العدد ٣٢ - ٢٠٢١

المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء العام في مصر

اجتذبت المساحات الكبرى مثل المحطات والمطارات ومراكز التسوّق اهتمام علماء الاجتماع الحضريين خلال السنوات الماضية (شيلدز، ١٩٨٩؛ جوزيف، ١٩٩٦). ألهمت هذه المساحات العامة– كالتي عرّفها عالم الاجتماع الفرنسي إسحق جوزيف (١٩٩٦) بأنها «مساحات مرور» (espaces de passage) أو «أماكن- حركة»(lieux-movements) – علماءَ الاجتماع الحضريين لإعادة التفكير في مفهوم المساحة كفضاء للتواصل واللقاء. يدعونا إسحق جوزيف إلى دراسة هذه المساحات من منظور اجتماعي دقيق أو منظور علم الاجتماع التفاعلي. تنظر دراسة مدهشة أخرى بعنوان «التسوّق والمكان والهوية» (ميلر وآخرون، ١٩٩٨) إلى مراكز التسوق البريطانية. يجادل ميلر ومن معه بأن التسوق لا يعيد إنتاج الهويات فحسب، بل يقدّم عنصر بناء هوية فعّال ومستقلّ. وتقدم الدراسة تصوّرات جديدة حول كيفية التفسير والربط بين الإثنية والاستهلاك من خلال الاستعمال المختلف للمساحة العامة، كما تقدّم نظرة محفّزة لتاريخ دراسة الاستهلاك، مشيرةً إلى حقيقة أن الاستهلاك قد أصبح عالمًا بحد ذاته، إضافة إلى أنها تضيء على أهمية المساحة والمكان لهويات المستهلكين ولممارسات التسوق الثقافية. علاوة على ذلك، تذكّرنا الدراسة كيف أن هذه الجغرافيات الجديدة تخلق على الدوام أشكالاً جديدة من التسوّق ومن أساليب الحياة، كما أنها تؤكد حاجة النظر إلى مراكز التسوّق من منظور العاملين في المتاجر وكيف يؤثر التسوق على الجنسانية والعلاقات الاجتماعية (موريس، ١٩٩١)١.

أنتج ريكاردو فريرا فريتاس (١٩٩٦) دراسة مفصّلة، مستلهمًا أعمال عالم الاجتماع الفرنسي ميشال مافيسولي، يقارن فيها مراكز تسوق متعدّدة في البرازيل مع «فوروم دي هال» الباريسي. يُكثر فريتاس من استخدام مفهوم المخيال (imaginaire) بخصوص إعادة الصياغة الداخلية للمساحة. ويرمز مركز التسوق، بحسب فريتاس، إلى المدنية المثالية، هذه المساحة محمية من التلوّث والطبيعة. وبصفتها مساحة محاكاةٍ، فإن مفاهيم «المنسوخ» و«المعاد تدويره» و«الافتراضي» تصبح ذات أهمية. ازدادت مراكز التسوق في البرازيل بالتوازي مع زيادة العنف خلال آخر عقدين، من مركز واحد عام ١٩٨٠ إلى ١٩ في ١٩٩٥، كسبيل لتوفير مساحة لا عنف قيد المراقبة. يجري الحديث في ريو عن «باراشوبنغ» (٧٣,٩٠٦ أمتار مربعة) كأكبر مركز تسوق في أميركا اللاتينية، بصفته مكانًا مرتبطًا بـ«أنسنة» المساحة ضد العنف (فريتاس، ١٩٩٦: ٩٥).

