العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

في الخصومة بين السلطة والثقافة

لم أقع في حياتي على مثل هذه البدعة: أن أواجه القدرَ بطريق العودة من السودان دون أن أعلم. دخلتُ من أبواب المطار الصغيرة المفتوحة، وحين أنهيت الورشة الذهنيّة - العمليّة حول تفكيك المسرحيّة وإعادة بنائها من وجهة نظر أصحابها، وجدْت أنّ عالَم الدخول مفصولٌ عن عالم الخروج. عالم الدخول، عالم يُفتح بالفيزا الممنوحة من سفارة السودان في بيروت. عالم الخروج، عالم على تخوم عيش مجموعة من الهواجس. كأنْ لا يَمنح رجال الأمن بالمطار تأشيرة الخروج من السودان. بدعة لم أرَها بدولةٍ ولا بوطن.

الدخول بتأشيرةٍ والخروج بتأشيرة

الدخول بتأشيرةٍ والخروج بأخرى. ازداد الشعور بالتعبير عن الخطر، لأنّ فكرةَ الورشة بالسودان فكرة «اتّحاد الكتّاب السودانيّين»، وهو اتّحادٌ معارضٌ للسلطة. هكذا، حضرتُ «مأساة موت أورفيوس» أمام مَن لم يقسم تأشيرة الدخول إلى تأشيرتين، لأنّ لا حاجة له إلّا للغناء. تدخل إلى السودان بتأشيرة، ولا تخرج إلّا بتأشيرةٍ أخرى. وراءَ الحقائب، أشارت الموظّفةُ في طيَران جمهوريّة مصر العربيّة إلى آخر الرّواق. هناك، قالتْ. وقالت إنّها ستحتفظ بدوري لحينَ أعود، فأجد موقعي لم يحتلّه أحد. اللطف خلفيّةٌ عند الفتاة، في حين أنّ القسوةَ بالغرفة الصغيرة، حيث احتشد عشراتُ المسافرين ينتظرون تأشيرات الخروج. ثمّة شبّاك كالشاطئ يقفز عليه عشراتٌ آخرون ممن ينتظرون فيزا الخروج بدورهم. ثمّة نقمةٌ بالأجساد المتقافزة، ثمّة نقمة بالعيون المدهوشة باندلاع حرب تأشيرة الخروج. قسمان، قسم رجال الأمن وقسم المدينة الواقع على الجانب الآخر. هكذا راحت الصوَر تتواتر، ما خصّ صورَ الأثر بالخصوص. كأنْ لا يعوَد أصلُ الدعوة مفقوداً، حين اكتشفتُ أنّ مَن جاء لكي يدفع المبلغ المتّفقَ عليه، إنّما جاء من عالَم السودان القديم. وأنّ عالَم السودان الجديدَ عالَمٌ قديم قدَمَ العالم القديم وأكثر.

حكى الرجل عن عالم السلطة، عالَم من المستحيل دخولُه. حكى عن البشير وحكى عن المهدي. قال إنّ رياض نجيب الريس نشَرَ للمهدي، وأنّ كُتبه بأهمّيّة كتب المهدي، إذا ما قرأ القارئُ أبواب العلاقة بين ما يقول وما يقول المهدي. ثمّة نوعٌ من الذعر المقدّس في وجهَي رجلين يجلسان على طاولة قريبة، ليس من الصعب تبيّنُ هويّتيهما. إنّهما من رجال المخابرات. ثمّة جمالٌ عظيم في رزمة المال. قطعت الرزمةُ كلَ شوارع الخرطوم، ثم حطّتْ بين يديّ أمام عيون رجُلَي المخابرات. إنّه أمرٌ في منتهى الغرابة أن تتذكّر كلَّ هذه التفاصيل وأنت تشتري فيزا الخروج من السودان.

الجَوازاتُ علوَّ الطاولة أكوام. لن تولَد ولن تعيش من جديد، لن تولد ولن تعيشَ بسرعةٍ إلّا إذا أقررْتَ بفضل الرشوة. هكذا: رفع رجل الأمن الجواز المشقوقَ على واحدةٍ من الصفحات الأولى، في هذا العالم المجهول. عالم لا يُدخل إلّا بالرشوة. لا طابعَ عظمة، حين تنعقد العلاقة بين أحد المدعوين والبلد المضيف على فكرة الاعتقال. بالسودان، كلّ داخل معتقَل وكلّ خارجٍ من عالم احتمالات إبادته يقرّ بفضل الحظّ ويعترف بجميله.

نهران لا تجمعهما قرابةٌ

تُولّد السلطةُ حضورَها الدائم بالسودان. سلطة بين الشمال والجنوب، حيث يوجد فضاءٌ خالٍ من البيوت، فضاءٌ من التلف. سلطةٌ لا تزال تُخيف البشر من الشيعة. وكأنّهم لم يتزوّجوا منهم. كأنّهم اغتصَبوا نساءَهم وعقائدَهم سواءٌ بسواء. خوفٌ من أن يُستولَى عليهم. هكذا بدا الأمرُ حين حاولتُ أن أسكن بقلب المدينة وأن أطلبَ الصحفَ الصادرةَ باليوم ذاته. العناوينُ الرئيسةُ لا تتحدّث إلّا عن مصير أولاد البلد أمام محاولات المستشاريّة الإيرانيّة تشييعَ السنّة بالسودان. لا وصفَ لهذه الحماقة. لا وصف، لأنّ السلطةَ غيرُ الناس والناسَ غيرُ السلطة. لم يكتشفْ صديقي «السرَّ» تحررَه، من السلطة، هو والعشراتُ من العاملين بالحقول الثقافيّة. لم يكتشفْ تحرّرَه من السلطة حين أشار بتهكّمٍ واضح إلى أنّ البشير بالمستشفى يعالِج ركْبته. وُلد وعاش بركبتين سليمتين، قضى ربعَ قرن بالسلطة ليعالج ركبته التالفة. أمامه خمسٌ وعشرون سنةً بالسلطة لكي تتلفَ الركبةُ الأخرى، ثمّ يعالجها وسْط مظاهرَ احتفاليّةٍ من أهل السلطة، المجلس العسكريّ بالأخصّ. كلامُ صديقي «السرّ» كتابٌ أوّلُ في الأزمة السياسيّة. كلام السرّ الآخَر كلام كتاب آمر بالاقتصاد، إذ إنّ نائب مدير الإذاعةِ بالخرطوم يتقاضى لا أكثر من مئة وعشرين دولاراً أميركياً.

يقدّم السودانيّون كلَّ أنواع الاحترام لأنفسهم وهم يخوضون رحلاتِهم اليوميّة أمام جمال النيلَين العظيمين. النيل الأبيض والنيل الأزرق. نيلان لا تجمعهما قرابةٌ لأنّهما نيلٌ واحد. وراء النيلين وأمامَ النيلَين وبين النيلين وعلى ضفاف النيلين عالَم الهُناك. عالم قريب / بعيد، لأنّ مَن ذاع صيتُه كواحدٍ من أرباب الخصب، لا يقدّم سوى النفاياتِ والكؤوسِ المكسورة والقمامة غير المجموعة، بدل أن يقدّم الخضرةَ والوفرةَ وكل الأفضال الأخرى. الأزمة الاقتصاديّة خانقة، الأزمة السياسيّة مخنوقة، الأزمة الاجتماعيّة لا تعترف إلّا بجميل الأزمتين.

وددْتُ أن أبقى هناك، لولا السلطةُ الموجودةُ بالسلطة وحْدها. شارع المراكز الثقافيّة الأجنبيّة، شارعٌ يدخل في هويّة السودان، لا هويّة بلدان المراكز هذه. شارع رمالٍ تسرد حكاياتِها للهواء وهي تتسطّحُ على الأرض كما لو أنّها لا تزال تبحث عن طفولتها. لا أحدَ مأخوذٌ بالقتال الدائر على الجبهات. لا يدفع الأمرُ إلى التأثّر الشديد ولا إلى التأثّر. جاء مَن تربطه صلةُ قرابةٍ بالسر، لكي يبوحَ بالسّرّ عن مصدر السرّ. السرّ من الطائفة الشيعيّة. الشيعة قليلون بالسودان. وُلد الرجلُ وعاش بالسودان، ولا تربطه قرابةٌ بالسودانيّين إذا ما تذكّر السودانيّون أنّهم أكثريّةٌ سنيّة. وأنّ السنّةَ جسدُ البلاد. شيءٌ بين الدماغ والعين، شيءٌ يسمّيه العالَم الوعي. الوعيُ طائفيّ بالسودان حتى عند المعارضين المجموعين بالمعارضة / المعارضات. الحكايات الصغيرة تقوم علو التكثيف. السودان أمّةٌ لا تعمل بالمناطق العقليّة ولا العاطفيّة ذاتها. السودان كَونٌ من الجزئيّات، السودان زمنٌ من الجزئيّات. كل سودانيٍّ يمتلك من السحر ما يكفي لأنْ يملأَ المنابعَ المشترَكة للديانات التوحيديّة. يدرك السودانيّون الأمر ويقفزون فوقه، لأنّ شبكيّاتِ علاقاتهم غير لغاتهم. القضيّة هنا: شبكيّاتٌ لا شبكة ولغاتٌ لا لغة. هذه واحدة من خلاصات تحويلات السلطة بكلّ المسائل، كأنّها تمهّدُ للانفجار الكبير.

