العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

الوجه الآخر لثورة ١٩١٩ المصريّة

ثورة فلّاحي الهماميّة

«إن كان لقصّة صعود المقاومة الوطنيّة للاستعمار أن تحكى باتّساق، فيجب أن نغفل إستراتيجيّاُ دور عوام الناس»

كاياتري سبيڤاك١

«هل الاستحالة شبه الكاملة لاستعادة أصوات العوامّ استعادة مباشرة تعني أنّه لا يمكننا الوصول إلى خبرة الناس في قاع المجتمع ووعيهم؟»

جويل بينين٢

في صيف ١٩١٨ ٣، سقط على مكتب الأمن العام في وزارة الداخليّة في القاهرة وابلٌ من تقارير متنوّعة عن «أنشطةٍ إجراميّة» في قرى البلاد من أقصى شمالها في محافظة البحيرة في الدلتا، حتّى أسوان في الصعيد٤. تنوّعت هذه التقارير من حرق مراكز الشرطة، ومحاولة تحرير المجنّدين الذين «تطوّعوا» قهراً للخدمة في «أنفار السلطة» (فرق العمل المصريّة)٥ تحت إمرة الجيش البريطانيّ، وحتى طعن عُمد القرى والعساكر البريطانيّين العاملين على التجنيد. كانت تلك بداية واحدة من أكبر وأهمّ ثورات الفلّاحين في القرن العشرين في مصر٦. كانت أيضاً عين بداية الثورة التي استغلّها السياسيّان الوطنيّان سعد زغلول وعلي شعراوي كي يدعما التفاوض مع الإدارة البريطانيّة بخصوص الاستقلال عن الاستعمار البريطانيّ٧.

مساهمة في تاريخ العوامّ المصريّين

أسّس زغلول مع زملائه الوفد (الذي صار لاحقاً حزباً وطنيّاً ليبراليّاً) في تشرين الثاني / نوفمبر١٩١٨ كبعثةٍ من النخبة الوطنيّة تمثّل قضيّة الاستقلال المصريّة في مؤتمر الصلح في باريس سنة ١٩١٩. حشَدَ الوفد الطلبة والمحامين في طول البلاد بتوكيلاتٍ يجمعون التوقيعات عليها من الفلّاحين تفويضاً بالحديث نيابةً عنهم٨. وما إن تمّ ذلك، حتى أخذت «الثورة» ملمحاً مختلفاً. علتْ دعوةٌ إلى الإضراب العامّ - ووُزّعت المنشورات في القاهرة وفي محافظاتٍ متنوّعة توضّح كيف تبدأ مواكب الاحتجاج (طالع المنشور ص ١٠٥)، شاملةً ترتيب المتظاهرين، والشعارات المرفوعة، واللافتات كذلك، كما شملتْ خريطةً توضّح السفارات والمؤسّسات الدوليّة التي ينبغي أن تسير المظاهرة أمامها٩.

رفع عديد المتظاهرين شعاراتٍ سلميّة متّبعين تعليمات المطويّات أثناء تدميرهم أو حرقهم محالّ ومؤسّساتٍ اعتبروها رموز الاستعمار الغربيّ١٠. الأمر الذي يشير إلى دافعٍ آخرَ خلف الثورة، دافع ضدّ مفهومٍ أعرض وأكثر تعقيداً عن السلطة يتجاوز الاستعمار البريطانيّ ويضمّ مزيجاً من الحُكمين المحلّيّ والاستعماريّ. باعتبار ذلك، فإنّ ما أهدف إليه في هذه الورقة هو أن أبحث وراء ثورة ١٩١٩، بل وحتى وراء ثورة الفلّاحين في ١٩١٨، كي أستكشف الوعي السياسيّ (غير المتّسق دائماً) الذي كان في طور الظهور بين الفلّاحين. ما الذي ثاروا ضّده بالضّبط؟ ما هي إستراتيجيّات المقاومة التي أخذوها في الاعتبار؟ وكيف عبّروا عنها؟

صُوِّرت أحداث عصيان ١٩١٨ في سجلّات الخارجّية البريطانيّة كسلسلةٍ من الأنشطة الإجراميّة أو، في المقابل، الموالية للحركة الوطنيّة (دون انحيازاتٍ سياسيّة غير ذلك) كما في مذكّرات سعد زغلول (١٩٨٧) وكتابات لطيفة سالم (١٩٨٤). أهدف إلى أن أساهم في المعرفة الصغيرة التي تجادل بأهمّيّة١١ ودلالة تاريخ عوامّ المصريّين١٢.

المذكّرات سجلّاتٌ عن الوعي السياسيّ

تركيزي هنا لا يغطّي فقط أساليب المقاومة المتنوّعة التي أدّت إلى عصيان ١٩١٨، وإنّما يمتدّ إلى كيف نوقشتْ تلك الأساليب ومورستْ بينما أخذت الأفكار السياسيّة في التطوّر معبّرةً عن العلاقات المرغوبة مع الهياكل السياسيّة ورموز السلطة المتنوّعة. إلّا أنّ المصادر التي يمكنها أن تكشف عن تلك الأصوات وعن «الوعي السياسيّ» لأولئك الذين كانوا جزءاً من الحركات التي تقع خارج المَيل الوطنيّ الساحق (وأحياناً في معارضته) قليلةٌ ومتفاوتة. كيف يمكننا، بعد الأحداث بمئة سنة، أن نعثر على مصادر تُبصِّرنا أفكارهم ودوافعهم؟١٣.

استَخْدَمْتُ المذكرات لأستقرئ التعبير عن الأفكار السياسيّة بما يتجاوز الأحزاب السياسيّة والثورات طارحةً طرح سياسات عوامّ الناس والحركات الشعبيّة، راصدةً تفاصيلَ حميمة تقع خلف السياسيّ وفي جوهره١٤. قدّمَت الأعمال الأدبيّة التي اعتمدتْ على مصادر أرشيفيّة نظرةً متبصّرة في الأحداث السياسيّة والتاريخيّة، كما قدّمتْ قصصاً مُؤرشفةً لا يمكن الوصول إليها عبر المصادر والسرديّات الرسميّة١٥.

سأنظر في ثلاثة مصادر. الرئيس منها هو «مشايخ جبل البدارى»، الجزء الثاني من «مذكّرات قرية» الهماميّة في أسيوط، مسقط رأس المفكّر العروبيّ المصريّ والمحامي المعروف، عصمت سيف الدولة (١٩٢٣ - ١٩٩٦). كتب سيف الدولة المذكّرات بناءً على سلسلة مقابلات أجراها مع سكّان القرية رغم أسلوب الكتابة والسرديّة التي هي أشبه إلى الرواية من المذكّرات. تظهر قرية الهماميّة في أحداثٍ أيقونيّةٍ سُجّلت في أرشيف الخارجيّة البريطانيّة وفي الأدب الوطنيّ. نشرتْ دار الهلال مذكّرات سيف الدولة التي عنوانُها «مذكّرات قرية» على جزأين اثنين في ١٩٩٤ و١٩٩٥ قبل وفاته مباشرةً في ١٩٩٦، ونشرتْ لاحقاً على الإنترنت. تحمل المذكّرات إلينا بأصوات عديد من سكّان القرية وبمسألة التهرّب من التجنيد الذي يتكرّر عبرها.

