العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

السطو على التاريخ

الجيش المصريّ في الحرب العالميّة الأولى

في الحادي عشر من تشرين الثاني / نوفمبر ٢٠١٣ نظّمتْ هيئة البحوث العسكريّة التابعة للقوّات العسكريّة المصريّة احتفالاً مَهيباً بمناسبة مرور ٩٩ عاماً على اشتراك مصر في الحرب العالميّة الأولى. بهذه المناسبة ألقى اللواء أ .ح. أمين حسين مساعد وزير الدفاع كلمةً بالنيابة عن الفريق أوّل عبد الفتّاح السيسي الذي كان يشغل وقتَها منصب القائد العامّ للقوّات المسلّحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربيّ. وقد أشاد سيادة اللواء في كلمته بـ«ما قدّمه الجيش المصريّ من بطولاتٍ وتضحياتٍ وأعمالٍ جليلة غيّرت مسار الحروب، وساهمتْ في الانتصار للقيَم والمبادئ السامية للحضارة الإنسانيّة». تضمّن الحفل، حسب الصفحة الرسميّة للمتحدّث العسكريّ للقوّات المسلّحة، معرضاً «للصور والوثائق السريّة التي رُفع الحظرُ عنها من الأرشيف الوطنيّ البريطانيّ والفرنسيّ وكبريات الجامعات الأوروبيّة، والتي توثّق الحرب العالميّة الأولى ومشاركة الجيش المصريّ فيها، بالإضافة إلى مجموعةٍ من الصوَر النادرة التي تحكى بطولاتِ أقدم جيش نظاميٍّ عرفه التاريخ وكيف حافظ على أركان الدولة المصريّة وحضارتها وموروثاتها الثقافيّة منذ عهد الفراعنة وصولاً للعصر الحديث». وأنهت الصفحة بيانَها بالإشارة لفيلم وثائقيّ عُرض في الحفل «تناول المشاركة المصريّةَ مع قوّات الحلفاء خلال الحرب العالميّة الأولى في ثلاث قارّات، فصدّ هجوم العثمانيّين من الشرق وحارَبَ في الشام والعراق والجزيرة العربيّة دفاعاً عنهم في آسيا، كما صدّ هجوم السنوسي من الغرب، وهجومَ سلطنة دارفور من الجنوب في أفريقيا. كذلك شاركتْ مصرُ على الجبهة الأوروبيّة بمائه ألف مقاتلٍ من سلاح العمّال (المهندسين حاليّاً) والهجّانة (حرس الحدود حاليّاً) قاتَلوا في أربع دول هي: بلجيكا وفرنسا وإيطاليا واليونان، واستُشهد عددٌ [كذا] منهم ودفنوا بمقابر الكومونولث بأوروبا، فكانوا سبباً رئيسيّاً في انتصار الحلفاء. وقد مُنح العديد منهم وسام فيكتوريا الذي يعدّ أرفع الأوسمة العسكريّة التي تُمنح للقادة الذين أثّروا في تاريخ البشريّة».

الغريب في أمر هذا الاحتفال لم يكن فقط إشارة سيادة اللواء للوثاق البريطانيّة والفرنسيّة التي أُفرج عنها مؤخّراً، إذ إنّ لا دار الوثائق البريطانيّة ولا تلك الفرنسيّة قد أفرجتْ مؤخّراً عن أيّ وثائق تتعلّق بالحرب العالميّة الأولى. ولم يكن الغريب أيضاً الادّعاء بأنّ الجيش المصريَّ الحديث مرتبطٌ بشكل ما بالفراعنة. بل الغريب حقّاً هو الادّعاء بأنّ جنوداً مصريّين قد مُنحوا وسامَ فيكتوريا، ذلك أنّ قائمة الألف والثلاثمائة والثمانية والخمسين فرداً الذين مُنحوا هذا الوسام تخْلو من اسم جنديٍّ مصريٍّ واحد١، هذا بافتراض أنّ من دواعي الفخر والشرف أن يتقلّد أيّ جنديٍّ مصريّ هذا الوسامَ الممنوح من الإمبراطوريّة البريطانيّة التي كانت تحتلّ البلادَ وتُذيق المصريّين ألوان الذّلّ والمهانة.

احتفالاتٌ تظهر وتختفي

والأغْرب في أمر هذا الاحتفال هو أنّ تلك كانت المرّة الأولى التي سمعنا فيها عن اشتراك القوّات المسلّحة المصريّة في الحرب العالميّة الأولى. فمنذ انتهاء الحرب وعلى مدار تسعة وتسعين عاماً لم تحتفل القوّاتُ المسلّحة قطّ بهذه المناسبة. وفجأةً بدأتْ هذه الاحتفالاتُ عام ٢٠١٣ بُعيد الانقلاب الذي قام به الجيش في هذه السنة، وتكرّرتْ أعوام ٢٠١٤ و٢٠١٥ و٢٠١٦ و٢٠١٧ حين أقام الجيشُ احتفالاتٍ مهيبةً تُليتْ فيها الخطبُ نفسُها، بحذافيرها، عاماً بعد عام، وإن تبدّل الضبّاط الذين تَلَوها كلّ سنة. وفي ختام هذه الاحتفالات رُفع العلم المصريُّ بجانب أعلام الدول الأوروبيّة، والتُقطت الصوَر التذكاريّة للملحقين العسكريّين الأوروبيّين الذين بدَوا متحمّسين لتصحيح هفوةٍ تاريخيّة وللاعتراف بدور الجيش المصريّ في الحرب العالميّة الأولى والاعتذار عن إغفال تضحياته في الحرب العظمى طوال هذه المدّة الطويلة.

