العدد ٣٢ - ٢٠٢١

النزعة الاستهلاكية من منظار بودريار

ترجمة أسامة إسبر

 

مجتمع الاستهلاك

أقدّم هنا قراءة للنزعة الاستهلاكية كما رآها جان بودريار. لا أزعم أن قراءتي تمثّل وجهة النظر النهائية لبودريار الحقيقي. فضلاً عن ذلك، أظن أن بودريار نفسه سيقول إن كلماته لا تمثل وجهة النظر النهائية لبودريار الحقيقي، ولم يحدث في الحقيقة أن كان هناك «بودريار حقيقي». لا بأس إذًا في هذا. توفي بودريار عام ٢٠٠٧، وتستند قراءتي هذه إلى كتابه المجتمع الاستهلاكي الذي ألّفه في ١٩٧٠، وأعتقد أن حجته صحيحة الآن كما كانت من قبل.

ليس من السهل جدًّا فهم بودريار ككاتب. ربما هناك شيء ما ضيّعَته الترجمة، لكنني أشك في ذلك. اتُّهم بالغموض المتعمّد، وهذا يعني بحسب ظني «أنه صعب الفهم على نحو متعمد». إن الفرضية التي انطلقتُ منها هي أنك إذا كتبتَ شيئًا غامضًا ومشوّشًا، فإن كل من لا يفهمونه أو يشعرون بالتشوّش منه يجب أن يلوموا أنفسهم على أنهم متبلّدو الذهن وغير قادرين على فهمه. لكن في الحقيقة إن كل من يستخدم عبارة «الغموض المتعمّد» في نقده هو أكثر من منافق نوعًا ما. إن المنادين بضرورة الحفاظ على وضوح اللغة الإنكليزية يمكن أن يكرهوا جرأته. وأغلب ظني أنه ذهب إلى ما وراء رغبة شرح الأمور بطريقة مبسّطة.

إن محاولة تلخيص بودريار في نقاط تمرينٌ عقيم. عوضًا عن ذلك، من الأمثل أن نقرأ كتاباته كما نقرأ الشعر: نترك الكلمات تتدفق فوقنا، وفي نهاية الأمر نسأل: ما الذي عنَته لنا؟ أو ربما كنا متبلدي الذهن بحيث لم نقدر على فهمها. (وكان يمكن أن أضيف تأويلاً سياسيًّا خفيفًا لم يكن هناك).

ما جذبني إلى تحليل بودريار للاستهلاك ولماذا أعتقد أنه جديد، هو أنه لا يتحدث عن القوة بل عن المعنى، إذ غالبًا ما تفترض النظريات الاقتصادية التقليدية أن جميع البشر عقلانيون ومدفوعون ذاتيًّا ومولعون بالاكتساب وأن بوسعك أن تبني نظامًا يوجّه هذه الدوافع ويستغلها كي يشجعنا على العمل من أجل الصالح العام.

يقول بودريار إن الأنظمة التي تنشأ تستمرّ لأنها مستقرة وتقاوم التغيير، وأن ما يجذبنا للمشاركة في هذه الأنظمة هو أنها تقدّم لنا فحسب طريقة هادفة للتفاعل مع المجتمع. من هذا المنظار يمكن القول إنه حتى أولئك الذين في مواقع القوة هم ضحايا للنظام.

استهلاك جليّ

إن الفكرة القائلة بأن الرأسمالية تدفعنا إلى الإفراط في الاستهلاك تعود على الأقل إلى ماركس، لكن بودريار واصلَ طرحَ السؤال: لماذا؟

نحن محاطون بأشياء تُنتج بكميات هائلة، ويبدو كأنه ليس لها فائدة جليّة. يقول بودريار إن قيمتها لا تُستمد من وظيفيتها بل من معناها الثقافي. يصبح فعل الاستهلاك حدثًا اجتماعيًّا. إن الحشود الأكبر والأكثر تكرّرًا التي نراها هي متسوّقو صباح السبت، ونقوم بمحاكاة سلوكهم لأن المحاكاة تعبّر عن رغبتنا بالانتماء إلى القطيع. ونحن لا نتصرف على نحو متفرّد، بحرّية وباستقلالية وبأصالة، بل نعبّر عن رغبة الجميع بأننا يجب أن نتسوق. إنها الراحة المحببة لذهنية القطيع. لا نرى جمهور الأفراد المنفصلين الذين يجلسون في المنزل ولا يشترون. إن حقيقة أن الاستهلاك جليّ هكذا هي ما يجعلنا نفكر أنه عادي، لكنه ليس هكذا.