أطابق المذكّرات بمصادر أخرى أقصر، مأخوذة من أرشيف الخارجيّة البريطانيّة - التي سجّلتْ بالتفصيل ما سمعه ملازمٌ مُشرف على عمّال على الجبهة المصريّة وعلى جبهاتٍ متنوّعة أخرى من أداءاتٍ ونكاتٍ ألقاها هؤلاء العمّال، وسجّلت كذلك هتافات وشعارات ارتفعتْ خلال ثورة ١٩١٩ توضّح ميلاً ضدّ الحكومة وغالباً ضدّ حزب الوفد. هذه أيضاً «أصواتٌ» أسعى لاستعادة صداها.

يقدّم الأرشيف البريطانيّ والتقارير الوطنيّة الموثوقة ككتابات عبد الرحمن الرافعي (١٩٤٦)١٦ ولطيفة سالم (١٩٨٤) كلاهما سرداً خطّيّاً للحرب وللثورة. تزعم هذه السرديّات أنّ الفلّاحين أُخِذوا إلى الحرب إمّا لأنّهم رغبوا في ذلك أو لأنّهم أُجبروا ونتيجةَ ذلك قامت الثورة ضدّ الاستعمار. أمّا المصادر التي تقدّم نظرةً في «لغاتٍ حميميّةٍ»١٧ فإنّها تشير إلى عديد السرديّات وعديد الاحتمالات، وفي أحيانٍ كثيرة تشير إلى وعيٍ متضارب كما في الحيرة بين الانتفاض ضدّ استخدام الثورة الوفديّة السلاحَ الذي أُعطي للفلّاحين للدّفاع عنها، وبين التفاوض مع مُلّاك الأراضي. والأهمّ من ذلك، أحاول أن أنظر في كيف عبّر الفلّاحون عن مقاومتهم، أنْ أستكشف كيف بقيتْ بعض عناصر ذلك رغماً عن التسريد والتأطير الوطنيّين القويّين لثورة ١٩١٩.

قصّة الجماعة بصوت الفرد

«أصل الحكاية وفصلُها أنّه في صيف عام ١٩١٤ اندلعتْ حربٌ مجنونةٌ بين دول أوروبا، حربٌ مثل المعارك التي تنشب بين روّاد المقاهي في المولد. تبدأ بضربةٍ تطفئ النور «وتخلّيها ضلمة» ثمّ يتعارك الجميع... يضرب كلّ واحدٍ القريبَ منه قبل أنّ يضربه بدون أنّ يكون ثمّة سبب الّا أنّ المعركة بدأت. وهي فرصة للهرب من دفع أثمان المشروبات على الأقلّ. كذلك فعلتْ دول أوروبا المتجاورة في قارّتها. ضرب شخصٌ مجهولٌ من الصرب الأرشيدوق فرديناند بالرصاص فى سراييفو فقتَلَه. فضربَت النمسا الصرب. فضربت ألمانيا فرنسا وبالمرّة ضربت بلجيكا. فضربتْ روسيا هنغاريا. فضربتْ تركيا روسيا. فضربت إنكلترا ألمانيا. فضربتْ إيطاليا النمسا، إلخ. وانداحت أمواج العنف المجنون من أوروبا حتى اجتاحت الكرة الأرضيّة فأسموها الحرب العالميّة وهي حربهم. المهمّ أنّ أمواجها قد أغرقتْ مصر واندفع منها تيّارٌ من الإثار هزّ الحياة في مركز البداري. وامتدّ إلى الهماميّة فدخلت الهماميّة الحرب العالميّة» (عصمت سيف الدولة)١٨.

«مذكّرات قرية» هي مذكّرات من مجلّدين عن قرية الهماميّة، كتبها المنظّر الاشتراكيّ والفيلسوف السياسيّ والمحامي عصمت سيف الدولة. وُلد عصمت في قريته الهماميّة قرب جبال البداري في مديريّة أسيوط من صعيد مصر. ترك الهماميّة على مراحل بغرض إكمال تعليمه. عاد سيف الدولة إلى القاهرة بعد حصوله على درجة الدكتوراه في باريس ليمارس القانون وعُرف بمواقفه الشجاعة في الدّفاع عن المتّهمين في القضايا السياسيّة في عهد السادات (١٩٧٠ - ١٩٨١)، لا سيّما بعد «انتفاضة الخبز» ١٩٧٧ والتي قُبض على أثرها على عددٍ كبيرٍ من المفكّرين والمتظاهرين والناشطين. قُبض عليه هو نفسُه عدّة مرّات بسبب كتاباته الماركسيّة والاشتراكيّة العربيّة ولنشاطه التنظيميّ، وكان ذلك في ١٩٧٢ (لأكثر من سنة) وفي ١٩٨١.

يتّضح خطّ سيف الدولة الفكريّ في افتتاحه «مذكّرات قرية» حين يوضّح أنّه لا توجد طريقةٌ صادقة في كتابة مذكّرات فرد دون الرجوع إلى المجموع. ولذا، فعوضاً عن أن يكتب مذكّراته هو، فهو يكتب عن أهالي قريته الذين تسربتْ ذكرياتهم للأحداث وخبراتهم الموروثة إلى كلّ واحدٍ من أطفالهم. وبذلك يتحوّل صوته إلى صوت الراوي يستخدم عناصر شعبيّةً مثل «قال الراوي» و«كان يا مكان، يا سادة يا كرام»، فيركّب القصص عبر الكتاب عوضاً عن أن يعلّق عليها.

يفتتح المجلّد الثاني من المذكّرات، «مشايخ جبل البداري»، والذي أستخدمه في هذه الورقة بنقاشٍ بين الراوي (صوت الكاتب) وبين شيخ غفر القرية. يحثّ الكاتب شيخَ الغفَر على أن يحكي له ذكريات القرية، ويجهد الشيخ كي يشرح أنّ أيّ قصّة يحكيها فردٌ نيابةً عن المجموع تشوبها الشكوك. إلّا أنّه يذكر أنّ أحد الأشياء التي بمقدور أيّ شخصٍ أن يحكيَها نيابةً عن الآخرين هي المصائب - فالمصائب التي تحلّ بالقرية لا تشوبها أيّة شكوك. «اسأل من تشاء عمّا مرّ بقريتهم من مصائب عامّة فتسمع منهم جميعاً ما يتذكّرون فيذْكره كلّ واحدٍ منهم لا يختلفون فيه ولا يُخفون منه ثمّ اجمعْ ما يقوله كلّ واحدٍ إلى ما يقول غيره، تعرف ما تقوله القرية»١٩. هذا لأنّ المجموع لا يتشكّل إلّا في وجود خطر يواجه الجميع ويواجهه الجميع. يسأل الكاتب الشيخ عزيز عمّا يعتبره أزمةً أو كارثة جماعيّة، فيجيب الشيخ بثلاثة: السلطة، والفيَضان السنويّ، والجزيرة (التي يرسّبها فيَضان النيل ويتلاعب بها مُلّاك الأراضي). تمرّ خبرة الحرب العالميّة الأولى بهذه الأشياء الثلاثة جميعها.

تحكي المذكّرات عن هذه الكوارث وردّ فعل أهالي القرية عليها. وقد سلّطت كلّ مصيبةٍ منها الضوءَ على العلاقة بين القرية وشبكة السلطة (الإدارة البريطانيّة - المصريّة المشتركة)٢٠، والحكومة (الأفراد الذين يمثّلون الحكومة أو يفهم أهالي القرية أنّ لديهم سلطةً عليهم)، والأرض (وكيف تُحدّد استحقاقات الأرض). لا تسري المذكّرات بترتيبٍ زمنيّ لكنّها تُظهر كيف أنّ الأهالي يتعلّمون تدريجيّاً التنظيمَ فيما يتعلّق بهذه القوى الثلاث التي تهدّدهم - الاستعمار ونخبة مُلّاك الأراضي والطبيعة. وفي تعاملهم مع كلّ كارثة، تزيد حصيلتهم من أشكال التنظيم التي تنفع والتي لا تنفع مع زيادة حصيلة القرية من الخبرات.

