العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

قوى الاحتجاج وقوى الرِّدّة

لم تغيّر إطاحةُ عمر البشير واستيلاءُ الجيش على زمام الأمور شيئاً لإقناع المحتجّين السودانيين بالعودة إلى ديارهم أو كبْح دعوتهم لتغيير النظام. استمرت حشود المحتجّين في التظاهر رافضةً تحرُّك الجيش باعتباره انقلاباً للنظام، ومطالبةً بتسليم السلطة إلى حكومة انتقاليّةٍ مدنيّة. في حين أنّ مستقبل المرحلة الانتقاليّة لا يزال غامضاً (حتى بعد التوقيع على الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير) في خضمّ البحثٍ عن بديلٍ ديمقراطيٍّ يستجيب لمطالب ومكوّنات المجتمع السودانيّ، من المهمّ فحصُ نشأة القوى الاحتجاجيّة التي هزّت البلاد خلال الأشهر الأربعة الماضية والمراحل المختلفة لتطوّرها.

«ما هو تجمّع المهنيّين السودانيّين على أيّ حال؟». هكذا سأل المعلّقون الحائرون ومذيعو الأخبار على القنوات التلفزيونيّة المتحالفة مع الحكومة السودانيّة مراراً، كما لو كانوا مقيَّدين بلعنة. وفي هذا المجال، وصف مذيعٌ في إذاعة «بي بي سي العربيّة» تجمّعَ المهنيّين السودانيّين بأنّه «غامضٌ ومحيّر». وبدأ الجميع يسأل عن تلك الهيئة التي يبدو أنّها غيرُ مفهومة، والتي أخذت المشهد السياسيّ السودانيّ على حين غَرّة منذ كانون الأوّل / ديسمبر ٢٠١٨، عندما بدأت الموجة المستمرّة من الاحتجاجات الشعبيّة ضدّ الحكم الاستبداديّ الذي امتدّ لثلاثين عاماً تحت حكم الرئيس البشير في بلدات السودان الإقليميّة.

جاءتْ شرارة الاحتجاجات الأوّليّة من عطبرة - وهي بلدةٌ مغبرّةٌ تقع بين النيل والصحراء على بعد حوالي ٣٥٠ كيلومتراً شمال الخرطوم - حيث احتدم حشدٌ من التلاميذ في المدارس والعاملين في السوق وطلّاب الجامعات ضّد الحكومة، ردّاً على مضاعفة سعر الخبز بشكل مفاجئٍ ثلاث مرّاتٍ نتيجةً لإزالةَ الدعم عن القمح. وقام المحتجّون في بلدات السودان الإقليميّة - عطبرة ودنقلا على النيل في شمال السودان، والقضارف في وسط السودان، والرهد والنهود في إقليم كردفان غرب السودان - بإشعال النار في مقارّ حزب المؤتمر الوطنيّ الحاكم، واقتحموا مكاتب الحكومة المحلّيّة وكذلك مخازن غرفة الزكاة، واستولَوا على موادّ غذائيّة في استعراضٍ للسيادة الشعبيّة.

البداية… أيلول / سبتمبر ٢٠١٣

منذ استقلال جنوب السودان في عام ٢٠١١، كان السودان في حالةٍ من الركود الاقتصاديّ، حيث أخذ الجنوب معه الجزءَ الأكبرَ من النفط، وتلاشتْ عائدات الحكومة بين عشيّةٍ وضحاها تقريباً. لقد تسبّب انخفاض قيمة العملة والتضخّم المفرط وتراجع احتياطيّات العملات الأجنبيّة، مع خروج أسعار السلع عن السيطرة، وأزمةٍ مصرفية مع نقصٍ حادٍّ في المعروض من النقد، في أزمةٍ اقتصاديّةٍ شديدة. وكان ردُّ الحكومة إطلاقَ العنان لجولةٍ جديدةٍ من تدابير التقشّف، وخَفْض النفقات في مجال الخدمات الاجتماعيّة، وتقليص الدعم على الوقود والكهرباء والقمح. عندما اندلعت الاحتجاجاتُ الشعبيّة وحركات التمرّد ضدّ الأنظمة الاستبداديّة الراسخة في العالم العربيّ في عام ٢٠١١، كان السودان يُستهلَك في عمليّةِ انفصال جنوب السودان تحت الإشراف الدوليّ. كانتْ سياسة الانفصال معقّدة كما يُتوقّع، وانتهتْ بتجديد الحرب في منطقة الحدود مع جنوب السودان. استؤنفت التمرّداتُ المحلّيّة في ولايتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق بعد فترةٍ قصيرةٍ من السلام، وسرعان ما غزَت حربٌ أهليّةٌ جنوب السودان المستقلّ، حيث تنافستْ كلٌّ من العاصمتَين، الخرطوم وجوبا، لبسْط نفوذ الواحدة منهما على الأخرى.

