتلت حياتهم برصاصة هنا، هناك بحبل، هنا بسكين، هناك بمطرقة. بقايا أعضاء بشرية بهت عمرها، أجساد تطل من بين الانقاض. هنا واحد وهنا عشرون وهناك مئة، كلها متراكمة وكأن كل واحد حاول حماية الآخر. صرخات ألم. عويل وأنين. أوجاع. نهايات دون بدايات. حياة مقتولة أو مبتورة. أي كابوس أخير. أي تمزق أخير لمن مات أو لمن بقي حيا؟ لم يعرف الأحياء الفرق بين الموت والحياة بل تمنوا لو كانوا في عداد الموتى لكي يتوقفوا عن الشعور بالألم ومشاهدة بشاعة المجزرة.

الخبر والأخبار، الصورة والصور، الوعي واللاوعي... أصابني الذهول والجمود، كل الانفعالات تجمدت في خلاياي من هول البشاعة. أتكون أحداثاً واقعية أم كوابيس يقظة؟ هل حدث شيء ما في تلك الأيام؟ الحواجز الاسرائيلية القريبة والتي حاصرت كافة مخارج المخيمات لم تلاحظ أي حركة عير اعتيادية. كل شيء بدا هادئاً، والمجزرة كما خطط لها تمضي ليلاً ونهاراً تحت سيطرة الجيش الاسرائيلي.

صبرا وشاتيلا اسم للمستحيل. أتذكر رواية «مئة عام من العزلة». يوم قرأت تلك الرواية شعرت بالبشاعة وهول العنف والاضطهاد. لم أتخيل آنذاك أن المشاهد سوف تتكرر في القرن العشرين:

«كانوا على الأقل ثلاثة الآف»

من تقصد؟

«القتلى»

نظرت اليه المرأة بإشفاق « لا يوجد قتلى هنا ولم يحدث شيء في ماكندو من عشرات السنين. بالتأكيد أنك كنت في حلم».

بين الضحايا الدكتور سامي وهو طبيب أطفال. انسان عصامي، أتم دراسة الطب في القاهرة. كان يحلم بعد الحرب بالذهاب الى بريطانيا لمتابعة تخصصه في رعاية حديثي الولادة. لم يغادر بيروت عند نهاية الحرب فشعوره بالواجب الانساني دفعه الى تأجيل سفره والبقاء في مستشفى عكا الواقع عند مخيم شاتيلا. لم أحاول منذ تلك الأيام معرفة تفاصيل تلك الجريمة، بل أردت الاحتفاظ بتلك الصورة التي عايشتها له.

عملت طبيبة أطفال في تلك الفترة. لم يرحم القصف الاسرائيلي المستشفيات ولا المخيمات ولا الأطفال ولا الشجر ولا الماء ولا الحياة! منذ اليوم الأول للقصف تقرر نقل مستشفى الأطفال الواقع قرب مخيم شاتيلا الى موقع أقل عرضة للقصف. الموقع الجديد هو عيادة طبيب في منطقة الحمرا. هنا تعلمنا العمل في ضوء الشموع، المعاينة ووضع الأمصال. هنا اضطررنا الى لف الأطفال الخدج بالقطن فالعمارة ليس فيها مولّد كهربائي. الأطفال يعانون دون كلمات ليقولوا مشاعرهم، بعضهم يتشبث بأهله كأنهم على وشك فقدانهم للأبد. في أحد الأيام وصل طفلان رضيعان نجيا من القصف. أحدهما لم يتجاوز الأسبوع الأول من عمره، فالحبل السري لم يسقط بعد. سمّينا الاول سٍامي والثاني خالد. بدأ سامي يعاني من التهاب خطير وفارق الحياة خلال أيام. كنت قد أقنعت صديقة لي بتبني سامي بعد انتهاء الحرب. أذكر أيضاً وصول امرأة على وشك الولادة، كان القصف شديداً بعد منتصف الليل، وكم خفت أن تحتاج الى عملية قيصرية، إذ في تلك الليلة كان من الصعب نقلها الى أي مستشفى. كان لا بد من بقاء بعض الاطفال معنا للعلاج، ولكن كان هناك مشكلة تنقّل الأسر من منطقة الى أخرى حسب مواقع القصف وربما استحالة عودتهم الى المستشفي في الايام التالية. بالطبع الأطفال لا يفهمون معنى الانذارات الاسرائيلية وما أن يتوقف القصف فهم يحتلون الشوارع الضيقة ويخترعون ألف فكرة لاسقاط طائرة، لانهاء الحرب، لكيفية العودة الى البيت.

في مساء آخر وصلت امرأة تصرخ من الخوف والذعر وهي تحمل طفلها في حالة غيبوبة. كانت قد قصفت الطائرات السيارة التي نقلتها، فمشت لساعات في الحقول لحين الوصول الى منطقة مأهولة. الطفل مصاب بعدة كسور في رأسه وهو بحاجة الى عملية جراحية. أذكر طفلة في عامها الخامس تعاني من التهاب رئوي، كانت تئن طوال الليل: أمي. صوتها الضعيف تحوّل الى هذيان، والقصف المستمر كان يصعّد اضطرابها وقلقها. في المستشفى، أعايش كل يوم مشهد كل هذه الأجساد المجلوطة حتى العظم. أدرك أنه ما من قنبلة يمكن أن تصيب أرواحهم المتماسكة المنيعة أبداً.