سوف يعجز علماء الفيزياء الفلكيّة عن قراءة الوضع بالسودان. توسّع الموارد، توهّج الموارد، دون التفكير بصرف الموارد على الطبيعة وصرف الموارد على الناس. الثقافة وجهٌ من وجوهِ الآلهة الكثيرة بالسودان. السودانيّون، قبل كلّ شيء، شجعانُ وأكثر. ثمّة أحوالٌ في البلاد، ثمّةَ جبهاتٌ وتنظيمات، غير أنّ الشيوعيّين المعرّضين للمجازر المتخيّلة والواقعيّة، لا يزالون يوقّعون عقودِ وعهود الولاء للطّبقات الدنيا. لا يهمّهم كيف تُحصَى مؤلّفاتُهم، ما دام مؤلّفهم الكبير على الأرض. لا شكّ في أنّ وَضْع الشيوعيّين استثنائيّ، إلّا أنّه ليس استثناءً شاذّاً، لأنّهم ما زالوا يستبسلون في سبيل قهر الفقر والقهر والأمّيّة وتَخطّيها. بينهم وبين التخطّي وارثون لا علاقة لهم بالأبحاث. لم يُعدّ أحدُهم مخطوطةً لكي يَنشرها بعد الموت، لأنّ المؤلّفات الكاملةَ تُكتب مباشرةً على الأرض. يَهولهم ألّا يشتهرَ سوى روائيٍّ واحدٍ على صعيد العالَم هو الطيب صالح، بالنسبة إلى عدد السكّان. يَهولهم ألّا تزيدَ أعمالُ المسرح إلّا على الصعيد الحسابيّ، إلّا أنّهم يتّخذون موقفاً من القرن الماضي لكي يجدوا أنفسَهم بالقرن الحاضر، بكلّ ظروف الجدارة. لا يزايد أحدٌ على الآخر. ثمّةَ قلّةٌ تستدعي المزايدات، من دون أنْ تعْلمَ أنّ العمليّةَ هذه شيءٌ مخرّبٌ.

ثقافةٌ تراوح أمام همومها

سوف أشْرحُ الأمورَ أكثرَ في وصيّتي، إذا ما قصدْتُ السودانَ مرّةً أخرى. لن يَحدثَ هذا نتيجةَ وقائع الجولة الأولى. جولةُ اعتقال، حتى لحظة الحصول على فيزا الخروج من السودان. جولةُ الورشة الثقافيّةِ الوحيدةِ بتاريخ السودان من خلال الخصومةِ الهائجةِ بين السلطة والثقافة. لا ترى الأولى إلّا من خلال نصوصهم الشنيعةِ الخاصّة بالثقافة. لا ضرورةَ للإكثار من الأمثلة. مثالُ اتّحاد الكتّاب مثالٌ كافٍ، لأنّ السلطةَ لمْ تلبَث أنْ حلّت الاتّحاد إثرَ الورشةِ النّادرةِ التي انعقدتْ بمبادرته. ثمّةَ زياراتٌ للسودان، لكنْ لا ورشاتٌ بالسودان. قام محمود درويش بزيارة ثقافيّةٍ للسودان، إلّا أنّه لم يُقِمْ ورشةً حول الشعر ولا حول الكتابةِ الشعريّة. ثمّ إنّ الورشاتِ لا تقام، إذا أقيمتْ، إلّا برخصةٍ من السلطة، هذا الشيطانُ الرجيمُ وسْط ملائكةِ الثقافة المعارِضة.

لا يخشى المثقّفون والفنّانون بالسودان من إرهابِ السلطة. إرهابُها هو بدفْع الثقافةِ إلى المراوحة أمام أيّامها الأخيرة. تبدو الثقافةُ في أيّامها الأخيرة على الدوام، لأنّها إذا تقدّمتْ خطوةً إضافيّةً دفعَتْها السلطةُ إلى العدَم، ودفعَت المشتغلينَ بها إلى الانشغال بتحريرها من البيانات والإعلاناتِ والإخفاقاتِ السابقة، لأنّ السلطةَ خبيرةٌ بأنْ تجيزَ قتالَ الأعراق بالثقافة كما تُجيزها على الأرض. هكذا: تُراوح الثقافةُ أمام هُمومها. العديدُ من الهموم. الوَجْد هَمّ. ذلك أنّ علاقةَ الكثيرين بالثقافة وعالَم الثقافة علاقةُ وَجْد. لا علاقةَ اضطرام مِهنة. علاقةٌ بالمشْهد الثقافيّ من خلال الغِياب عن المشهد العامّ بالداخلِ والخارج من الداخل. العلاقةُ بالثقافة علاقةٌ غيرُ مستقرّة، علاقةُ المؤلِّف بالمؤَلّف لا علاقة المؤَلف بالمؤَلَّف. العلاقةُ غيرُ مستقرّةٍ بين الثقافة والمثقّفين. هي علاقةٌ غيرُ مستقرّةٍ بين الفنّ والفنّانين. إنّها علاقةٌ غيرُ مستقرّةٍ في الحالَين، هو عدمُ الاستقرار الطالعُ من علاقةِ السلطة بالثقافة والمثقّفين والفنّانين من ثمّ، حيثُ إنّ السلطةَ ترى إلى الثقافة كما ترى إلى بستانِ جَدّتِها. هي لا تريد أنْ تزرعَ بستانَ الجدّة بالخُضَر. وإذا زرعتْها، فلا تزرعُها بالعنايةِ ولا بالحُب. لا استقرار، لا بمعنى الاختلاف، بمعنى فَقد الإنسانِ لما يَحفزه لا ما يَطمئِنّ إليه. لا يعيش الإنسانُ هنا إلّا على ما لا هو عليه.

هو حالٌ من التباعُد عن هيكليّةِ الولادة وتوليد الكرامةِ على الحياة العاديّة. هكذا مضى أكثرُ من رُبع قرنٍ على تسلّمِ السلطة للسلطة من دون أن تتبدّلَ لا بالمَعنى ولا بالمبنى. أقولُ هذا من اطّلاعي عن طريق المعايَنة الشخصيّة على المُجادلاتِ الخافتةِ بين السودانيّين. الأصواتُ الخافتةُ تسجّلُ حدودَ الذهنيّة السائدة على صعيد السلطة. لا تفاهمَ على الأقوال المختلفةِ ولا تفهّم. الآخرُ عدوٌّ من القرون الوسطى، لا يَحقُّ له أنْ يشتُم بؤسَ الأوضاع ولا سوءَ الأوضاع. أكثرُ مِن رُبع قرنٍ من دونِ أن تنسخ السلطةُ بعضَ الحالات القريبةِ والبعيدةِ على صعيد احتضان الثقافة والمثقّفين والفنّ والفنّانين، بعيداً من ظواهر الانغلاق. الانغلاقِ الكلّيّ على الثقافة. أنْ يُقامَ مهرجانُ البقعةِ السنويّ، وهو مهرجانٌ خاصّ، لا يُعمِّد الثقافةَ بالحضور في حين أنّ المهرجانَ الخاصَّ يَقرأ آياتِ المسرح كلَّها بعيداً من قدرة السلطة على مهرجانِ عامٍ واحد، بهدف التتميم على الأقلّ. الكلامُ على صَنعة، الكلام على خيال، كلامُ اغتناءٍ وهو غير موجود. هو كلامٌ مبالَغٌ به.

المؤكَّد أنّ ثمّةَ بَوناً شاسعاً بين الحياة الثقافيّة والحياة السياسيّة، علماً أنّ العلاقةَ بين الاثنتين علاقةٌ حيويّة، وإنْ جاءت العلاقةُ من باب اللياقة الاجتماعيّة. لم يجر تطبيع العلاقة بين الطرفين، بين الضفتين، بحيث يستفيد الجميعُ من عمليّات التطبيع. لكنّ السلطةَ تستفيد أكثرَ من غيرها. لأنّ حضورَ الثقافة في الفضاء السلطويّ يلفتُ إلى وجود أخلاقٍ في علاقة السلطة بالآخر وبعلاقةِ السلطة بمفهوم السلطة. كلامُ اليساريّينَ حاسمٌ بالعداء للسلطة ومسلَّماتِها البعيدة من أحوال الثقافة والفنّ، وإن اختلف الواحدُ عن سواه.

صبر اليساريّين وخزّان الإخوان المسلمين

اليساريّون كثرٌ صبورونَ يتعايشون مع السلطة من خلال ما يطلَق عليه التعايشَ السلميّ، في غياب العدلِ والتضامن الاجتماعيّ. كلامُ اليساريّين كلامُ عداءٍ أيديولوجيّ إلّا أنّه كلامُ - مرآةٍ يريدُ من الآخَر العودةَ إلى ذاته، لكي يعيَ ذاتَه أوّلاً. ثمّ يندفعُ من خلال الوعي هذا إلى احترام الكائن البشريّ. لا حوارَ بين الطرفَين،لأنّ لا توازنَ بين الطرفَين. السلطةُ أقوى بكثيرٍ بحجّة إيمان قادَتِها. والإيمانُ طلبُ الله. تمتلك السلطة خبرةً دينيّةً في الحياة المدنيّة، حيث العلاقاتُ الدينيّةُ تتحكّم بالعلاقات بين البشر. وجهُ حقيقةٍ آخرُ: السودان خزّانٌ من خزّانات الإخوانِ المسلمين. خزّاناتٌ زَرعت السودانَ بالإخوان فحصدَت الابتعادَ عن الداخل والخارج. هذه حالٌ لا توصَف، هذه حال تَلطأ خلف أنّ الواقعَ هو الإيمان بالله وبما هو طلَبُ الله على الدوام.