تضمّنتْ أوّل ميزانيّةٍ للسودان بعد الانفصال مجموعةً كبيرةً من تدابير التقشّف. وفي أيلول / سبتمبر ٢٠١٣، واجهت الحكومةُ سلسلةً من أعمال الشغب في الخرطوم كردٍّ على ارتفاع أسعار الوقود والخبز. وكان الردّ بوحشيّةٍ ساحقة، فقُتل ما لا يقلّ عن ١٨٥ متظاهراً في الأحداث (منظّمة العفو الدوليّة والمركز الأفريقيّ لدراسات العدالة والسلام، ٢٠١٤).

وإذا نظرنا اليوم إلى أحداث أيلول / سبتمبر ٢٠١٣، سنجد أنّها كانت مقدّمةً للموجة الحاليّة من الاحتجاجات الشعبيّة ضدّ حكومة الرئيس البشير. لقد تجنّب الجيل الجديد من المتظاهرين، ومعظمهم من الطلاب والمهنيّين الشباب، البُنى الهرميّة للأحزاب السياسيّة القائمة، وقاموا بتكوين شبكاتهم الأفقيّة المتسلّحة بشبكة الإنترنت. وبدلاً من القادة المعروفين، أضفتْ مجموعاتٌ مثل «قرفنا» و«شرارة» و«التغيير الآن» على احتجاجات أيلول / سبتمبر ٢٠١٣، التي لم يكن لها رأسٌ مدبّر، أصواتاً عاليةً وصوَراً مؤثّرة انتشرتْ عالميّاً عبْر الإنترنت.

الإسلاميّون والنيوليبراليّة

في ذلك الوقت، أنكر الرئيسُ البشير أنّ حمّى «الربيع العربيّ» قد وصلتْ إلى بلاده، وقال إنّ السودان قد تجاوز تلك المرحلة بالفعل. وبطريقةٍ ما، كان على حقّ. إذ يمكن القولُ بأنّ لحظةَ الربيع العربيّ في السودان كانت انتفاضةَ نيسان / أبريل ١٩٨٥، التي أفضتْ إلى انقلابٍ عسكريٍّ أنهى ١٦ عاماً من الحكم الديكتاتوريّ للرئيس جعفر النميري، ومهّد لمرحلةٍ قصيرةٍ من الديمقراطيّة البرلمانية (١٩٨٦ - ١٩٨٩).

تحوّلَ النميري، وهو مستبدٌّ على غرار عبد الناصر، في ولائه من الكتلة الشيوعيّة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، ليصبح رجلَ واشنطن في القرن الأفريقيّ. وبعد تراكم الديون الهائل من جرّاء المشاريع التنمويّة الفاشلة التي تقودها الدولة، اضطرّتْ حكومتُه إلى تنفيذ مجموعةٍ من «الإصلاحات الاقتصاديّة» التي صمّمها صندوقُ النقد الدوليّ لتحرير الاقتصاد وتخفيض النفقات الحكوميّة على نحوٍ كبير. تضمّنتْ هذه «الإصلاحاتُ» جميعَ الوصفات المألوفة للنّموذج النيوليبراليّ: تخفيض قيمة العملة وخفض الإعانات وخصخصة المؤسّسات العامّة وخفْض الإنفاق الاجتماعيّ (غوردون، ١٩٩١).