أرى الأمل واليأس. أرى حزن النساء العميق في عيونهن. أرى الألم الصامت في قلوب الأطفال. أرى جمال خضرة الأشجار. أرى الأشياء عارية حتى الروح. ولكني أشعر بالاضطراب فليس ثمة معجزة لانقاذ الآخرين ولا حتى نفسي.

من يوميات الاجتياح الاسرائلي

لم أسمع ضوضاء الطائرات. فجأة ينفجر الكون، تهتز الجدران، يتناثر الزجاج، تنقلب المناضد والصواني. هناك احساس بشيء ينتزعني من الأرض، يعصف بي، يبعثرني في الفراغ. يلهث قلبي، يجف حلقي، ترتعش جزئيات جسدي. هل هذا تعبير أخير عن الحياة؟ عن الروح قبل أن تغادر الجسد؟ يقرع قلبي في ايقاع مجنون، هل يصمد؟ يكاد يغادر جسدي. فهل يعود؟ هل يقدر على مواجهة التفتت، هل يقدر على حمل الحياة الى كل الخلايا التي تبدو الآن بعيدة؟ تهتز الجدران وتكاد تطبق فوق صدري. يعقب الانفجار نوع من الفراغ. فراغ يحملني إلى عالم أشبه بأعماق البحار. تتوسع شرايين الرأس. الألم يعتصر أذني. في هذا اليوم مسّ الرعب قلبي وقلب كل انسان. رأيت الموت مشرعاً أمام عيني.

أولى خفقات الصباح يمزقها هدير سرب من الطائرات يشق السماء. انفجارات. صمت. ضجة رهيبة تعلن اقتراب الطائرات حتى قبل أن اراها في السماء. رؤيا خاطفة. الإعصار في صمت الصحراء. أتكون رؤيا القيامة؟ أصبحت السماء مرهقة من الضجيج واليقظة والموت. البوارج في عرض البحر بلونها الرمادي تبدو نذير شؤم تجول بالموت على طول الشاطئ.

مع أول خيوط اليقظة قلق ما يُجفف شفتي. إنه قلق معاش. قلق ولد في شبه حالة الغفوة حيث ترقد الكوابيس. قلق يعشش بين ثنايا يدي في زوايا شفتي، في شوارع أفكاري. انه قلق الوضوح. القلق/ الرؤيا. الموت يكاد يلتصق بي. الموت المبكر غير المتوقع قد يذيبني كإعصار قاتل. قد يلغي أصدقائي ومدينتي التي أحب. هل يتحول جسدي إلى قوس رفض هذا الصباح؟ صور جامحة تهزني وتكاد تعمي عينيّ. انها لحظات حياة، طفولة من بكاء وفرح، صور من حياة لم تكتمل، تملأ الذكريات مخيلتي، ترشح في جسدي، من خلاياي.

تقزمت مظاهر الحياة وتحولت إلى صمت. كأنني غادرت الأرض إلى كوكب آخر. إلى حضارة أخرى قرأت عنها في كتب التاريخ. الطريق مثقلة بالأحزان واليأس. تكتسي شوارع المدينة ببريق أحمر. ظلال المارين القلائل. رائحة الدخان لا تطاق. كأن المشهد جرء من مسرح الظلال الياباني. رمادية الحرب تفقد كل شيء لونه، اعصار جامح يلتهم كل ما في طريقه.

في شارع منزلي، السلالم مفتوحة على السماء. تلاشت معظم الشرفات. وبنايتي انشرخت واجهتها وهوت من على جانب واحد وكأن من بناها أطفال عبثة. يختلط أثاث البيوت مع حجارة العمارات، بينما يجر بعض السكان ما استطاعوا انقاذه من راديوهات، بطانيات، ملابس، وبعض الصور والوثائق كأنها آخر ثروة لهم في هذا العالم. من خلال الثقوب التي أحدثتها القذائف، تظهر نباتات خضراء تحولت إلى صفرة الموت نتيجة العطش، وبقايا ستائر ترفرف عبر الزجاج المهشم. على شرفة بيتي شجرة صبّار صمدت، بينما ماتت الأخرى من العطش والوحدة والضجيج. شرفتي تبدو معلقة بين الأرض والسماء ولو خطوت نحوها ربما أهوي إلى الأرض من الطابق السابع. في هذا البيت الذي رددت جدرانه أصداء موسيقى أعشقها، حيث ألقت النباتات بظلالها على الجدران، كل نبتة لها قصتها الخاصة لتخلق غابتي الصغيرة. ورفوف الكتب، كل كتاب يشهد على مرحلة من مراحل نضجي. في هذا البيت كل ذلك ينتمي الآن الى الفراغ. في زاوية من الرف وجدت صندوقاً صغيراً حفظت به صور ورسائل من شبابي. أحمله بين ذراعي كأنه كنز اكتشفته. يا له من اغتيال للحياة.