كلام العداء بين السلطة واليساريّين، كلامُ عداءٍ أشْبه بالعداء بين الفصول. يمتلكُ الآخرون الأيديَ الخلّاقة لكتابة مراسيم العداء للسلطة. لا حاجةَ لاختراع المبرِّرات في وجود كلّ المبرّرات. تُقدّم السلطةُ المبرِّرات بدون تبريرٍ وبدون تحويرٍ أو تَكرار التبرير. إنّها تحيل كلَّ أدوات العداء إلى تُحَف. يردّد المثقّفون والفنّانون السودانيّون الليبراليّون والديمقراطيّون واليساريّون والوسطيّون أنّ السلطةَ أحياناً كثيرةً لا ترتدي أقنعةَ العداء للثقافة والمثقّفين. تُقنّع ممارساتِها الأيديولوجيّة بمواهبَ ومهاراتٍ تقود إلى كتابة التاريخِ على تَنوّع الحياة الدينيّة والحضور الدينيّ في الحياة الدينيّة، حين تُفسح المجالَ أمام الطرق الأخرى. والطرقُ الصوفيّةُ من هذه الطرُق.

استغرق الحصولُ على حضور ورشةٍ ثقافيّةٍ في حياة السودانيّين بالخرطوم أكثرَ من شهرين. لم يهدّد منظِّمو الورشة بالانقلاب على عالَم الأديان لصالح العالَم الإنسانيّ أو العالَم التكنولوجيّ. وجدوا في الورشة ما يحتاجُ له جزءٌ من المجتمع السودانيّ من القيَم الإنسانيّة، قيَم كالغابات في مقابل عالَم الوسائل، وجدوا مساهمةً في خدمة الإنسان في خدمة الثقافة العامّة. لم يقْدر أفرادُ الهيئة الإداريّة باتّحاد الكتّاب السودانيّين على الدخول إلى صالات المطار الداخليّة لتخفيف غُربة الضيف المنتظَر. انتظروا خارجَ المطار المتواضِع كما ينتظرُ المنتظرونَ العاديّون المسافرين العاديّين. لا حياةَ متميزةً إذن لهؤلاء، كما هي الحال بالكثير من الدوَل في العالم العربيّ. الكلام على الطرقات العربيّة لا علاقةَ له بالكلام على الطرقات الأوروبيّة والأجنبيّة الأخرى. حين اندَسّ رجالُ أمنٍ بين المسافرين، لكي يسهّلوا معاملاتِ دخولٍ ورجالِ أعمالٍ في التجارة والصناعة. تسييرُ الحال على واقع الحال. لا يحكمُ الإنسانُ نفسَه بنفسه في مجالاتِه، إلّا إذا انخرط في إحدى المجموعات داخلَ المجتمع، المجموعاتُ المتميّزة بأيديولوجيا معيَّنة. أيديولوجيا أمَرَ القائدُ بتطبيقها على أفراد الشعب. قائدٌ وضَعَ مبادئَ الأيديولوجيا واحتلّ مركز القيادة في منظومةٍ وضَعَها هو نفسُه ككيانٍ عملاقٍ لحيوات البشرٍ التي يقزّمها.

وجد الضيفُ مَن دعاه في باحة المطار الخارجيّة وهم يتعرّقون من اقتصار قواهُم على مجرّد الانتظار بعيداً من إشباع الرغباتِ بالترحيب من لحظةِ نزول الضيف سلّمَ الطائرة. لا مظاهرَ إبداعٍ، لا مَظاهرَ فرادةٍ في هندسةِ المطار ولا في تصميماته الهائمة بين القيَم الهندسيّة الضائعة وتطبيقاتها العمليّة. هو مطارٌ صغير، بعيدٌ من مميّزات مطارات العالَم الأخرى. أيِّ مطار. الكلامُ على تطوّر الحضارة وتكويناتها، لصرف الوقت بالطريق إلى الفندق الإنكليزيّ، يدفعُ المرافقين إلى تقسيم الكلام في مستويَين. تواضع المطار. هذا صحيح، لأنّ السلطةَ بصدد تعمير مطارٍ آخرَ في أمّ درمان بمستوى الحاجات والمنفعةِ الداخليّة والظروف والمؤثِّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. مستوى تَعالي السلطة على الحاجات والضرورات واضحٌ من تحديدها انتهاءَ الأعمالِ بالمطار بعد سنوات طويلة. لا سعيَ إلى تحقيق القيّم المُثلى أو تَجاوز الوضع البشريِّ نحوَ حقيقة الكائن البشريّ وأصالتِه. وعودٌ بالسنوات. وعود السنوات للسنوات، أن تمرّ السنةُ بعيداً من خطر التقلّبات الزمنيّة. لا مطارَ جديدٌ في أم درامان. لا يزال السودانيّون ينتظرون مطارَهم الجديدَ وسْط الانقلاباتِ والانتفاضات الشعبيّة. كما ينتظرون حياتَهم الجديدة، حياتَهم الجمعيّة الجديدة. حياةٌ تَطلعُ من الحياة لا من موت الإنسان كنتيجةٍ لمعاداةٍ لا تزال على سوادها هناك. حياةُ الله: موت الإنسان وحقْنُه بالمهدِّئات الدينيّة بانتظار الحياة الأخرى، الحياةِ الآخرة.

يبعدُ المطار عن العاصمة عشرَ دقائق، تزيد بحسب زحمة السَّير. هي زحمةٌ بلا رحمة. زحمةٌ مرهوبةٌ، لأنّها طويلةٌ كخطابات أهل السلطةِ ورقصاتِهم ولو على رِجْلٍ واحدة. الرحلةُ بالسيارة رحلة تحوّل مواقفَ لا من طول الطريق، من تقاطُع الطرقات وازدحام السَّير على هذه التقاطعات وسْط أعدادٍ كبيرةٍ من السيارات ذات الطُّرز القديمة وأعدادٍ أقلَّ بكثيرٍ من السيارات ذات الطرز الجديدة. الأخيرةُ مغبرّة. الاغتناء بالجديد بدون وضوحِ مَعالم الجديد لندْرته. فيفقدُ الاغتناءُ بالجديد الوضوحَ. الواضحُ أنّ الناس يطالبون السلطةَ بأن تُبرم مع النّاس عَقداً اجتماعيّاً جديداً، يخفّف من الحاجات الهائلة للبشرِ إلى التخفيف من الانتفاع الذي يمارسُه رجالُ السلطة. مقاماتٌ غريبة. عقدٌ اجتماعيٌّ جديد، ثمّ عَقدٌ ثقافيّ جديد. الطلبُ قديمٌ يتجدّد بسبب عدم احتكام السلطة إلى ما صار عليه العالَمُ واتكالِها على ما حدَث وانتهى. انتفاضةُ اليوم هي الانتفاضةُ كاتمُ صوتٍ قديم. الآن: تجدُ الانتفاضاتُ تطبيقاتِها العمليّةَ بالانتفاضة الجديدة. الانتفاضةُ ضدّ فكرة السلطة الدائمة: ذلك أنّ وظيفةَ الكشف عن الله الخفيّ تؤدّيها السلطة، السلطة وحدَها.

سمع العالمُ تأفّف السودانيّين منذ أزمنةٍ بعيدة، غيرَ أنّه لم يجدْ في الساحة السودانيّة ما وَجَدَه في الساحات الأخرى: كلُّ الأشياء تؤدّي إلى الحرّيّة. تَملمَلَ السودانيّون وتأفّفوا من تقيّدهم بالشرائع الناجزة. لا معيارَ ولا موقفَ واقعيّاً. لا ثقافةَ لا بالشميم ولا بالتذوّق. ممنوعٌ على المُواطن أنْ يشمَّ أو أنْ يتذوّق، إلّا بفصْل القصد عن التعبير. التعبيرُ أولاً، بعْدَها يتوّج التعبير بالأشكال الضروريّة. لا شكلَ بغياب التعبير. هذه حال الثقافة في السودان: قصْدُ المطلَق من غياب التعبير. لا طرقاتُ خاصّة إلى المطلق. حيث المطلَقُ هو الارتباط الحصريّ بالدِّين. ثمّةَ فرقٌ بين التديُّن والإيمان. ثمّةَ مؤمنون وثمّة متديّنون. عند السلطة، على الجميع أن يتّجهوا من صميم أفئدتهم إلى التديّن لا إلى الإيمان. أنْ يتّجهوا إلى المطلَق. ارتباط الفَرد بمجتمعه، ارتباط الفرد بمجتمعٍ دينيٍّ يقدّمُ التديّنَ على الإيمان. السودان مجتمعٌ دينيّ يدور حول نبوّة الرسول وتنزيل القرآن. هنا: قصيدةُ الحاسّة وقصيدةُ الحساسيّات المختلفة المبلوعة بالسلوك السلطويّ في خِضَمٍّ سودانيّ عملاق. خضمّ يبتلع كلّ الأشياء. يكتب المئاتُ الشعر، يكتب الآلآفُ الشعر، غيرَ أنه لا يخضعُ للحضور الدنيويّ حين يختفي في تَعالي الله على الدنيويّات. الخضمُّ الهائل يبتلع كلَّ شيء، إلّا السياسَة والسياسيّين والعالِمين بالحقول المتداخلة بالسياسة. وحدَها الثقافةُ تُبعدها الأنظومةُ السياسيّةُ عن ذاتها كأنظومةٍ قائمةٍ بحدّ ذاتِها.

