العدد ٣٣ - ٢٠٢١

هجرة الميسورين من فوضى القاهرة إلى «المدينة الفاضلة»

نشر لأول مرة في «ميدل إيست آي»، ٢٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١٧
ترجمة فيفيان عقيقي

 

ندى حسن، الموظفة في إحدى المنظمات غير الحكومية والبالغة من العمر ٢٩ عامًا، والمتزوجة حديثًا، انتقلت مع زوجها إلى مجمّع سكني في مدينة ٦ أكتوبر في ضواحي القاهرة.

تقول ندى لـ«ميدل إيست آي»: «ينظر الناس عادةً إلى الأمن والسلامة كأولوية رئيسة. عدا عن أن العيش في مجمّع سكني يمنحك شعورًا بالانتماء إلى طبقة اجتماعية معيّنة تسمى الصف الأول». وتشير إلى رواية «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق، التي تنقسم فيها مصر المتخيلة إلى عالمين: مجتمع كبير مسوّر في الساحل الشمالي مخصص للأثرياء، وآخر يُترك فيه الفقراء محاطين بالفقر والفوضى. وتشرح: «يتخيّل المزيد من المصريين من أعضاء الطبقة العليا هذه «المدينة الفاضلة». يريدون الانفصال عن بقية البلاد ليشعروا بالأمن والأمان».

اشترى أهل زوج ندى هذه الشقة لابنهم قبل سنوات عدّة بسعر ٣٠٠ ألف جنيه (١٧ ألف دولار). أي أقل بكثير من قيمتها الحالية، وذلك بعد انخفاض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١٦. إن ارتفاع تكلفة متطلّبات الزواج في مصر، ومن ضمنها أسعار المجوهرات الذهبية أو الماس للعروس، وحفل الزفاف الفخم، والإقامة اللائقة، دفع الأهل إلى مساعدة أولادهم عند عقد قرانهم. في الواقع، لا يساوم معظم العائلات المصرية على المعايير العالية لمتطلبات الزواج، بما فيها الشقة المفروشة والمجهّزة في حي جيّد.

أكلاف أسلوب حياة أفضل

تشرح أميرة محمد، مهندسة تعمل في قطاع العقارات، كيف يمكن لأحد المهنيين من الطبقة المتوسّطة العليا دفع ما يصل إلى مليوني جنيه (١١٥ ألف دولار) لشراء شقة مساحتها ١٠٠ متر مربع في مجمّع سكني. تقول: «يدفع الناس المزيد من الأموال مقابل وهم الأمن. قد يدفع شخص يملك سيارة بي أم دبليو ملايين الجنيهات للعيش في مجتمع مسوّر، كي لا يركن سيارته في مدينة نصر حيث يمكن لأي شخص أن يسرقها بسهولة. أو لكي تتمكن المرأة من ارتداء ما تريد وممارسة رياضة الركض الصباحية من دون التعرض للتحرش».

تتطرّق ياسمين طارق إلى هذا الموضوع، وهي مديرة سلسلة توريد في واحدة من أكبر شركات المنتجات الغذائية في مصر، إذ لطالما كانت حريصة على عدم ترك العمل في وقت متأخّر لتجنّب التعليقات المزعجة لجيرانها الذكور في الحي المكتظ في محافظة الجيزة حيث كانت تعيش. تقول ياسمين: «عندما كنتُ في الجيزة، كان هناك مقهيان كبيران تحت شرفتي مباشرةً يكتظان بجيراني الذكور الذين لن يتفوّهوا بكلمات لطيفة إذا عدت [إلى المنزل] في وقت متأخر من الليل. لكني الآن أستمتع بخصوصيتي في المجمّع السكني، وأقلق بدرجة أقل».

قبل بضعة أشهر، بعد انتقالها إلى مجمّع سكني في ضاحية مدينة الشيخ زايد في القاهرة، تشعر ياسمين وكأنها تتمتع بحرّية أكبر في التنقل. اشترت الشقة المكوّنة من ثلاث غرف نوم قبل بضع سنوات بسعر ٤٠٠ ألف جنيه (٢٢.٦٥٠ دولارًا)، لكنها لم تنتقل إليها إلا بعد أن تمكنت من فرشها. تضاعف ثمن شقتها الآن بعد انخفاض قيمة الجنيه.

لم يكن السعي إلى التمتع بمزيد من الأمان السبب الوحيد الذي دفع ياسمين بعيدًا من شقتها في الجيزة، بل أيضًا ازدياد عجزها عن تحمّل «حركة المرور المرهقة» في العاصمة الصاخبة. تقول: «لماذا عليّ قضاء ثلاث ساعات يوميًّا للتنقّل فقط؟ الآن أعيش على بعد ٢٠ دقيقة فقط من العمل. أشعر بالنشاط عندما أذهب إلى العمل، وعندما أعود إلى المنزل أكون أقل إرهاقًا. يبقى لي بضع ساعات في اليوم للترفيه عن نفسي».