فجأةً وبمناسبة الذكرى المئويّة الأولى للحرب في تشرين الثاني / نوفمبر ٢٠١٨ اختفتْ هذه الاحتفالاتُ بنفْس الغموض الذي ظهرتْ به منذ خمس سنوات خلَت. هذه المرّة لا احتفالات أقيمتْ ولا خطبٌ ألقيتْ ولا صور التُقطتْ. وكانت المقالة الوحيدة التي نُشرتْ عام ٢٠١٨ والتي تشير لمشاركة القوّات المسلّحة المصريّة في الحرب العالميّة الأولى هي تلك التي نُشرتْ في «الأهرام» في ١١ تشرين الثاني / نوفمبر ٢٠١٨ بقلم عليّ الدين هلال، أستاذ العلوم السياسيّة بجامعة القاهرة. في هذه المقالة كرّر عليّ الدين هلال التفاصيل نفسها التي تضمّنتْها البيانات العسكريّة في السنوات الخمس السابقة، ولكن باختلافين اثنين. الأوّل هو ادّعاؤه بأنّ عدد الجنود المصريّين الذين شاركوا في الحرب لم يكن مائة وخمسين ألفاً بل مليوناً ونصفَ المليون جنديّ. أما الاختلافُ الثاني فكان إشادتَه بشخصٍ اسمُه دكتور أشرف صبري، «المتخصّص في التاريخ الحربيّ»، وبجهوده في إماطةِ اللثام عن حقيقة وحجم مشاركة الجيش المصريّ في الحرب العالميّة الأولى.

عزّزت هذه الإشارةُ إلى الدكتور أشرف صبري شكوكيَ في كون هذا الرجل هو الذي أقنَعَ كبار ضبّاط الجيش بأهمّيّة المشاركة العسكريّة المصريّة في الحرب وأكدتْ شكوكي بأنّه هو من لَفَتَ أنظار رجالات الجيش لهذه المرحلة المنسيّة من تاريخ مصر الحربيّ. فمنذ بدأت هذه الاحتفالاتُ المريبةُ تكرّر ظهور دكتور أشرف صبري وأخذتُ أتابع أحاديثه عن الحرب العالميّة الأولى ودورِ الجيش المصريّ فيها. وبرغم ظهوره في الكثير من الصوَر التذكاريّة المصاحِبة لتلك الاحتفالات، إلّا أنّني فشلتُ في العثور على أيّ مؤلَّفاتٍ له، سواءٌ بالعربيّة أو بلغاتٍ أجنبيّة، وسواءٌ تعلّقتْ هذه المؤلّفات بالحرب العالميّة الأولى أو بأيّ حربٍ أخرى، عالميّةً كانت أو محلّيّة. لكنْ بعد البحث عنه عبْر «غوغل» توصّلتُ الى حديثٍ أدلى به عام ٢٠١٤ لموقع «البوّابة نيوز» تبيّنَ منه أنّه بالفعل دكتور ولكنّه دكتور في «طبّ الأعماق». كما تبيّنَ أنّه رئيس جمعيّة الغَوص بالإسكندريّة والساحل الشماليّ. وفي أحاديث أخرى اتّضح أنّه أثناء غوصه في مياه المتوسّط قبالةَ شواطئ الإسكندريّة عَثَرَ على ما اعتقدَ أنّه حطامُ سفنٍ عسكريّة تعود للحرب العالميّة الأولى. وكان هذا الاكتشافُ هو ما جذَبَه للبحث في تاريخ هذه الحرب، وانصبّ اهتمامُه ليس فقط على تأثير هذه الحرب في المجتمع المصريّ - فهذا موضوعٌ كثرت الدراساتُ عنه - بل أيضاً على مشاركة الجيش المصريّ فيها، الأمر الذي لم ينتبهْ له عددٌ لا يُحصى من المؤرّخين المصريّين والأجانب الذين تناولوا تاريخ الحرب العالميّة الأولى.

هناك ادّعاءان مهمّان يشير إليهما دكتور أشرف صبري، ادّعاءان ردّدتْهما قياداتُ الجيش المصريّ على مدار خمس سنوات، وهما ادّعاءان لهما علاقةٌ وثيقة بثورة ١٩١٩ وبكيفيّة قراءتها. أمّا الادّعاء الأوّل فهو أنّ مصر كان لديها جيشٌ وطنيّ عام ١٩١٤، عام اندلاع الحرب في أوروبا، وأنّ هذا الجيشَ حارب بشجاعةٍ وجسارةٍ على حدود مصر الغربيّة والشرقيّة والشماليّة. وأما الادّعاء الثاني فهو أنّ ما يناهز ١٥٠ ألف جنديّ ينتمون لهذا الجيش (أو مليون ونصف مليون جنديّ حسب إحصائيّة عليّ الدين هلال) قاتلوا في ميادين القتال المختلفة التي شهدتْها الحربُ بما في ذلك الجبهة الغربيّة في شمال شرقيّ فرنسا.

من ولايةٍ عثمانيّة إلى محميّةٍ مصريّة

لمعرفة الحقيقة حول الادّعاء الأوّل ولفصل الواقع عن الخيال والتاريخ عن البروباغاندا، يجب البحثُ في طبيعة الجيش المصريّ وحجمه وهويّته أثناء الحرب وقبيل اندلاع ثورة ١٩١٩. فكما هو معروف (ويبدو أنّ ما هو معروفٌ من الحقائق التاريخيّة أصبح محلَّ شكٍّ وتضليل) أنّ الجيش المصريَّ الذي قاده أحمد عرابي عام ١٨٨٢ لم يتعدَّ حجمُه ١٥،٠٠٠ رجل. وبعدما ألحَقَ البريطانيّون الهزيمةَ بهذا الجيش في معركة التلّ الكبير ( أيلول / سبتمبر ١٨٨٢) عملوا على تقليص حجمه حتى أمسى لا يتجاوز ستّة آلاف رجل. وجاء هذا الإجراء تنفيذاً لسياسات اللورد كرومر التقشّفيّة وانعكاساً لاقتناع لندن بأنّ مسؤوليّة الدفاع عن مصر يجب أن يضطلع بها البريطانيّون لا المصريّون.