يفوز بالانتخابات دون أن يُنتخَب

الثقافة غبارٌ عند السلطة. المثقّفون مغبّرون. حفلتِ الصحف على الدوام بصوَر البشير وأخبار البشير. توعَّكَ، زارَ، عاد، لا يقف، يؤدّي وظائفَ كثيرةً أبرزُها وظيفةُ التأسيس الاجتماعيّ الجديد، على الرغم من مطاردة العالَم له. تنشر الصحفُ، كلّ الصحف، صورَه. تنشر صوَرَه بعد إبلاله من مرَضٍ وهو يشير بعصاه إلى الفضاء، إلى السماء. يحرمُ الرجلُ تأجيلَ الانتخابات ما دام حزبُه يقفزُ فوق الاختلافات العميقة بين السلطة والناس، فائزاً بالانتخابات دونَ أن ينتخبَ الناسُ. يحتضن الرئيس فكرةَ الحوار بصدْره العريض، دون أن يأبهَ إلى أنّ الخصومَ لا يرغبون بالحوار، لأنّهم يعتبرون الحوارَ مع السلطة حواراً شكليّاً، صُوَريّاً، مكرّراً بلا نتيجة سوى أن يبيّن توافُقَ الوظائف بين السلطة والأخصام بعيداً من الحقائق. هو إلهٌ نموذجيٌّ يتميّز بخضوعه لإلهٍ نموذجيٍّ وظيفةُ الإنسان الأساسيّة أن يعبُدَه. لا وقتَ إذن للثقافة ما دام على المواطن السودانيِّ أن يعبد إلهَين لا إلهاً واحداً. لا تَنوّع عند السلطة. لا تتلمّسُ السلطةُ التنوّعَ، تنوّعاً يميّز هذه البلادَ الشاسعةَ، الشائعةَ، حتى في شهر رمضان. يتّفق الجميعُ على أنّ السلطة تمتلك مسلكاً واحداً، هو انطواءُ التنوّع على نفسه في صالِح الأديان. يردّدون: إنّ مأدبةَ الشراكة لا تُقامُ مع حكْم لا يعترف بالآخر، لا بتعدّد الآخرِ ولا بتنوّع الآخر، لا تقامُ المأدبةُ مع حكْمٍ لا يزال يقيم الحدَّ على الآخرِ من خلال الشريعة، الشريعة وحدَها. الحكاياتُ على فساد السلطة وخبْث السلطة كثيرة، غيرَ أنّ أعطال الحياةِ في غياب الرغبة بتحويل الحياة إلى متْعةٍ أو إلى أحداثٍ تضجّ بالجماليّات واضحة، واضحةٌ في النهارات كما هي واضحةٌ في الليالي. اليومُ السودانيُّ يومٌ فَتيّ. الليلُ السودانيُّ شاهدٌ عملاقٌ على بُعد الألوانِ عن الألوان.

المعارَضاتُ في كلّ مكان، في جانب المدينة، على ضفاف المدينة، في أقسام المدينة. المعارَضة ضحيّةُ عرّافات النظام. هي معارَضاتٌ صامتةٌ، معارَضات مُصمَتة، معارّضاتٌ بكواتمِ الصوت. يكتب المعارِضون القصائدَ والقصصَ القصيرة ويسمُّون أنفسَهم منتِجين في المسرح والسينما والتلفزيون، يسمّون أنفسهم فقط، لأنّهم لا يقْدرون إلّا على السكنى بالهواجس، بعيداً من الحلم بالتواجد على ألواحِ المدينة. يمتلك البربرُ ألواحَ المدينة، بربرُ المدينة، مَن لهم عميقُ الأثرِ في ذواتِ الآخرين من حربهم المفتوحةِ على الآخرين، بالصمْت والصوت، بالمراحل الماضية والمراحل المقبلة. هي أبطالُ حربٍ مفتوحةٍ، يأمرون بألّا يأسُرَ العسكرُ مَن يقعُ بين أيديهم وسْط أجواء الخطر المعمَّمة على طول البلاد وعرض البلاد. الجهاتُ هي الجهاتُ. سوف تكتشفُ التوتّرَ في الهواء وإنْ جئتَ من أبواب الشمال أو أبواب الجنوب. لا بدعةَ بالتوتّر. التوتّرُ فتنةُ السودانيّين، يشمل السودانيّين في طفولتهم كما يشمُلهم في المراحل العمريّة الأخرى. يُستعمَلُ التوتّرُ للدلالة على حضور السلطة في النفس البشريّة وعلى الأرض. هو حكْمُ أن تُولدَ الأشياءُ على تخوم الأشياء بالسودان. تولدُ على التخوم وتبقى على التخوم. مصيرٌ يسمح بالكثير من التفكير، يسمح بالكثير من التأمّل بدون القدرة على الوصول إلى الأثر المكتوبِ أو الأثر المنطوق، لأنّ الحربَ على السلطة حربٌ بين حربَين ينتظر السودانيّون وقوعَها بين وقوع حربٍ وانتظار أخرى. كما يَحْدث اليوم بعد «الإطاحة» بالبشير. هي إطاحةٌ كنظْم قصيدة، لأنّ البشيرَ لا يواجه ما يواجِهُه السجناء في سِجنهم الواحد.

جاء مسؤولُ الإعلام بالحزب الشيوعيّ السودانيّ إلى بيروت، حيث وُسم الحدُّ بين السجناء بالسجن الواحد. البشيرُ سجينُ فندقٍ لا سجين معتقَل. البشير سجينُ شاطئ. أحْكم الرجلُ قبضتَه على البلاد على مدى أكثرِ من ربع قرن. كلامُ قرون. قرونٍ بالسلطة. يخشى الأوربيّون عدمَ إجراء الانتخابات في مواعيدها، حين أنّ الانتخابات بدول العرب انتخاباتٌ يوميّة. انتخاباتُ البيض غيرُ انتخابات السود. المُواطنُ ببلاد العرب زنجيُّ السلطة، حين يصلُ لكي ينتخبّ يُبلَّغُ بأنّه انتخب قبل أن يصل إلى مركز الانتخاب. يحْدث الأمرُ على الدوام. العالمُ هكذا في السودان واليمنِ والعراق وغيرها من الدول. يولَد الحاكمُ حاكماً ويموت حاكماً. يؤدّي الأمرُ إلى موت الديمقراطيّة والحياةِ الديمقراطيّة. لا أشكالَ تعبيرٍ بغياب الديمقراطيّة. لا شيء سوى الشكوى الخفيضةِ بغياب الديمقراطيّة. لا شيءَ سوى أن ينتظر الناسُ خروج الجمال العظيم، الجمالات العظيمة من مَساقط رؤوس الجمالات، على الرغم من أنّ لا شيء فاخراً على الطريق الواحد، لا شيء فاخراً على الطرقات. لا صفحاتٍ ثقافيّةً حقيقيّة، راهنةٌ، في الصحف السودانيّة. الصفحة الثقافيّةُ شبَحُ صفحةٍ ميّتٌ، لأنّ مَن وراءَ الصفحات الثقافيّة لا يزال يتردّد أمام فكرة التحرّر والطيران من عالَم الصمت إلى عالمٍ يمنحُ النفسَ البشريّةَ حقوقَها الأولى، حيث لا يزال العقلُ في العالم القديم، ما دام السودانيُّ فاقدَ الأمل وهو يرى الأولادَ غريبين على الطرقات، من اجتماعهم على أصول الحياة المفقودة. السودانيّون هنودُ السلطة الحمرُ، منذ زمنٍ بعيد. شعبٌ غريبٌ على قادةٍ، لا يزالون يولّدون حضورَ العسكر والمجالس العسكريّة بالسودان منذ أن كدش آدمُ تفاحةَ حوّاء في جنّة الله وعلى مرأى الله نفسه.

الثقافةُ حيٌّ ميّتٌ أو ميّتٌ حيّ. الثقافة «زومبي» السودانيّين، هي ثقافة مجهَضة، محوّرة، تقوم على الموادّ الأوّليّة أو ما دون الموادّ الأوّليّة. لا ثقافةَ بالصحف. لا في «اليوم التالي» ولا في «السودانيّ» ولا في الصحف الأخرى، لأنّ الصحف جميعَها صحيفةٌ واحدةٌ من المانشيتات إلى الموادّ المرشوشة على الصفحات الداخليّة. أخبار فنّانين من بلاد الغرب أو تحقيق عن العبادة المحلّيّة وفوائدها أو ضرورة إغلاق المستشاريّة الثقافيّة الإيرانيّة، لأنّ العاملين فيها ابتكَروا طريقةً جديدة لزيادة وتائر نشر مفاهيم التشيّع في السودان. التشيّعُ شارعٌ يشقّ الشوارع المشقوقةَ في السودان، بحسب السلطات المحلّيّة. حين رغبتُ في إدراج الصحف في نظامِ الورشة، وجدتُ صفحةً كاملةً في واحدةٍ من الصحف تكاد تدعو، لولا آخرُ العيب وآخرُ الحياء إلى تكسير زجاجات الخمر الفاخر بالمستشاريّة حيث يتحرّر الناسُ من مذاهبهم لكي يضْحوا متشيّعين لا شيعةً. دروجُ الصحفِ تحت هذا العنوان عادةٌ تستعاد عند الضرورة. الضرورةُ سيّدة الأحكام بالسودان. المَلاحق الثقافيّة نادرةٌ، إلّا أنّها بالمجمل بعيدةٌ من القدرة على التمييز بين الصناعة (ثقافةٌ وطبيعةٌ) وبين التصنّع (تكلّفٌ ومبالغةٌ يؤدّيان إلى الخروج على الطبع والطبائع). تجسيدُ الموهبة فيها أو المهارة بالملاحق ينقُصُه الاعترافُ بالآخر. تُعزّز السلطاتُ هذا الفضاءَ المدمِّر القائمَ بين الأفراد، بعيداً من العلاقات المُفسِدة والمدمِّرة.