ثلاثيّة مقاومة السلطة

هامٌّ جدّاً لهذا البحث استكشافُ معنى بعض المصطلحات، واعياً أنّ هذه المذكّرات موجّهةٌ لجمهورٍ أوسع لا يعرف لغة القرية واصطلاحاتها. ولذا، فإنّ من الضروريّ استكشاف مَن أو ما الذي يمثّله مصطلح السلطة. في البداية، يشير هذا المصطلحُ إلى الإدارة المشتركة المشغولة بالحرب، إلّا أنّها بعد ذلك تصير هي الحرب نفسها - قوّة كبيرة تلُوح في الأفق وتأخذ الرجال وتصادر البضائع إلى «حيث لا أحد يعرف». تكاد السلطة ألّا تظهر، على عكس الفيَضان الذي يعترضه الأهالي مادّيّاً، أو على عكس الحكومة التي يعيش ممثّلوها بين ظهرانيهم.

هناك أربعة شخصيّات تُحكَى المذكّرات من خلالهم. الأوّل هو الشيخ عبّاس، مثقّف القرية الأزهريّ الذي يتابع السياسة المحلّيّة والعالميّة ويحاول أن يدفع الأهالي نحو الاشتباك الرسميّ مع الحكومة (بكتابة العرائض ومقاضاة مُلّاك الأراضي). وهو يستخدم «صوت» الأزهر والعربيّة التقليديّة («القاهريّة» على حدّ تعبيره) بوعي كامل كوسيلةٍ للإقناع (كي يظهر بمظهر المتعلّم الورِع في آن)، إلّا أنّه يُرفَض أحياناً لعدم إلمامه بتقاليد القرية بشكل كافٍ بسبب تغيّبه الطويل بغرض الدراسة. الصوت الثاني هو صوت يونس عبد الله، ابن أخت عبّاس وتابعه الذي ينتهي به الأمر مأخوذاً إلى الجبهة، مخاطراً بحياته من أجل أن يحلّ محلّه. يروي يونس خبرته في الحرب، وكيف أنّه ومجموعةً من أربعة وعشرين صعيديّاً زاملوه في فرقة العمل تعلّموا التفاوض مع المسؤولين العسكريّين الفرنسيّين، كما تعلّموا الإضراب لتحسين ظروف معيشتهم وعملهم. الصوتان الأخيران هما صوتا نعمان ولد الشيخ عماد زيدان وفكري عبد النبي - شابّان اثنان أخذا على عاتقهما أن يستعيدا جزيرة القرية، وهي أرضٌ زراعيّةٌ خصبة يطرحها فيضان النهر، من مُلّاك الأراضي الوجهاء الذين منحتْهم الحكومة ملكيّتها. يبحث فكري ونعمان عن طرقٍ يسلّحان بها نفسيهما وباقي أهالي القرية كي يطردوا الحكومة من الأرض. وفي غضون ذلك، يمرّان بخبرة ثورة ١٩١٩، وتتحوّل نيّتهما عندها لتصبح أن يكملا الثورة بهدف أن يحتفظا بهذه الأسلحة وينظّما ثورة الفلّاحين ويؤسّسا حكومة الفلّاحين.

حاولتُ في قراءتي المذكّرات أن أستكشف استراتيجيّات ثلاثاً لمقاومة أنواع السلطة الثلاثة تلك - استخدام القانون، بكتابة العرائض مثلاً، والإضراب على الجبهة، واستخدام السلاح أو القوّة لاسترداد الأرض. نظرْت في كيف تَبني هذه المقاومة والاستحقاق والمخاطرة والنجاح أو الفشل حصيلة الخبرة المحلّيّة وكيف يُعبَّر عنها. ونقطتي الأساسيّة هنا هي ليست إن كانت هذه الأحداث قد وقعتْ بالفعل، بل استخدام هذه الاستكشافات كفرصةٍ للنظر في الوعي بكيف أنّ «السياسة» يُعبَّر عنها دون استخدام اصطلاحات ذلك الوقت ومفاهيم الأمّة والاستعمار. يُبصِّرنا هذا الأمر بكيفيّة التعبير عن مفاهيم الاستبداد والحرّيّة، وبكيف يجري القتال من أجل الحرّيّة بوسائل خاصّة بالقرية.

تحدّي الطاعة في «التطوّع»

«في ٢٠ أكتوبر / تشرين الأوّل ١٩١٧، صدر قرارٌ للتشجيع على التجنيد... صدر مع هذا القرار منشورٌ للمديريّات بتاريخ ٢١ أكتوبر ١٩١٧، يطلب من مأموري المراكز ومن العُمد حثّ الأهالي على التطوّع في فرق العمل، وطلَبَ من مديري المديريّات استخدام تأثيرهم الأخلاقيّ لدعم الحركة. تقدّمتْ حركة التجنيد التطوّعيّ بشكلٍ مُرضٍ نتيجة هذه الإجراءات... في أسيوط وافقوا تمام الموافقة على المشروع وعبّروا عن رغبتهم في توفير المجنّدين٢١.

في بداية ١٩١٧، انتشرتْ كالنّار في الهشيم رواياتٌ عن عساكر بريطانيّين يُغيرون على أسواق القرى المحيطة ويسلبون الماشية والمحصول، ويأخذون الشباب إلى «حيث لا أحد يعرف». على أثر ذلك، انتشر في الهماميّة خوفٌ من التجنيد ونقاشٌ عن أشكال المقاومة».

يحكي عصمت سيف الدولة في مذكّراته قصّة الشيخ عبّاس - مثقّف القرية - ونقاشه مع العمدة وكبار القرية محاولاً إقناعهم بأفكاره عن كيفيّة مقاومة التجنيد. كان عبّاس يرى أنّه ينبغي تقديم عريضة. قرأ في الصحيفة عن شروط التجنيد (شباب سنه من ١٨ - ٤٥ سنة) وعن أنّ التجنيد قائم على التطوّع. لذا، كانت طريقة مقاومة التجنيد، في رأيه، في أن يوقّع جميع أهل القرية على عريضةٍ تعلن عدم رغبتهم في التطوّع للحرب، وبذلك يجبرون السلطة على الالتزام بقواعدها هي نفسها. بمجرّد أن وافق العمدة وكبار البلد على فكرة العريضة، ولو بعد تردّد، أمَّ الشيخ عبّاس صلاة الجمعة. مستكشفاً فكرة التطوّع، لاحظ عبّاس أنّ مصطلح «تطوّع» يأتي من «الطاعة». وفي السياق القرآنيّ، الطاعة الواجبة هي طاعةُ الكبار من نفس الدين، إلّا أنّ أهالي القرية ليسوا ملزَمين بطاعة قوى الاستعمار، لأنّ لا طاعة لطاغية وبالتأكيد لا طاعة لكافر. وإن أطاع الأهالي الاستعمارَ فهو لا شكّ من قبيل التجديف.

