العددان ٣-٤ خريف ٢٠١٢ / شتاء ٢٠١٣

الآثار السورية تحت أحذية العسكر

النسخة الورقية
ملف

«تدمير تراث البلاد هو تدمير لروح شعبها وهويته»١

تشكل سورية بمواقعها التاريخية والأثرية، حتى بعد انكماش مساحتها الطبيعية إلى ما هي عليه اليوم، متحفاً طبيعياً في الهواء الطلق تتنوع آثاره بتنوع الحضارات التي مرّت عليها من آثار عصور ما قبل التاريخ وإنسان النياندرتال إلى ممالك العصر البرونزي، مروراً بعصر الممالك الآرامية والأشورية والبابلية والفينيقية والهلنستية والرومانية والبارثية والنبطية والساسانية والبيزنطية والعربية والسلجوقية والمملوكية والعثمانية. وتضيق متاحفها الموزعة في المحافظات السورية بمحتوياتها وتختنق مستودعاتها بمقتنياتها الثمينة التي كانت تتوالى باستمرار مع كل مسحٍ أو موسمٍ تنقيبي. مما جعل تطوير فكرة «متاحف المواقع» ومسألة توسيع وتطوير مهام المديرية العامة للآثار والمتاحف التي تأسست بعد استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي مباشرة سنة ١٩٤٦ أمراً ملحاً بما ينسجم مع تزايد النشاط الآثاري منذ ذلك الحين واستجابةً لاكتشاف المزيد من المواقع الأثرية التي تفوق ٤ آلاف موقع مسجّل.

كان بوسع الآثار السورية أن تغدو «ذهب» السوريين أو «نفطهم» الذي لا ينضب، لو حظيت مؤسستها بهيكلية مختلفة ذات صلاحياتٍ وعائداتٍ مالية تستجيب للتحديات الموضوعية التي فرضتها الخمسون سنة التي تلت تأسيس المديرية العامة للآثار والمتاحف والتي كان لتبعيتها لوزارة الثقافة السورية دور معوّق ومكبّل في معظم مراحلها.

مع تصاعد النزاع المسلح في سورية ودفع النظام بعنفه الثورة السورية للانتقال سريعاً من الطور السلمي إلى الطور المسلح وتعدد المصالح والأجندات (المحلية والإقليمية والدولية) وتضاربها، وجد السوريون أنفسهم أمام أزمةٍ مستعصية غير قابلة للحسم السريع، كما كان يروّج الطرفان لجمهوريهما، وتعمّق الشرخ في النسيج الاجتماعي السوري، وباتت كافة مؤسسات الدولة بما فيها المتاحف والمواقع الأثرية والتاريخية مهدّدة بالانهيار والضياع. وبعد تسعة عشر شهراً من بداية الثورة (١٥ مارس/ آذار ٢٠١١) أصبحت سورية مجموعة من الجزر المقطّعة الأوصال، تتبادل فيها الأطراف المتصارعة عمليات الكرّ والفر دون تمييز بين موقعٍ عسكري أو مدني أو أثريٍ أو ديني، مما خلف دماراً هائلاً يستحيل توثيقه بشكل كامل أو الوقوف على حجم الخسائر الإجمالية قبل توقف الحرب الدائرة واستتباب الأمن.

قرع ناقوس الخطر

في ١٨ أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن جوليان آنفريونس Julien Anfruns المدير العام لـ«آيكوم» ICOM (المجلس العالمي للمتاحف) رفع درجة الاستنفار والمباشرة بإعداد قائمة طوارئ حمراء للقطع الأثرية السورية المعرضة للخطر، وهي أداة فعالة تسمح بتعقب القطع المهربة وتساعد في حماية التراث الثقافي في جميع أنحاء العالم لأكثر من عشر سنوات٢. ويعكس هذا الإعلان مدى جدية المخاطر التي باتت تهدد التراث الثقافي والتاريخي السوري الذي يعتبر جزءاً من التراث العالمي والإنساني، إذ تضم سورية ستة مواقع مسجلة على لائحة التراث العالمي وهي دمشق القديمة، وبصرى القديمة، وتدمر، وحلب القديمة، و قلعة الحصن وقلعة صلاح الدين. وكانت منظمة اليونيسكو قد وافقت في العام ٢٠١١ على إضافة ٣ محميات أو متنزهات أثرية تضم ٤٠ قرية أثرية من قرى «الكتلة الكلسية»، أو ما يُعرف بـ«المدن الميتة أو المنسية»، في الشمال السوري، إلى لائحة التراث العالمي٤. وبعد الانفجار الذي وقع في ساحة باب توما (دمشق القديمة) في ١٩ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، باتت جميع هذه المواقع دون استثناء في خطر حقيقي إثر الاستهداف المتعمّد وانتقال المعارك إلى حرم المناطق الأثرية. وقد يتساءل البعض عن الجدوى من هذه المؤسسات بالنسبة إلى الآثار السورية؟