اشتكى الكثيرون أمامي من إغلاق فضاءات النشر أمامَهم، لأنّ الفكرة السائدةَ بين الناشرين ومَن يرغبون بالنشر هي فكرة الموت، أو فكرة النّفيِ. لا تساويَ، لأنّ التساويَ في فكرةٍ فيزيائيّةٍ يحتاج، على الأرجح إلى علماء، يوسّعون أفكارَ الظهور بين الواحد والآخر، على طريق توسيع أفكارِ وأدوات التوهّج. يكتب الكاتب أشياءَ كثيرةً، إلّا أنّ كتاباتِه لا تُنشرُ لأنّ كتاباتِه تمثّله، لا تمثلُ كتاباتِ الآخرين. ثمّ إنّ الكثيرين طلبوا مساعدةً للنشر في صحفِ ومجلّات بيروت. ولأنّ السودانيَّ يفتقرُ إلى الكَون الخاصّ لا يلَبث أن يتوجّه إلى الكون الآخر، إلى الأكوان الأخرى. حيث تظهرُ الهوامشُ بالسودان كرؤوس الإبر. ينقصُ الاعترافُ بالآخر وسْط سياسات الإلغاء الواسعةِ من كلّ الأطراف، كما يلزمُ الوصولُ بالكتابة إلى يقظتها العالية، إلى يقظاتها العالية. الوصولُ إلى الاحتراف. الاحترافُ مجهولٌ أمام غياب النور الاقتصاديّ من الحياة العامّة. تأمينُ المعيش بالمرتبة الأولى، بعدها كلّ أشكال السرد الحياتيّة الأخرى. كلّ اللغات تنضوي في لغة السلطة، حتى أشدُّ أصحاب اللغات المعارِضة للُغة السلطة تنضوي في لغة السلطة، حين تُنكر وجود أيّ جسدٍ عارفٍ آخَر. ثمّةَ تسمياتٌ رائعةٌ للمعارَضة، إلّا أنّها تبقى تسمياتِ مَن ترافقُها مع لغة السلطة، لأنّ من تضطهدُه السلطةُ، لن يُحسَّ نفسَه إنساناً على قَيد الوجود إلّا إذا اضطَهدَ الإنسانَ الآخر. كلامٌ في شبكيّةٍ وشبكيّةٌ بكلام، يؤدّيان إلى إنشاء عالَم من الخواء الخالص. الحرّيّةُ والتغييرُ شيء يتحرّك في فضاءِ السلطة من العادة المتأصّلة من أنّ السردَ الساميَ لا يؤدّي إلّا إلى السردِ الهيلينيّ وأنّ السردَ الهيلينيَّ لا يؤدّي إلّا إلى السرِد السامي. السردُ لدى المعارَضات بالشارع ينبعُ من رغبة إضافةِ ممثّلي المعارَضة إلى السلطة، حتّى المجلسُ العسكريُّ، لا إلى تسلّم السلطة. مشْيُ عميانٍ في مدينةٍ تقعُ على ضفاف نهرين عظيمَين، صلصالُهما عظيمٌ غيرَ أنّ الماء الخاصَّ بهما لا علاقةَ له بالمتاحف. لا يعترف الواحدُ بالآخَر، لأنّ الواحدَ لا يرى الآخرَ على ضفّته. كلُّ مَن التقيتُهم اشتكوا من عدم الاعتراف بهم. لا تعترفُ السلطة بأحدٍ غيرِها، لا يعترفُ الغيرُ بغيره في عمليّةٍ كبناءِ هرَمٍ بالمقلوب. قضيّةُ الاعتراف شرفٌ يُطلبُ ويُسحبُ ويُعتزّ به. شرفٌ لن يَمنحَه أبطالُ السلطة الثقافيّة إلى من لا يَتبع سلطاتِهم، مثلما لن يرى سبيلاً إلى الملاحق الثقافيّة جوهرُ الكلام والرسمِ والنحتِ والمسرح والسينما والأدب. محرِّرو الملاحق الثقافيّة لا يسهرونَ على الثقافة بذاتِها ولا على الآخَر / المثقّف الآخَر، لأنّهم يرَون في الملاحق منابرَ، يرَون الملاحقَ منصّاتٍ لنشْر موادِّهم وموادّ مُريديهم ومُحازبيهم ومَن يَهمّهم أمرُهم وأمرُ صدور موادّهم بالملاحق هذه. إنّه جنوحُ الآخَر نحو السيطرةِ المطلقة بمجاله. جنوحُ الآخَر إلى عدم السماح للآخرِ بالصعود إلى الذروة، حين يعتبرُ أنّ النشرَ بالملاحقِ ذُرى لا يستحقّها الكثيرون. لا حوافزَ في المجال هذا. يروي الجميعُ أنّ النسرَ بالمجّان، لا تُنشرُ موادُّهم لأنّها لا توضعُ في أسفارِ المشرِفين على المَلاحق. كتابٌ كبيرٌ معقّد. لا شخصياتُ تهتدي بنار الإبداع ولا إلى نار الإبداع مع نَوبات الإلغاءِ المُزمنة ووضْع الاسم بالمقدّم لا المادّة. لأنّ مشاعرَ الخوف من امتلاك الآخَر للمنصّة الثقافيّة، تتملّك أصحابَ المنصّات وتُصيبُهم بالذعر الأقصى. إغراقُ الثقافة بالحروب الشخصيّة، إغراقُ الثقافة بالحساسيّات الشخصيّة. إذا وُجد الظالمُ والمظلومُ في نشاطٍ ثقافيٍّ أو ورشةٍ أو مناسبةٍ اجتماعيّة أو عرضٍ افتتاحيٍّ لمسرحيّةٍ أو فيلمٍ، يتواجدان كخطَّين فاخرَين لا يجمعهما جامِع. ثمّ لا يلبثان أن يتفرّقا كما التقَيَا، لأنّهما بالأساس وعلى الدوامِ خطّان متوازيان لا يلتقيانِ إلّا بَعون الله تعالى على ما تقولُ المعادلةُ الدارجة، المعادلةُ السمجة. يلتقيانِ ويفترقان، بعيداً من طاقات واحتمالاتِ الشراكات الجميلة أو طاقات واحتمالات الصنائعِ الجميلة. لا يَطلب الكاتبُ من الكتابة إلّا الفيَض الروحيَّ، إلّا الفيَض الجماليَّ بتصميماتٍ وجودية، وهو لن يجدَ الفَيضين، لأنّه مستبعَدٌ من النشر. لا يكتبُ لأنّه لا يَنشر، يُصيبه الكسلُ من الإحباط، أو يكتبُ لكي يتحوّلَ إلى جزءٍ من الضجّة السائدةِ حَول النشر وعدم النشر. أمّا تجاوزُ حدودِ الأهواء هذه، التجاوزُ لا يؤدّي إلى شيء ملموسٍ، حيث لا تُنشر المقالاتُ والبحوثُ والمباحثُ والقصصُ والقصائدُ والنقد إلّا بالمّجان. نَشرٌ من دون مقابِلٍ انطلاقاً من صفْر المادّة وصولاً إلى صِفرها الآخر على ضفّتَي الصفرَين.