وبمرور الوقت، اكتشف عبّاس من العمدة ومن أقربائه الأصغر سنّاً أنّ مقترحاته لم تلقَ الترحاب الذي تصوّره. فإمامتُه للصلاة مثلاً، اعتُبرتْ من قبيل الجرأة لأنّ تعليمه الدينيّ لا يعطيه صلاحيّة إمامة الصلاة، الذي هو امتيازٌ لكبار القرية. والأهمّ من ذلك، ففكرة وضع خمسة وأربعين اسماً لشباب القرية على ورقةٍ وتسليمها لذات الجهات المسؤولة عن التجنيد تبدو وكأنّها تسليمُ الأهالي لهؤلاء الشباب - أي تماماً عكس ما تخيّله الأهالي وهو إخفاءُ الشباب. فالعُمد في القرى المحيطة، يختارون مجنّديهم بأنفسهم - أساساً من بين المرضى وكثيري المشاكل - ليحافظوا على بقيّة أهل القرية من التجنيد.

حاجج آخرون بأنّ محاولات عبّاس أشبه بـ«الذين يشتكون الحكومة للحكومة»، وهو أمرٌ لا يخلو من المخاطر. فمواجهة السلطة استراتيجيّة جرّبها الأهالي من قبل، وهي بالفعل تحوّم طوال المذكّرات باعتبارها تحذيراً من الخسارة التي قد تنتجها المواجهة. فعندما يتعلّق الأمر بالسلطة، يوجد مسلكان اثنان لا ثالث لهما، إمّا مع السلطة أو ضدّها. وهُم باعتبارهم فلّاحين، يجهدون كلّ سنة في مكافحة الفيَضان ويعرفون جيّداً أنّ مواجهة بعض التيّارات لا تؤدّي إلّا إلى التهلكة. يدرك أهل الهماميّة جيّداً من خبراتهم السابقة أنّ كلَّ مواجهةٍ مع الدولة لا تعني إلّا الخسارة.

اللغة واستراتيجيّات تفادي التطوّع

إلّا أنّ العَوم مع التيّار لا يعني قبول استراتيجيّة التجنيد والتطوّع. بل أنّها تشمل استراتيجيّاتٍ تتفادى التطوّع بواسطة «زواج السلف» مثلاً، والذي هو زواجٌ مؤقّت بهدف ضمان أنّ شروط التجنيد لا تنطبق على الرجل، أو عدم الظهور أيّام السوق لتفادي الاستيلاء على المحصول والماشية، أو الهروب إلى الجبال القريبة. حُذِّر عبّاس مرّاتٍ عديدة من أنّ نصيحته باعتباره «مثقّف القرية» ليستْ دائماً محلّ ترحاب الأهالي، وأنّهم عادةً ما يحسّون أنّه غريبُ نسيَ أهمّيّة تقاليد القرية، خصوصاً حين يفترض أنّ بإمكانه أن يحدّد للأهالي أيَّ الاختيارات أفضل لهم. في حين كان الأهالي يعتمدون على تاريخ من «المصائب» كمرجع يعلّمهم ما يفيد وما لا يفيد، يعتمد عبّاس على معرفته بالقانون وبما ينبغي أن يكون. رضخ العمدة في النهاية وأعطى عبّاس العريضة المختومة، موضحاً أنّه حصل على أختام بعض الأهالي إلّا أنّ أغلب الأختام وضعَها هو بنفسه على الورق، وأنّه بذلك يصير هو المسؤول شخصيّاً عن العريضة٢٢. فعَلَ العمدة ذلك لأنّه مقتنعٌ بعض الشيء بمجهودات الشيخ، ويكنّ بعض التقدير أيضاً، ولكن ليس لأنّه مقتنعٌ تماماً.

توجّه عبّاس إلى أسيوط لتسليم العريضة، أوّلاً إلى مركز البوليس حيث رفض المأمور تسلّمها، ثمّ بحث عن محامٍ يساعده في إيصال العريضة إلى الأشخاص الملائمين بالطريق القانونيّ الذي يُلزمهم بتسلّمها. أراد عبّاس أن ترسَل نسخة إلى كلٍّ من رئيس الوزراء ووزير الداخليّة وحكمدار المديريّة، ومدير المديريّة، ومعاون البوليس وإلى مأمور مركز البوليس. حملت كلّ عريضة اسم المرسَل إليه وتضمّنتْ أيضاً أسماء جميع من سيتلقّى نسخةً منها، كتبها عبّاس بنفس الحبر الأسود الذي يُستخدَم في المديريّة. يتحدّث سيف الدولة طوال المذكّرات عن خصوصيّة القرية. يشرح ما الذي تعنيه مصطلحات السلطة والتطوّع والحكومة، وهو يكرّر الإشارة إلى كيف أنّ قرارات الأهالي واستراتيجيّاتهم السياسيّة تنبع من حصيلتهم الخاصّة لذكريات المقاومة. وقد تعارضتْ هذه الخصوصيّة مع طموحات عبّاس التي تحاول أن ترى القرية جزءاً من نظامٍ قانونيٍّ أكبر واعتبارها جزءاً من حركةٍ وطنيّة في نهاية المطاف.

عاد عبّاس من العاصمة إلى القرية بما تعلّمه عن القانون والسياسة الهيكليّة. حاول أن يتلاءم مع تلك الهياكل مباشرةً ليحفظ القرية من مدّ الحرب. إلّا أنّ اعتماده على تلك الهياكل وعلى القانون كان دائماً محلَّ انتقاد ذوي الخبرة المحلّيّة التي تركّز على إنقاذ القرية، وعلى الحفاظ عليها بغضّ النظر عمّا يحدث خارجها.

تُناقش سماح سليم في تحليلها رواية الأرض المثقّفَ المتعلّم في المدينة الذي يعود إلى القرية راغباً في مخاطبة الحكومة مباشرةً من خلال العرائض كي يحمي أرض القرية من التدمير الذي تسبّبه مشروعات البُنى التحتيّة. وهي تعتبر العربيّة الرسميّة المنمّقة للقرويّ المتعلّم لغةً وطنيّة تتساوى في نظرها مع معرفة كيف يمكن نيل الحرّيّة، وربّما أيضاً تحسين حال القرية٢٣. يذكّرنا هذا بكيف أنّ عبّاس وقف على منبر القرية محاولاً حثَّ الأهالي على «شكاية الحكومة للحكومة». وفي كلتا الحالتين، لم ينبهر الأهالي بمعرفة الهياكل السياسيّة الأكبر وكيفيّة التعامل معها بل أثارتْ سخريتهم، فقام صراعٌ على اللغة المستخدَمة في كتابة العرائض وعلى أنواع المعارف المختلفة المتعلّقة بنيل الحرّيّة.

تحدّث جون تشالكرافت عن اللغة أيضاً في كتاباته عن عرائض الفلّاحين في مصر في القرن التاسع عشر، ملاحظاً أنّهم «استخدموا اللغة الرسميّة في الشكاوى في سياقٍ محمّلٍ بالسلطة، حيث يمكن أن يؤدّي خطأٌ في اختيار الكلمات إلى خسارة قضيّتهم وسبل عيشهم، بل وربّما حياتهم نفسها»٢٤. يحاجح تشالكرافت بأهمّيّة العرائض في توضيح سياسة الفلّاحين في التعاطي مع مؤسّسات الدولة والتفاوض معها، وهي سياسة نادراً ما تظهر في الأدب الذي يصوّر الفلّاحين في مصر، ولا حتى في الكتابة الأكاديميّة عن الفلّاحين التي عادةً ما تصف سياستهم إما بالسلبية والتفادي المستمر، أو بالفعل الثوري العنيف. تقترح هذه المصادر أيضاً بأنّه عوضاً عن رؤية الدولة ومجتمع الفلّاحين من منظورٍ حديث في اتّجاهٍ واحد وعداوة صفريّة المحصّلة، يمكن تصوّر مجموعةٍ من العلاقات أكثر تشظّيّاً وتبايناً تتضمّن حواراً متبادلاً٢٥. وفي حالتَي عريضة رواية الأرض والعريضة ضدّ التجنيد الإجباريّ في الهماميّة كلتيهما، يورّط الأهالي أنفسهم في شبكةٍ من ديناميّات السلطة غير المتكافئة والتي بإمكانها أن تبتلعهم بالرغم من محاولاتهم استخدام لغتها.