لكنّ ما فاق في أهمّيّته حجمَ الجيش هو حقيقةُ أنّ قادة هذه الجيش، بمن فيهم سردارُه (أي قائده العام)، كانوا كلّهم ضبّاطاً بريطانيّين. فالمصريّون كانوا ممنوعين من الترقّي للرّتب العليا، والقليل منهم هو من وصلَ لرتبة الصاغ التي تعادل الآن رتبة رائد. وبخصوص الدفاع عن حدود مصر في سيناء ضدّ العثمانيّين، وفي الغرب ضدّ هجمات السنوسي، وفي الجنوب ضدّ سلطان دارفور (وهي المعلومات التي أعتقدُ أنّ أشرف صبري استقاها من كتاب لطيفة سالم عن مصر في الحرب العالميّة الأولى٢) فقد حصلتْ هذه المعارك كلّها تطبيقاً لسياساتٍ بريطانيّةٍ لا مصريّة، وتنفيذاً لأوامرَ صادرةٍ من قادةٍ بريطانيّين لا مصريّين. وبالتالي كان يوجد بالفعل جيشٌ مصريّ، ولكنّه كان مصريّاً بالاسم فقط، وكان هذا الجيشُ يخدم المصالح الاستعماريّة البريطانيّة لا الأهدافَ القوميّة المصريّة. لذا فإنّ الادّعاء بأنّ الجيشَ المصريّ الحاليّ هو امتدادٌ لجيش الفراعنة لا يفوقُه صفاقةً سوى ادّعاء أنّ هذا الجيشَ هو امتدادٌ لجيش احتلالٍ جثَمَ على صدر البلاد لمدّة اثنيين وسبعين سنة.

ولكن ماذا عن جنود هذا الجيش، لا ضبّاطِه؟ فمن المعروف أنّ جنود الجيش المصريّ بعد الاحتلال البريطانيّ عام ١٨٨٢ كانوا فلّاحين مصريّين جُنّدوا حسب قانون القرعة الذي سمح للميسورين منهم بشراء إعفائهم من الخدمة نظيرَ دفع مبلغٍ ماليّ. لكنّ مهما كان الأمر، هل يمكن القول، كما ذهب كلٌّ من أشرف صبري وعليّ الدين هلال، إنّ هؤلاء المجنّدين هم مَن حارب في ميادين القتال المختلفة في الحرب العالميّة الأولى؟ هل يصحّ القولُ إنّ مائةً وخمسين ألف جنديّ مصريّ (أو مليوناً ونصف مليون جنديّ حسب كلام عليّ الدين هلال) حاربوا في الشام والعراق والجزيرة العربيّة أثناء الحرب العالميّة الأولى؟ أم أنّ هؤلاءِ الرجال جُنّدوا ليس في الجيش المصريّ وإنّما في الجيش البريطانيّ؟

للإجابة عن هذا السؤال الهامّ، ولمعرفة العلاقة بين مشاركةِ هؤلاء المصريّين في الحرب وثورة ١٩١٩ يجب علينا أن نعود للوراء حتى الأيّام الأولى للحرب لكي نتتبّع تطوّر السياسة البريطانيّة في مصر شهراً بعد شهر.

عندما اندلعت الحرب في آب / أغسطس ١٩١٤ كانت مصر في موقفٍ فريدٍ من الناحيتَين الديبلوماسيّة والقانونيّة. فكما هو معروف، كانت البلاد تتمتّع منذ عام ١٨٤١ بقدرٍ كبيرٍ من الاستقلاليّة وكان يحكمها بيتٌ أسريٌّ هو بيت محمد علي وذرّيّته، ولكنْ ظلّت السيادة العثمانيّة، قانونيّاً، قائمةً، وظلَّ السلطانُ العثمانيّ رسميّاً صاحبَ السيادة على البلاد. ولكن عمليّاً وبعد معركة «التلّ الكبير» عام ١٨٨٢ أصبح البريطانيّون هم المسيطرين الحقيقيّين على مقدّرات البلاد. ولذا عندما اندلعت الحرب في الخامس من آب / أغسطس ١٩١٤ أجَبَر البريطانيّون الحكومةَ المصريّة على أن تنحاز لإعلان بريطانيا الحربَ على ألمانيا والنمسا. وبالتالي طرَدَ الخديوي الديبلوماسيّين الألمانَ والنمساويّين من البلاد وصادر الأملاك الألمانيّةَ والنمساويّة. والأخطر من ذلك أنّه عندما دخلت الدولة العثمانيّة الحربَ يوم ٢ تشرين الثاني / نوفمبر وجدتْ بريطانيا نفسَها في وضْع شاذٍّ في مصر، فالمصريّون، قانوناً، رعايا للسّلطان العثمانيّ وبالتالي يحقّ لهم حملُ السلاح ضدّ أعداء السلطان، أي بريطانيا. وللتّعامل مع هذا الموقف الغريب أعلنت بريطانيا الأحكامَ العرفيّة في ٢ تشرين الثاني / نوفمبر، الأمر الذي أعطى القائد العامّ للقوّات البريطانيّة في مصر، الجنرال جون ماكسويل، سلطاتٍ واسعةً للقبض على المواطنين ولمنع الاجتماعات العامّة وللرقابة على الصحف والمنشورات والرسائل. ثمّ جاء القرار المشؤوم في ١٨ كانون الأوّل / ديسمبر ١٩١٤ بإعلان الحماية على مصر حتى تتمكّن بريطانيا من وضْع حدٍّ للوضع الشاذّ الذي وَجدتْ نفسها فيه. ففي صباح اليوم التالي، ١٩ كانون الأوّل / ديسمبر، قرأ المصريّون في جرائدهم وفي منشوراتٍ عُلّقتْ على الجدران التصريح التالي:

«إنّ وزير خارجيّة جلالة ملك بريطانيا يعلن أنّه نظراً لحالة الحرب الناشئة عن عمل تركيّا، فقد وُضعتْ مصرُ تحت حماية صاحب الجلالة، وسوف تصبح من الآن فصاعداً تحت الحماية البريطانيّة. وبذلك انتهتْ سيادة تركيّا على مصر، وسوف تَتّخذ حكومة جلالة الملك جميع الإجراءات الضروريّة للدّفاع عن مصر وحماية سكّانها ومصالحها»٣.