خلال الحرب العالمية الثانية دُمرّت العديد من الأماكن التاريخية والأثرية في أوروبا، ولم تسلم منها حتى الآثار السورية في الخارج كآثار موقع تل حلف الآرامي، التي نقلها معه إلى ألمانيا مكتشف الموقع العالم الشهير ماكس فون أوبنهايم، لتدمر لاحقاً خلال قصف طائرات الحلفاء على برلين عام ١٩٤٣. وقد أعقب هذه الحقبة السوداء من تاريخ البشرية، إعادة بناء بعض المباني وفق صورةٍ مطابقة لما كانت عليه قبل التدمير وترك آثارٍ للذاكرة كي لا ينسى ما جرى فتتفاداه الأجيال القادمة. كما سُنّت مجموعة من القوانين والاتفاقيات التي كُرّست لحماية التراث الثقافي في حالة النزاعات المسلحة. وكانت اتفاقية لاهاي لعام ١٩٥٤ باكورة هذه الاتفاقيات التي كرّست مفهوماً عالمياً جديداً غير مسبوق للتراث الثقافي المحلي وقد أرفقت ببروتوكول يقضي بمنع تهريب أو تصدير الممتلكات الثقافية من الأراضي المحتلة ويقضي برد هذه الممتلكات إلى أراضي الدولة التي نُقلت منها. وخضعت الاتفاقية لعمليات مراجعة عام ١٩٩١ إبان النزاعات التي اندلعت في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي أسفرت عن اعتماد بروتوكول ثان في العام ١٩٩٩ ٥. تشكل هذه القوانين والإجراءات بالإضافة إلى القوانين والاتفاقيات الناظمة للعلاقات بين الدول الأعضاء في منظمة اليونيسكو كاتفاقية عام (١٩٧٠) والتعاون مع منظمة الإنتربول والمنظمة الدولية للجمارك إلى جانب «بعض» الإجراءات التي تحاول المديرية العامة للآثار والمتاحف القيام بها، خطوة مهمة تساعد في تعقّب الآثار المهرّبة، وإن كانت غير رادعة أو كافية للحد من تبعات الانتهاكات اليومية لحرمة الآثار السورية.

في بداية الأحداث (٧يوليو/ تموز٢٠١١) وجه رئيس الحكومة السابق الدكتور عادل سفر كتاباً تحذيرياً استباقياً إلى وزراء الاتصالات والتقانة، والثقافة، والمالية، فضلاً عن حاكم مصرف سورية المركزي، يطالب فيه باتخاذ إجراءات الحماية والأمان خشية من عصابات دولية محترفة ستقوم بدخول القطر «بعد أن قامت تلك العصابات بإدخال جزء من معداتها التكنولوجية وأجهزة اتصالات عبر الأقمار الصناعية إلى القواعد. وهذه العصابات متخصصة بسرقة المخطوطات والآثار والمتاحف والخزائن والبنوك، وسبق أن دخلت هذه الشبكة إلى العراق وليبيا...»٦. وقد سوّق بعض المعارضين هذا الكتاب كجزء من «مؤامرة» من قبل النظام لتهريب الآثار مسبقاً والتذرع بعصابات لم تدخل بعد، وفي ذلك مبالغة تأتي ضمن تصنيف جميع مؤسسات الدولة وموظفيها في خانة «التآمر»، رغم أن دخول هذه المافيات وسواها كان متوقعاً، فهي تعتاش على الاضطرابات، وتجربة العراق المأساوية لم تندمل بعد!