حاول عبّاس أن يكون أذكى من القانون إلّا أنّ القانون كسب في النهاية. ففي واحدةٍ من زياراته العديدة إلى مركز البوليس في أسيوط (والتي زاد تكرارُها ويأسُها كلّما وصلتْ من القرى المجاورة أخبارٌ عن القبض على النّاس هناك)، قُبِلت عريضتُه أخيراً وحظيت بالاهتمام الذي ظلّ يطلبه شهوراً. طلب منه مأمور المركز أن يشهد شفاهةً وكتابةً أنّ كلّ اسمٍ من الأسماء الآتية في العريضة ترفض التطوّع في الحرب رفضاً باتّاً، وأنّ كلّ اسم لم يأتِ في العريضة يوافق طبعاً على التطوّع. ولأنّ عبّاس حرص على وضع الأسماء الخمسة والأربعين التي تطابق اشتراطات التطوّع كلّها، شهد عبّاس بما طُلب منه ووَقَّع على شهادته تلك، غافلاً أنّه نسيَ و(ربّما) نسي العمدة أن يضعا اسمه هو نفسه على العريضة. وبمجرّد أن وقّع العريضة، قُبض على عبّاس لأنّ الأهالي الذين أسماؤهم على عريضة القرية فقط هم من يرفضون الذهاب للحرب.

استُبقي عبّاس في زنزانةٍ مظلمة وسخة هو وباقي المجنّدين من القرى المجاورة ولم يفرَج عنه إلّا بعدها بأيّامٍ عندما تطوَّع يونس - قريبه ومُريده - كي يأخذ مكانه. وكان يونس عبد الله هو الوحيد من أهالي الهماميّة الذي ذهب للحرب والوحيد من كلّ من ذهبوا من أهالي أسيوط الذي كُتب له أن يعود.

إضرابات على الجبهة وتفكيك السلطة

كتب المُلازم إي.كيه ڤينابلز:

«ذات مرّة أثناء مروري ليلاً للتأكّد أنّهم كلّهم في سبات، خرجتْ أصواتٌ من أحد أكياس النوم موجزةً حال الجيش بما فيها ملاحظاتٌ تنتقد البريطانيّين والأتراك. وعندما حذّرهم الباش رَيِّس كي يخرسوا ويناموا، أجاب أحدُهم، «حسناً يا حسن، نحن نعرف أنّه ينبغي عليك تنفيذ أوامر الرجل الكبير». تلا تلك الإجابةَ ذعرٌ صامتٌ إلى أن تدخّل: «لكنّك تعرف أنّ الرجل الكبير نفسه يسمعنا». وبغضّ النظر عن مدى قلق المتحدّثين في الطابور صباح اليوم التالي، لم تُتّخذ ضدّهم أيّ خطوات، فهم كانوا أحد أفضل العمّال في الفرقة»٢٦.

قليلةٌ هي الحكايات أو الدراسات عن خبرات المجنّدين المصريّين على الجبهة، ناهيك عن طرق المقاومة التي اتّبعوها هناك٢٧. ولا تزال توجد بعض الفرص للتنقيب عن أصوات المصريّين على الجبهة خلال الحرب العالميّة الأولى. واحدة من تلك هي الأغنيات التي وثّقها الملازمون البريطانيّون المشرفون على فرق العمل في يافا وسيناء. يَظهر هذا التوثيق في أرشيف الخارجيّة البريطانيّة، كما يَظهر في بعض المذكّرات كمذكّرات إي.كيه ڤينابلز الذي أشرف على فرق العمل في رفح وغزّة ولاحقاً في يافا٢٨.

في الحادثة المقتبسة أعلاه، يستمع ڤينابلز للعمّال بينما هم يُنَكِّتون مدركين أنّه يسترق السمع وأنّ بعض النّكات كانت عنه هو. هنا لا تصير النكات فقط طريقةً لإضعاف سلطته٢٩ بالسخرية منه ومن السلطة التي يمثّلها، بل تصير أيضاً طريقةً لمواجهته بتلك السخرية لأنّهم يعرفون أنّه يسمعهم، بل أنّهم يعرفون أنّه لن يقدر أن يفعل شيئاً كي يردّ على سخريتهم. وبالمثل، بل ربّما بمزاج أكثر راديكاليّة، أدرك يونس عبد الله وزملاؤه على الجبهة في مدينة «كاليه» أنّ أهمّ شيءٍ للجيش الفرنسيّ هو ألّا يتوقّف العمل، وأنّهم بهذا المعنى لا يمكن الاستغناء عنهم. تعلّم هؤلاءِ بسرعة أنّ الإضرابات وسيلةٌ فعّالة يحصلون بها على ما يحتاجون.

وصل يونس وأربعةٌ وعشرون زميلاً له من أسيوط إلى بولونيا بعد رحلةٍ في البحر استغرقتْ خمسة وأربعين يوماً. أُخذوا من هناك إلى كاليه حيث صدرتْ لهم التعليمات بحفر خنادقَ عمقُها متر على المدد. عُيِّن أحدهم (ثابت) رَيِّساً على الباقين وخُصّص لهم ملاحظٌ مغربيّ٣٠. لم تعجبهم أحوال معيشتهم عند الوصول، فقد أُعطي كلٌّ منهم لوحاً خشبيّاً ينام عليه وثلاث بطانيّات من الصوف (واحدة توضع فوق اللوح مباشرةً، وثانية يغطّون أنفسهم بها، وثالثة كوسادة). ثمّ إنّهم انتظروا بضع ساعات حتى جهز الطعام الذي كان مقزّزاً. وعندما قرّروا ألّا يبارحوا مواقعهم نهاية الأسبوع لأنّهم سوف يُطردون من كلّ مطعم أو مقهى يدخلونه، طلب منهم المجنِّدون عملاً في أيّام راحتهم. إلّا أنّه سرعان ما علّمهم الريّس ثابت حيلة ذكيّة، وكما يأتي في المذكّرات:

«الريّس ثابت عرف يتعامل مع الفرنساويّة. مسك عليهم مسكة وعلّمنا حيلة. هي حيلة ولكن نفعتْ. أهمّ ما يهمّهم هو ألّا نتوقّف عن العمل. فكلّما أردنا شيئاً كنّا نتأخّر في النوم فيأتي الفرنساويّة ويرطنون بلسانهم فيقول المغربيّ أنّنا لا نريد أن نشتغل لأنّ الجراية قليلة فيعطونا المزيد. كلّ ما نريد، حتى الشاي الثقيل، حتى الدخان، حتى اللحم الأحمر لا نطلبه. تَعلّمنا أنّنا إذا طلبنا لا نحصل على ما نطلب، وأنّ «الناس تخاف وما تختشيش». سلاحنا جاهز. نتوقّف عن العمل وثابت يقول: «أصل الرجّالة عاوزين كذا، فيحضرونه على طول». وانبسطنا آخر انبساط... إلى أن جاء الشتاء...»٣١.