لا يعبّر طقسُ التسوق عن نفسه في السلوك فقط بل أيضًا في الهندسة المعمارية. ذلك أن مولات التسوق تصبح إقطاعيات تدير ذاتها بذاتها وتمتلك قوانينها الخاصة وعملاتها الخاصة وثقافتها الخاصة ومناخها الخاص. إن كل ما تحتاج إليه هذه المولات كي تنفصل كليًّا عن البلاد التي تقع فيها أن يكون لها أحياؤها الخاصة بالمستهلكين. ثم نحتاج إلى أن نضيف سلطات جوازات السفر على الحدود، حينها يصبح المول كيانًا جيوسياسيًّا مميزًا. وعلى كوكب تتفوق فيه الشركات على الحكومات، هذا ليس بعيد المنال.

التمايز الاجتماعي

إن الحقيقة الأولى التي يجب أن نضعها في أذهاننا حول الإعلان هي أنه يعمل. إنه صناعة تدرّ مليارات الدولارات لأن الشركات ذكية بما يكفي كي تدرك أنها إذا عرّضتْكَ بصورة متكررة إلى رموز مبنية بشكل مخادع، ستزيد الاحتمالات الإحصائية أن تشتري تفاهاتها.

(إن التفاهة هنا مصطلح تقنيّ يعبّر عن أي سلعة لا تمتلك أي قيمة استمرارية واضحة).

يعمل الإعلان من خلال التلاعب بالرموز. فهو لا يهدفُ إلى أن يبيعنا أشياء، بل حاجات. إن حاجتنا لسيارة رياضية أمر تافه بشكل جليّ لكن حاجتنا كي نصبح جزءًا من سرد اجتماعي يصنَّف فيه الناس وتضفى عليهم مرتبة على أساس مشترياتهم هي حيوية لنا كالأوكسجين أو الماء. نَقبَل نظام الأحكام هذا حتى حين يُحكم علينا بصورة سيئة بسببه لأننا نحتاج إلى أن نعيش في عالم ننظر فيه إلى الناس ونصنّفهم كأعلى أو أدنى منا. نضيف صدقية لنظام كهذا بالقول فقط: «أريد سيارة سباق»، وعلى الرغم من أن هذا يؤكد أننا أدنى مرتبة، فإنه يجعلنا سعداء لأن العالم حولنا الآن صار له معنى أكبر. ورغبتنا بالمعنى تتفوق على رغبتنا بالنجاح.

في متناولنا أزرارٌ من السهل الضغط عليها. تعلّمنا الإعلانات أننا نمتلك الحق بأن نستهلك بهذا القدْر. ويستهلك الناس الأقل استحقاقًا منا بهذا القدر. لا تعمل الإعلانات من خلال إطلاق تصريحات حول ملكية الأشياء بل من خلال جعلك ترى رمزين في الوقت نفسه وتعتمد على دماغك لربط الاثنين.

يتواصل نظامنا القائم على الإفراط في الاستهلاك القسري والمرَضي من خلال تقديم حلول مزيّفة لمشاكل مزيفة. وكما لا تشبعك الرقائق لا يُرضي التلفزيون فضولك لكنه يتركك راغبًا بالمزيد. يعرض لنا صورَ المتعة الفعّالة ما يجعلنا نشك بحيواتنا المستكينة، وبدلاً من إطفائه والخروج إلى العالم، نعود كي نشاهده في الأسبوع التالي ظنًّا منا أنه قد يكون هناك مفتاح ما حول كيفية تغيير حياتنا لتصير مثل الحيوات المعروضة علينا على الشاشة. يقدّم لنا التلفزيون قصصًا عن الأبطال، عن الأشخاص الذين حققوا إنجازات عظيمة لأنهم لم ينتظروا إذنًا كي يفعلوا هذا، لكننا لا ندير له ظهورنا لآننا نؤمن بأنه من خلال مشاهدة حيوات أولئك الذين توقفوا عن كونهم مجرد مشاهدين، نستطيع التوقّف عن كوننا مجرّد مشاهدين.