التسكّع والتسوّق

يذكّرنا زيغموند بومان (١٩٩٦) بأن فالتر بنيامين هو من اخترع المتسكع (flâneur) بصفته الشخصية الرمزية للمدينة الحديثة. ويخبرنا بومان (١٩٩٦: ٩٥) من خلال الربط بين المساحة الجديدة لمراكز التسوق وبين التسكع، بأن مراكز التسوق تجعل العالم– «مسوّرًا بدقّة، مراقبًا إلكترونيًّا، وخاضعًا لحراسة عن كثب»– «آمنًا للحياة بصفتها تجوّلاً». يعود اسما فالتر بنيامين وغيورغ سيميل إلى الظهور باستمرار في أدبيات المدينة، مشدّدَين على أن الغريب والوحدة هما ملهما إعادة اختراع المساحات؛ فقد بدأ الرجلان حوارًا حول التجول في الكاتدرائيات الحديثة وإمبراطوريات الاستهلاك. يعيد مايك فيذرستون (١٩٩٨: ٩١٠) صياغة مفهوم التسكع (flâneurie) لدى بنيامين من خلال أبعاده المتعددة، ويجادل بأن المتسكع ليس جائلاً في المدينة فحسب، بل إن تسكعه يمثل أيضًا «طريقة لقراءة النصوص» و«لقراءة آثار المدينة». يخبرنا بنيامين أن آثار المدينة التي تحتاج إلى التحري حروفٌ هيروغليفية، وعلامات وصور متكسّرة تجذب الاهتمام إلى مساحات مجنْدرة مثل المخازن الكبرى التي تسيطر عليها النساء (فيثرستون، ١٩٩٨؛ بيتش، ١٩٩٩). وهكذا يمكن النظر إلى التسوّق على أنه شكل آخر من أشكال التسكع، أو هو تحديق سيّار وثيق الصلة بالنساء، في مقابل الإشارة إلى أن موضوع المدينة ذكوري حصرًا (باولبي، ١٩٨٥؛ فريدبرغ، ١٩٩٣؛ بيتش، ١٩٩٩). ويمكن ربط عملية تأنيث المتسكع بنشوء المخازن الكبرى التي هي محاولة لنقل الشارع إلى داخل الأبنية.

مساحة عامة جديدة؟

تسببت مراكز التسوق الأميركية بإشغال علماء الاجتماع بدءًا من منتصف ثمانينيات القرن الماضي. قد يجادل كثيرون بأن هذا الموضوع قد أصبح بائدًا، خاصةً أن مراكز التسوق الأميركية تعاني من تراجع ملحوظ. توصف مراكز التسوق الخالية اليوم بأنها تُلوّث المشهدَ الطبيعي؛ بنهاية العام المقبل، سيتوقّف عن العمل قرابة واحد من كل خمسة مراكز تسوق أميركية قائمة في التسعينيات. نذكر أيضًا بأنه كان يوجد ٣،٠٠٠ مركز تسوق في الولايات المتحدة عام ١٩٦٠، بينما هناك الآن حوالي ٤٠ ألفًا (إنترناشونال هيرالد تريبيون، ٣ كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٠). وكما لاحظت ميغان موريس (١٩٩٣) في دراستها لمراكز التسوق الأسترالية، فإن التغيّر في المدينة، وإدارة التغير بحدّ ذاتها، والدور المتغير لمراكز التسوق، كلها جوانب جديرة بالاهتمام.

تخبرنا حالات جنوب شرق آسيا ومصر بأن مراكز التسوق تزدهر اليوم وتتوسّع باستمرار. ربما علينا في هذا السياق أن نتذكر أن حكومة [مهاتير] محمد في ماليزيا قد تفاخرت لسنوات بأنها بنَت أكبر مراكز تسوق في جنوب شرق آسيا. أودّ أن أحاجج بأن مراكز التسوق في مصر ستصبح حقل الدراسة الجديد في علم الاجتماع. يحصل في مراكز التسوق تهجين لافت للأذواق، وبروز مفاهيم للمساحة مختلفة بالكامل، ولطرق قضاء أوقات الفراغ. على الرغم من كون المراكز التجارية اختراعًا أميركيًّا، فهي لا تؤدي بالضرورة نفس الوظائف في الشرق الأوسط أو في جنوب شرق آسيا. يخبرنا فيذرستون بأن التسوق يتضمن العديد من العمليات «التي تتنوّع بين شراء الضروريات، والتجول بين المتاجر والنظر إلى واجهاتها، إضافةً إلى التسوق الترفيهي (قضاء وقت في المدينة، المشي في الشوارع لمشاهدة المعالم، والتنقّل بين المتاجر والمحلات في المساحات العامة)» (فيذرستون، ١٩٩٨: ٩١٦). في مصر على سبيل المثال، وبسبب قلّة الحدائق العامة، قد لا تكون المراكز التجارية المبنيّة حديثًا مساحات تسوق، بقدر ما هي مساحات للشباب للاختلاط والاندماج ضمن مجموعات. شجّعت الحكومة حديثًا إنشاء الحدائق العامة، لكنها خيّبت الآمال إذ إن جميع هذه المساحات الخضراء مسوّرة وممنوعة عن العامة بحجّة أن المصريين عاجزون عن التصرف بلباقة في العلن ولا يتوقفون عن التلويث. بإمكان مراكز التسوق أن تمثّل مساحة جديدة لدراسة ثقافة الشباب في القاهرة. ففي بلد حيث ٦٥ في المئة من سكانه تحت سن الثلاثين، أصبح الشباب وثقافتهم أكثر وضوحًا في الحياة العامة٢. وتُعتبر مراكز التسوق بصفتها مساحات مجندرة موضوعًا متكررًا في دراسات المستهلكين، لكنّ فكرة النظر إلى مراكز التسوق من حيث إتاحتُها للحراك الاجتماعي وحصول البائعات الشابّات من الطبقات الدنيا على النقود، عبر نشر صورة البائعة «العصرية» اللائقة والأنيقة، بحاجة إلى المزيد من البحث. على أن التباين/التعايش والاندماج بين الزي الإسلامي (والذي صار غربيًّا أصلاً وتحوّل إلى موضة) والأزياء الغربية هو ما يستحقّ الاهتمام.