أكرّر الكلامَ على الكتابة بالمجّان، لأنّ الكتابةَ بالمجّان كتابةٌ بلا تحوّلات. صحافةٌ بالمجّان، طبَقٌ يزيّن نفسَه بنفسه، من دون حضورِ أدَوات الزينةِ الحقيقيّة بساعدٍ حقيقيّ. ومن دون حضورِ عمليّاتِ رسمِ الخرائط بـ«أوربانيسماتها» الكاملةِ والمستقرّة على مفاهيم الاستمرار على الاستقرار. الصحافةُ بلا عراقةٍ جرّاءَ الأمورِ هذه، ولا رسوخ. يقوم على هذه الصحُف وصفحاتِها أفرادٌ لا يَعتبرون حضورَها حضوراً عامّاً بل ملكيّةً خاصّة، حديقةً خاصّةً يزرعُها العمّالُ والفلّاحون ويأكل ثماَرها أصحابُ الحديقة وحدَهم. الصفحاتُ الثقافيّة لا تعَبّر إلّا عن الحضور المطلَق لأسماءِ رؤساء تحريرها. وهي بدَلَ أن تعبّر عن المزاج الثقافيّ العامّ، تقدّمُ أحاسيسَ مديريها وعلاقاتِهم بالآخرين ممّن يَهمّونهم، العلاقاتُ بالنخَب، مَن يعتبرُهم هؤلاءِ نُخبَهم. الصفحة الثقافيّة فسحةٌ داخليّةٌ للبعض، مقصلةٌ للبعض. لا تمتلك الصفحاتُ هذه القدرةَ على التحوّل إلى مراتعَ تستقبل الآخرَ والجديد، سواءٌ من صديق المسؤول أو من الآخَر. شيءٌ كتناثُر الأشجار في صحراءَ ذاتِ طبائعَ قاسية. هذه حالُ المؤسّسات الثقافيّة الأخرى. لا مؤسّسات بالأحرى، إلّا نادراً، لأنّ المؤسّسة الثقافيّة عند السلطة، جزءٌ من الجدَل الجهنّميِّ بين المثقّف والثقافة، على الاحتجاجِ والنقد وإعلانِ حقوق الآخَر لا مقاطعتِه. لا صحبةَ بَين السلطة والمؤسّسة الثقافيّة، ما دام الهلعُ عنوانَ العلاقة بين الاثنين، كلٌّ من منصّته. كلُّ مسؤولٍ عن جمعيّة، كلّ صاحبِ جمعيّةٍ ثقافيّةٍ يشتكي من أنّه تلقّى طلقاتِ مسدّساتِ السلطة في فكّه أو حنكِه. العلاقةُ بين الاثنين معركةٌ لا شيءَ آخر، لأنّ المؤسّسةَ تنظّم العلاقات. لا تريدُ السلطةُ من الجمعيّات الثقافيّة إلّا أنْ تَمنح الإذنَ بالعرض لهذا الفنّان أو للفنّان الآخَر، بتأشيرة خروج بلا عَودة. بعكس تأشيراتِ الدخول إلى البلاد. فقَدَ الجميعُ الحماسةَ من جرّاء ممارسات السلطة. يروي أحدُ المسؤولينَ عن واحدةٍ من الجمعيّات الثقافيّة أنّ السلطةَ رفضتْ مَنحَ الإذن بإقامة معرِض تصوير فوتوغرافيّ رفَضاً رافَقَه غموضٌ عجيبٌ. لا نسيجَ ثميناً، لا نسيجَ أنيقاً بين الطرفَين. لا تزالُ البلادُ بعيدةً من أعراسه الثقافيّة، ما دامت السلطاتُ ذاتَ تاريخٍ مليءٍ بالمفارَقات من خلال علاقتها بالثقافة والمثقّفين والفنّ والفنّانين. أو تنتظرُ عرسَها الثقافيّ، بصيغة المفرَد. عرساً ثقافيّاً واحداً يحقّق هدفاً واحداً على طريق تحقيق الأهداف. لا تزال البلادُ تنتظرُ إماطةَ اللثام عن الدَّور الأساسيّ لوزارة الثقافة. نجّارٌ ينجرُ الرفوفَ للكتب والمنصّات المسرحيّة وحائكٌ لسجّاد السينما الأحمرِ أم صاحبُ خطابٍ ميّالٌ إلى إصدار أحكام الإعدام؟ إنّها وزارة إكراميّات لا وزارةُ تصميمٍ ولا وزارةُ حماية. يتّفق الجميعُ على هذا الوصْف. ذلك أنّ وزارةَ الثقافة لا تُمنح إلّا لغاضبٍ من السلطة، غاضبٍ يهدّد غرفَ السلطة القريبة والبعيدة بثورة صغرى سوف تُعزى، في أوقاتِ الشدّة، إلى «أنصار المَلك». تُمنحُ وزارةُ الثقافة للوزير الغاضب. تتّسعُ وتضيقُ بحسب الأحداث السياسيّة في البلاد. هي وزارةٌ بلا حضورٍ دلاليّ، وزارةٌ لا تستطيعُ أنْ تقدّم أمثلةً، لأنّها محكومةٌ بالخطابِ السياسيّ وحدَه. لا تمتلكُ وزارةُ الثقافة خصوصيّةً، لأنّها لا تمتلكُ حضورَها البليغَ وسْط الثقافة والمثقّفين بالسودان. وزارةُ معاونينَ ومتعاونين، يهتمّون كثيراً بالإنهاك والتمويل.

لم تَمنح السلطاتُ إذناً بورشةِ كتابةِ المقالة الخاصّة بالكتّاب المتقدّمين على صعيد الكتابة لاّتحاد الكتّاب السودانيين، إلّا بعد أشهٍر على طلب الترخيص. جاء العشراتُ إلى الورشة، جاؤوا كمَنْ يزورون قبرَ معلّم، قدوةٍ أو مثَلٍ أعلى. جاؤوا لكي يَخرجوا من الوقائع الفرديّة البائسةِ في الحياة الثقافيّة. أبطالٌ مؤقّتون في قصّةٍ حدثتْ توّاً. ثمّةَ مَن يبغي السيطرةَ على الفوضى بتنظيمِ ورشةٍ. انتظرَ الاتّحادُ أنْ تأخذَ السلطةُ بحكمةِ الورشة ومَن يقف وراء الورشة، انتظروا أنْ تتأكّد أنّ الورشةَ بعيدةٌ من التصفيق لغير السلطة. هذا أمرٌ خطير. يشتكي المسؤولونَ في مركز عبد الكريم ميرغني الثقافيّ «من تضييق السلطات على أنشطتهمْ. لا شيءَ مضموناً على الإطلاق، كأنْ يهيّئ مُطلقو جائزة الطيب صالح لتنظيم معرِضٍ ضخمٍ للصّوَر الفوتوغرافيّة. وأنْ يُطلقوا على هامش المعرض أنشطةً مرافِقةً بما يستأهله المعرِض. ثمّة فكرةُ إطلاق مهرجانٍ للمسرح تجريبيٍّ في بلادٍ لا يَسمح رجالُها الأقوياءُ بتحديث منصّةِ المسرح القوميّ أو المسرح الوطنيّ. وثمّة مشروعُ «قراءة من أجل التغيير»، حيث التغيير كرحلاتِ الصيد تتمّ بالعصيّ الغليظة لا بالبنادق. توقيع الأذونات غيرُ مضمون. دُور النشر غرَفٌ عاديّة، تُصدر ما له علاقةٌ بطِينِ الداخل إلى العالم العربيّ. لا يزال المثقّفُ والفنّانُ السودانيّ حائراً بين الانتماءِ إلى عالَم العرَب أو القارّة الأفريقيّة. لم يُحسَم الخيارُ بالسودان بعدُ. الحاجةُ شيءٌ والرغبة شيءٌ آخَرُ. هكذا، يقف المثقّفون والفنّانون السودانيّون على أعتاب التردّد بمراوحةٍ واستمرار. الازدواجيّة الثقافيّة هذه، بعيدةٌ من ازدواجيّة المثقّف في المَغرب العربي بين العرب والغرب من خلال اللغة والعلاقات، العلاقاتِ التي رغبتْ في تحويل المغاربةِ إلى معاونينَ لا إلى مشاركين، إلّا أنّهم عملوا ولا يزالون على وضْع خاتمةٍ لهذه الأحداث الماضية من وجهة نظَرهم. أسقطوا خطابَ الغرب النرجسيَّ، في حين لا يزال المثقّف السودانيُّ يسعى لرؤية كيف يخترعُ سردَ الأحداثِ من وجهة نظرٍ تَحسم انتماءَه على نحوٍ دائم. ازدواجيّة اللغة والمخيّلة من الأجداد إلى الأحفادِ هي ازدواجيّةٌ قاهرة، قاسية. ازدواجيّةٌ لا تزال تعارض السودانيّين. كما تُعارضُهم الأحداثُ الأخرى. لا شيءَ سوى المجرّدات. ثمّ إنّ الحضورَ السودانيَّ في عالَم العرَب وأفريقيا حضورٌ ضيّق، إنّه حضورُ مُجرّدات. حضورُ خفيف الوزن، كحضور يوسف عيدابي، الكاتبِ والمنظِّر المسرحيّ في الإمارات. في الشارقة تحديداً. لا هيئةَ نهائيّةً للحضور في معرِض الحديث عن أَوزان العرب والعرب الأفريقيّين في بلاد الأنصار والمحبّين ومَن يحاولون أن يُغلقوا حلقةَ التخبّط بالمساهمة في دفعها إلى نهاياتها المؤجَّلة. لا زخارفَ في غياب الأبنية. لا قتيلَ خطابٍ في غياب الخطاب، لا ضحيّةَ سردٍ في غياب السرد. زيارةُ المسرح القوميّ في أم درمان دليلٌ على غياب المسرح لا على حضوره.

«عهد الإنقاذ» عطّل المسرح

هو تناقضٌ تكامليٌّ من كلّ وجهات النظَر. الانطلاقُ من الخرطوم. ساعة على الطريق بين الخرطوم وأم درمان، حيث يصمُدُ المسرحُ القوميُّ بشكله المسرح / الخربة. السودانيّ يمتلك سيّارة فيات قديمة بلا مقْود وبلا مكابح. ما لا يضمن حياتَه. سوف يخبو العالم، على الرغم من ذلك، عند المسرحيّين السودانيّين بغياب المسرح / الخربة. مسرحٌ لا يزال يحتفظُ بقيمته المعنويّة وهو ينْوجد منطوياً على فكرة استمراره الحيّ على تحمّل الموت. اسمٌ مهيبٌ لا أكثر. مسرحٌ بالاسم لا أكثر. يتجمّع الفنّانون في باحتِه الخارجيّة حيث تمنحُهم بعضُ الأشجار فيأها. إنّه مسرحٌ بلا مواقِعَ ولا مجامع. لا ينفكّ مديرُ المسرح يوَقّع عشراتِ الأوراق. هو مديرُ مسرحٍ بالهواء الطلْق. لا علاقةَ للأمر بمسرح شكسبير ولا بالمسرح الإليزابيتيّ. إنّه مسرحٌ في الحَرّ الدائم. منصّتُه مصبوبةٌ صَبّاً من الباطون، بتجهيزاتٍ لا تُضاهى. لا ضوءَ في المسرح إلّا ضوءُ الإنسان. لا صوتَ إلّا صوتُ الإنسان. ثَمّةَ مُلصقاتٌ غيرُ مطبوعة، ملصقاتٌ مشغولةٌ باليد معلّقةٌ على الحائط بطرقٍ بدائيّة. هذه تهنئةٌ بنجاحِ جراحةٍ طبّيّةٍ لأحد أعضاء المسرح، وذلك تقسيطُ ثمنِ خروفِ العيد على تسعةِ أشهرٍ لفنّاني المسرح. وتلك ورقةُ عن عَرضٍ مسرحيٍّ عربيّ مرّ بالسودان، هو عرضٌ جزائريّ.