لكنّ الرئيس النميري لم ينجُ من إصلاحات صندوق النقد الدوليّ، فأدّى الغضبُ الشعبيّ من التقشّف في الخرطوم - المدينة المتوتّرة بسبب تدفّق المهاجرين الريفيّين الفارّين من الحرب في جنوب السودان ومن المجاعة في غرب السودان - إلى إنهاء حكمه بعد أسبوعين من الاحتجاجات الضخمة في أبريل / نيسان ١٩٨٥. وكان السادات قد تمكّنَ في مصر من سحْق أعمال الشغب التي اندلعتْ في عام ١٩٧٧ ضدّ نسخة التقشّف الخاصّة به والفوز بتأييد الإسلاميّين، وإنْ كان الفترةٍ وجيزةٍ فقط. إذ لقيَ الساداتُ، وهو الحليف الإقليميُّ الرئيسيّ للنميري، مصرعَه على أيدي الإسلاميّين أنفسِهم الذين سعى إليهم من أجل ترويض الجماهير المعارِضة لنموذجه الاقتصاديّ. في السودان، أقام النميري تحالفاً مماثلاً مع الحركة الإسلاميّة بقيادة حَسن الترابي.

على عكس مصر واغتيال السادات، فضّل الإسلاميّون السودانيّون السلطة على الجنّة، فاستغلّوا تحالفهم مع النميري لتنمية جيلٍ جديدٍ من الكوادر المتعلّمة الطموحة - معظمها من بلدات المحافظات السودانيّة - في مؤسّسات الدولة انتظاراً للّحظة المواتية للاستيلاء على السلطة. لقد وفّر الوعد بنهضةٍ إسلاميّة لهذه الطبقة الوسطى الطموحة قواعدَ سياسيّةً جديدة لمعارضة الطبقات الحاكمة في السودان. وفي النهاية، فازت الحركةُ الإسلاميّة بالسلطة بمساعدة الجيش في عام ١٩٨٩، مما أدّى إلى مزيج من الاستبداد والإسلامويّة.

وبينما تحوّلت الحركات الإسلاميّة في بلدان «الربيع العربي»، بعد ثلاثة عقود، إلى حواملَ لمعارضة الحكم الاستبداديّ والغضب المدينيّ الظاهر ضدّ التحوّل النيوليبراليّ (جويا، ٢٠١١)، نفّذ الإسلاميّون السودانيّون في الحكومة «الإصلاحاتِ» ذاتَها التي لم يستطع النميري أن ينفّذها سياسيّاً. كان تفسير الإسلاميّين السودانيّين للدولة مطابقاً تماماً للنّموذج النيوليبرالي (مارشال وأخرين، ٢٠١٠). وعملت الدولةُ التي أعادوا صياغتَها كمحرّكٍ للخصخصة والتحرّر الاقتصاديّ، الذي ينظّم النشاط الاقتصاديَّ بما يتوافق مع مصالح الشركات الكبرى ويعزّز ثقافة الاستهلاك والمنافسة، ويكافئ الفائزين القلائل، ويُحكم قبضته على الخاسرين الكثر من خلال مزيجٍ من التشريعات التأديبيّة والقوّة الغاشمة.

على مدار الثلاثين سنةً الخالية، جاءتْ معارضة حكم الإسلاميّين السودانيّين من جهتَين متوقَّعتين: الطبقة الحاكمة القديمة التي أطاحتْها سيطرةُ الإسلاميّين، والحركات المسلّحة في أطراف السودان - جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور. الأولى تتْبع سياسةً فاشلة تقضي بالعودة إلى نظام الحكم الأرستقراطيّ القديم، الذي تآكلتْ أسسُه الاجتماعيّة والاقتصاديّة منذ زمنٍ طويل. أمّا الثانيةُ فقدْ أُجهضتْ محاولاتُها المتكرّرة لتشكيل تحالفٍ عريضٍ يضمّ شعوبَ السودان المهمَّشة غير الناطقة بالعربيّة، بهدف رفع نظام الامتياز العنصريّ والاجتماعيّ الذي يحافظ على هيمنة النخبة المتمركزة حول النهر في قلب البلاد.