بهدف الترويج لتجربة العيش في الخارج إنما من دون الخروج فعليًّا من البلاد، سمّي العديد من هذه المجمعات السكنية بأسماء أماكن شهيرة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مثل هايد بارك وبيفرلي هيلز.

تقول أميرة محمد إن أسعار هذه الوحدات تختلف بحسب المجمّع السكني والخدمات المقدّمة فيه. قد يصل سعر الشقة في مجمع فاخر، يضم أحواض سباحة خارجية وداخلية ونوادي صحية وبحيرات اصطناعية وملاعب غولف، إلى ٣ ملايين جنيه مصري على الأقل (١٧٠ ألف دولار). وهي أسعار متقاربة جدًّا مع أسعار الوحدات السكنية في الأحياء الراقية وسط القاهرة، مثل مصر الجديدة، ومدينة نصر، والزمالك، وغاردن سيتي؛ في حين لا يتجاوز سعر وحدة سكنية في مجمع للطبقة المتوسطة يقدّم خدمات أقلّ المليون جنيه (٥٦.٦٢٣ دولارًا).

bid33_p.22-23.jpeg

رسم توضيحي لمجمعات سكنية مسوّرة في مدينة 6 أكتوبر بالقاهرة

رسم توضيحي لمجمعات سكنية مسوّرة في مدينة 6 أكتوبر بالقاهرة

 

الطفرة العقارية

يستمر قطاع العقارات في الازدهار على الرغم من تدهور الاقتصاد المصري. أظهر تقرير صادر في آذار/ مارس عن «يورومونيتور إنترناشونال» أن مصر هي أسرع أسواق العقارات نموًّا في العالم، تليها الجزائر ونيجيريا. وفقًا للتقرير، من المتوقّع أن تشهد مصر توسعًا بنسبة الأسر المثقلة بالرهون العقارية بنحو ١٨.٩٪ في العام ٢٠١٧ وحده.

تقول أميرة محمد: «في أحد المنتديات السنوية لبيع العقارات حيث تعلِن الشركات عادةً عن مشاريعها الجديدة، باعت شركة واحدة ١٠٠ فيلا في المرحلة الأولى من مجمّع سكني في القاهرة الجديدة». وتتابع: «في غضون ثلاثة أيام، باعت الشركة جميع الفلل المعروضة، بالإضافة إلى ١٠٠ فيلا أخرى في المرحلة الثانية، ودُفِع ثمنها نقدًا وليس حتى بالتقسيط. يعوم البلد على مال كثير. ربما لا توزّع الثروة بشكل عادل، لكن يمتلك الكثير من المصريين أموالاً طائلة».

مع ذلك، يبدو أن هذا الأمر يتعارض مع تعليقات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة عن الفقر في مصر. إذ أشار في مؤتمر للشباب عُقد في شباط/ فبراير إلى أن مصر بلد فقير للغاية. وقال «ألم يخبرك أحد أنك فقير للغاية؟ إذن دعني أخبرك أننا فقراء جدًّا».

تشير إحصاءات الفقر في البلاد إلى نسّب مرتفعة بالفعل. وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء، وهو جهاز الإحصاء الحكومي الرئيسي، كان نحو ٢٧.٨٪ من المصريين يعيشون تحت خط الفقر في العام ٢٠١٥، بدخل سنوي يقلّ عن ٦ آلاف جنيه (٣٤٠ دولارًا). من المقرر أن يُطلق الجهاز مسحًا جديدًا قبل نهاية العام الجاري لتحديث إحصاءات الفقر التي يتوقع أن تصل إلى ٤٠٪ بعد انخفاض قيمة العملة وارتفاع معدّل التضخم.

أظهر تقرير صادر عن «عقارماب»، وهي بوابة إلكترونية للعقارات في مصر استطلعت آراء مليون و٢٠٠ ألف شخص اشتروا عقارات في العام ٢٠١٧، نتائج مثيرة عن قطاع العقارات المصري سريع النموّ. إن مشتري العقارات الناشطين في مصر هم غالبًا مصريون من الطبقة المتوسطة العليا وينتمون إلى الفئة العمرية بين ٣١ و٤٠ عامًا، أو هم مصريون من أبناء الطبقة العليا وتتجاوز أعمارهم ٥٠ عامًا.

وفق التقرير، يشتري المصريون، عادةً، عقارات جديدة لأهداف استثمارية. يختار البعض الآخر نقل سكنه، ويشتري عدد أقل هذه المنازل بهدف الترقّي الاجتماعي والحصول على مساحة سكنية أكبر.

أظهر استطلاع سابق أجراه مُسوّق عقاري في العام ٢٠١٥ أن ٥٨٪ من الذين يعيشون في مجمعات سكنية يفضّلون المجمعات المسوّرة لأسباب أمنية، في حين أن ٢٢٪ يفضلون العيش في مجمّعات سكنية للحصول على الخدمات الأفضل التي تقدمها.