كيف يتعامل نمط الحياة هذا مع الخطيئة المتأصلة التي تنشأ من السلبية ومذهب المتعة؟ يُقال لنا إن الجشع المتجسّد هو «دعم للاقتصاد»، وإن عدم الاهتمام بالسياسة «تواضع وتسامح». تستخدم النزعة الاستهلاكية لغة التحرير كي تبيع. لكن هذا التناقض واضح، فنحن لا نتحرر حالما نشتري سلعتنا، بل نصبح أقل تحررًا لأن شعورنا المستقبلي بالحرية يرتبط بكم نستطيع أن نستهلك من الأشياء المماثلة.

الهدر

إذا كانت النزعة الاستهلاكية تدفعُ عجلةَ الاقتصاد، فهل يجعل هذا الأمر النظامَ أكثر فعالية؟ للأسف كلا. تتطلب النزعة الاستهلاكية الهدر.

يؤدي الهدر وظيفة اجتماعية. فهو ليس مجرد عدم كفاءةٍ سيكون النظامُ في النهاية قادرًا على تصحيحه. ثمة صلة جوهرية بين الوفرة والهدر. يشير الهدر إلى الوفرة. إن الحسابات المصرفية ملكية خاصة لكن اليخوت والسيارات الرياضية والقصور عروض العامة. إن المال المودَع يمتلك فقط قيمة محتملة، أي غير مرئية، فلا قيمة له بالتالي، عليك أن تبدده كي تبرهن أنك كنت تملكه. يُضفي الإعلان قيمةً على الأشياء التي لم تُشترَ بعد، عن طريق طرحها من الأشياء المشتراة. يقول لك إن ما تملكه لا قيمة له ويجب أن يحلّ مكانه شيء آخر سيصبحُ بدوره بلا قيمة. تَعتمد قيمة شيء ما بالتالي على عدم امتلاكك له. إذا توافرت سلعة بوفرة، تفقد قيمتها كعلامة على المكانة. لكن الطلب البشري لرموز المكانة يقتضي منا أن نبتكر طرقًا جديدة كي نستعرضها. إن الموضة هي القيمة المضافة التي تمنحها «الجِدّة» لشيء ما. تَمتصّ الموضة القيمة من كل شيء تمتلكه، وتضفي قيمة على ما لا تملكه. تصبح الأشياء ضحايا نجاحها. تُمنح السيارات القيمة بقدرتها على نقلك إلى أي مكان. وتتجرّد السيارات من قيمتها لأن جميع الأشخاص الآخرين اشتروا سيارات وهم الآن في الطابور أمامك بانتظار الخروج من التقاطع الذي لا يمكنك عبوره، وهذا يعوق قدرتك على الذهاب إلى أي مكان. إن أسوأ عدو للسيارات هو المواصلات، كما أن أسوأ عدو للذين يقضون العطل هو السياح. يتدفق السياحُ إلى الأمكنة التي لم يغزها السياح بعد، ثم بعد أن تتعرض لغزو السياح، يتوقف السياح عن المجيء اليها لأنهم جعلوها سياحية جدًّا. تخضع العطل لـ«تأثير هايزنبرغ»: لا تستطيع الذهاب إلى جنة غير ملوّثة لأن الذهاب إليها يلوّثها.

تبرّر الأشياء وجودَها فتكون بذلك سبب وجودها المستقبلي. يشتري الناس الأشياء لأنها صُنعت. ثم يَصنع أشخاص آخرون المزيد من الأشياء لأن الناس اشتروها. تتوسّع الجيوش لأن جيوشًا أخرى تكبر. لا نستطيع أن نحلّ جيشنا إذا لم يُسرِّح الجميع جيوشهم أولاً، لكن كل طرف ينتظر الطرف الآخر. المنطق دائري هنا، لكن هذه هي طبيعة أنظمة كهذه. إننا نعيد صياغة المقدّمة ثم نجعلها نتيجة، فينخدع المتلقّي ويظنها نتيجة مختلفة. نلعب الأدوار التي حددتْها لنا الأنظمة التي توجد لأنها تديم نفسها من خلال جعلنا نلعب هذه الأدوار. إذا قلنا إن الأنظمة تلبي احتياجاتنا وإننا نختار بوعي منا أن نشارك فيها كجزء من عقد اجتماعي عقلاني، فإننا نخلط بين الوجود والنفعية. إن حقيقة وجود شيء ما لا تعني أنه نافع أو أن وجوده يجب أن يتواصل.

