العدد ٢٢ - ٢٠١٩

كتاب السجن

العنف، الحبّ، الجنس

النسخة الورقية

اليوم هو 25 أيلول / سبتمبر 2016. بينما أنا أرتّب مكتبتي، التي ضاقتْ بكتبها فألقت ببضعها على الأرض، وجدتُ دفتراً طويلاً بغلافٍ مقوّىً. فتحْته، فإذا بالصّفحة الأولى تحوي عناوين عدّة يبدو أنّي كتبتُها لأختار منها لاحقاً ما هو مناسب: «كتاب السجن»، «كتاب المراقبة والغدر»، «خارج الزّمن داخل الوقت»، والأخير بالطّبع عنوانٌ مُلغّز.

إلى جانب ما سبق، كنتُ قد كتبتُ عنواناً بلسان السّجناء «العاديّين»: لا سجن اتبنى على سجّان، ولا سجن اتبنى على مسجون. لكن الأهمّ من هذا وذاك، تاريخٌ سجّلتُه، أنا الذي يُهمل عادةً تسجيلَ التّواريخ، وهو: 10 / 8 / 1988.

أمعنتُ النّظر في الهوامش، فوجدتُ تفاصيلَ أكثرَ دقّةً وحميميّة. في ملاحظةٍ جانبيّة كتبت: شرح الوضع في السّجن:

العلاقات الجنسيّة

الحبّ عند المساجين السياسيّين

يبدو أنّني مشغولٌ منذ أعوامٍ سابقةٍ بحكايات السّجن والغدر والمراقبة والحبّ والجنس عند المساجين السّياسيّين! هي أوراقٌ في دفترٍ طويلٍ ممزّقٌ بعضُها. على بطن الغلاف الأوّل الدّاخليّ كتبتُ بخطٍّ مختلف. أخذتْ منّي ثمانيةً وعشرين عاماً حتّى قرّرتُ نقل ما في الورق الممزّق وتوثيقَه داخل العالم الإلكتروني والكمبيوتر. قبلها، قرأتُ المكتوبَ بتأنٍّ. لاحظتُ أنّي بين عامَي 1988 و2016 ازددتُ نضجاً في حالاتٍ معيّنة، ورعونةَ في أخرى، وبالنّضج والرّعونة أعني الكتابة عن السجن وما يتفرّع منها عن العلاقة بين السياسيّين وعن العلاقات العاطفيّة بين «المساجين» عموماً، و«المساجين السياسيّين» على وجه الخصوص. وفي الحقيقة، تردّدتُ بعض الشيء واجتاحتْني الأسئلة: هل أعيد كتابة ما سبق وكتبتُ من دون تنقيحٍ وشطب؟ أم أبقي الكتابة على ما هي عليه؟

ولأنّ لتساؤلاتنا في معظم الأحيان إجاباتٍ بديهيٍة، قفزتْ إلى ذاكرتي أعمالُ التّنقيح والشّطب والتّغيير التي أجريتُها على كتابات السّجن، خصوصاً أنّي قرأتُها غير مرّة، وهالني، في كلّ مرّة، كمّ الصّدق الجافّ الذي حوتْه كتاباتي منذ سنواتٍ طوال. لذا، قرّرتُ إعادة الكتابة بأقلّ قدْر من التّنقيح، على أنْ أمازج بين الكتابات بطريقةٍ تخدم المضمون أكثر ممّا تعير التراتب الزّمنيّ في المكتوب أهمّية. لستُ أدري، لعلّني ما زلتُ ذلك الشّخص الأرعن.

خارج الزمن، داخل الوقت

ليس هناك فارقٌ تقريباً في العلاقات الداخلية للمسجونين بين الرّجال والنّساء، والحديث هنا عن السّجناء العاديّين، أيْ غير السياسيّين، فالسجن يفرض ويخلق هذا النّوع من العلاقات الدّاخليّة التي تكون السّيادة فيها للأقوى، سواءٌ بالمفهوم الجسديّ العضليّ الذي تؤازر السّجينَ فيه سكّينةٌ صغيرةٌ أو سلاحٌ أبيضُ ما، أو بالمفهوم الاقتصاديّ الذي يمدّ السّجين بقوّةٍ خفيّة. بالمحصّلة، لكليهما السّيادةُ داخل السّجون.