تكمن أهمّيّة تلك الإضرابات في أنّها علّمت المجنّدين أنّ اعتماد الحرب عليهم كموارد يعني أنّهم يستطيعون منع هذه الموارد عن السلطة بالتوقّف عن العمل، وبالتالي يجعلون السلطة أضعف.

يشرح سيف الدولة في بداية المذكّرات أنّ السلطة تعني عند أهالي الهماميّة أكثر من مجرّد مزيجٍ من الإدارات٣٢، فهي أيضاً قوّة أكبر غير معروفة. فالسلطة «تأخذ الغلّة والحمير والجمال والنقود وتخطف الأطفال وتهتك أعراض النسوان»، و«ما حدّش راح السلطة من الهماميّة غير يونس، وما حدّش رجع منها حيّ غيره»، ويسأل أهل القرية «عن مصير الذين أخذتْهم السلطة»، و«عاد يونس عبد الله من السلطة قبل أن يعود غيره». صارت السلطة تمثّل البرزخ الذي هو الحرب، حيث لا أخبار تعود منه وبالكاد يرجع قليل ممّن ذهبوا «حيث لم يكن أحد يعرف قبل أن يحكي يونس عبد الله».

تشير تقارير ١٩١٨ في أرشيف الخارجيّة البريطانيّة٣٣ إلى أنّ هناك العديد من حالات القبض نتيجة التحريض على المقاومة، وأنّ أغاني ظهرتْ عن الحرب وإغراءاتها٣٤ محذّرةً الآخرين من الاشتراك في الحرب. تتّسم المقاومة بطابع المواجهة أكثر حتى تتحوّل للعنف، فتُقطع سكك الحديد، وتنتشر النيران والجثث في القرى. يصير هذا هو الحال في مصر، لكن أيضاً في الجزائر وفي غرب أفريقيا٣٥ حيث بدأ الأهالي الانتفاضات بعد أخذهم إلى الحرب.

الإضراب حتى الموت

إلّا أّن هذه الجرأة المتزايدة لم تأتِ من دون تكلفة. ففي حالة يونس عبد الله، تدهورت بحلول الشتاء صحّة أحد زملائه ويُدعى القبيسي، والذي كان مريضاً وضعيفاً أصلاً. وفي صبيحة يومٍ من الأيّام استيقظوا ليجدوه تجمّد حتى الموت، «أوّل واحد منّنا يموت في الغربة». أبلغ العمّالُ المسؤولين الفرنسيّين عن موته، وطلبوا ماءً ساخناً كي يغسلوه ويشرعوا في إجراءات الدفن، وهو الطلب الذي رُفض دون تردّد. الموت في الغربة شيء، لكنّ عدم الدفن تبعاً للطقوس الإسلاميّة هو نوعٌ آخر من الضياع - ضياع ألّا يجد الإنسان طريقه في الخلود.

قرّرت المجموعة الإضراب وعاهدوا بعضهم البعض على أن يظلّوا متّحدين حتى يُرسَلوا إلى موطنهم، فكلٌّ منهم يخاف أن يكون هو الآتي دورُه في الموت. استمرّ الإضراب عن العمل والطعام خمسة أيّامٍ حضر بعدها الجنرال الفرنسيّ الذي كانوا يدعونه «جنّ النار» (لعبة على كلمة «جنرال») للتفاوض معهم بنفسه. وحين فشل التفاوض، جعلهم يقفون في المطر، فاعترضوا وجلسوا جميعاً متّحدين. عاد الجنرال ونشب جدال، وفقد الريّس ثابت هدوءه وهاجم الجنرال وقتله. أطلق العسكر الفرنساويّة النّار عندها على مجموعة العمّال فماتوا جميعاً إلّا يونس. فحص المشرف المغربيّ، واسمه خليفة، الجثث واحدةً واحدة، وحين وجد يونس نصحه بألّا يتحرّك وأن «يعمل نفسه ميتاً» حتى يفحصه الطبيب في المستشفى، ونصحه بأن يتذكّر أن ينبّه مَن يفحصه «أنّه جريح ولا يجوز قتل الجرحى». تبع يونس نصيحة خليفة فاستُبقي في المستشفى حتى شُفي، ثمّ أرسل إلى موطنه في رحلةٍ طويلةٍ دامتْ ٤٥ يوماً. وهو الآن يجلس في مقعد داره يحكي حكايته بصوتٍ عالٍ تسمعه القرية كلُّها.

ثورة ضدّ الإنكليز أم ضدّ الباشوات؟

يحكي القسم الأخير من مذكّرات عصمت سيف الدولة حكاية «الجزيرة»، وهي قطعةٌ من الأرض ظهرتْ من ترسّب التربة التي يجلبها الفيَضان، منتجةً في النهاية «جزراً» خصبة جدّاً يعيش عليها الفلّاحون في صعيد مصر. تُعتبر تلك الجزر نعمة، بل وهِبةً من النيل. منحت الحكومة أكبر الجزر في الهماميّة عطيّةً للنبلاء في منتصف القرن التاسع عشر خلال حكم الخديوي سعيد، كما يزعم الأهالي.

يشرح فكري أنّ الحرب جلبتْ «فقراً على فقر»، موضحاً أنّها لم تجعلهم أفقر، بل أضافتْ بُعداً جديداً إلى فقرهم: ضعفَ سيطرتهم على مقدّرات عيشهم، و«اضطراباً في علاقاتهم الاجتماعيّة المستقرّة». «لم تزدْهم الحرب فقراً على فقر، ولكنّها زادتْ من شعورهم بالفقر حين تجاوزتْ آثارُها الاقتصاديّة حدود الحاجات المادّيّة الأساسيّة فأشاعت الاضطراب في علائقهم الاجتماعيّة المستقرّة فتمرّدت النساء وخربت البيوت»٣٦.

قرّر فكري وصديقه نعمان أنّ الطريق الوحيد لاستعادة «الجزيرة» هو في أخذها بالقوّة، وأنّ علاقات القوّة بينهم وبين الحكومة ينبغي إعادة ترتيبها. يفكّر المؤلّف ومَن أجرى معهم المقابلات مليَّاً في فكرة الحكومة كما يعبّر عنها أهل الهماميّة. تظلّ الحكومة دائماً مجسّدةً في شخص، جابي الضرائب، أو المأمور، أو الباشا صاحب الأرض. على عكس السلطة، التي هي قوّةٌ أو شيء، الحكومة شخص، تجسيدٌ لعلاقات القوّة القاهرة. هنا يتكرّر ثانيةً حكيُ حصيلة القرية من تاريخ تعاطيها مع الحكومة. يشاهد فكري ونعمان مظاهر الانتفاضة (في ١٩١٩) أثناء سفرهما إلى المدينة وهما يحاولان الوصول إلى حيث يعتقدان أنّ بإمكانهما الحصول على السلاح. النار في كلّ مكان. كانا راكبين القطار المتوجّه إلى ديروط خلال الحادثة الشنيعة حين توقّف القطار وقُتل الجنود البريطانيّون بأيدي الأهالي٣٧. يلتقي الاثنان شخصاً يوزّع السلاح ويوافق على أن يعطيهما سلاحاً بشرط أن ينضمّا للثورة. ويوافق الاثنان على ذلك بشرطٍ آخر، لأنّه: بعد الثورة لن يستردّ أحدٌ السلاح منّا فنستردّ جزيرتنا بإذن الله إذا لم يردّوها لنا. فقلت سمعت في أسيوط أنْ قد سقطتْ حكومة الباشوات التي يرأسها رشدي بك. وغداً تنتصر الثورة وتقوم حكومة الفلّاحين٣٨. تثير أخبار الثورة ردود فعل متباينة بين الأهالي. فهناك الحماسة للانتفاضة ضدّ البريطانيّين، ما يعطيهم فرصةً للحصول على السلاح والقتال لتحصيل مطالبهم هم. إلاّ أنّ هناك أيضاً إدراكهم أنّ كلّ الأسماء المرتبطة بثورة الوفد هم من الباشوات أصحاب الأراضي، عَينِ من يقهر الفلّاحين وعينِ من يرغب الفلّاحون في هزيمتهم.