يعتقد محمد عيسى، ٣٧ عامًا، والذي يدير مصنعًا صغيرًا مملوكًا للعائلة في الدلتا، أن شراء شقة في مجمّع سكني هو أفضل وسيلة للاستثمار حاليًّا، نظرًا إلى الظروف الاقتصادية المتدهورة والمخاطر العالية المرتبطة بممارسة الأعمال.

انتهى عيسى للتوّ من تسديد أقساط فيلا بقيمة ٣ ملايين جنيه (١٦٩.٧٢٧ دولارًا) في مجمع سكني فاخر في القاهرة الجديدة. لكي يتمكن من تسديد ديونه في غضون عامين، كان عليه أن يحدّ من نفقاته، ويبيع سيارته المرسيدس باهظة الثمن، ويشتري سيارة أرخص. يشرح عيسى قائلاً: «قطاع العقارات هو الأكثر أمانًا للاستثمار حاليًّا. القطاعات الاقتصادية الأخرى تتدهور. يمكنني بيع وحدتي السكنية بأكثر من ضعف السعر الذي دفعتُه لشرائها، وسأحصل على المال نقدًا. هناك الكثير من الأشخاص الذين يرغبون باستثمار آمن ويعرفون أن العملة تفقد قيمتها».

bid33_p.20-21.jpeg

مجمع الرحاب السكني، شرق القاهرة.

مجمع الرحاب السكني، شرق القاهرة

 

مدن خاصة بهم

مع ذلك، تشعر أميرة حسن بالقلق من العزلة. على الرغم من أن المجمع السكني يعني عادةً التمتّع بالمزيد من الخصوصية والأمان، إلا أن النقص في الوصول إلى الخدمات والمرافق الخدمية الأساسية ومنافذ التسوق يشكّل مصدر قلق كبير بالنسبة لها. تقول: «كنت أعيش في مصر الجديدة، حيث السوبرماركت تحت شرفتي مباشرة. الآن عليّ أن أقود سيارتي إلى أقرب سوبرماركت لشراء بعض الخبز والجبنة. الأمر ليس سهلاً».

تتفق ياسمين طارق مع أميرة. فهي لا تمتلك رفاهية شراء لوازم المنزل مباشرةً عند نفاد بعضها عرضيًّا. وهذا ما دفع الذين يعيشون في مجمّعات سكنية إلى تغيير سلوكياتهم في التسوّق. تقول: «عادةً يتأكد الناس من شراء كل ما يحتاجون إليه قبل عودتهم إلى المنزل، بينما يشتري آخرون مستلزماتهم من السوبرماركت شهريًّا. كذلك يتنامى الشراء عبر الإنترنت. يمكنك شراء زجاجة حليب لطفلك عبر بطاقة الائتمان وتصل إلى عتبة منزلك. لست ملزَمة بالعيش في وسط القاهرة للوصول إلى المزيد من الخدمات. لقد غيّرت التكنولوجيا كلّ شيء».

ليس هذا المستوى من العزلة امتيازًا بالنسبة إلى أميرة، إذ تؤكد: «لماذا عليّ الانتقال إلى وسط الصحراء للبحث عن الأمان. لماذا علي أن أقود سيارتي إلى السوبرماركت. هذا الشعور بالأمان باهظ الثمن».

في الجهة المعاكسة، تعتقد ياسمين أن الانتقال إلى مجمّع سكني والحصول على مكانة اجتماعية أعلى يستحق الثمن الذي تدفعه: «أنا مهنية من الطبقة المتوسطة، لكنني ذهبت إلى مدرسة في الزمالك وعملت مع شركة سلاسل غذائية كبيرة. التقيت بأشخاص من طبقات اجتماعية عليا، ومن الطبيعي أن أرغب بالانضمام إلى هذه الطبقة. لن أقبل العيش في وضع اجتماعي أدنى من وضع زملائي في العمل. أولئك الذين يرفضون فرصة الترقّي الاجتماعي أغبياء».

أما الذين يعيشون في مجمّعات سكنية أفخم فلا يقلقون من كيفية الحصول على الخدمات كافة. على الرغم من أن عيسى لم ينتقل بعد إلى وحدته السكنية في المجمع الراقي في القاهرة الجديدة، فهو مؤمن بأن هذه المجمعات أصبحت مدنًا خاصة لهم. يقول: «لا تضطر إلى الخروج من المجمّع. لديك كل ما تحتاجه على بُعد خطوات فقط. لديك كل شيء حرفيًّا، من محل الحلاقة إلى مدرسة أطفالك». ويضيف: «هذه مصر جديدة ورائعة لن تراها في أي مكان آخر. أخبِرني أين يمكنك رؤية مساحات خضراء في مصر من شرفتك؟ وأين في مصر يمكن لزوجتك أن تركض بأمان في الصباح؟ تقدّم هذه المجمعات السكنية أسلوب حياة جديدًا، وهو أسلوب حياة نحتاجه فعلاً».

العدد ٣٣ - ٢٠٢١

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.