تعطي القوّةُ أصحابَها، نساءً ورجالاً، امتيازاتٍ خاصّةً في الحياة اليوميّة للسّجن. أوّل الامتيازات وأوضحها الإعفاءُ من العمل اليدويّ، الشاقّ أو العاديّ. يستطيع القويّ استغلال الضّعيف فيعمل بدلاً منه مقابل أجر أو خوفاً من البطش. ثاني الامتيازات متعلّقٌ بالأكل ولذّته، فالسّجين، الذي يملك فائضاً من القوّة عن أقرانه، يحصل على أطايب مطبخ السّجن... ثمّ يأتي الجنس. كلامنا عن الجنس يعني التّطرّق إلى «تابو» محرّمٍ الحديثُ عنه هو «العلاقات»، كما أسمّيها، بين بعض المسجونين السّياسيّين، وأنا واحدٌ من الّذين أقاموا علاقاتٍ داخل السّجن.

والجنس في السّجن مرتبطٌ بالعنف داخله. وللعنف أنواعٌ مختلفةٌ لا تقتصر على الجسد، فالسّجين يقاسي خلْف القضبان وخلْف الأعين عنفاً نفسيّاً أيضاً. غالباً ما يتمّ إكراه السّجين على أكلٍ معيّنٍ، والنّوم والاستيقاظِ في أوقاتٍ محدّدة لا علاقة لها بالسّجين، وكذلك استيلاء السّجن على متعلّقاته الشّخصيّة من صورٍ فوتوغرافيّةٍ ومقتنياتٍ عاطفيّة كخواتم الخطوبة والزّواج، ثمّ هناك حلْق شعر السّجين الّذي يدخل في باب العنف النّفسيّ، وحرمان السّجين من كتابة الخطابات وتسلّمها لفتراتٍ طويلةٍ، والحرمان أيضاً من الكتب والصّحف والتّلفزيون والمذياع وغيرها.

الإضراب عن الطعام

لقد عايشتُ شخصيّاً هذا النّوع من العنف داخل السّجن. لم أواجه ضرباً أو إهانات، لكنّني، كحال الآخرين في «القناطر» وباقي السّجون المصريّة، كنتُ في «تكديرة» من توابع زلزال مقتل شهدي عطيّة الفضائحيّ التراجيديّ داخل السّجن. لقد نمتُ على البرش الموضوعِ على الإسمنت مباشرةً وفوقَه بطانيّة متهرّئةٌ وغطّيتُ جسدي ببطّانيّةٍ أخرى. وكنّا بعد الأكل بالقرَوانات وغسلها نستخدمها كوسادات. وقد اعتدْنا كذلك المشي حفاةً في صقيع الشّتاء والتّجوّل كذلك ونحن في الطّابور في حَوْش السّجن والذهاب إلى المرحاض. والأخير مروّع، فهو كالأدشاش من دون أبوابٍ أو سواتر، يرانا الجميع ونراهم.

بقينا في هذه التّكديرة، أو على الأقلّ بقيت أنا فيها، من شهر كانون الأوّل / ديسمبر ١٩٦٠ حتّى ترحيلنا إلى الإسكندريّة للمحاكمة. حينها فقط سُمح لنا بانتعال الأحذية، لكن فقط عند الذهاب إلى المحكمة! أي بعد ثمانية أشهر من التّكديرة إيّاها. بعد المحاكمة، التي كان يرأسها الفريق هلال عبد الله هلال، تقرّر وضعنا في المكان المخصّص للإعدام تأديباً لنا وعزلاً نهائيّاً عن باقي السّجناء «العاديّين غير السياسيّين» الذين كانوا يقدّمون بعض الخدمات لنا مقابل أجر طبعاً.

تمّ عزلنا إعلاميّاً كذلك بأمرٍ من المباحث، فمُنعنا من الصّحف والكتب رغم أنّنا حصلْنا على هذا الحقّ من المحكمة. سمحوا لنا فقط بكتابة خطاباتٍ مفتوحةٍ تمرّ على إدارة السّجن والمباحث بالطبع قبل توصيلها إلى الأهالي. وأباحوا لنا تسلّم خطاباتٍ مرّةً واحدةً شهريّاً، وألّا يزيد حساب السّجين الواحد في الكانتين عن خمسة جنيهات، مع العلم أنّ علبة السّجائر المصريّة كانت حينها تُباع بحوالى جنيه ونصف الجنيه. حينها قرّرنا الإضراب عن الطّعام. دخلنا الإضراب بشكلٍ متدرّجٍ، أي على دفعات. كنّا مجرّد ستّة عشر متّهماً، وكان المتّهم الأوّل هو أبو سيف يوسف أبو سيف والثاني هو إسماعيل المهدوي. انضممتُ إلى الدّفعة الأولى من المُضربين فعزلونا في زنازين التّأديب، أي انفراديّ مع مواصلة تقديم الطّعام لنا ثلاث مرّاتٍ يوميّاً. وكان من ضمن الدفعة الأولى في الإضراب أيضاً شوقي خميس ويحيى مختار، لكنّ يحيى فكّ الإضراب وأعلن ذلك قائلاً «يا زملا أنا فكّيت الإضراب وشربت شويّة لبن»، ثمّ اختفى إذ تمّ ترحيله إلى العنبر. لم نعاتبه، بل ولم نناقش معه ما حدث احتراماً له ولقراره.