وبدأت المديرية العامة للآثار والمتاحف في (٢١ أكتوبر/ تشرين الاول) حملتها الوطنية «سورية بلدي» لحماية آثار سورية التي ستستمر حتى ثلاثة أشهر «لتشجع السوريين على الدفاع عن الهوية الحضارية السورية وإشراكهم في حماية التراث من السرقة أو التخريب». كذلك أضافت على صفحتها الرسمية المحدّثة على الانترنت خطاً ساخناً للتبليغ عن عمليات سرقة أو نهب٧. وأقيمت مجموعة من الحملات الطوعية (الفردية والجماعية) أخذت على عاتقها القيام بعملية توثيق شبه يومية للآثار المدمرة عبر نشر أخبار مصدرها مخبرون وناشطون وآثاريون في الداخل مزودة أحياناً بتقارير مصورة (فيديو أو صور)، منها على سبيل المثال لا الحصر، صفحة «الآثار السورية في خطر» على الفايسبوك واليوتيوب وهي احد أهم المصادر التوثيقية حالياً٨، ومجموعة «معاً لنحمي آثارنا من النهب في حال حصول فراغ أمني « على الفايسبوك٨ ايضاً، بالإضافة إلى المتابعة الحثيثة من قبل منظمة صندوق التراث العالمي التي رعت إصدار أحد أهم التقارير حتى الآن، أعدته الباحثة إيمّا كَنليف Emma Cunliffe، ويغطي الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية حتى تاريخ نشره (١٦ مايو/أيار ٢٠١٢)٩. كذلك تجري مراقبة المتاحف العالمية وصالات المزادات العالمية كصالتي كريستي وسوثبي لرصد أي محاولة عرض أو بيع لآثارٍ سورية. لكن مع تزايد التقارير المخيفة يوماً بعد يوم في الصحف الأجنبية والعربية حول التدمير الذي لحق ــ وما يزال ــ بالآثار السورية، تزداد المخاوف من فقدان هذا التراث الثقافي للأبد، ومن معاودة تجربة مآساة العراق ولاسيما أن التوثيق الإلكتروني للقطع لم ينته ولم يشمل كافة القطع وخصوصاً المخزنة منها في المستودعات. وتضيع سدىً كافة النداءات التي أطلقتها المنظمات الدولية ومناشدات الآثاريين في كل مكان؛ ففي أتون الحرب المستعرة بين قوات النظام والمعارضة المسلحة يعلو أزيز الرصاص وقصف المدافع والطائرات فوق الأصوات المطالبة بـ«ترفٍ» ثقافيٍ وفق تعبير البعض!

نماذج من انتهاكات الآثار السورية

تتفاوت درجة الأضرار التي أصابت المواقع الأثرية السورية وتتراوح ما بين التدمير التام إلى التدمير الجزئي أو التعرض للحرق أو للحفر أو لآثار الرصاص والاشتباكات أو السرقة والنهب. ويؤكد خبراء الآثار أن أكثر المواقع الأثرية عرضة للخطر هي تلك الواقعة في المناطق الساخنة التي باتت مسرحاً للعمليات العسكرية والاشتباكات بين القوات النظامية وكتائب المعارضة المسلحة، بالإضافة إلى المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام وبالتالي باتت بعيدة عن رقابة المديرية العامة للآثار والمتاحف والأجهزة المختصة، مما وفر بيئةّ خصبة تنشط فيها مافيات الآثار الدولية بالإضافة إلى اللصوص المحليين، وتستهدف هذه العصابات المتاحف ومواقع الحفريات. ويرجّح الخبراء أن تكون القطع الأثرية المسروقة تهرّب عبر لبنان أو تركيا أو الأردن ومنها إلى باقي أنحاء العالم.

وقد شهدت القرى الأثرية في منطقة جبل الزاوية كالبارة ودير سنبل وعين لروس اشتباكاتٍ مباشرة عنيفة بين كتائب المعارضة المسلحة التي اتخذت من هذه المواقع ملاجئ ومراكز لشن الهجمات، والقوات النظامية التي لم تتردّد في قصف أي موقعٍ للمعارضة دون أي اكتراث أو أية اعتبارات. وتعتبر القرى الأثرية في الكتلة الكلسية من المواقع الفريدة في سورية والعالم، وأضيف قسم منها كما ذكرنا إلى قائمة التراث العالمي، وقد بُنيت خلال الفترة بين القرنين الأول والسابع الميلاديين وهُجرت خلال الفترة الممتدة من القرن الثامن إلى القرن العاشر الميلاديين، وتشمل معالم أثرية لعدد من المساكن والمعابد الوثنية والكنائس والخزانات والمعاصر والحمامات العمومية.