كما أعلن البريطانيّون عزْل الخديوي عبّاس حلمي الثاني، الذي كان يناهض النفوذ البريطانيّ منذ اعتلائه الحكم عام ١٨٩٢، والذي صادف وجوده في إسطنبول عندما اندلعت الحرب. وعوضاً عنه عيّن البريطانيّون عمّه حسين كامل، المتعاطف معهم، وقلّدوه لقب «سلطان» على مصر يوم ٢٠ كانون الأوّل / ديسمبر. وبالتالي، في غضون خمسة أشهر فقط، تحوّلت مصر من ولاية عثمانيّة ذاتِ حكم شبه مستقلٍّ تحتلّها مؤقّتاً قوّاتٌ بريطانيّة بحجّة استعادة الأمن، لمحميّةٍ بريطانيّة خاضعةٍ للأحكام العرفيّة. وتحوّلت الخديويّة إلى سلطنة، وعُزل عبّاس حلمي المناصر للحركة القوميّة والمناوئ للاحتلال وحلّ محلّه حسين كامل المناصر للبريطانيّين.

وسرعان ما أن أصدر البريطانيّون يوم ٧ تشرين الثاني / نوفمبر ١٩١٤ تصريحاً عبّروا فيه عن تخوّفهم من عمق ولاء المصريّين للسلطان العثمانيّ الذي كان يحمل لقب خليفة المسلمين في ذات الوقت، فقالوا إنّهم يدركون طبيعة أواصر علاقة المصريّين بالخلافة، وبالتالي فقد أعفَوهم من الخدمة العسكريّة وتعهّدوا بأنّ بريطانيا قد آلتْ على نفسهم مهمّة الدفاع عن مصر.

«فيالق العمل المصريّة»

لكن بما أنّ الحرب لم تنته في الكريسماس (عيد الميلاد) عام ١٩١٤ كما ظنّ القادةُ البريطانيّون، بل امتدّتْ لشهور وسنين طويلة، وبما أنّ البريطانيّين كانوا يواجهون عقباتٍ خطيرةً طوال ١٩١٦ و١٩١٧ في حملة الدردنيل وفي حصار كوت العمارة جنوبيّ العراق وفي حملة سيناء / فلسطين، بدأ المسؤولون في لندن يعيدون النظر في تعهّدهم بإعفاء المصريّين من الخدمة العسكريّة، وبدأت الأصوات تتعالى بين المسؤولين البريطانيّين بأنّ مصرَ لا تضطلع بمهامّها في تلك الحرب. وحسب الأبحاث الدقيقة التي أجراها كايل أندرسون (أستاذ التاريخ في جامعة نيويورك) في دار الوثائق البريطانيّة٤، كتبَ وزير الحربيّة البريطانيّة في آذار / مارس ١٩١٧ لقائد «الحامية العسكريّة المصريّة» The Egyptian Expeditionary Force التي يتّضح من هويّة قائدها، آرتشيبولد مَري، أنّها كانت مصريّة بالاسم فقط، والتي كانت قد تشكّلتْ في العام السابق، كتب يخبره بأنّه «ينبغي على كلّ بقاع الإمبراطوريّة أن تشارك في حمل أعباء الحرب حسب الظروف المحلّيّة... أمّا بالنسبة إلى مصر، فأنا لستُ مقتنعاً بأنّ هذا هو حالها». وبحلول شهر حزيران / يونيو ١٩١٧ اقترحتْ وزارة الحربيّة تجنيدَ ١٧،٠٠٠ مصريّ للانخراط في صفوف الجيش البريطانيّ للمساهمة في أعباء الحرب. ولكنْ نظراً لاعتراض الحكومة المصريّة، بالإضافة إلى محاذيرَ أبداها الجيشُ المصريّ بقيادة القادة البريطانيّين، تمّ التخلّي عن فكرة تجنيد المصريّين، وظهرتْ عوضاً عن ذلك فكرةُ الطلّب من الفلّاحين المصريّين أن يتطوّعوا للخدمة في الجيش البريطانيّ نظير إعفائهم من التجنيد في الجيش المصريّ. وبالتالي أصدر وزير الحربيّة البريطانيّ قراراً في ٢٠ تشرين الأوّل / أكتوبر ١٩١٧ بتعديل بعض أحكام قانون القرعة العسكريّة. ونصّ القرار أنّ «كلّ شخصٍ مطالبٍ بأداء الخدمة العسكريّة سيعُفى من أداء هذه الخدمة إذا تطوّع للخدمة لمدّة عامٍ واحد متّصل في الخدمات الملحَقة بالقوّات البريطانيّة». وهكذا ولدتْ «فيالق العمل المصريّة» التي يشير إليها كلٌّ من أشرف صبري وعليّ الدين هلال.