الإجراء المتّبع مع المُضربين عن الطّعام من المساجين هو أن يتمّ عرضهم أوّلاً على طبيب السجن الذي يكشف على أفوههم وألسنتهم ويثبت أنّهم لم يتناولوا طعاماً خلال الأيّام الثّلاثة الماضية، ثمّ يُحوَّلون إلى النّيابة حسب طلب المسجون المضرب ليعلن للنّيابة أسباب إضرابه بمواجهة تعسّف إدارة السّجن. في هذا الوقت، يكون غير المضربين قد اتّصلوا بالأهالي ليبلغوهم، فيتّصلون بإدارة المحكمة لإبلاغهم بإضراب المتّهمين لأنّنا لا نزال تحت التّحقيق والجهة الّتي تدير شؤوننا هي المحكمة لا إدارة السجن! هكذا إذاً يُعرَض المُضرب على الطّبيب ثمّ وكيل النّيابة، ليُصار إلى ترحيله مرّةً أخرى إلى زنزانة التّأديب والانتظار بينما هو متعَبٌ جدّاً.

كان أوّل يومين، بالنّسبة لي، هما الأصعب، خصوصاً مع رائحة الطّعام الّذي لم يتغيّر عن الطعام الماسخ اليومي لكنّ الجوعَ كافر. سمح للمضربين من اللّجنة المشرفة على الإضراب، وفيها رفيق كان في السنة الأخيرة من كلّيّة الطبّ، بشرب الماء، فكنت أملأ معدتي ماءً ودخانَ سجائر، التي لم أعد أستسيغ طعمها في اليوم الثالث وصارت تسبّب لي الدّوخة. بعد اليوم الثّالث اختفى الجوعُ عندي وحلّ محلّه إرهاقٌ شديدٌ تبعه هذيانٌ خفيفٌ متعلّقٌ بالأصوات والروائح وأطباق الفول بالبيض المقلي بالسّمن.

أذكر انّنا فككْنا الإضراب بعد خمسة أو ستّة أيّامٍ، وذلك بعدما أمرَت المحكمة إدارة السّجن بتنفيذ بعض ما وضعناه في مطالبنا، وهو الصّحف والخطابات الأسبوعيّة المتبادَلة بين المساجين وعائلاتهم وزيادة مشتريات الكانتين من جنيهين إلى خمسة. كما صرفت لنا إدارة السّجن تنفيذاً لتعليمات الطّبيب كمّياتٍ من الحليب لنفكّ بها إضرابنا. هكذا نقلونا مرّةً أخرى إلى زنازيننا الأصليّة منتصرين!

عند تنفيذ الإعدام

والسّجن من أصعب الأماكن التي يستحيل وصفها بدقّة، لأنّ المكان هو نتاج عوامل عدّة تخلقه وتعيد خلقه. والسّجين في السّجون المصريّة لا يتسلّم فراشاً أو غطاءً جديداً، هو يتسلّم ما عبَر على أجساد آخرين لا يعرفهم، أشياء تحمل عرقَهم وخوفَهم وأحلامَهم. صحيحٌ أنّها آتية من «المغسلة» العامّة للسّجن، والّتي يُشرف عليها ويديرها مساجينُ آخرون، لكن لا خصوصيّة للسّجين حتّى في ملابسه الداخليّة، إلّا إذا سمحْت له إدارة السّجن بتسلّم ملابس داخليّة من عائلته فيحافظ عليها ويقوم هو بغسلها ونشرها في الزّنزانة بعيداً عن المغسلة العامّة.

لا تعذيب نفسيّاً يعلو على ما يتعرّض له السّجينُ المحكومُ بالإعدام. في اللّيلة التي تسبق الإعدام يسود السّجنَ هدوءٌ غير عاديّ. يختفي صخَبُ المساجين عندما يعرفون بطريقتهم الخاصّة «أنّ بُكرة إعدام». في الصباح لا يخرج المساجين للتريّض، يُرفع فوق صارية السّجن العلمُ الأسود، ثمّ فجأةً ينفجر الصّخب. يدقّ جميع المساجين بالقروانات على أبواب الزّنازين الحديديّة، لعلّهم بهذا يعلنون احتجاجهم البشريّ على مبدأ الإعدام. لا يتدخّل الحرّاس بل يقبعون في أماكنهم واجمين صامتين حتّى يُنزَل العلم الأسود من الصّارية بعد انتهاء الإعدام. حينها يسود السجن مرةً أخرى صخبٌ عنيفٌ أعنف من الأيّام الاعتيادية، كأنّ السّجناء يحتفون بحيواتهم بعدما انتزعتْ إدارة السجن حياة واحدٍ منهم.