استقام «مهرجانُ البقعة» بوصْفه مهرجانَ السودان الوطنيّ من غياب المهرجان الوطنيّ. يقوم على المهرجان وشؤونِه علي مهدي. المهرجانُ السنويّ يبحث في فكرة عدم إلغاء المسرح والفنّان المسرحيّ، من خلال تعميق واجباتِه باستدعاء فنّانينَ من العالَم العربيّ والعالَم، لكي يُنجزوا أمامَ الفنّانين السودانيّين أو معهم. هاجر الكثيرون هرَباً من «السياسات عهدَ الإنقاذ (عهد عمر البشير)». أحدُ أبرز نُقّاد السودان، لا يتّهمُ ولا يتراجعُ عن الاتّهام، حين حكى بنفْسه عن «أنّ السياسات الإنقاذيّة أقْعدت المسرحَ، حين أصابتْه بكلّ الأعطال. حين هجّرت الكثيرَ من المسرحيّين».

شهد المسرحُ السودانيّ «في عهد الإنقاذ» تراجعاً كبيراً. لم يقدّم المسرحُ بين العام ١٩٩٠ والعام ١٩٩٤ أيّة مسرحيّة. لا تراجع. إنّه اختفاء. تحوّلَ الى دكّانٍ لا يبيع ولا يشتري به إلّا مَن استطاع إلى البيع والشراء سبيلاً». لا ميتافيزيقيا في هذا الكلام. كلامٌ يضع الكلامَ على محور الكلام، لأنّ العربَ لا يجهلون ما يقولُه السرّ، من خلال المهرجانات المسرحيّة على الأقلّ. لا يتذكّر الكثيرونَ عِرْقاً من الأعراق السودانيّة قدّم عرضاً في طائفةٍ من الأعمال في أحد المهرجانات العربيّة خلالَ السنوات الخمس الماضية. وحين أرادت الهيئةُ العربيّة للمسرح إخراجَ المسرحِ السودانيِّ من جروحِ اللغة والفناء بالدعوة إلى إقامة مهرجانٍ وطنيٍّ للمسرح بالسودان، كما جرى في باقي الدول العربيّة، لم يعتقدْ أحدٌ أنّ هجوم السودانيّين على المسرح سوف يمحقُ المسرح لا يحييه، لأنّ العاملين بالمسرح السودانيّ رشّحوا مئةَ عملٍ مُنتج دفعةً واحدة. لا وقْع انتصارٍ هنا. هنا مبدأُ الأخلاق الأوّل. هنا غيابُ الخلق والأخلاق المسرحيّة، لأنّ ارتفاعَ عدد المسرحيّات لم يؤكّد إلّا الجهلَ بشروط إنتاج المسرح. إنّه ازدراءُ المسرح بتبسيط العلاقة به. هكذا وَجدت المؤلّفاتِ «المسرحيّة» كالوصايا بدون شرح الأمور في الوصايا هذه. مسرحيّاتٌ لم يعدْ أحدٌ من صنّاعِها يريد أن يتحدّثَ عنها، ولم يعدْ أحدٌ آخرُ يريد الحديث عنها، إلّا كنموذٍج لعدم البحث بالمسرح، كنموذج للإحصاء، إحصاءِ مَن أرعبتْهم عُزلتُهم، حتى وجدوا يوماً قدّموا فيه مئةَ مسرحيّة، من دون أن يجدوا في العدد عنصرَ تخريب. هذا في حين استبسلَ لبنانيّون ليختاروا سبعَ مسرحيّاتٍ من عشرين مسرحيّةً رشّحها أصحابُها لتشاركَ بالمهرجان الوطنيّ الأوّل للمسرح اللبنانيّ. إنّها مجزرةُ مسرح بالسودان وقسوةِ المسرحيّ اللبنانيّ على نصوصِه وأشكاله. نصوصٌ لا تدفعُ إلى القفز باللاوجود في الحدّ الأدنى.

يصف السرَّ السيد عهدَ إنقاذ المسرح بالكارثة، إلى حدّ أنّ «مسرح قصر الشباب والأطفال» و«مسرح أم درامان الأهلي»، تحوّلا إلى صالاتِ عرضٍ للأفلام الهنديّة وأفلام الكاراتّيه. مات «مسرح الولايات» بذلك العهدِ وانتهى شعار «أعطني مسرحاً، أعطكَ أمّة». إفراطٌ بالعبارة، ثم انتهاءُ العبارة في أقرب عبَّارة. اختزالُ ألف نقطةٍ ونقطة، اختزالُ فكرٍ عجِزَ عن الطرح ذاتِه، كما عجِز عن التجديد. انتهى المسرحُ المدرسيُّ في «عهد الإنقاذ». أُغلق «المعهد العالي للموسيقى والمسرح»، أحد مكثّفات التواصل المعاصر بين المسرحيّين السودانيّين ومأساتهم بالوقت ذاته. إنّها «مرحلةُ عسَف وعداء» على ما يقول الناقد السوداني إليسع حسن أحمد.

ماذا يبقى من قيمةِ المسرح وسْط الانقطاعات الصعبة والمتكرّرة. الأسماءُ الجادّة بالمسرح لا تنوجدُ بطلائع البحوث، لأنّ البحوثَ لا تزال تراوحُ بالفَوانيس القديمة. قواميسُ فوريّةٌ، بلا جوانبَ سحريّة، حيث يفتقد المسرحُ السودانيُّ السحرَ وقوّة السّرد البشريّ الفائقة. ثمّةَ أسماءٌ بالمسرح، أسماءٌ راهنةٌ وغيرُ راهنة بالوقت نفسه. ثمّة أسماءُ شبّان صغار السنّ لهم القيمةُ في مجال الأدب: القصّة القصيرة والرواية والشعر. أسماء غيرُ فاسدة كشفتْها جائزة الطيّب صالح: مودي نصر الله، فضل المولى محمد، محمد عبد الرحيم، سعد يوسف، عادل بدر الدين، علي محمد، خالد عمر عبد الرحيم محجوب، أبو بكر الصديق المهدي الخضر، الصادق يوسف حسن محمد، أيمن آدم عبد الرحيم، الشيخ عبد الرحمن الشيخ محمد، أيمن عبد السلام دفع الله، إسلام أحمد محمد أحمد. لهذه الأسماء إصداراتٌ فرديّة وإصداراتٌ مشتركة. في الشعر: النور عثمان أبكر، عبد الله شابو، محجوب شريف، معتصم الأزيرق. بينهم وبين العالَم المصارفُ والعقولُ والأزماتُ الماضية والأزمات الحاليّة ومعدّلاتُ النموّ الاقتصاديّ ووقوفُ البلاد الدائمُ على حافّات الانهيار. بينهم وبين العالَم ألعابُ السلطة المكشوفةُ والتقسيم والطرد من المنازل وتوقّف الألعاب بسرعة وعودتها بسرعة وحَيرةُ الانتماء في ظلّ وضْعٍ يحتدم يوماً بعد يوم.