تَمثّلَ ردُّ الإسلاميّين على هذا التحدّي المزدوج في سياسة استقطابٍ ناجحةٍ إلى حدٍّ كبير، بدمج عناصر النخبة، سواءٌ من الأحزاب القديمة أو تلك الآتية من الأطراف، في الطبقة الحاكمة. وكانتْ مقتضيات الحكومة والسياسة الواقعيّة لمواجهة الصعاب الإقليميّة والدوليّة من العوامل الرئيسيّة في تخلّي الرئيس البشير عن الحماسة الإيديولوجيّة للنهضة الإسلاميّة لصالح نهج براغماتيّ. حتّى إنّه استغنى عن قائد الحركة الإسلاميّة المخضْرم حسن الترابي وعن أبرز السياسيّين فيها تباعاً من أجل تأمين هذا التحوّل.

نداء التعبئة: «الحريّة والسلام والعدالة»

بالنسبة إلى الشبّان والشابّات الذين احتجوا في شوارع السودان ولا يزالون، وهم في غالبيّتهم من المهنيّين أو الطلّاب من الطبقة الوسطى، يظلّ الإسلام السياسيّ أيديولوجيّةَ العدوّ الموجود في السلطة. إنّه «الكوز» - وهي لفظة عربيّةٌ يستخدمها السودانيّون كنايةً عن طمع الإسلاميّين وجشعهم، وتعني المجرفةَ الكبيرة - الذين يريدون القضاء عليه. ويواجه المتظاهرون السودانيّون تحدّي استحداث قواعد سياسيّة بديلة للتعبير عن مَطالبهم، بعدما سُلبوا القوّةَ الأخلاقيّة والإيديولوجيّة لـ«الإسلام» باعتباره تعبيراً معارضاً، بسبب إفلاس المشروع الإسلاميّ في الحكومة.

حتى الآن، تتمحور مطالب المتظاهرين وشعاراتُهم حول «الحرّيّة والسلام والعدالة». وغالباً ما يشير مُنتقدوهم في وسائل الإعلام الحكوميّة إلى عدم وضوح تلك الرؤية السياسيّة، مطالِبين إيّاهم بطرح برنامج حُكم بعيداً عن الشعارات الجذّابة.

والحالُ أنّ أحد أسباب نجاح تجمّع المهنيّين السودانيّين باعتباره وسيلةً للتعبئة السياسيّة ضدّ حكومة الرئيس البشير، هو براءتُه السياسيّة المتصوَّرة كما كانت. فالشبّان والشابّات الذين يستجيبون لدعوات تجمّع المهنيّين السودانيّين إنّما يفعلون ذلك لأنّه يعكس غضبَهم ضدّ الفساد الراسخ والمحسوبيّة وعدم الكفاءة، وكذلك سخطَهم على إخفاقات الطبقة السياسيّة عموماً، سواءٌ أكانتْ في الحكومة أم في المعارضة. ولا يتبنّى تجمّعُ المهنيّين السودانيّين، كمنظّمة، تَوّجهاً سياسيّا قائماً بذاته، بل يتحدّث بلغةٍ وظيفيّةٍ عالميّة من الحرّيّات والحقوق التي يستحقّها كلُّ مواطن، ويَعد بالخَلاص من براثن الاستبداد. ومن المفارقة أنّ الخطابَ الذي يستخدمه التجمّع من أجل التعبئة مستلٌّ إلى حدٍّ كبيرٍ من التراث القوميّ لـ«الأفنديّة» السودانيّين، القائمِ على أيديولوجيّة العمل لطبقةٍ ضيّقةٍ من السودانيّين المتعلّمين، ومعظمُهم من المسلمين الناطقين بالعربيّة ومن حوض النهر، الذين خَدموا ككتبةٍ وإداريّين صغارٍ تحت الحكم الاستعماريّ الأنغلو - مصريّ، ومن ثَمّ وَرثوا تلك الدولةَ الاستعماريّة (Sharkey ، ٢٠٠٧).

يمكن تفسيرُ هذا الاستخدام المعاصر للُغة «مؤتمر الخرّيجين» القوميّة القديمة على أنّه مناورةٌ خطابيّة، تهدف إلى إحياء فكرة التماسك الوطنيّ من الماضي المتخيَّل. إلّا أنّ هذه القوميّةَ الشعريّة، لكن الضيّقة، لطبقة الأفنديّة هي بالضّبط التي فشلتْ في تخيُّل موئلٍ سياسيٍّ لكثيرٍ من شعوب السودان، وهي التي تتحمّل المسؤوليّةَ عن سقوط السودان المعجَّل في حروبٍ أهليّة مستعِرة في أعقاب الخَلاص من الاستعمار (حرير وآخرون، ١٩٩٤). وفي موقفٍ مناقضٍ لفكرة الوحدة الوطنيّة العضويّة، أسّسَ العديدُ من السودانيّين المحرومين من حقوقهم، كالطبقة العاملة (سيكينغا، ٢٠١٠) والحركة النسائيّة (إبراهيم، ٢٠١٠) والقوميّات المضطهَدة (قرنق، ١٩٨٧)، نزعاتٍ قوميّةً بديلة.