وقد كان سجن «الحدرة» واحداً من السّجون التي يتمّ فيها تنفيذ أحكام الإعدام. وكان من أكثر الأمور إيلاماً لنا في هذا السّجن قربنا من الشّارع، فقد كنّا نستطيع، إذا أصغينا بهدوء، أن نستمع إلى لغط الشارع المصريّ اليوميّ الاعتياديّ، وخصوصاً أنّنا في المكان المخصَّص للمحكوم عليهم بالإعدام.

والعنف الجسديّ ليس أشقى حالاً من النّفسيّ. من حسن حظّي أنّني لم أكن في السّجن خلال فترة. التعذيب الممنهَج الذي امتدّ على مدى ستّة أشهر وتوقّف بمقتل شهدي عطيّة. لقد سمعت حكاياتٍ مروّعةٍ عن التعذيب تقشعرّ لها الأبدان، لكنّني لا أملك أدنى فكرة عمّا إذا كنتُ سأحتمل التّعذيب الجسديّ والنّفسيّ كما فعل الآخرون. هو عنفٌ منظّمٌ وممَنهجٌ كتب عنه طاهر عبد الحكيم في «الأقدام العارية» ورفعت السعيد في «وقائع التحقيق في مقتل شهدي» وكذلك أحمد صادق سعد في «الليمان»، وصولاً إلى نجيب محفوظ في «الكرنك»، روايةً وفيلماً، وقبلهم يوسف إدريس في «العسكريّ الأسود» وغيرهم الكثير.

لكن، والحقّ يُقال، لم يصل التّعذيب الجسديّ الذي لقيه اليساريّون المصريّون منذ أعوام 1959 حتى 1964 إلى التّعذيب الجنسيّ، غير أنّ ما لقوه كان ممنهجاً ويوميّاً وينتظم في ساعاتٍ معيّنة وأعمالٍ محدّدة متكرّرة كالضّرب والإهانات الجنسيّة والإجبار على الهتاف بحياة جمال عبد الناصر والعمل في الجبل لتكسير الأحجار وتحقيق «كوتا» معيّنة من كمّيّة الأحجار وإلّا تعرّض السّجينُ لمزيدٍ من الضّرب والتّعذيب.

يعتمد ما أذكره من تعذيبٍ ممنهجٍ على روايتين، الأولى ما رواه الّذين مرّوا خلال شهورٍ بالتعذيب الممنهج، ما رووه لي شخصيّاً وما كتبه البعض كما أشرتُ سابقاً. والرّواية الثّانية أو المصدر الثاني تجربتي الخاصّة الشّخصيّة التي تعرّضت لها، وهي ما أعتبره تعذيباً ممنهجاً.

هل كان عبد الناصر يدري؟

لكن أودّ أن أشير هنا إلى قضيّةٍ أساسيّةٍ متعلّقةٍ بالتعذيب الممنهج، وهي أنّ الشيوعيّين الذين تعرّضوا له انقسموا فيما بينهم بشأن معرفة القيادة السياسيّة في مصر، أي عبد الناصر والحلقة الضيّقة المحيطة به، بما يحدث لهم داخل السّجون، فمنهم من اعتبر أنّ عبد النّاصر ومَن معه على درايةٍ بما يتعرّضون له، وآخرون اعتبروا أنّ هناك من أخفى على ناصر وحلقته الضيّقة (قد يكون من الحلقة الضيّقة نفسها) أمرَ التّعذيب. ولكن من خلال متابعتي للأمرين، أعتقد جازماً أنّ عبد الناصر لم يعطِ أمراً تفصيليّاً بالتّعذيب، أي لعلّه لم يستخدم المصطلح بلفظه ومعانيه والدّلالة، لكنّه بالتأكيد كان يعلم. لذلك عندما انفضحت «دولة مصر» بقيادته في برلمان يوغسلافيا بشأن مقتل شهدي تحت التعذيب، جاء ردّ فعله أنْ أمر فوراً بإيقاف التّعذيب والتحقيق لمعرفة من كانوا يمارسونه.