يَظهر هذا الصراع في كتابات راينهاردت شولتز٣٩ الذي ينظر في فجوة السلطة الناتجة من انسحاب القوى الاستعماريّة، والخطر الذي تمثّله للصفوة المالكة للأراضي، خصوصاً التي لا تعيش على الأرض نفسها. لا يعرف الفلّاحون على وجه اليقين إنْ كانت الثورة ستعضد قوّة الطبقة المالكة للأرض، أم أنّها تمثّل فرصةً (للتسلّح وربّما الثورة ضدّ حكومة ملّاك الأراضي)، أو كما في حالة الشيخ عّباس، إن كان ينبغي عليهم الانضمام للثورة لوضع مطالبهم موضع الصدارة منها.

يُلقي النظر عن قرب إلى خبرة فكري وصديقه، وقَناعتهما بأنّ الثورة المسلّحة هي الطريق الوحيدُ لإعادة ترتيب علاقات القوّة، ضوءاً جديداً على الفترة بين ثورة الفلّاحين ١٩١٨ وثورة ١٩١٩. فأوّلاً، هي تُبصِّرنا بهذه الأحداث الموثّقة باعتبارها جرائم «عنيفة». ففي حالة الهماميّة، والتي يبدو أنّها كان لها دورٌ في تلك الأحداث الأيقونيّة التي تعاود الظهور في العديد من المصادر التاريخيّة والأدبيّة، يوجد وعيٌ سياسيٌّ قويّ واعتبارٌ لتاريخ من العلاقات مع الحكومة لحصيلة بعينها من علاقات القوّة، كما أنّ هناك رغبةً في تغيير هذه العلاقات بالعنف.

هناك أيضاً تفكيكُ سرديّة ١٩١٩ عن الوحدة وتعبئة الصفوة المثقّفة جمهورَ الفلّاحين. هنا يرى الفلّاحون الثورة تشتعل ويفكّرون في كيفيّة استغلالها لصالحهم. هم أيضاً يفكّرون في إمكانيّة الثورة على الثورة بمجرّد انتهائها، حتى يحقّقوا حكومة الفلّاحين. وفي الحالتين كلتيهما، نجد أنّ للفلّاحين مصالحَ خاصّة يضعونها في قلب الثورة، ولا نجدهم يرتبطون بالمصالح الوطنيّة التي يرَون أنّها تكاد تتساوى في القمع مع مصالح الاستعمار.

طبقاً لمذكّرات الصحافيّ مصطفى أمين، أعطي النّاسُ منشوراتٍ في ثورة ١٩١٩ تطلب منهم الهتاف من أجل «الهدوء والسكينة». وهو ما فعله الناس أثناء تكسيرهم واجهات المحلّات وإشعالها٤٠. يمثّل هذا التناقض الوعيَ المتناقضَ لهذه المظاهرات، حيث تتعارض الهتافات مع الأفعال مظهرة شرارة الديناميّات التي تحلّ في الثورة محلَّ القلب. فحتى إن جرى تسريد وتأطير ثورة ١٩١٩ ببلاغة، فإنّ الأصوات التي علَتْ أثناء الشغب والمظاهرات تدلّ على أشياء أخرى. يسري ذلك أيضاً على الشعارات المرفوعة في مقالٍ يعود لسنة ١٩٣٨ عن هتافات الحرب وأغانيها٤١، حيث يناقش كاتب المقال الشعار المشهور «مش عاوزين حدّ أبداً يحكمنا، وإن مكانش ولا حدّ يلومنا!» هذه الهتافات التي لا يبيّن المقال أصلَها هي نواة مشاعرَ أوسع ضدّ الحكومة تزداد توسّعاً بمرور الوقت. تَظهر ذات المشاعر أيضاً بوضوح في كتابات زينب أبو المجد عن الثورات في قرية قنا حيث يعتدي الناس على أعضاء الوفد خلال زيارتهم الصعيد بعد نهاية الثورة بسنوات٤٢.

كلّ هذه الأحداث والشعارات تثقب ثقوباً في السرديّة الرائقة للثورة الشعبيّة، لكنّ الأهمّ من ذلك أنّها تعطينا إحساساً بالإمكانيّة. ما الذي تتركه هذه الأحداثُ «المشوّشة» - «مشوّشة» بعنفها وبغياب وضوحِ الرؤية عمّن هو العدوّ، وبغياب القوّة الموزَّعة بين طرفين في مقابل علاقات المقاومة - لحركات المستقبل؟ كيف يبدو تأريخٌ بديل لـ١٩١٩ حين يتضمّن مثلَ هذا العنف، وغياب القيادة، ودرجة عالية من الأفقيّة، وطرقاً لنشر الأفكار السياسيّة والتعبير عنها؟ وكيف يؤثّر كلّ ذلك في الثورات الحاليّة؟

خاتمة

«إنّ عرض أيّ موضوعٍ عن طريق الاهتمام «بالصورة الكبيرة» لا بدّ أن يُبرز الهياكل كبيرة الحجم والنزعات التاريخيّة على حساب التواريخ الصُغْر - اجتماعيّة التي ربّما تسمح بمساحةٍ أكبرَ لأصوات العوامّ» (جويل بينين)٤٣.

بعدما عاد يونس من الحرب، جلس في مقعد داره في بيت العائلة وبدأ يستعيد تجاربه على الجبهة بصوت عالٍ يسمعه الجميع. كان رفْع الصوت أمراً معتاداً في حال كانت عند أحدهم قصة يحكيها، كي يصبح بإمكان الناس المتجمعين في المقعد أن يسمعوه، وكذلك النساء والأطفال في فناء الدار الذين كانوا يحتاجون أو يفضلون البقاء في المنزل. كرر يونس القصة مرّة بعد مرّة كي يسمعه الجميع.

استخدم الناس هذه الطريقة في بعض الأحيان حين حضرت السلطات لسؤال الأهالي عن حريق القطار في أسيوط، أو حين كانوا يبحثون عن الهاربين، حيث يقف الناس في المقعد ويجيبون عن الأسئلة بصوتٍ مرتفع حتى يتأكّدوا أنّ الجميع قد سمعهم، وأنّ رواياتهم ستتطابق. هذا التكنيك في الحكي، في صياغة سرديّة يمكن أن يسمعها ويردّدها الجميع، يرمز بعض الشيء للكيفيّة التي تُبنى بها سرديّات القرية، فهو يمثّل الطريقة التي أنشئتْ بها «حصيلة» القرية وأعيد توكيده خلال الأحداث التي عرضناها في هذا المقال.

يعتمد عصمت سيف الدولة في استعادة مذكّرات القرية على هذه التقاليد الشفهيّة المتنوّعة، ويروي القصص كما حُكيتْ له ويمْعن التفكير في المصطلحات المستخدَمة. كانت هذه محاولةً لتمييع هيمنة لغته هو (لغته القاهريّة، وفهمه الأيديولوجيّ ومعرفته بالسياق التاريخيّ للأحداث)، وهو يعتمدها كذلك لفهم كيف تسمّى الأحداث والفرق المتناحرة في الهياكل السياسيّة الأكبر للحكومة والإدارة الاستعماريّة وكيف توصف.