أما مدينة أفاميا، التي تحمل اسم زوجة الملك سلوقس نيكاتور مؤسس السلالة السلوقية التي حكمت سورية بين (٣١٢-٦٤) ق.م وأنشأت فيها العديد من المدن الهلنستية وأعادت تخطيط المدن القديمة وفق النموذج الهيبودامي، فقد شهدت دماراً كبيراً إذ استهدفت دبابات الجيش النظامي بشكلٍ مباشر قلعة المضيق الهامة، التي مرّت بتطورات معمارية متتالية طيلة الفترات التاريخية التي تلت العصر السلوقي، ومعظم بقاياها من الفترة الزنكية (القرن ١٢ م) لكنها فقدت أهميتها العسكرية في العهد العثماني وتحولت إلى مكانٍ لسكن المدنيين. كما لحقت أضرار بجامع التوحيد الذي يعود للقرن السادس عشر جراء القصف. وتعرضت العديد من المواقع الأثرية ضمن المدينة وفي محيطها إلى عمليات نهب منظمة قام بها لصوص محترفون تمكنوا من تهريب مجموعة هامة وغير مكتشفة سابقاً من لوحات الموزاييك من بينها لوحة نادرة ربما تصوّر قصة تدشين المدينة، وهي موجودة على قائمة الانتربول الدولية١٠. كذلك تمكن اللصوص أيضاً من سرقة عمودين ضخمين من الطريق الرومانية القديمة «ديكومانوس» والتي كانت تمتد من الشرق إلى الغرب وتتقاطع مع «الكاردو» الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب حسب تخطيطات المدن الرومانية١١. وتعرضت قلعة شيزر أيضاً للهجوم ولعمليات تنقيبٍ سرية.

وفي درعا كانت الخسائر كبيرة في أكثر من موقع، فلم تسلم مدينة بصرى الأثرية من القصف والاشتباكات بين القوات النظامية والعناصر المنشقّة، ولم تشفع لها عضويتها في لائحة التراث العالمي ولا غناها بالآثار الرومانية والنبطية والبيزنطية والإسلامية الباكرة، وتعتبر احد أهم مراكز التجارة في العالم القديم كما كانت عاصمة للولاية العربية التابعة للإمبراطورية الرومانية في العام (١٠٦)م. ويشهد على عظمتها عدد من المباني الهامة كحمامات هادريانوس وقصر الحاكم ومسرح بصرى المدهش الحفظ والذي يرجح تاريخ بنائه إلى ما بين عامي ١١٧-١٣٨م خلال فترة الإمبراطور هادريانوس. وتعرض المركز الثقافي للقصف، وهو مبنى تاريخي في الأساس يعود للقرن ١٣م. وأصيب جامع مبرك الناقة الشهير ومدرسة ابن كثير بأضرار بالغة ناجمة عن قذائف الدبابات١٢. وتعرض الجامع العمري في الحراك والذي يعود تأسيسه إلى فترة الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، للقصف المباشر بنيران الدبابات باعتباره أحد مراكز انطلاقة الثورة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، فانهارت أجزاء كبيرة من الواجهتين الجنوبية والغربية١٣.