الشباب والجنسانية والمساحات الجديدة

يبدو أن موضوع الشباب و«الانحرافات الجنسية» الملحوظة لدى الأجيال الشابة يشغل حيّزًا كبيرًا في الخطاب الرسمي. يخبرنا المسؤولون والدعاة الدينيون بأن الانحراف الجنسي قد انتشر في السنوات الماضية من خلال أفلام البورنو المتاحة الآن عبر محطات التلفزيون الفضائية. ويقال لنا مجددًا إن غزو قيم «الثقافة الغربية» يُفسد الشباب. يتماشى هذا الخطاب مع التشدد الأخلاقي المتزايد المرتبط بالسلوك العام. لا شك بأن ذلك مرتبط بالأسلمة المتنامية للمجتمع منذ سبعينيات القرن العشرين. وإن الصحافة ماضية في ما يشبه مطاردة الساحرات، بحيث تُعامل النساء والشباب معاملة الأطفال، الذين يُعتقد بسهولةِ انقيادهم للانحراف ما يستوجب مراقبتهم باستمرار. يُقرّ المصريون بأنهم يواجهون أزمة حقيقية تخصّ عاداتهم الجنسية ومؤسسة الزواج، إذ إن انتشار الزواج العرفي بين الطلاب في المرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية والجامعية صار شاغلًا للصحافة الوطنية (أباظة، ٢٠٠١)٣. ويبدو أن القلق بسبب التحرّش الجنسي، بالإضافة إلى الزيجات غير القانونية، يحظى بأهمية مضخّمة في الصحافة. تحوّلت تصرفات الشباب، بالإضافة إلى التصرفات الجنسية غير المكبوتة في المساحات العامة، إلى حالة من الهوَس. لكن حتى لو كان الخطاب الرسمي يميل إلى عدم التسامح وإلى شن حملات التشهير على نسق مطاردة الساحرات، فالممارسات اليومية للشباب تكشف بأن هنالك «تراخيًا في القيم والعادات» داخل حدود مجتمع متأسلم. يجد العشاق الشباب في القاهرة أن الحجاب لا يعيق التقبيل أو مسك الأيدي فيما يتنزهون على ضفاف النيل. وأصبح المزج بين الثقافة الجماهيرية وإعادة تصور الفضاء العام مجالاً مهمًّا لتقصّي تهجين جديد في سلوك الشباب وثقافته.

والواقع أن الشاغل الأكبر لموظفي الأمن في جميع مراكز التسوق في القاهرة يكمن في تقرير ما إذا كان الشبان والبائعون الواقفون على أطراف المركز يشكلون أي تهديد للأمن. إن ازدهار مراكز البولينغ والبلياردو، والمقاهي الشعبية ضمن مساحات نظيفة ومكيّفة يوفر متنفسًا أساسيًّا للجيل الشاب المائل نحو الاستهلاك. تجاوز تلوث الهواء في القاهرة حدود المعايير المقبولة في الغرب وهو عائق جدّي للمشاة. ولكن في حال كان مركز التسوق ظاهرة جديدة، فالنزعة الاستهلاكية أقدم بكثير ونشأتُها مرتبطة بالمتاجر الكبرى المصرية. ليس مدعاة للدهشة أن نقول بأن أسلوب حياة الطبقة العليا المصرية تأثر بشدّة بمؤثرات أوروبية.