bid22_zakira_raouf_massaad_rgb_photo2.jpeg


سجناء داخل أفقاص الحجز في مصر، أ ف ب

هل يصدّق أحدٌ أنّ تعذيباً استمرّ لمدّة ستّة أشهر متواصلة في سجنَي «ليمان طرّه» و«أبو زعبل» ولم يكن عبد الناصر يعلم به؟ مستحيل! هو تواطؤٌ صريحٌ وواضحٌ لحاكمٍ وجماعته حاولا تطبيق نظريّة «المستبدّ العادل» الفاشلة والمتناقضة. أمّا السّادات فقد تسلّم الحكم وواصل ما اعتبره هو طريقته في الحكم، خصوصاً في ما يتعلّق باليساريّين، فأطلق من القمقم جنّي الجماعات الإسلاميّة. والنتيجة التراجيديّة معروفةٌ وهي أنّ مَن قتل السادات يوم الاستعراض العسكريّ في شهر تشرين الأوّل / أكتوبر ١٩٨١هم أفراد الجماعات الإسلاميّة داخل الجيش المصري.

مشاهدات العنف

صحيحٌ أنّي لم ألامس تعذيباً داخل السّجن عن قرْب، إلّا أنّي شاهدتُ أنواعاً من العنف المسلّح في بيروت ولبنان عموماً. لم أرَ الحربَ الأهليّة بقضّها وقضيضها، لكن شاهدت أثارَها المخيفة، وشهدتُ على ما تبقّى منها لشعبٍ تملؤك ممارستُه العنفَ استغراباً، فهو الذّوّاقة للطّعام والغناء والتفاصيل التي تزخر بها الحياة في تلك البقعة من العالم. رأيتُ الاشتباكات المسلّحة تندلع فجأة من دون سبب منطقيّ، أحياناً على ما يطلقون عليه تسمية «أسبقيّة المرور» ليسقط من الجانبين مَن يسقط بين قتيلٍ وجريح.

رأيتُ مظاهرَ العنف في منطقة ومدينة سيربينتسا داخل المقبرة الجماعيّة لقتلى المسلمين على أيدي الصرب. وشاهدتُ أفلاماً تسجيليّةً عن الجماجم في رواندا وحقول القتل في كمبوديا ومقابر صدّام حسين و«البعث» الجماعيّة في العراق وقتلى حلبجة الأكراد العراقيّين بالسّمّ الكيميائيّ وخرائب غزّة وفلسطين بقذائف جيش الاحتلال الإسرائيليّ. ما أعنيه من هذا التّعداد أنّي لا أملكُ إحساساً زائفاً بإنسانيّة العنف، فالعنف هو العنف مهما كان مصدره، عائليّاً أو مجتمعيّاً أو سياسيّاً، دوليّاً وحزبيّاً.

والسّجين المصريّ لا يستقبل العنفَ من الأجهزة الأمنيّة وإدارة السّجن فقط، بل أيضاَ من زملائه. يبيح السّجناء لأنفسهم التّجسّس على سلوكيّات بعضهم البعض الخاصّة وتحديداً الجنسيّة و«الغراميّة العاطفيّة». وحول هذا الموضوع، يذكر صنع الله إبراهيم واقعةً شخصية له في كتابه «أيّام الواحات».

أعتقد أنّ السّجون المصريّة مهيّأة لهذا النّوع من العنف. وأيضاً كتب صنع الله في رواية «شرف» عن هذا الأمر، فتحدّث عن امتزاج العنف الجسديّ بالعنف الجنسيّ الذكَريّ والمِثليّ. وليس لي علمٌ عمّا إذا كانت هناك كتاباتٌ نسائيّة عن العنف بأنواعه المختلفة، من البدنيّ بين إدارة السّجن والسّجينات إلى العنف الجنسيّ بين المسجونات بعضهنّ ببعض. لكنّ الأكيد أنّ العنف البدنيّ طاقةٌ بشريّةٌ نولد على الأغلب بها، وتلازمنا طوال حياتنا. وقد نموت أيضاً بسبب العنف الموجّه نحونا عن قصدٍ أو عن طريق الصّدفة.

والسجون المصرية مفرّخةٌ للعنف لأنّ القائمين على أمر السجون يعتقدون في الأصل أنّ العنف هو الطريق الوحيد المتاح لهم «لتأديب وتهذيب وإصلاح» المسجونين. تصوّر أنّ السجين السّياسيّ المضرِب عن الطّعام يُحال فوراً إلى زنزانة التأديب، وهي زنزانةٌ انفراديّةٌ تُؤخذ منه فيها حوائجه التي اكتسبها خلال نضاله اليوميّ ضدّ إدارة السجن. لا يُحال إلى النّيابة إلّا بعد اليوم الثّالث على الإضراب، ليدليَ بأسباب إضرابه، وهو إجراءٌ روتينيّ لا يقدّم ولا يؤخّر لأنّ النّيابة هي نيابة أمن الدّولة وهي لا تملك قولاً أمام مباحث أمن الدّولة الّتي تدير السّجن السّياسيّ على الرّغم من عدم اعترافها بهذا، فإدارة السّجن تتعاون بشكلٍ وثيقٍ و«مطيع» مع أمن الدّولة.