إنّ شفاهة المذكّرات تجعلها لا تسري بالترتيب التاريخيّ، بل تُبنى كوعيٍ بما يجب أن تقاومه القرية وكيف يجب أن تُبنى تلك المقاومة. يرسم سيف الدولة كيف أنّ السلطة التي يقاومونها تطوّرت من الحكومة إلى الإدارة البريطانيّة المسؤولة عن الحرب، إلى مزيج من إدارة القوّات الاستعماريّة والحكومة وممثّليهم في القرية، ثمّ نهايةً بقوّةٍ أكبر تشمل كلّ هذه العناصر كما تشمل النبلاء أصحاب الأراضي الذين استنزفوا موارد القرية بما فيها أهلُها.

لم تكن هناك على مرّ المذكّرات «مقاومةٌ طاهرة»٤٤. إنّ محاولة تضمين القرية في الخريطة السياسيّة الأكبر و«محاربة الحكومة بالحكومة»، والحفاظ على هامشيّة القرية واستقلالها وبُعدها عن الأنظار، إلى النقاش الحارّ عمّا إذا ما كان ينبغي على القرية أن تصير جزءاً من ثورةٍ وطنيّة أكبر، كلّ هذه كانت صيرورةً مستمرّة من التفاوض مع هياكل القوّة داخل القرية وخارجها. فالقرية لم تكن إطلاقاً منعزلةً وإنّما مرتبطة بالبلد الأكبر، متورّطة في هياكل القوّة والصراعات حول التحكّم في الأرض.

إلّا أنّ المذكّرات تشير إلى أنّ خطابات المقاومة لم تنمحِ هكذا ببساطة - «لا من سياسة الزمن، ولا من السجلّات التاريخيّة»٤٥. لا تزال آثار النضالات موجودةً في حكايات مَن ورثوا خبرات القرية سماعاً وإن لم يكونوا عاشوا الأحداث المحكيّة، وفي آثارٍ شفهيّة أخرى سلّطت عليها الضوء هنا كالنّكات وشعارات المظاهرات والأغاني الموجودة في مصادر أخرى متنوّعة. هذا التبصير بلغة الاحتجاج يلقي ضوءاً على نواة نضالاتٍ مختلفة اختفتْ في وهيج الصراع الأكبر من أجل الاستقلال الوطنيّ في ١٩١٩.

في كلّ واحدةٍ من الأحداث التي نوقشتْ هنا، كان هناك نضال على مستوياتٍ متنوّعة. ثقة عبّاس في أنّه يعرف بالضبط كيف يقاوم التجنيد الذي تمارسه الإدارة الاستعماريّة قوبلت بالإعجاب والازدراء معاً أثناء مناقشة الأهالي خطورةَ المواجهة والاشتباك مع السياسة الكبيرة في توازن قوى غير متكافئ. إنّ الرحلات المضنية التي قام بها عبّاس إلى أسيوط على حماره ذهاباً وإياباً طوال المذكّرات - إمّا لمقابلة المحامين أو لتخليص أوراق ملكيّة الأراضي، أو لمتابعة العرائض، أو في نهاية الأمر، فقط لينتظر يونس - صارتْ رمزاً لمحاولته ربطَ القرية بباقي العالم. وهو يقوم بهذا عن طريق توثيق مقاومتهم وترسيمها بتسجيل معارضتهم للتجنيد في العرائض وبتسجيل النزاع على الأراضي في وثائقَ قانونيّة.

في خبرة يونس على الجبهة، نجده يتعاطى مع الآخرين من القرى المجاورة في أسيوط كما يتعاطى مع مُشرفهم المغربيّ حول أساليب الإضراب والمقاومة لتحسين ظروفهم بناءً على فهمٍ متزايدٍ بأهمّيّة وضرورة عملهم للجيش الفرنسيّ. إلّا أنهم في النهاية يُرمَون جميعاً بالرصاص إلّا يونس الذي يعود لقريته كي يحكي حكايته ويشارك في بداية عصيان ١٩١٨.

يجول في داخل فكري ونعمان وآخرين مثلهما، نزاعٌ بين الانضمام لثورة ١٩١٩ - ثورة أبطالها هم نفس أصحاب الأراضي الذين يرغبون في إخراجهم منها - واستخدام السلاح الذي مُنح لهم في الثورة في بداية «ثورة الفلّاحين الحقيقية». إنّ فهم هذه المعضلة عظيم الأهميّة لفهمٍ أعمقَ لكلٍّ من جذور وطبيعة الانتفاضات التي تحيط بثورة ١٩١٩ وتؤدّي إليها. فحجر الأساس في السرديّة الفوقيّة لثورة ١٩١٩ هو وحدةٌ تعْبر الدين والطبقات، ونقاشات مثل هذه تفكّك هذا الأساس وتُلقي الضوء على هياكل القوّة، خصوصاً في داخل القرية والتي رغب الفلّاحون في مقاومتها قبل أن تُخرسهم ثورة ١٩١٩.

في كلّ هذه الأحداث لم يُصر إلى تقييم «نجاح أو فشل» تكتيكات المقاومة. هل أدّى تصميم الشيخ عبّاس على استخدام العرائض لإنقاذ القرية كلّها على حساب يونس؟ أم أنّه أدّى لتسليم واحد من الأهالي بكلّ كفاءة؟ هل حسّنت الإضراباتُ على الجبهة من أحوال العمل للخمسة والعشرين صعيديّاً في فرقة العمل في «كاليه»، أم أدّتْ إلى هلاكهم جميعاً عدا واحداً؟ هل كان ينبغي على فكري ونعمان التمسّك بموقفهما والحشد «لثورة الفلّاحين الحقيقيّة»؟ أم كان الانضمام للقضيّة الوطنيّة أجدى من الناحية الاستراتيجيّة؟

هذه ليست الأسئلة المطلوب طرحُها، والإجابات عليها مطلوبٌ فرضُها على تلك السرديّات. أهمّ ما يتعلق بهذه السرديّات الشفاهيّة والتواريخ الصُغرويّة وصفوف الاحتمالات هو ما تُبصِّرنا به في كيفيّة نشوء السياسة والوعي السياسيّ. فالفلّاحون لا يجدون أنفسهم فجأةً مشاركين في عصيان عنيف، ولا هم يخشَون المواجهة. هناك حصيلةٌ للقرارات السياسيّة والمواقف تراكمتْ على مدىً طويل في كلّ مفترَق طرق. تمدّنا القرية بتاريخٍ صُغرويٍّ لا يتّسم بالتجانس بأيّ حال. بل هو زمرةٌ من الأصوات الجماعيّة تخبرنا باحتمالاتٍ سياسيّة عديدة.

إنّ نظرةً أعمق في هذه السرديّة وعناصرها البلاغيّة تُبَصِّرُنا بسياسةٍ جديدة، ولغة جديدة تعبّر عن تلك السياسة، وتتركنا في حضرة تراثٍ جديدٍ لثورة أسطوريّة عمرُها مئة سنة. الثورات مشوّشة، والأخطار كبيرة، والتضحيات بالغة، وعادة ما يُستبعَد الأهالي من العوام من النضال رغبةً في سرديّة سلسةٍ وموحّدة وطاهرة. إنّ النضال من أجل التفاوض حول السلطة ومن أجل مقاومة القمع مستمرٌّ لا نهايةَ له.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
ثورة فلّاحي الهماميّة

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.