إن المجتمع الاستهلاكي بالتالي هو سيرورة دائرية، يحتاج إلى أن يخلق وأن يستهلك وبعد ذلك أن يدمّر الأشياء. هذا وقود طريقتنا في الحياة وسيكون أيضًا سبب هلاكنا. يَمنح التدميرُ معنى للأشياء. ويشكل الاستشهاد الرسالة السياسية النهائية. يمتلك فن النفايات قيمة أعلى من الفن الرقمي القابل لإعادة الإنتاج، والذي يسخر منه العالم الفني. ولقد سرّتْ أضحياتُ الطعام في أوقات الجوع الآلهةَ أكثر مما سرّتها في أوقات الوفرة. إن نهائية زمننا على الأرض تضفي حزنًا عميقًا على كل لحظة عابرة، ليس لأن أي شيء جيّد حصل في تلك اللحظة بل لأنها عبرتْ. يفسح التدمير المجال لمزيد من الإنتاج، والذي يمكن أن يدمر في النهاية لفتح طريق كي يأتي مزيد من الإنتاج.

عواقب

إن علم الاقتصاد علم أعْمته النزعة التجريبية. إن كل ما يُحصى يُمنح قيمة، وكل ما لا يُحْصى لا وجود له. يُنظر إلى الوقت الذي تمضيه في الذهاب إلى العمل كإنفاق استهلاكي فهو بالتالي أمر جيد. بيد أنه من الصعب قياس وعثاء السفر ونوعية الهواء وتأثيره في الصحة وجودة الحياة، بالتالي هذه أمور لا وجود لها. إن كل ما يُصنع يُعد شيئًا جيدًا لأنه صُنع فحسب، سواء كان جهاز إنذار ضد السرقة، مسدسًا، أو قبّعة طريفة لا تخدم هدفًا محددًا. بيد أن من الأصعب قياس رأس المال الاجتماعي. إن قوة الثقافة والشعور بالجدارة والقيمة كمواطن في نظام ديموقراطي والكبرياء المحلية، والشعور بالأمان وأنت تسير إلى منزلك في الليل، والرغبة في رد الجميل للمجتمع، كل هذه الأمور من الصعب أن تترجم إلى أرقام فلا تمنحها النزعة الاستهلاكية بالتالي أي قيمة.

إن كثيرًا من مؤشرات النمو والثروة هي في حد ذاتها أعراض تورّم اقتصادي خطير. تحلّق مبيعات المياه المعدنية لأن السبب هو تدنّي جودة مياه الصنبور. ويتزايد بناء المستشفيات لأن المرض الذي يسببه نمط الحياة المترف أو حوادث السير يتزايد. يجب ألا نخلط بين النمو والتقدم. إن النمو يعني المزيد، والتقدم يعني الأفضل. لا تعني كمية الصفقات والرسائل والمبيعات والصادرات أن الأمور أفضل الآن. إن عاقبة الوفرة أننا نطلب المزيد والمزيد من الموارد. تتحسن مستويات الحياة ويصبح من الأسهل إنجاب الأطفال ويزداد عدد السكان. وعلى كوكب محدود، تقود وفرتنا إلى دمار الموطن الطبيعي والاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري إلى درجة أن الاحتباس الحراري للكوكب الذي سببه البشر يمكن أن يصل إلى نقطةِ تَحوّل تجعل المحيط الحيوي غير قابل للسكنى. ستقتلنا الوفرة إذا لم نكبحها.

وحين يصبح النمو دائريًّا يصبح طفيليًّا. يتغذى من النمو المستقبلي. يفقد الاستدامة. شيء ما يجب أن يتقوّض. في نظام محدود، ينمو شيء واحد دومًا على حساب شيء آخر. إن كوكب الأرض لعبةُ محصّلةٍ صفرية، لا رابح ولا خاسر فيها. حين يتمدد البشر، تتقلص الطبيعة. لن يحدث هذا إذا مُنحت الاستدامة أولوية على النمو. إن النمو غير المستدام الذي يتطلبه المجتمع الاستهلاكي نموّ سرطاني.

العدد ٣٢ - ٢٠٢١

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.