بعد مرور الوقت اعتدتُ الصّخب واعتدتُ عنفه المنظّم داخل السّجن. بدأ هذا الصّخب يتحوّل إلى عنف، وبدأ يتحوّل السّجنُ معه تدريجيّاً إلى «جحيمٍ» وجوديّ سارتريّ!

الحقّ في الجسد

- ولكن ماذا يتبقّى للسّجين؟

- لا يبقى له سوى الجسد.

الحقّ الوحيد الّذي يمتلكه السّجين هو جسده. لا حقّ خروج الجسد من خلف القضبان، بل حقّ التّصرّف بالجسد داخلَه. هو يضرب عن الطّعام (السّجين السياسيّ)، أو يشوّه جسده ويجرحه بآلةٍ حادّةٍ (السّجين غير السياسيّ) كي يتمّ نقله إلى مستشفى السّجن، أو مستشفى عامّ، فيلتقي بعائلته وأطبّاء وممرّضات وممرّضين مختلفين عمّن اعتاد رؤيتهم في عيادة السجن، فالطّبيب داخل السّجن قد لا يحوز على ثقة المريض، أمّا الممرّض فقد يكون متواطئاً مع المباحث أو الإدارة أو كليهما.

الجسد هو الشّيء الوحيد الذي يبقى للسّجناء، ذكوراً وإناثاً. ليس الحديث هنا عن الرّغبة الجنسيّة التي يمكن إرواؤها بالطبع عن طريق الاستمناء، وهذا يحدث للسّجناء بشكلٍ منتظمٍ حين يتدارون ليلاً تحت أغطيتهم، لكنّ الجسد هنا يبحث عن «الحبّ» بأنواعه المتحذلقة والبدائية، البسيطة والمعقّدة المركّبة، حبّ عذريّ وحبّ جنسيّ. وكما ذكرنا سابقاً، بين العنف داخل السّجن والحبّ والجنس داخله رابطٌ متين. لا بدّ للتّجمّع الإنسانيّ المكوّن من جنسٍ واحدٍ في مكانٍ شبه مغلقٍ كمعسكرات الجيش والسّجون بما تحمل من عنفٍ جسديّ، أن يفرّخ أيضاً مقابلاً موضوعيّاً للوحدة الذكوريّة (أو الأنثويّة) بمواجهة هذا العنف.

لقد رأيتُ في هذا الإطار تجربةً في «الواحات» تواصلَتْ حتّى بعد الإفراج وبعد خروج «الرّفيقين» إلى الحياة مرّةً أخرى وهجرتهما بعيداً عن مصر وحصولهما على درجاتٍ علميّةٍ عاليةٍ وتأليفهما مؤلّفاتٍ هامّة باسم مستعارٍ وقد حظيا بسمعةٍ علميّةٍ وإنسانيّةٍ عالية. وبالطّبع أحافظ هنا، قدر الإمكان، على «خصوصيّتهما»، فأنا لم ألتقهما بعد السجن، لكنّني سمعتُ عنهما وعن عملهما الفكريّ المشترك الهامّ وبالتالي أكتفي بهذا القدْر من البوح.

أمّا شخصيّاً، فتجربتي كانت بالأساس في «الواحات» حيث السّجن المفتوح «بشكل ما». كان مسموحاً لنا أن «ناخد نفَس»، كما يقال، أي أن نرتاح بعض الشيء من المحاولة المتواصلة للبقاء عبر أشهر طويلة من الحبس المتواصل لأكثر من عشرين ساعة يوميّاً. وجدنا أنفسنا أخيراً في «معسكرٍ» مفتوح، أي أنّ ساعات الحبس داخل الزنازين محدّدة بساعات إغلاق السجن مساءً، أي إغلاق الأبواب الخارجيّة للعنابر وترك أبواب الزنازين مفتوحة حيث يتحرّك السجناء بقدْرٍ من الحرّيّة، فيتواصلون ويتسامرون ويدخّنون ويتبادلون الرّأي والمشورة حول الأمور التي تعنيهم. لقد أسّسنا في «الواحات» مسرحاً بسيطاً عرضنا عليه مسرحيّة «عيلة الدغري» لنعمان عاشور، التي قمتُ فيها بلعب دور «عيشة» وهي الشّخصيّة الأنثوية الوحيدة في العمل. وقد سمحتْ لنا إدارةُ السّجن باستيراد ملابس نسائية وحتى حذاء بكعب عالٍ بعض الشيء، إضافةً إلى وضع كحلٍ وأحمر الشّفاه.