المعارضة: تنظيماتها، خلافاتها، منافساتها

بعيداً عن التعبئة، أي التعتيم على الصراع السياسيّ من خلال تمجيد الأمّة، وهي وظيفةٌ دقيقة، حيث مكّن قوى المعارضة المتنازِعة على الدوام من ركوب موجة المشاركة السياسيّة الجماهيريّة، التي ولّدها تجمّعُ المهنيّين السودانيّين، كشركاء في التحالف. وهكذا كان تحالفا المعارضة المتنافسان في السودان، وهما «نداء السودان» و«قوى الإجماع الوطنيّ»، إضافةً إلى فصيلٍ من «الحزب الاتحاديّ الديمقراطيّ» المعارض لتحالف الحزب مع حزب المؤتمر الوطنيّ الحاكم، وهي الأطراف الموقِّعة على «إعلان الحرّيّة والتغيير» الذي صدر عن تجمّع المهنيّين السودانيّين.

تمّ إطلاقُ «تحالف نداء السودان» في عام ٢٠١٤ في أديس أبابا، كمنصّةِ معارَضةٍ جمعتْ حزب الأمّة، الذي ينتمي إليه صادق المهدي، وغيرِه من الفصائل السياسيّة غير المسلّحة مع الحركات المسلّحة لـ«الجبهة الثوريّة السودانيّة». كان الغرض الأساسيُّ من التحالف هو إظهار وحدة الهدف في عمليّة الوساطة التي تقودها «لجنة الاتّحاد الأفريقيّ التنفيذيّة رفيعة المستوى للسودان وجنوب السودان» (AUHIP) بين الحكومة السودانيّة والعديد من المعارضين. تأسّست «الجبهة الثوريّة السودانيّة» (SRF) في عام ٢٠١١ وانضمّتْ إلى الحركات المسلّحة الرئيسيّة في دارفور - «جيش حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، و«جيش حركة تحرير السودان» بقيادة ميني ميناوي، و«حركة العدل والمساواة» و«الجيش الشعبي لتحرير السودان» في شمال السودان.

وبحلول عام ٢٠١٤، انقسمت الجبهة الثوريّة السودانيّةُ إلى قيادتَين تقاسمتا الولاءَ بين الحركات المسلّحة في دارفور من جهة، و«الجيش الشعبي لتحرير السودان» (حركة تحرير السودان) وحلفائه من جهة أخرى. وعاني الجيش الشعبيُّ لتحرير السودان نفسُه مِن التنازع على القيادة أدّى إلى انقسامه أخيراً في عام ٢٠١٧ بين أغلبيّةٍ في جبال النوبة جنوب كردفان بقيادة عبد العزيز الحلو تتبنّى هدفاً معلَناً هو حقُّ تقرير المصير للمنطقة، وأقلّيّةٍ في النيل الأزرق بقيادة مالك أجار تتبنّى أجندةً موحَّدةً على المستوى الوطنيّ.

لكنّ الانقساماتِ حول الاستراتيجيّة والتنافس على القيادة أثارتا الفرقةَ بين أطراف المعارضة غير المسلّحة. فافترق الصادق المهدي، زعيم حزب الأمّة، عن تحالف «قوى الإجماع الوطنيّ»، وهو تحالفٌ معارِضٌ أُطلق في عام ٢٠١٠، ضمّ إلى جانب حزب الأمّة، الحزبَ الشيوعيَّ، وحزبَ المؤتمر الشعبيّ بقيادة حسن الترابي، وحزبَ المؤتمر السودانيّ المعارض، وعدداً من المجموعات البعثيّة والناصريّة الأصغر حجماً. إذ لم يكن صادقُ المهدي راضياً عن منصبٍ تابع في «قوى الإجماع الوطنيّ» تحت رئاسة فاروق أبو عيسى، وهو سياسيٌّ مخضرَمٌ ذو ميولٍ يساريّة، فبادَرَ إلى الخروج من التحالف. وكذلك سئم حسن الترابي من شراكته مع «قوى الإجماع الوطنيّ» فانضمّ إلى عمليّة «الحوار الوطنيّ» التي أعلن عنها الرئيس البشير في عام ٢٠١٤ ليصبح شريكاً في الحكومة في نهاية المطاف.