خسائر حمص

أما الخسائر التاريخية والأثرية في حمص فيصعب حصرها أو توثيقها بشكل كامل، إذ لم يبق موقع في المدينة القديمة تقريباً لم تصبه قذائف الدبابات أو الهاون أو التفجيرات، جرّاء الاشتبكات بين الطرفين واستخدام القوات النظامية للأسلحة الثقيلة لقصف مواقع المعارضين أو المنشقّين. وشملت الخسائر والأضرار السوق القديم والمنازل التاريخية والمساجد والكنائس الأثرية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر سوق الحشيش وحمام الباشا الذي دمرت قبته، وقصر الزهراوي في حي الحميدية، وجامع خالد بن الوليد، وجامع كعب الأحبار الذي انهارت مئذنته، وجامع أبي ذر الغفاري، وجامع النوري، وكنيسة مار إليان الحمصي وكنيسة الأربعين، ومطرانية السريان الكاثوليك وكنيسة أم الزنار التي تعتبر من أقدم الكنائس في المنطقة (تعود أساساتها إلى القرن الأول الميلادي) وتضم ما يُعتقد بأنه «زنار» السيدة العذراء. وقد كانت عرضةً للنيران والقذائف أكثر من مرة مما تسبب في أضرارٍ بالغة في المبنى١٤. وفي دمشق تعرضت العديد من الأسواق والبيوت التاريخية في حي الميدان التاريخي لأضرار بالغة في أعقاب الاشتباكات التي شهدها الحي والتي تلت ما يسمى «عملية اغتيال خلية الأزمة» (١٨ يوليو/ تموز)، بين قوات الجيش النظامي وكتائب «الجيش الحر». وتعرض دير صيدنايا الذي يتمتع بقداسة عالمية لدى المسيحيين، لقذيفةٍ مجهولة المصدر اخترقت احد جدرانه لتستقر في إحدى غرف الراهبات دون أن تنفجر، ومن المعلوم أنّ أساسات هذا الدير تنسب إلى الفترة البيزنطية الباكرة وإلى فترة الإمبراطور جوستينيان على وجه التحديد أي نحو عام ٥٤٧ م. وتجدر الإشارة إلى أنّ دير مار موسى الحبشي الذي قام بإحيائه الأب باولو دالوليو قد تعرض للاقتحام من قبل مسلحين بحثاً عنه. ويشتهر الدير برسومه الجدارية الداخلية وتعود آثاره الحالية إلى الفترة ما بين القرنين ١١-١٢ م رغم وجود أساسات رومانية.

كذلك تعرضت مدينة دير الزور المهمشة إعلامياً لقصف عشوائي عنيف، ولحقت أضرار بموقع تل عشارة (ترقا القديمة) وهو من المواقع البرونزية الهامة في سورية (الألفين الثالث والثاني ق.م)، وتحول موقع تل الشيخ حمد الذي يضم آثار مدينة دور كاتليمو الآشورية، التي كانت تقوم على حماية الجبهة الجنوبية للإمبراطورية الآشورية، إلى ساحة معارك بين قوات الجيش النظامي والمنشقين عنه مما أدى إلى تدمير المعبد الآشوري بعد قصفه، ودمرت الدبابات التي حولت الموقع إلى نقطة عسكرية السويات الأثرية.

كذلك دُمرّت الكنيسة الأثرية الوحيدة في البوكمال إثر القصف بالطائرات. وتفيد بعض التقارير التي يصعب التأكد من صحتها حالياً دون المعاينة العلمية بأنّ بعض التلال كتلّ خان شيخون، وتل رفعت، وتل قرقر، وتل آفس وتل الاشعري وتل حموكار، وغيرها قد تعرّضت لتدمير سويات أثرية هامة إثر حفر الخنادق لتأمين ملاجئ للدبابات والمجنزرات وتوفير مواقع استراتيجية لها تتيح لها السيطرة على المناطق المحيطة!

ولم تسلم بيوت البعثات الأثرية من عمليات الاقتحام والسرقة والعبث بمحتوياتها، كما حدث في تل سكا وتل موزان ودورا أوروبوس وإيبلا وغيرها. وقد تعرّض موقع إيبلا، احدى أهم ممالك عصر البرونز الوسيط (منتصف الألف الثالث ق.م) والذي اشتهر بالقصر (G) وأرشيفه الملكي، إلى حملات نهب لفتراتٍ طويلة لم يتم التحقق من حجم الأضرار الناجمة عنها بعد.

أما مدينة تدمر في البادية السورية والتي كانت مملكة مزدهرة في عصر الملكين أذينة وزنوبيا في القرن الثالث الميلادي، فقد شهدت اقتحام دبابات الجيش النظامي الثقيلة التي انتهكت حرمة المنطقة الأثرية لاسيما من ناحية المدافن البرجية في منطقة المقابر بالقرب من السور الكبير، كما تمركزت قوات من الجيش النظامي في قلعة ابن معن المطلة على المدينة الأثرية.

وشوهدت دبابات الجيش النظامي في محيط قلعة شميميس في مدينة السلمية (حماه) وهي حصن أيوبي ذات موقع استرتيجي، وفي حماه أيضاً تتمركز قوات من الجيش النظامي في منطقة القلعة.