الحاجة إلى حنان

لكنّ السؤال الأساس هنا كيف يجد السّجين نفسه متعلّقاً بسجينٍ آخر؟ وهل يستطيع الإفصاح عن «تعلّقه» هذا؟ وكيف يفصح إذا ما قرّر الإفصاح؟ تدخل هذه المحاذير ضمن العنف المشار إليه سابقًا والذي يواجهه السّجينُ من قبَل زملائه إذا ما كان البوح واضحاً ومكشوفاً. ثمّة اتّفاقٌ جماعيٌّ صامتٌ وسرّيّ على ألّا يصرّح أحدٌ علانيةً وبشكل مكشوفٍ عن حبّه للآخر، وبالتّالي تبقى «المسائل» محفوظةً ضمن إطارٍ من عدم العلانية الفضائحيّة. هذه «الحشمة» خاصّةٌ بالسّجناء السّياسيّين الّذين لا يزال «الشّكلُ العامّ» يشغلهم ويؤرّقهم، فقد يؤدّي البوح إلى تشويه سمعة المساجين السّياسيّين، خصوصاً اليساريّين، الّذين تحيطهم دوماً أقاويل الفجور الجنسيّ التي يردّدها الأمن ومن خلفِه بعضُ الغوغائيّين. و«الحبّ» هنا قد يصل إلى مرحلة التّلامس لا الفعل الجنسيّ، لكنّه في الأغلب قدرٌ من الحنان يتمثّل بالإصغاء إلى شكاوى «الآخر» ورغبته في الإفصاح عن شكوكه المتعلّقة بالإفراج وما يحدث أو سيحدث بعده، تبادل سيجارة وكوبٍ من الشاي أو السير خلال ساعات الفسحة متشابكي الأيدي. وقد مررتُ بتجربتين من هذا النّوع في «الواحات» لكنّي كنتُ أيضاً شديدَ الحذر كي لا أقع تحت طائلة «اللوم» الحزبيّ.

في «يوميّات الواحات» أشار صنع الله إبراهيم بحذَرٍ شديدٍ إلى تجربته في هذا الصدَد. أمّا أنا فأعتقد أنّ حاجتي «الإنسانيّة البشريّة» إلى الحنان شكّلتْ دافعاً أقوى من الرّغبات الجنسيّة، كما أنّي كنتُ في بداية مراهقتي أعيش وسط مجتمعٍ ذكوريّ مغلَق هو «داخليّة كليّة الأمريكان» في أسيوط، وذلك لمدّة خمس سنوات. كانت هناك أيضاً الرغباتُ الجنسيّة للمراهقين تتفجّر باتّجاه مراهقين آخرين تبدو عليهم بعضُ مَعالم «الوسامة» أو «الأنوثة» في طريقة سيرهم أو أفعالهم، كالجري أو الصراع الحقيقيّ أو التمثيليّ. وقد مررتُ كذلك بأكثر من تجربةٍ في هذا الإطار نظراً لكوني التحقتُ بالدّاخليّة وقد كنتُ أبلغ من العمر حوالي أحد عشر عاماً، قادماً مباشرةً من «بيت الأسرة» إلى عشّ الزنابير المراهقين الكبار في العمر والتجربة.

هناك ما يبرّر تحوّل العلاقة في السّجن السياسيّ إلى تابو، فالذّكر السّجين الّذي يتستّر على علاقةٍ «ما» أقامها داخل السّجن قد يفعل ذلك مخافة أن يتمّ دمغه بأنّه صيدٌ سهل وبأنّه مؤهّل لهذا الفعل الجنسيّ كونه وافق على أن يقيم الآخرون معه فعلاً جنسيّاً. ويكون ذلك عبر اتّفاقٍ أو شبه اتّفاقٍ بين المراهقين الذين سمعوا بأنّ فلاناً «يتمّ الفعل» به جنسيّاً. هو نوعٌ من العنف يمارسه الأشدّاء من المراهقين على الضّعفاء منهم. يُعيدنا الحديث هنا إلى ما ابتدأنا به نصّنا للحديث عن علاقةِ القوّة التي يمارسها السّجين الأقوى على الأضعف، فالقمع من قبل ذاك على هذا مجرّد صورةٍ أخرى للقمع الداخليّ الذي تقوم به إدارة السّجن على السجن بكامله بين الحين والآخر لتذكّر المسجونين بأنّهم تحت رحمتها. إلّا أنّ هذه المعادلة لا تمنع قيام علاقاتٍ خاصّةٍ بين «الإدارة» والقوّة الداخليّة للسّجن، تماماَ كما يحدث في الخارج من علاقاتٍ بين «الأمن» والخارجين على القانون.