وبتحالفه مع الحركات المسلّحة، أصبح الصادق المهدي أخيراً رئيساً لمظلّةٍ معارِضة، هي «تحالف نداء السودان»، في آذار / مارس ٢٠١٨. ومع أنّ «قوى الإجماع الوطنيّ» كانتْ من الموقِّعين على «نداء السودان»، إلّا أنّها اتّهمت حلفاءها فيه بالخضوع لأجندة المهادَنة المدعومة دوليّاً والتي تعمل من أجل المصالحة مع الحكومة وانتقالٍ تدريجيّ، ومن ثَمّ انفصلتْ عن النداء من جديد وأعلنتْ أنّ هدفها الوحيد هو «تغيير النظام». وفي هذه الأثناء، فضّل «حزب المؤتمر السودانيّ» المعارِض الشراكة مع «نداء السودان» على «قوى الإجماع الوطنيّ».

وفي خضمّ أزمة القيادة منذ وفاة أمينه العامّ المخضرَم محمّد إبراهيم نُقُد في العام ٢٠١٢، قام الحزب الشيوعيّ بقيادة زعيمه الجديد محمّد مختار الخطيب بتطهير العناصر التي اتّهمها باللّعب بفكرة «المهادنة» قبيل مؤتمر الحزب السادس في العام ٢٠١٦، واختار العزلة النبيلةَ على رأس «قوى الإجماع الوطنيّ».

كيف ولماذا نجح «تجمّع المهنيّين»؟

لا عجب إذن من أنّ ظهور تجمّع المهنيّين السودانيّين، الغامض إلى حدٍّ ما، قد قوبل باستحسانٍ شعبيٍّ في مسرح سياسيٍّ مليءٍ بالمشاحنات المستمرّة. تَمّ تأسيس التجمّع في عام ٢٠١٦ كتحالفٍ من ثلاثة أجهزةٍ مهنيّة، هي: لجنة أطبّاء السودان المركزيّة، وشبكة الصحافيّين السودانيّين، والتحالف الديمقراطيّ للمحامين. تأسّستْ «لجنة أطبّاء السودان المركزيّة» كلجنة تنسيقٍ لإضراب الأطبّاء الناجح عام ٢٠١٦، وتمّ إنشاء «شبكة الصحافيّين السودانيّين» كجهازٍ تمثيليّ للصحافيّين السودانيّين المعارِضين لـ«اتّحاد الصحافيّين السودانيّين» المتحالف مع الحكومة. أمّا «التحالف الديمقراطيّ للمحامين»، فنشأ من قائمة انتخابيّة لمحامي المعارضة الذين ينافسون بشكل دائم على قيادة «نقابة المحامين السودانيّين» المتحالفة مع الحكومة.

في آب / أغسطس ٢٠١٨، عَقَد تجمّع المهنيّين السودانيّين مؤتمراً صحافيّاً لم يحضرْه الكثير في الخرطوم، للكشف عن دراسة حول الحدّ الأدنى للأجور على خلفية انخفاض قيمة العملة الوطنيّة وارتفاع التضخّم. وكان من بين المتحدّثين في المؤتمر الصحافيّ محمّد يوسف أحمد المصطفى، أحد الأعضاء القلائل البارزين في الشمال، من أسلاف «الجيش الشعبيّ لتحرير السودان» الذين ظلّوا بعد استقلال جنوب السودان بعيدين عن «الحركة الشعبيّة / الجيش الشعبيّ لتحرير السودان»، لكنّهم اتّخذوا خطوةً غير متوقَّعة، وهي الوقوفُ إلى جانب عبد العزيز الحلو في انقسام الجيش الشعبيّ لتحرير السودان عام ٢٠١٧. كما تحدّث محمّد ناجي الأصمّ، وهو طبيبٌ شابٌّ لديه سجلٌّ في المشاركة في الإضرابات، وينتمي إلى ذلك الفصيل من الحزب الديمقراطيّ التقدميّ الذي يعارض تحالفَه مع حزب المؤتمر الوطنيّ الحاكم. ويبدو أنّ كلا الرجليْن، المصطفى والأصمّ، لا يزالان يتحدّثان باسم تجمّع المهنيّين السودانيّين (وتعرضا للاعتقال في الفترة الأخيرة قبل الافراج عنهما).