وكانت كل من قلعتي الحصن وصلاح الدين اللتين لعبتا دوراً مفصلياً في الحروب الصليبية وتعتبران من أهم القلاع العسكرية في العالم، قد تعرضتا لأضرارٍ جراء الاشتباكات. وفي حين أنّ التقارير المصورة حول أضرار قلعة الحصن منتشرة على اليوتيوب، وتظهر بشكلٍ واضح تعرّض أجزاء مختلفة من محيط القلعة وسطحها للقصف المباشر بالأسلحة الثقيلة للجيش النظامي، فإن المعلومات حول الأضرار التي لحقت بقلعة صلاح الدين غير واضحة بعد. وبحسب المدير العام للآثار والمتاحف آنذاك الدكتور بسام جاموس فقد: «منع المسلحون دخول الموظفين لممارسة أعمالهم في قلعة الحصن منذ أكثر من شهر؛ إذ وضعوا حواجز، وعبوات ناسفة على الطرقات، وهددوا بخطف العاملين إذا اقتربوا من مقر عملهم، وما زال الحال على وضعه، علماً أنهم ينفّذون أعمال تنقيب غير شرعية ضمن القلعة، وقد أكدت مديرة القلعة وجود عناصر محلية، وغير سورية مع المسلحين تجري أعمالاً منافية للقوانين». وينسب السبب ذاته إلى ما حدث في قلعة المضيق، فبحسب د. جاموس: «عرضت القنوات الفضائية المغرضة أن الجيش العربي السوري قصف القلعة، كأحد أجزاء حملتها الإعلامية، وتشويهها للحقائق، واعتمادها التضليل، والواقع أن العصابات المسلحة هدّدت الأهالي والحراس، ودخلت بقوة السلاح إلى القلعة، وأحدثت فتحات ضمن أجزاء من جدرانها، وهي تمارس التنقيب غير المشروع فيها»١٥. لكن التقارير المصورة وإن كانت لا تستطيع إثبات أو نفي مزاعم د. جاموس حول تهديد «العصابات المسلحة» للموظفين والحرّاس وتنقيباتهم إلا أنّها تظهر بوضوحٍ عملية استهداف دبابات الجيش النظامي لقلعة المضيق بشكل مباشر١٦. كما أنّ هذا التفسير غير مقبول علمياً ولايُبرّر أبداً استهداف قذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة للقلاع والمناطق الأثرية حتى لو استولت عليها بالفعل «عصابات مسلحة» أو كتائب من «الجيش الحر»بالفعل!

بالنسبة إلى المتاحف السورية فقد اتخذت المديرية العامة للآثار والمتحف مجموعة من الإجراءات الطارئة وإن جاءت متأخرة بالنسبة لبعض المناطق، فقد تمّ نقل التحف الثمينة والقطع النادرة من متحفي دمشق وحلب مثلاً إلى جهة آمنة (خزينة البنك المركزي ربما)، والتأمين على بقية القطع في المستودعات. لكنّ بعض المتاحف السورية الأخرى، لاسيما عند بداية الأزمة في المناطق الساخنة، تعرّضت لعمليات نهب جزئية لقطعٍ أثرية قبل أن تتمكن السلطات من فرض سيطرتها أحياناً ويتدخل المجتمع المحلي الجدير بالتقدير في معظم الأحيان. لكنّ مصير متحف حمص مازال غامضاً مع ورود تقارير حول وصول قطع مهرّبة من المتحف إلى خارج البلاد، وسيطرة قوات الجيش النظامي عليه! وقد تعرض متحف أفاميا للسطو ونهب منه تمثال روماني رخامي وقطع أخرى. وتعرّض متحف حماه منذ وقتٍ باكر من الثورة (يوليو/ تموز٢٠١١) لسرقة تمثال ذهبي يعود إلى العام الثامن قبل الميلاد ويمثل الإله الآرامي هدد، وتمت السرقة من الداخل، وحتى الآن لم يتم استرجاعه بالرغم من ابلاغ الانتربول عنه ولم يُكتشف الفاعل١٧! كذلك تفيد تقارير عن تعرّض متحف تدمر أيضاً للنهب قبل أن يسيطر السكان المحليون على الوضع، وتُظهر بعض المقاطع المصورة جنوداً يلتقطون صورة بالقرب من آثار تدمرية، وفي مقاطع فيديو أخرى تظهر مجموعة من التماثيل الجنائزية التدمرية مكدّسة في سيارة سوزوكي ــ بيك آب. ولكن لايمكن بت هوية الجهة القائمة بالعمل أو الوجهة التي قصدتها١٨. وسرقت نحو عشر قطع من متحف دير الزور، كما تعرض متحف قلعة جعبر في محافظة الرقة للسرقة حيث نهبت ١٧ قطعة أثرية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وهي من أهم الشواهد المتبقية لموقعي إيمار وتل السلنكحية. وتعرّض متحف حلب الوطني لأضرار مادية جرّاء التفجير التي ضرب منطقة سعد الله الجابري في ٣ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي والذي تبنته جبهة النصرة المتطرفة. وفي معرّة النعمان تحوّل متحف المدينة الذي يضم أكبر مجموعة من لوحات الفسيفساء في الشرق الأدنى، كان لي شرف العمل في المشاركة بتوثيقها خلال عامين، إثر الاشتباكات العنيفة التي اندلعت بين القوات النظامية وكتيبة «شهداء معرة النعمان» من مركزٍ عسكري للجيش النظامي إلى مركزٍ عسكري للكتيبة المُحررة. وذريعة الطرفين كانت حماية المتحف الذي سُرقت منه بعض القطع النقدية، وتحطمت بعض التماثيل الرومانية إثر سقوط قذيفة طائرة ميغ على مقربة من المتحف١٩! لكن يبقى الحامي الأساسي للمتحف هو الأهالي الذين تصدّوا لمحاولة سرقة كما قاموا بحملة مسح للشعارات المؤيدة والمعارضة عن جدران المتحف القابع في خانٍ أثري يعود للقرن ١٧م.