وقبل أن نتطرّق لطبيعة هذه الفيالق وقبل أن نطرح السؤال الأساسيَّ والمحوريّ عمّا إذا كان هؤلاء الرجالُ جنوداً أم فلّاحين، وعمّا إذا كانوا قد انخرطوا في الجيش المصريّ أم في الجيش البريطانيّ، يجب أن نوضحَ حجم هذه الفيالق وأنْ نحدّد عدد الرجال الذين نتحدّث عنهم. ومرّةً أخرى يسعفنا كايل أندرسون اعتماداً على الوثائق التي اطّلع عليها في دار الوثائق البريطانيّة. تقول المراسلاتُ الرسميّة البريطانيّة إنّ عدد الفلاّحين الذين جُمعوا من كافّة ربوع مصر وأجبروا على الخدمة في «فيالق العمل» ناهز الربع مليون، بالإضافة إلى حوالي مائة ألف فلّاحٍ آخرين شكّلوا وحداتِ مساعدةٍ إضافيّة. وبالتالي فالرقم الإجماليّ الذي يذكره كايل أندرسون هو ٣٢٧ ألف رجل. كانت أوّل مهمّةٍ اشترك فيها هؤلاء الرجال هي العمل كعمّال نقْلٍ في الحامية العسكريّة المصريّة في حملتها في سيناء ثمّ في فلسطين، حيث مدّوا خطوط السكك الحديديّة وأفرغوا حمولاتِ السفن قبالة السواحل الفلسطينيّة. كما خدموا في العقبة وبلاد الرافدين وسالونيك ومودروس وفرنسا.

وقد باءت بالفشل كلُّ المحاولات المضنية للاعتماد على الوثائق المصريّة للتأريخ لهؤلاء الرجال وللوقوف على تضحياتهم الجسيمة. فدارُ الوثاق القوميّة المصريّة، المستودعُ الرسميّ لوثائق الدولة المصريّة، والتي تتميّز مجموعةُ وثائقها التي تعود للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تحديداً، بالغزارة والتنوّع - هذه الدارُ أغلقتْ أبوابَها عمليّاً أمام الباحثين سواءٌ من المصريّين أو الأجانب. فتصاريح الأمن اللازمة للبحث والاطّلاع في الدار، والتي كانت تقتصر على الباحثين الأكاديميّين، أمسى الحصولُ عليها من رابع المستحيلات. وفي الوقت عينه فإنّ الأرشيف العسكريّ المعروف بدار المحفوظات المركزيّة بالقوّات المسلّحة، هو في حقيقة الأمر أرشيفٌ سرّيٌّ لا يعلم بوجوده أحد، ما بالنا بالتصريح لأحدهم بالبحث فيه، وحسب علمي فقد اطّلع على محتوياته الفريدة مؤرّخان اثنان فقط وليس صدفة أنّ لهما علاقة بالجيش، الأوّل هو ممدوح أنيس فتحي، المتحدّث السابق باسم وزير الدفاع، والثاني هو فطين أحمد علي، وهو ضابطٌ متقاعد (وكلاهما له مؤلّفاتٌ هامّة عن حرب حزيران / يونيو ١٩٦٧). وبالتالي، ونتيجةً لحجب الوثائق المصريّة المتعلّقة بفيالق العمل المصريّة في الحرب العالميّة الأولى، لا بديَل لأيّ باحثٍ جاد يسعى لكتابة تاريخ هؤلاء الفلّاحين المصرّيين وللوقوف على معاناتهم وتضحياتهم سوى اللجوء للمصادر الأجنبيّة، وخصوصاً البريطانيّة.

واعتماداً على هذه المصادر البريطانيّة، تمكّن كايل أندرسون من رسم صورةٍ دقيقة عن تفاصيل جمع هؤلاء الرجال من قرى مصر وعن دَور العمد وحكّام الأقاليم في إجبارهم على «التطوّع» في تلك الفيالق. وسرعان ما تتّضح نقطتان محوريّتان من أبحاث كايل أندرسون. النقطة الأولى هي أنّه على عكس الرجال الذين خدموا في القوّات الأستراليّة أو النيوزيلانديّة أو الهنديّة إبّان الحرب العالميّة الأولى، لم يكن الرجال الذين جُلبوا للخدمة في فيالق العمل المصريّة جنوداً في يوم من الأيّام، بل كانوا مدنيّين ولم يكتسبوا قطّ أيّا من الصفات العسكريّة، فلم يحملوا رتباً عسكريّةً، ولم يتلقَّوا تدريبات عسكريّة، ولم يتسلّموا ملابسَ عسكريّة. ورغماً عن ذلك وكما سنرى لاحقاً، فقد خضعوا لنظامٍ عسكريٍّ صارم. أمّا النقطة الثانية فهي أنّهم «تُطوّعوا» في الجيش البريطانيّ وليس في الجيش المصريّ.

«يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي»

وإذا انتقلنا لتفاصيل حياة هؤلاء الفلّاحين بعد «كبسهم» في فيالق العمل المصريّة فلن نجد خيراً من علياء مسلم وأبحاثها الدقيقة في الوثائق البريطانيّة. فإضافةً لعثورها على وثائقَ هامّة تؤكّد أنّ هؤلاء الرجال خدموا في الجيش البريطانيّ لا في الجيش المصريّ، أجرتْ علياء مسلم تأريخاً شفهيّاً مع فلّاحي فيالق العمل٥. وقد قامتْ بهذا العمل بشكلٍ فريد وفَذّ، فقد تعقّبتْ أغنيةً دأب هؤلاءِ الفلّاحون على ترديدها أثناء خدمتهم الطويلة في الجيش البريطانيّ، وتتبّعتْ هذه الأغنية، إن جاز التعبير، في سيناء ففلسطين ففرنسا. كان الرجال ينشدون هذه الأغنية أثناء العمل على مدّ السكك الحديديّة في سيناء، وأثناء تفريغ السفن والمراكب على سواحل فلسطين، وأثناء حفر الخنادق على طول الجبهة الغربيّة في شماليّ فرنسا. استمعتْ علياء مسلم للرجال وهم يغنّون. درستْ كلماتِ الأغنية وحلّلت موسيقاها. ثمّ رسمتْ صورةً دقيقة لحياة هؤلاء الرجال اليوميّة: علاقتهم بقادتهم البريطانيّين، إحساسهم بالغربة، وحنينهم لوطنهم، جُوعهم، مرضهم، وموتهم.