تقدّمَ تجمّعُ المهنيّين السودانيّين بخطّة للإعلان عن مقترحهم حول الحدّ الأدنى للأجور إلى الجمعيّة الوطنيّة في موكب جماعيّ. في غضون ذلك، اندلعت الاحتجاجات في عطبرة والقضارف وغيرهما من بلدات المحافظات التي رفعتْ سقف العمل السياسيّ، وردّ تجمّعُ المهنيّين السودانيّين بإعلانه «إعلان الحريّة والتغيير» عشيّةَ ذكرى استقلال السودان في الأوّل من كانون الثاني / يناير ٢٠١٩، داعياً مباشرة إلى السقوط غير المشروط لنظام الرئيس البشير، وتشكيل حكومة انتقاليّة وطنيّة (تجمّع المهنيّين السودانيّين، ٢٠١٩).

لقد أسرَ «التجمّعُ» مخيّلة السودانيّين السياسيّة على شبكات التواصل الاجتماعيّ، ولعلّ نجاحه بشكل خاصٍّ في أوساط الشتات السودانيّ خيرُ مثالٍ على ذلك، حيث كان التجمّعُ بمثابة الملاذ والوسيلة بالنسبة إلى شرائح واسعة من الشابّات والشبّان الراغبين في عيش هويّتهم السياسيّة التي يحلمون بها كمواطنين سودانيّين. وبناءً عليه، شكّلَ ناشطون من مختلف المهَن - أساتذة جامعيّون، أطبّاء بيطريّون، مهندسون، مفتّشون صحّيّون، فنّانون تشكيليّون وغيرهم - جمعيّاتهم الخاصّة على غرار نموذج تجمّع المهنيّين السودانيّين، للانضمام إلى «إعلان الحريّة والتغيير».

كان لتجمّع المهنيّين السودانيّين ميزة مزدوجة: فكان من جانبٍ مظلّةً نقابيّةً طموحة، ومن جانبٍ آخر قوّة سياسيّة. وقد أثبتتْ هذه الخاصّيّة المزدوجة نجاحها. وهو في ذلك يشبه المنظّمات السودانيّة التي سبقتْه، وتحديداً «الجبهة الوطنيّة المتّحدة»، التي قادتْ ثورة تشرين الأوّل / أكتوبر ١٩٦٤ وأنهتْ حكم الحاكم العسكريّ السابق في السودان الجنرال عبّود، و«اتّحاد نقابات العمّال» التي لعبتْ دوراً محوريّاً في انتفاضة نيسان / أبريل ١٩٨٥ التي أطاحتْ بنظام الرئيس النميري. على أنّ ثمّة اختلافاتٍ حرجةً في المحتوى تتجاوز التشابه في الشكل. فقد عملت «الجبهة الوطنيّة المتّحدة» عام ١٩٦٤ و«اتّحادُ نقابات العمّال» عام ١٩٨٥ في مجالٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ كانتْ فيه الحكومةُ هي ربّ العمل الأكبر للمهنيّين المتعلّمين الذين سعَوا إلى تحدّيها من خلال الإضراب والتعبئة الشعبيّة. وكان بمقدور كلتا المنظّمتيْن الاعتمادُ على دعم المنظّمات العماليّة الثوريّة، وفي مقدّمتها «اتّحاد عمّال السكك الحديديّة السودانيّ» المتمركز في موقع استراتيجيٍّ قادرٍ على شَلّ الاقتصاد القائم على المحاصيل النقديّة. كما كان بمقدورهما إثباتُ مزاعمهما التمثيليّة من خلال الإجراءات الانتخابيّة في النقابات والجمعيّات المهنيّة.