أما بالنسبة إلى مدينة حلب فالخسائر كانت كبيرة جداً بعد إعلان قوات المعارضة عزمها على «تحرير» المدينة من سيطرة القوات النظامية التي كانت قد نشرت آلياتها في مناطق مختلفة من المدينة ونشرت قناصيها في قلعة حلب ومئذنة الجامع الأموي، ولم تتردد في نسف مواقع المعارضة باستخدام البراميل المتفجرة والقذائف الصاروخية بشكلٍ عشوائي اصاب العديد من المواقع والأحياء التاريخية بأضرار بالغة تصل إلى التدمير الكامل. في احد تقارير قناة الجزيرة حول محاولة «الجيش الحر» للسيطرة على قلعة حلب، يعكس عبد القادر الصالح مدير عمليات لواء التوحيد رؤية كارثية تعكس حالة الاستهتار التام التي يتعامل بها كلا الجيشين النظامي والحر مع تراث وآثار سورية: «إذا سيطرنا على قلعة حلب، بإذن الله تعالى، كما تعلم بأنّ قلعة حلب أعلى منطقة في حلب، فإذا سيطرنا وإننا إذا نشرنا قناصاتنا بإذن الله تعالى ستكون لنا المنعة والقوة في هذا المكان!»٢٠. وقد قامت كتائب من الجيش الحر بنسف مدخل القلعة بالمتفجرات للتخلص من القناصين والسيطرة على القلعة رغم أنّ الاتهامات قد وجهت للقوات النظامية في البداية. ولا يرى كلا الجيشين في المواقع إلا نقاطاً استراتيجية ينبغي السيطرة عليها بأي ثمن، والسباق محموم حول من يحتل المكان وينشر قناصاته، ولم يتورّع أي طرف عن استخدام كافة أنواع الأسلحة للسيطرة على المكان المستهدف، وفي نقل الاشتباكات إلى المناطق المدنية والأثرية كمنطقة الأسواق التي تؤلف ٣٩ سوقاً من أطول الأسواق المسقوفة في العالم تضم ما يزيد على ١٥٠٠ حانوت، الأمر الذي أدى يوم ٢٩ سبتمبر/ ايلول إلى تدمير ما يزيد على ٥٠٠ محل تجاري بحسب ناشطين من المدينة. أما المديرية العامة للآثار والمتاحف فقد أشارت إلى» تضرر أكثر من ١٥٠ محلاً، التهمت النيران بضائع وأبواب بعضها الخشبية الجديدة، في الأسواق التالية: سوق الزرب، سوق العبي، سوق العتمة، سوق العطارين، سوق النسوان، سوق الصوف، سوق الصاغة، إضافة إلى محال أخرى في أسواق لم تحدد بعد لصعوبة وصول المعنيين من مديرية آثار حلب بغية التقصي والوقوف على حجم الأضرار الحقيقي والدقيق»٢١.