عندما أقول إنّ علياء مسلم أجرتْ تأريخاً شفاهيّاً فلا أقصد بالطبع أنّها استجوبتْ هؤلاء الرجال، بل أقصد أنّها اعتمدتْ على مصادرَ أرشيفيّة بريطانيّةٍ أشارتْ، بدورها، لهذه الأغنية التي دأب الفلّاحون على ترديدها. وبشكل أكثر تحديداً، تتبّعتْ مسلم رواياتٍ لملازمين بريطانيّين علّقوا على هذه الأغنية، وعن طريق تحديدها لأماكن وتواريخ هذه الروايات تمكّنتْ من تتبّع الرجال وأغانيهم من القاهرة للعريش ثمّ رفح فعكّا فبيروت فاللاذقية وأخيراً على متن السفن التي أقلّتْهم لبولونيا على بُعد أميالٍ قليلة غربيّ جبهة القتال في شمال شرقيّ فرنسا. كما عثرتْ مسلم على تقارير بريطانيّة للأغنية نفسها أنشدَهَا العمّالُ المصريّون عند رجوعهم لبلادهم عام ١٩١٨.

لم تكن الأغنية سوى أغنية «يا عزيز عيني» التي لحّنها سيّد درويش وأنشدتْها نعيمة المصريّة في السنوات القليلة السابقة على الحرب. وبدراسة تاريخ أسطوانات الفونوغراف في مصر تقول مسلم إنّ «يا عزيز عيني» أغنية من الفولكلور المصريّ تعود لفترةٍ أقْدم من سنوات الحرب العالميّة الأولى بكثير، وإنّ كلماتها التي تحمل معاني الغربة والضياع والحسرة تعبّر عن تجارب التجنيد المصريّة طوال القرن التاسع عشر. وكدارسٍ لتاريخ جيش محمّد علي ولتجربة آلاف الفلّاحين الذين جُّندوا في هذا الجيش، أستطيع القول إنّي أوافق علياء مسلم في حكمها هذا.

يا عزيز عيني وانا بدّي أروّح بلدي،

آه يا عزيز عيني وانا بدّي أروّح بلدي

آه يا عزيز عيني بعدك على عيني

صابح مسافر وداخل ليه يودّعني

بكي وبلّ المحارم قلت ليه يعني

هو البكى صنْعتك ولّا دلع يعني

لا هو البكى صنْعتي ولا هو دلع يعني

لولا كلام العوازل مر يوجعني

آه يا عزيز عيني بعدك على عيني

وتقول علياء مسلم عند تحليلها للأغنية إنّها متعدّدة الطبقات، وإنّها تتراوح بين تجربة الرجال الذين سيقوا إلى الحرب (يا عزيز عيني وانا بدّي أروح بلدي) وألم الأحبّة الذين هُجّروا (هو البكى صنْعتك ولا دلع يعني). كما تلفت أنظارنا لمعلومة هامّة، ففي أثناء الحرب تحوّرت كلمات الأغنية على نحوٍ دالٍّ حين أضحتْ «بلدي يا بلدي والسلطة خَدِت ولدي». الأغنية وبتنويعاتها المختلفة، تعبّر عن الإحساس العميق بالغربة المستشري في الصعيد قُبيل اندلاع الحرب وأثناءها.

الثورة الفلّاحيّة تفتتح ثورة ١٩١٩

وفي دراسة ثاقبةٍ أخرى تحلّل مسلم معنى هذه الكلمة المفتاحيّة، السلطة، وإيحاءاتها، فتستكمل جهودها في مجال التأريخ الشفاهي وتستمع لأغاني العمّال ونكاتِهم في جبهات الحرب بالإضافة إلى الجبهة الداخليّة، تلك الأغاني والنكات التي استرقَ السمع إليها ودوّنها الملازمون البريطانيّون٦. كما تستحضرُ هتافات ثورة ١٩١٩ وشعاراتِها، التي عكستْ مواقفَ ضدّ الحكومة أحياناً وضدّ الوفد أحياناً أخرى. ثمّ تُسقط مسلم كل هذه المادّة السمعيّة على المذكّرات الفريدة التي كتبها عصمتْ سيف الدولة والتي نُشرتْ في جزأين طُبع الأوّل عام ١٩٩٥ ٧ وطُبع الثاني عام ١٩٩٦ ٨ قبل وفاة المؤلّف بأشهرٍ قليلة.

كان عصمتْ سيف الدولة محامياً مشهوراً وكاتباً عروبيّاً له مؤلّفاتٌ كثيرة، وتتّضح من مذكّراته نظرتُه الثاقبة لعادات وتقاليد قريته في الصعيد وقدرتُه على رصْد تلك العادات بعيون أنثروبولوجيّة حادّة. لكنّ ما يهمّنا هنا هو وصفُه لتجربة أحد الفلّاحين وانخراطه في «فيالق العمل المصريّة»، تلك التجربة التي يوردها في الجزء الثاني من المذكّرات. يمكن اعتبار هذا الجزء الذي نُشرَ بعنوان «مشايخ جبل البداري» كتعليقٍ على هذا المصطلح المحوريّ، أي «السلطة»، السلطة العسكريّة البريطانيّة تعاوِنُها سلطة الإدارة المحلّيّة للحكومة المصريّة. ويجدر بنا، مرّة أخرى، أن نعتمد على قراءة علياء مسلم لنصّ عصمت سيف الدولة الثريّ والمعقّد حتى نفهم كيف سعت السلطة للسيطرة على حياة آلاف الرجال وأجسادهم حتى تزجَّ بهم للعمل في فيالق العمل، وكيف قاوم هؤلاء الرجالُ تلك السلطة وامتنعوا عن التطوّع في فيالق العمل تلك.