الحياة المقتولة

الطرقات مفتوحة الأحشاء، هنا ترقد أكوام من بقايا بيوت مدمرة، وقطع خشبية تفحمت، وحديد منقوش بالدخان الأسود، ستائر متناثرة قطعاً صغيرة، الشوارع تكاد تخلو من الحياة. كل شيء يبدو غير حقيقي.

يتملكني شعور ألّا أغيب عن لحظة من النهار أو الليل. كلما حاولت النوم كان يهجر عيني، حتى عندما كان يتراقص أمام عينيّ ويضغط على جفنيّ. وبدلاً من أن يغلبني النوم ويسري في جسدي، كنت أعيش تلك الرعشة التي تصحب اليقظة المفاجئة بعد غفوة قصيرة. آنذاك تتنبه عيناي وأذناي وجسدي وأرهف حسي إلى أقل خفقة إلى أبعد همسة. إلى أقرب انفجار. ولكن ليتني أغفو ليلة كاملة. ليتني أنسى الحرب ليلة كاملة.

أشعر بأن قلبي ينبض بسلام هذا المساء. أتشبث بالليل حتى بزوغ الفجر. أتابع تبادل النهار للزمن مع الليل. لحظة التقاء حيث يتساوى ضوء الليل والنهار. ثم تتفتح أزهار النهار. تزين الأفق بنورها. هناك تولد الشمس عند اكتمال المخاض. المخاض. ها قد ولد النهار. بماذا تعدني اليوم ايها الفجر البهي؟

أسير في الليل الضرير فوق حجارة متكلسة، شظايا قنابل، أشلاء أمتعة ممزقة، باطون متشقق، ملابس ممزقة، كتب مهانة... أدوس على التاريخ. أتعرّف إلى الناس من خلال ظلالهم الغريبة، أتعرّف إلى الشوارع من خلال معالمها المتبقية. أمضي بصمت، أترنح حزناً. أي صيحة/ كلمة يمكنها أن تقول هذا الشعور: لماذا قتلت الحياة ببساطة؟

السفن الرمادية تجوب البحر، تقتل زرقة البحر، تؤرق الأسماك. أشعر بأن العدو يراقبنا بالمنظار، يراقب بيوتنا. يتابع مشهد الحياة المستمرة. الحياة المبتدعة خلف كل نافذة رغم جنون القصف. أهبط الأدراج تجاه الشاطئ. ينفتح البحر أمامي. يستقبلني بفرح. أفرح لرؤية البحر عن هذا القرب. أتنفس حتى أعماق رئتي. أسمع هدير الأمواج. وأنسى لدقائق ذلك المشهد الهاجس من الطابق السابع. ماذا لو تحولت زرقة البحر إلى الأحمر من جراحنا؟

أعرف اليوم وبالرغم من كل الأهوال التي عشتها أنني لا أطيق رؤية الألم والبؤس والموت، لا أطيق رؤية طفل يتألم. أيمكن أن أحلم وأن أتمنى لو أن العدالة في هذا العالم ترتكز على المبادئ الانسانية وحكمة البشر وحلم البشر بأرض تحترم كيان كل منهم؟ أعتقد أن العنف والحروب ليست طريقاً لحل النزاعات، فالحرب أسهل من السلام واستعمال الأسلحة يمكن تبريره حتى عندما يستحيل ذلك! لا بد لكل طرف من القناعة وقبول فكرة حقوق الآخر والتقاء في مكان ما. قد يبدو ذلك خياليا لكنه ممكن على هذه الأرض، لو حاول الانسان رؤية الآخر بعقل مفتوح وقلب صادق ونوايا انسانية.

بيروت

أصبحت بيروت عزيزة وغالية مثل الأصدقاء والأهل. فهي تشاركنا أيامنا ومصيرنا.

أصبحت بحجم الروح المطلقة. في هذه المدينة ماتت كلمات وولدت أخرى. أصبح لها معنى المعاش. كلمات أصبحنا نلفظها بدمنا وقلبنا. كلمات مثل حصار، ارادة، عطش، مقاومة صار لها تاريخ.

لكل منها صور حيّة في الذاكرة.

مدينة محاصرة

علّمتني طفولتي أحرف الأبجديّة.
وعلّمتني بيروت لغة الحياة،
لها أقمت مزارا في قلبي.
كيف تتألم المدينة
كما أتألم أنا وأنت؟
بيروت مدينة الروح، جسدي يعانقك.
هل أنا
شاهد أم متفرّج؟
كيف اوقف دقّات الضمير على جدران قلبي؟
كيف نصدّ الفيضان؟
في بيروت رأيت جدران العالم
المشيّدة من بارود وحديد مشتعل،
في بيروت عرفت معنى الحياة
ولمست جوهر كينونة الانسان.
آه بيروت، ابقي معي
واحمي ايقاع روحي،
من أجل الأمل
من أجل عالم بلا جدران.

العددان ٣-٤ خريف ٢٠١٢ / شتاء ٢٠١٣

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.