صخب العنف والاغتصاب

في المقابل، لا يبالي السّجناء الاعتياديّون، أي المجرمون في قضايا ماليّة وأخلاقيّة، بفعلٍ «فاضح» كهذا، بل يتفاخرون به ويقيمون «حفلاً» في الزّنزانة الذّكوريّة التي تستقدم «زوجة» لسجينٍ بلطجيّ أو أكثر، والّذي يطلب ذلك من الحارس لقاء أجرٍ من المؤكّد يتقاسمه الحرّاس في ما بينهم.

في أكثر لحظات السّجن هدوءاً، أواخر اللّيل أو قبيل الفجر، تسمع صخباً، قد يكون هذه المرّة صخباً جنسيّاً. قد تسمعُ صراخاً مفاجئاً من سجينٍ غير سياسيّ يناشد الحرّاس تخليصه ممّن «يغتصبونه جنسيّاً». والتّوصيف الدّقيق للحالة أنّ أفراد الزّنزانة يتبادلونه ويتداولونه جنسيّاً. يردّ الحرّاسُ مقهقهين بأنّه يواصل مهنة والدته، لتسمع بعدها زغاريدَ تعقبها عباراتٌ بذيئةٌ جنسيّةٌ صارخة. لا يهتمّ الحرّاس بنداءات الاستغاثة الجنسيّة إلّا في ما ندر. يدير هؤلاء السّجن ويحرّكونه كما يحلو لهم، لا يتدخّل مأمور السّجن في تفصيلات التسكين أو الإعاشة أو حتى «التكدير»، وكذلك يفعل ضبّاطه. لقد فهم الحرّاس والسّجّانة ومعهم الضّبّاط، عبر سنين طويلة من خبرة الفساد، أن لا يتدخّلوا في العلاقات الدّاخليّة للسّجن. يغمضون أعينهم عن البطش وعن التّهريب الداخليّ الذي يقوم به بعض الحرّاس من ممنوعاتٍ على رأسها المخدّرات.

يتحوّل ذاك الصّخب أيضاً إلى نوع من أنواع العنف الإضافيّ الذي يحاصر السّجين. يريد الأخير أن ينفرد بذاته فلا يستطيع. مئات السّجناء حوله ينازعونه الفضاء المحدود محْدثين صخباً متواصلاً. والزّنزانة في «سجن القناطر» التي «سكنتُها» بين خمسة إلى سبعة «نزلاء»، بحسب تعبير إدارة السجن، مساحتها لا تتجاوز أمتاراً قليلة، وبالتالي تكون «الأبراش» شبه متلاصقةٍ لا تفصل بين البرش والآخر سوى عشرة سنتمتراتٍ على أبعد تقدير. وكذلك هو الحال في زنازين سجن الحدرة في الإسكندريّة وغيره من السّجون. أمّا سجن «الواحات» فتحوي زنازينه عشرة «نزلاء» وما فوق يتواجدون معاً معظم ساعات اليوم إذا كان السجن يمرّ بتكديرة عقاب جماعيّ وهو من أساليب العقاب المتّبعة في السّجون المصريّة.

وبين السّجناء السّياسيّين وغير السّياسيّين يتلمّس الحرّاس فروقاتٍ هائلة، أهمّها عدم وجود «رقيق جنسيّ» في زنازين السّياسيّين. ويرى الحرّاس أيضاً كيف يتعاون السّجناء السّياسيّون مع بعضهم البعض لتلبية ضروريّات الحياة داخل السّجن، وكيف أنّهم «يشيلوا بعض» ماليّاً عبر الحياة العامة، وهو المصطلح المتداوَل الذي يعرفه السّجناء السّياسيّون حين ينتخبون شخصاً أو أكثر من بينهم ليكون هو المتحدّث باسمهم أمام الإدارة، ويقوم، إذا أمكن، بترؤّس لجنةٍ خاصّةٍ بتنظيم التسكين مع موادّ الإعاشة الضروريّة الإضافيّة من الكانتين كالشّاي والسكّر وبعض المعلّبات حتى يتمكّن السجناء جميعهم، وتحديداً مَن لا تصلهم أموالٌ من الأهل، من مواصلة حياةٍ فيها قدرٌ من الإنسانيّة كتلك الّتي يعيشها السّجناء الذين تصل إليهم النّقود والأطعمة من أهاليهم.

العدد ٢٢ - ٢٠١٩
العنف، الحبّ، الجنس

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.