تتوقّف مسلم عند قصّةٍ دالّة يرويها سيف الدولة في نصّه الرائع لتشرح طريقة التطوّع في «فيالق العمل المصريّة» ولتتتبّع تجربة الرجالَ في هذه الفيالق على جبهات القتال. إنّها قصّة عبّاس إسماعيل، المثقّف الأزهريّ لقرية الهماميّة، مركز البداري، مديريّة أسيوط. فكما نرى - في مقال علياء في هذا العدد من «بدايات» - عندما حاول عبّاس مقاومةَ الحكومة بالحكومة عن طريق كتابة عريضة باسم الفلّاحين المعترِضين على التطوّع في «فيالق العمل» لخدمة الجيش البريطانيّ باءتْ محاولتُه بالفشل وانتهى به الحال مقبوضاً عليه ومجبراً، هو نفسه، على «التطوّع» للخدمة. فبعدما قدّم عبّاس عريضته بعشر دقائق، وحسب نصّ عصمت سيف الدولة:

«عاد رشاد إلى مكتبه يحمل محضراً محرّراً بخطّ المأمور يتضمّن استدعاءَ المدعوّ عبّاس محمّد إسماعيل من ناحية الهماميّة مركز البداري وإقراره بأنّه محرّر عريضة برغبةِ مذكورين فيها من أهل الهماميّة في عدم التطوّع لخدمة السلطة، وبسؤاله عن التفاصيل أقرّ بأنّ الذين لم تردْ أسماؤهم في العريضة يرغبون في التطوّع، واذ تبيّن لنا أنّ اسم المذكور غيرُ واردٍ في العريضة مع أنّ شروط التطوّع تنطبق عليه، فقد اعتبرْنا إقراره أمامنا رغبةً منه واستعداداً للتطوّع فأصدرنا الأمر بتحقيق رغبته وحجزه بمقرّ المركز لترحيله مع باقي المحتجَزين غداً...».

وكما أوضحتْ علياء في مقالها المنشور في هذا العدد، لم ينقذْ عبّاساً من «التطوّع» سوى قريبه ومريده يونس عبد الله الذي ذهب مكانه لبولونيا ضمن «فرقة العمل المصريّة» التي ساعدت الجيشَ البريطانيّ في القتال على الجبهة الغربيّة. وهناك عانى يونس الأمرّين وشاهد أهوال الحرب وعنصريّتها، فأفرادُ «فرقة العمل المصريّة» يُمنعون من دخول المطاعم الفرنسيّة، ويعاملهم الضبّاطُ الفرنسيّون معاملةً مهينةً تجاوزتْ في قسْوتها ووحشيّتها المعاملة التي يتلقّاها الجنود البيض الفرنسيّون أو الإنكليز من ضبّاطهم. وينتهي بيونس الحالُ مشتركاً في تمرّدٍ انتهى بمجزرةٍ أودتْ بحياة كلّ زملائه الفلّاحين، ولم ينُج من المجزرة إلّا بالتظاهر بالموت وبإرساله للمستشفى الميدانيّ، ومنه عاد لمصر حيث روى قصّته في «المنضرة» في قريته، الهماميّة.

ما يُبهرُ حقّاً في تحليل مسلم لنصّ سيف الدولة أنّها لا تتوقّف عند هذه القصّة الدراميّة بل تتعقّب يونسَ بعد عودته من جبهة القتال، كما تدرس أشكالاً أخرى من مقاومة الفلّاحين للسلطة. هذه المرّة لم تكن السلطة التي قاومها الفلّاحون هي السلطة العسكريّة البريطانيّة، ولا سلطة الحكومة المصريّة المتواطئة معها، ولكنّها سلطة الباشوات ملّاك الأراضي المقيمين في القاهرة والذين يسعَون لطرد الفلّاحين من الأرض. تحتلّ قصصُ مقاومة الفلّاحين للباشوات الثلثَ الأخير من «مشايخ جبل البداري» حيث نقرأ عن الصراع المستميت بين فلّاحي قرية الهمامّية على (الجزيرة)، تلك الأرض التي تكوّنتْ من طرح النهر والتي يعتبرها الفلّاحون ملكَهم ولكن يسعى الباشواتُ للاستيلاء عليها لخصوبتها وغلاء ثمنها. يعود يونس من الجبهة الغربيّة ليرى البلد (الهماميّة / مصر) في ثورةٍ عارمة. فبعد أربع سنواتٍ عانى أثناءها الفلّاحون من اغتصاب أرضهم، وسرقة مواشيهم، والاستيلاء على محاصيلهم، وبعدما أُجبروا على التطوّع في حربٍ لا تعنيهم، فاض بهم الكَيل، فانتفضوا في هبّاتٍ فلّاحّية طوال صيف وخريف ١٩١٨، أي قبل التاريخ الرسميّ لاندلاع ثورة ١٩١٩ بستّة أشهرٍ كاملة، فأضرمت النيران في مراكز الشرطة، وكثرت السرقات من بيوت الباشوات، وتعدّدت حوادث القتل التي استهدفتْ جيش الاحتلال. وكما توضح مسلم، كانت تلك الثورة الفلاحيّةُ في مصر جزءاً من ثوراتٍ كبيرةٍ اندلعتْ في أماكنَ عدّة في العالم اعتراضاً على الثمَن الباهظ الذي دفعه الفلّاحون في الحرب العظمى. فلم يكن صدفةً أن تشهد الجزائر وغرب أفريقيا، وقبلَهما روسيا، ثوراتٍ فلّاحيّة ضدّ السلطة. أمّا في مصر، فكما أوضح كلٌّ من إليس غولدبرغ٩ وراينهاردت شولتز١٠، كانت تلك هي أكبر ثورة فلّاحية شهدْتها البلاد في تاريخها الحديث، ويجب اعتبارها البدايةَ الحقيقيّة لثورة ١٩١٩. كانت السلطة التي ثار عليها الفلّاحون هي سلطة المحتلّ البريطانيّ، وسلطة الحكومة المحلّيّة المتواطئة معه التي جرّدت الفلّاحين من ممتلكاتهم مساعدةً منها في المجهود الحربيّ، وسلطة الباشوات ملّاك الأراضي الذني آثروا الهدوء والدّعَة أملاً في انتزاع تنازلاتٍ من البريطانيّين بعد انتهاء الحرب.