لا يملكون غير الحلم

المسرح أشبهُ بالمقبرة، لم يترك بصمتَه على العصر ولن يتركَ بصْمته على العصر. جاء المسرحيّون السودانيّون إلى فَيءِ الشجرة العملاقة. جاءوا وهم يحلمون. يحلم المسرحيُّ السودانيّ وهو يمشي أو وهو بوضعيّة الجلوس، لأنّه لا يملك غيرَ الحلم. فرَشوا مؤخّراتِهم على الكراسي القليلة والأرض الجليلة. بدَوا كمشعِلِي الأزمات، في حين أنّهم الأبعدُ عن إشعال الأزمات. طلبوا كاركادي، طلبوا قهوة، طلبوا الشايَ وهم يحلمون ألّا يقودَهم عالمُهم إلى الهاوية بعدما قادَهم إلى حافّتها. لا ضرورةَ لكي يقولوا إنّ تجربةَ المسرح عاجزةٌ عن تجديد نفسها على خلفيّة خلال العولمة واقتصاد السوق المتوحّش. حوّل الاقتصادُ الفوضويُّ المتوحّش أكثرَ السودانيّين إلى بشرٍ يعيش الكثيرون منهم بمحض الصدفة أو على حساب كراماتهم الشخصيّة. كأنّهم يعيشون في ثقبٍ أسْود بحجم البلاد، بعد تقسيم البلاد بين شمالٍ وجنوب. الثرواتُ حيواناتٌ طائرةٌ في سماء السودانيّين، من يشتغلون على الفوريّ لأنّهم يعرفون أنّ الأمر ذاتَه إذا اشتغلوا على الفور للفَور أو إذا اشتغلوا عقوداً وقروناً، ما دامت الأزماتُ بالألحفة وبطانات الأجساد السحريّة الساحرة، أجساداً تضجّ بالطيبة والنور. يمتلك السودانيّ سرعة نشر الأنوار، لا من خلال الوسائل السمعيّة / البصريّة، ولكن من خلال إنجاز ما لا يستطيع الكثيرون إنجازَه: استعمال القوّة الطيّبة، القوّة الباردة، لتحويل المأساة إلى أملٍ بين تاريخٍ وآخر. تاريخٍ كتبتْه السلطاتُ العسكريّة، عسكريةٌ على الدوام، وتاريخٍ يحلم السودانيُّ بكتابتِه بعيداً من عنف التاريخ. عنفٍ ترتهنُ به عظائمُ الأمور بحسب نيتشه. المسرحُ أرضُ خصومةٍ بين الجحيم والجحيم. نهايةُ سلاسلِ الأسماء هنا، من عملوا بالمسرح ومن لا يزالون يعملون. التضادّ بين السكون والحركة جليٌّ بين المسرحِ في مجاله وبين المجالات الإبداعيّة الأخرى. لا تصلُ الأسماء السودانيّةُ إلى الحياة الخالدة لأنّها تكتفي بالمُمكن. الممكنِ وحدَه. ثمّةَ ضرورةٌ للإنصات إلى أحداث التاريخ، لا إلى الصدَف المحضة. لا تصلُ الأسماءُ السودانية إلى الحياة الخالدة، لأنّها تكتفي بالممكن. يردّ الأصدقاء بالسودان الأمرَ إلى زُهد السودانيّ وتواضُعِه. ولم تستطع الأحداثُ المتلاحقةُ ابتلاعَ زهدِه ولا تَواضعِه. الأوّلُ زادُه والثاني زوّادتُه. يحسب المرء أنّ السودانَ، سودانُ السودانِ لا سودانَ العالم، لأنّ الأسماءَ الكبيرةَ الداعيةَ إلى الانتباه إلى السودان قليلةٌ. أسماء بعيدةٌ من حجم المساحة وحجْم القدُرات المؤجَّلة أو القدُرات الموءودة. لا تجريبَ إلّا في الحياة على الأرض. هذا مدهشٌ. هذا عظيمٌ. يطمح السودانيُّ إلى أنْ يديرَ حياتَه، أنْ يديرَ نوعَه البشريَّ بين الأنواعِ البشريّة الأخرى، بينَه وبين إدارة الذاتِ الأزماتِ السياسيّةَ والاجتماعيّةَ والاقتصاديّةَ الحادّة. السودان ليس فقاعةً، السودانُ شعبٌ عظيمٌ في بلاد عظيمةٍ، بلادٍ، ليستْ مجرّد بؤرةٍ قوميّةٍ أو إسلاميّة، هي بلادٌ تمتلك لغةً غيرَ لغةِ الحرب والانقسام والقمع والتشتّت والخلاف على المثيل والخلافِ على الشريك. اكتفت السودانُ، كمثالٍ، بإصدارِ أقلَّ من مئةِ روايةٍ فقط منذ العام ١٩٢٠. خمسٌ منها للطيّب صالح. الجميع لا يرغبُ باستمرار الشكوى ولا بتحويل الناس إلى كائناتٍ خطّيّة. هنا: يردّد الرفاقُ والزملاءُ أنّ أقلّ من مئة روايةٍ لا يصنعُ رواية. كلامٌ يُفهم منه الدعوةُ إلى عدم العيش بالخيال وضرورةِ الكتابة على معدّلات نموٍّ مرتفعةٍ بلغة الاقتصاد. خمسونَ مسرحيّةً لا تصنعُ مسرحاً. بَيد أنّ أزمةً واحدةً تصنع أزمات. هذا فعلُ تدويرٍ لا تصديرٍ. هذه حجّة، لأنّ القراءةَ وحدَها تكفَل الخروجَ من الإحصاء إلى الصدور والبقاء.

حين عدتُ من الخرطوم إلى بيروت، وجدتُ أنّه ضربٌ من ضروب النصبِ والاحتيال عدمُ الإشارة إلى النظام المجنون، نظام يحكمُ السودانَ بالجنون والتقسيط والإفراط بالرهانات الهوائيّة، نظام يصادر قصراً، ثمّ يبيع القصر بدون أن يبيع القصر. صار الناسُ جميعاً ملّاكين بدون أن يمتلكوا شيئاً. روحُ السلطة روحٌ عقاريّة. روحُ المال. لا مالَ، إذن، اشترِ ما لا يُشرى وبعْ ما لمْ تشترِه. لم أتأخّرْ في الكلام عن ابتعاد السودانيّين عن أفكار الانقلاب على الأحداث الجارية. أزمةٌ تحتدم كلّ يوم. إفسادُ قيَم الأشخاص بتحويلهم إلى منتظري اللاشيء، المسرح والورشة والصحيفة. لا محضَ مصادفةٍ في أن تُعيد مواقعُ التواصل الاجتماعيّ بالسودان ما كتبتْ عن المعمّمين وغيرِ المعمّمين، وأن تعيدَ بعض المنشورات المعارِضة ما كتبتْ. لا صدفةَ باتصال علي مهدي مؤسّس ومدير مهرجان البقعة على هاتفي الخلويّ. قال إنّه قرأ ما كتبتُ، وأنّ الناس تموّل بعضها بما كتبت وأن عليَّ المشاركةَ بالدورة المقبلة من المهرجان السودانيّ السنوي: البقعة. لم أواجه في تلك المرحلةِ أزمةَ حديدٍ ولا أزمةَ تصنيع معادن. ارتبطتُ بلعبِ دورٍ في فيلم «ربيع» بما لا يسمح بالسفر، لأنّ وقت التصوير صادفَ وقت المهرجان. اعتذرتُ. وبالبحث عن حلٍّ لهذه الأزمة، وجدتُ أنّ مِن اللطف أن أقترحَ المساهمةَ ببحثٍ دون أن أنْوجد في المهرجان. لم أحسبْ نفسيَ مجنوناً استثنائيّاً، إلّا حين وُجّهتْ لي الدعوةُ مرّةً أخرى للمشاركة في الندوة الفكريّة بمهرجان البقعة بعدما قرأ السر السيد الورقةَ بأداء زادَ من قوة إقناعها.

حديقة ورد أسود نادر

لا يزال العالَم العربيّ يعيش أزمةً عميقةً على صعيد حرّيّة التعبير. انتفض أحدُ الأصدقاء بلطْف وهو يطرح سؤالاً عن جرحٍ في العلاقة بيني وبين قنصل السودان في بيروت. لا أعرف القنصل. مُنحتُ فيزا مجاملة في المرّة الأولى. لن أُمنحَ تأشيرةَ دخولٍ في المرّة الثانية. خلاصةٌ من أثر اللهجة المتوثّبة في كلام الصديق البيروتيّ. دخلتُ السفارةَ كسفارةٍ في الزيارة الأولى، تحولتْ إلى معبدٍ في الزيارة الثانية. لا مرآةَ لآلهة الشمس، مرآةٌ توجد في المعابد اليابانيّة. موظّفٌ وراءَ كوّةٍ ككوّة موظّفي المصارف. حين رآني غرقَ عالمُه بالظلام. السفارة معبد خالٍ إلّا من عاملين سودانيّين خرجوا من السودان برفقة مئات الآلاف مع انتشار البطالة. عرَفني على الفور. ذكّرني بكلّ شيء، ثمّ حكى بلهجةِ حربٍ ينوي أن يخوضها على الفور: ملءُ بيان السفر، أوّلاً. صورتان، ثانياً. الانتظار، ثالثاً. حَمَل الجواز ودخل إلى غرفة القنصل، حين خرج أعلنَ أنّ القنصل خارجُ السفارة وأنّ عليَّ أن أعود بعد ساعتين ونصف الساعة أو ثلاث ساعات. رفضتُ خفضَ شروطه بطرحٍ موازٍ: لن أعود حتى يتّصل مبشّراً بخَتْم الجواز بالتأشيرة السودانيّة التي لم تألفْ بعدُ جواز سفري. لم أقبل وسط إلحاحِ الموظف، من يرصد الداخلين والخارجين بانتظام. لا تأشيرةَ من السفارة، لا مراجعة من إدارة المهرجان. وحين سأل البعض عن سبب عدم حضوري أجيبوا بأنّهم حاولوا وأنّهم وجدوا أنّ من يتّصلون به ليس على السمع على الدوام. الأجنبيّ ليس على السمع. أمرٌ رائع أنْ تعلمَ أموراً عن نفسك من الآخرين. لم تَخُض الإدارةُ في أزمة ما نُشر عن السودان ولا عن مفارقةِ أن يختفيَ واحد من المدعوين بين السفارة والمقهى القريب من السفارة.

لا يزال السردُ السياسيُّ يحْكم العالَم العربيّ. كلّ سردٍ آخرَ سردٌ مؤجّل. سوف أقلق على مصير بعض الأصدقاء، وهذا ما أرجو ألّا يتحقّق: المصير. في واحدٍ من المهرجانات المسرحيّة الأخيرة وجدتُ أحدَهم يضعُ شالاً على عنقه. حوّل العلَمَ السودانيّ إلى شالٍ، راح يردّد أمامي: سيسقط! سيسقط! لم يعد بانتظار ركبة البشير الأخرى، الركبةِ السليمة. خمسٌ وعشرون سنةً لكلّ ركبة. لا تصحّ النبوءات دوماً. طابع السودان اليوم طابعٌ رومانيّ: تاريخُه الطويل، تاريخُ الفضولِ المعرفيّ والحساسيّات الجماليّة على الأرض. السودان اليومَ حديقة ورد أسْود. ورد نادر. أبطال الملحمة الشعبيّة على الأرض. لا عليهم سوى ألّا يعبثوا بحديقة الورد الأسود، لكي يعود مَن لم يُمنحْ تأشيرةً إلى بلاد الاحتياطات الهائلة من الحكمة والتاريخ والأغطية الضاغطة.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.