بالمقابل، تستمدّ الجهاتُ الفاعلة في تجمّع المهنيّين السودانيّين نفوذها من المهنيّين. وكان الاختراق الرأسماليّ تحت رعاية الإسلاميّين السودانيّين قد أدّى إلى تحويل سوق العمل في السودان لصالح المشاريع التجاريّة. وكنتيجةٍ لتسليع قطاعَي الصحّة والتعليم وتزايد خصخصة المشاريع العامّة في هذه القطاعات، بدأت المصالح الخاصّةُ تصطدم بأعمال الإضرابات القطاعيّة. وهكذا صار يتعيّن على العاملين في جهاز الدولة البيروقراطيّ والقطاع المصرفيّ والقطاع الصناعيّ والاتّصالات السلكيّة واللاسلكيّة تطوير منصّاتهم النقابيّة حتى يستطيعوا الانضمامَ إلى نداءات «تجمّع المهنيّين السودانيّين» المتكرّرة للإضراب العامّ. كما لم ينجح تجمّع المهنيّين السودانيّين، بحكْم تكوينه، في التعبير عن هموم ومصاعب مزارعي الكفاف في السودان وصغار الفلّاحين والعمّال الزراعيّين، والعديد من عاملي المناجم الذين ينقّبون عن الذهب في الصحاري والوديان البعيدة، والمنتجين الصغار والفقراء في المدن.

القوی المواجهة للتّغيير؟

والآن، في هذه اللّحظة من الأزمة الثوريّة في السودان، يجدُرُ النظر في مجموعة القوى التي تقف في وجه التغيير في البلاد، وهي تضمّ الكثير من الشخصيّات المشبوهة، من بينها رجال الأمن والضبّاطُ العسكريّون، والمليشيّات التي تمّت خصخصتها، والشركات الكبرى ومستوردو الأغذية والمصرفيّون والمموّلون، وكبارُ ملّاك الأراضي والدعاة وكبارُ البيروقراطيّين. وهم يشتركون جميعاً في مصلحةٍ واحدة، وهي المحافظة على الوضع الحاليّ. وكان من المنطقيّ أن يردّ الرئيس البشير على أسابيع من الاحتجاجات بإعلان حالة الطوارئ في ٢٢ شباط / فبراير وحلّ مجلس الوزراء واستبدال حكّام الولايات بعسكريّين وأمنيّين، وتعيين أحد أشدّ الانضباطيّين كنائبٍ لرئيس الحزب الحاكم مع سلطات الضابط الأوّل. ترْقَى هذه الخطواتُ في جوهرها إلى ترجيح ميزان القوى في المؤسّسة الحاكِمة لصالح الجهاز العسكريّ - الأمنيّ، واستقطاب شركاء جددٍ من المهنيّين المتضرّرين لشغل مناصب في الحكومة «الانتقاليّة» الجديدة.

أدّت الاحتجاجات في السودان إلى إحياء روح «الربيع العربي» بشكلٍ مشروع، ولكنّها دفعت القوى العاتية المعادية للثورة في المنطقة إلى التحرّك المضادّ. وليس عبثاً أن أعربَ البشير في خطبه العديدة بعد اندلاع الاحتجاجات عن شكره للرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي وأمير قطر حمد بن خليفة على دعمهما، إلى جانب روسيا والصين. وقد يبدو هذا المزيجُ للوهلةِ الأولى غريباً، لكنّه يعبّر عن الطابع المركَّب للنّظام السودانيّ، وهو حكْم استبداديٌّ عسكريّ نشأ عن الاستيلاء على الدولة من قبل حركة إسلاميّة حديثة تطمح إلى أن تكون نيوليبراليّة، وتوظّف أيديولوجيّةً شوفينيّة تستند إلى تفوّقٍ مزعومٍ للمسلمين الناطقين بالعربيّة على شعوب السودان الأخرى. على أنّ أعظمَ مفاجأةٍ للبشير هي حقيقة أنّ مقاومةَ حكمه تنبع من أوساط المقرّبين الذين كان يزعم أنّه يحميهم من مؤامرات المتمرّدين والقوى الخارجيّة.

العددان ٢٣-٢٤ - ٢٠١٩

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.