تفكيك النظرة التقليديّة إلى ثورة ١٩١٩

في مقالٍ بعنوان «ما هي أوّل صورة تقفز لذهنك عند رؤيتك الكلمة التالية: ثورة ١٩١٩؟» نُشر في «مدى مصر» في ١٠ آذار / مارس ٢٠١٩ يقول حكيم عبد النعيم إنّ المخيّلة الجمعيّة المصريّة عن ثورة ١٩١٩ هي مخيّلةٌ بصريّة بالأساس، وإنّها مستقاةٌ من السينما ومسلسلات التلفزيون. ويضيف أنّ هذه المخيّلة البصريّة تحصر ثورة ١٩١٩ في الحضَر، وأساساً في مدينة القاهرة، وتختزل الثورة إلى سلسلةٍ من المظاهرات ضدّ اعتقال سعد ورفاقه، وتعتقد أنّ الثورة وصلتْ لذروتها عندما أطلق جيش الاحتلال رصاصه على المتظاهرين يوم ١٠ آذار / مارس. وهناك بالطبع الكليشهات الشهيرة عن ثورة نساء الطبقات العليا وصوَر رجال الدين، المسلمين والأقباط، يتعانقون. ويحاجج حكيم عبد النعيم بأنّ ما يغيب عن هذه المخيّلة البصريّة هو مَشاهد إضراب العمّال في الحضَر، والثورات الفلاحيّة التي انتشرت انتشارَ النار في الهشيم من الدلتا للصعيد.

في هذا المقال اعتمدتُ على دراساتٍ حديثة (لكايل أندرسون وعلياء مسلم وحكيم عبد النعيم) تخلخل النظرةَ التقليديّة التي ترى أنّ ثورة ١٩ بدأت يوم ٩ آذار / مارس عندما اعتُقل سعد زغلول، وتؤكّد كيف أنّ الثورة بدأتْ قبل ذلك بكثير وتحديداً في صيف وخريف ١٩١٨، وأنّها اندلعتْ في الريف على أيدي فلّاحين عانَوا الأمرّين طوال سنوات الحرب العجاف. لم يكن للفلّاحين في هذه الحرب ناقٌة ولا جمّل، لكنّهم سيقوا للـ«تطوّع» فيها حيث فقدوا الغالي والنفيس.

كانت معاناةُ الفلّاحين في الحرب العظمى وتضحياتهم فيها هي المحرّك الرئيس في ثورة ١٩١٩، وكانت «فيالق العمل المصريّة» هي أهمّ عنصرٍ من عناصر تلك المعاناة. لقد انخرط في هذه الفيالق البغيضة عشراتُ الآلاف من الفلّاحين المصرّيين لخدمة الإمبراطوريّة البريطانيّة. وأثناء الشهور الطويلة التي قضَوها في العراق وفلسطين والدردنيل وفرنسا، تعمّقتْ كراهيّتهم للحرب ولمُعاناتهم فيها، كما تعمّق إدراكهم للظلم الواقع عليهم في أوطانهم. وبالطبع كان أكثرُهم يتوق لليوم الذي تنتهي فيه معاناتهم ويعودون فيه لقُراهم وبيوتهم وأهلهم. لكنْ كان هناك أيضاً مَن تسيّس على جبهات القتال. ولذا عندما عاد هؤلاء الفلّاحون من الجبهة واكتشفوا أنّ إخوانهم في الوطن لم يكن حظُّهم أحسنَ منهم كثيراً، أصبحت البلاد جاهزةً لثورةٍ شعبيّةٍ جارفة.

لكنّ الجيش المصريّ الآن يقدّم افتراءاتٍ خطيرةً يحرّف بها سجلّ الوقائع التاريخيّة. فاعتماداً على نصّاب محتالٍ خبير في طبّ الأعماق، يزعم الجيش الآن أنّ «فيالق العمل المصريّة» كانت مشكّلةً من جنودٍ لا فلّاحين، ويدعي أنّ هذه الفيالق كانت جزءاً من الجيش المصريّ لا البريطانيّ، ويدّعي أنّ مَن عانى وكابدَ أثناء الحرب هو الجيش المصريّ لا المجتمع المصريّ. ويا ليت هذه الادّعاءات كانت بغرض توضيح حقائقَ تاريخيّة كانت غائبةً أو التمسّك بحقوقٍ وطنيّة كانت مهدورةً، بل ما حرّكَ الجيشَ مؤخّراً للتصريح بهذه الافتراءات كان، وكما يعترف المتحدّث العسكريّ نفسه، السعي لكي يُرفعَ «العلَم المصريّ في لندن واليونان جنباً إلى جنب بجوار [كذا] أعظم جيوش العالم التي حاربتْ من أجل الحضارة الإنسانيّة».

فلينعم الجيشُ بأعلامه، وليتشدّق بتحالفه المزعوم مع جيوش أوروبا والدول المتقدّمة. أمّا أن يسرق منّا ثورة ١٩١٩ كما سرق ثورة ٢٠١١ فهذا ما لا يمكن السكوت عليه أو السماح به أبداً.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩
الجيش المصريّ في الحرب العالميّة الأولى

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.