كذلك تعرض المسجد الأموي الشهير في حلب لأضرارٍ بالغة إثر قيام كتائب من الجيش الحر بشن هجومٍ في ١٣ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي للسيطرة على المكان الذي اتخذت منه القوات النظامية موقعاً عسكرياً وتمركز أحد قناصتها في مئذنته التي تشرف على وسط المدينة. وتمكنت بالفعل من السيطرة عليه متهمةً القوات النظامية «بتدنيس» المكان وتخريبه عمداً٢٢. لكنّ الجيش النظامي سرعان ما تمكن في اليوم التالي من إعادة السيطرة عليه٢٣ بعد معارك ضارية دارت بينهما خلفت وراءها الكثير من الخراب الذي لحق بهذا المعلم الديني والاثري الهام. وتبادل الطرفان الاتهامات حول المتسبب في حرق الجامع الذي دُمر مدخله الجنوبي واحترق أحد ممرات المدخل الشمالي إليه، كذلك سُرقت مقتنيات أثرية وتاريخية ودينية لا تقدر بثمن، من ضمنها جزء من «الضرس النبوي الشريف»٢٤. وفي ١٥ أكتوبر/ تشرين الاول الماضي أصدر الرئيس السوري بشار الاسد قراراً جمهورياً بتشكيل لجنة لترميم الجامع الاموي الكبير على أن تنتهي بحدود ٣١ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٣ ، الأمر الذي يبدو منفصماً عن الواقع تماماً!

من الصعب تحديد الجهة المتورطة بشكل مباشر في حرق الجامع والدمار الهائل الذي لحق، لكن من المؤكد أنّ كلا الطرفان يتحملان المسؤولية تماماً، الأمر الذي تعكسه الجدران التي تبيّن تبادل إطلاق النار، ولا يوجد «ضحية» و«جلاد» في هذه المسألة، باعتبار أنهما يتعاملان مع المواقع الأثرية والتاريخية بلامسؤولية تعكسها ذهنية تعتبر هذه المواقع مجرد أهدافٍ عسكرية واستراتيجية مشروعة لتحقيق نصرٍ سريع بأي شكل. وفي معظم الأحيان يتم فقط استبدال العلم والقوات العسكرية لتحل محلها قوات أخرى. كذلك ينعكس سلوك الطرفين المتطابق مع ازدهار تجارة تهريب الآثار عبر الحدود، فمع العقوبات الاقتصادية والحصار وانكماش القدرة الانتاجية والتصديرية وانعدام السياحة وتناقص احتياطي العملة الصعبة، يغض النظام الطرف عن بعض العمليات لتأمين سيولة نقدية تغظي العجز المتنامي. ومع حاجة كتائب المعارضة المسلحة المتزايدة إلى التسليح ووقعوهم فريسةً للأجندات الخارجية ولأطماع تجار السلاح ورجال الأعمال والأصوليين وتردّد دول العالم الغربي والولايات المتحدة الأميركية في تسليح كتائب المعارضة خشية وقوعها في «الأيدي الخاطئة»، يتم مقايضة السلاح بالآثار وتتم عمليات التنقيب والتهريب بشكلٍ واسع في المناطق «المحرّرة». ويبرر هؤلاء عملهم، بحسب تحقيق مجلة «تايم»، بضرورات ثورية، «فأحياناً علينا التضحية، وإلا فكيف سنتمكن من إطاحة بشار الأسد»٢٥.

إنّ عقلية «الغاية تبرّر الوسيلة» تشكل نقطة الاتفاق الوحيدة بين القوات النظامية وكتائب المعارضة، الأمر الذي يُهدد باستنزاف التراث التاريخي والروحي الذي تميزت به سورية، ويجعل التاريخ الذي تحفظه الآثار السورية ينوء تحت أحذية العسكر.

 الهوامش: أتوجه بالشكر العميق لمجموعة كبيرة من الباحثين والأصدقاء والمواطنين من كافة المناطق السورية، أتحفظ عن ذكر أسمائهم لضروراتٍ أمنية، والذين أمدوني بفيضٍ من المعلومات، لم أتمكن من توظيفها جميعًا في هذا المقال، لكنها أفادتني في التحقق من بعض الروايات و نفي بعضها الآخر.

    العددان ٣-٤ خريف ٢٠١٢ / شتاء ٢٠١٣

    إضافة تعليق جديد

    تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.