«المتاجر الكبرى» المصرية المنسية

تميل النظريات الحديثة في العولمة إلى النظر للثقافة الاستهلاكية كظاهرة جديدة. وقد ركّزت دراسات الاستهلاك عمومًا على تأثير الثقافة الجماهيرية على الطبقات العاملة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في أوروبا والولايات المتحدة. واهتمّت الدراسات الثقافية بمواضيع وسائل الإعلام وتأثير الثقافة الجماهيرية الأميركية في الطبقات العاملة الأوروبية من منظور نيو- ماركسي. وربما يفيد أن نطبّق نظريات الدراسات الثقافية على أساليب حياة الطبقة العليا الكولونيالية السابقة. قليلة هي الدراسات، وغالبًا ما يُنسى أن أساليب الحياة والأزياء الأوروبية قد دخلت مصر في منتصف القرن التاسع عشر. يذكّرنا ماكس رودنبك بجوانب المزج والتفاعل في ثقافة الخواجات في القاهرة٤، قائلًا إن ١/٨ سكان المدينة في ١٩١٠، والبالغ عددهم سبعة ملايين نسمة، كانوا من الأجانب (رودنبك، ١٩٩٩: ١٧٦). وقيل إن «ثريّ القاهرة» في ذلك الوقت كان يعيش مثل أحد سكان باريس. ليست مصادفة أن يتزامن ظهور أساليب الحياة الجديدة هذه مع ولادة المتاجر الكبرى التي «لبّت الأذواق الجديدة بواسطة أحدث الأزياء القادمة من باريس وكتالوغات كريستوفل ولوي ڤيتون ومابان وويب» (رودنبك، ١٩٩٩: ١٨٤).

إن المتاجر الكبرى– بنظر الكثير من سكان القاهرة من الجيل القديم– تؤجّج الحنين للذوق الرفيع وصور نساء النخبة الأنيقات اللواتي يخدمهنّ بائعون وبائعات ماهرون، حتى صار الموظفون مضرب مثل بحسن خلقهم، فتجربة التسوق في هذه المتاجر كانت بحد ذاتها شكلاً من أشكال الرقيّ. ومن المدهش أن نشأة المتاجر الكبرى في مصر تزامنت مع نشأتها في أوروبا في آخر فترة من القرن التاسع عشر. ومع أن المتاجر الكبرى في مصر وُجدت بفعل تغييراتٍ في نظام الإنتاج، حيث صارت المصانع تنتج المزيد من السلع وبكفاءة أعلى، على حد قول سينيت (المقتبس في كوريغان، ١٩٩٧: ٥٠)، إلا أن ولادتها مرتبطة بشكل وثيق بازدهار الرأسمالية اليهودية المصرية. كان بعض هذه المتاجر موجودًا في القاهرة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر. حملت هذه المتاجر الكبرى والمؤسسات التجارية أسماءً مثل شملا وهانو وليفاي-بنزيون وشيكوريل وعمر أفندي وسيمون-أرزت وشالونس وكوهينكا، وريفولي. وكانت كلها تقريبًا ملكًا لكبار البرجوازيين اليهود، إلا أن الاستثناء الوحيد كان الأخوين صيدناوي السورييَن. استقر سمعان وسليم صيدناوي في مصر في نهاية القرن التاسع عشر، قادمين إلى القاهرة عن طريق دمشق، لكنهما كانا بالأصل من صيدنايا ومعلولا. يقال إنهما أسّسا متجرهما، بعيدًا عن وسط المدينة في شارع الخزندار، خلافًا للمتاجر الأخرى التي كانت في وسط البلد. كانت غاية المتجر أن يكون نسخة طبق الأصل عن غاليري لافاييت الباريسي، أما متاجر شيكوريل فقد تميزت بالطابع الأوروبي وبالعدد الكبير من الموظفين اليهود الذين يتكلمون بالفرنسية (بينين، ١٩٩٨: ٢٢)، وما زال بالإمكان العثور على اللافتات الفرنسية في المصاعد وفي الإعلانات. هاجر المؤسّس مورينو شيكوريل من إزمير في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت عائلته تحمل جوازات سفر إيطالية، وافتتح المتجر عام ١٩٠٩ وسط الحيّ الأوروبي الذي صار اليوم شارع ٢٦ يوليو. يصرّ بينين في كتابه تشتّت يهود مصر The Dispersion of Egyptian Jewry (١٩٩٨) على أن البرجوازيين المصريين اليهود، وعلى الرغم من كوزموبوليّتهم قد أحسنوا التأقلم مع الخطاب القومي المصري، مؤكدًا النظرة إليهم بأنهم «مختلفون» عن المسلمين والمسيحيين، ولكنهم «متماثلون» مع جيرانهم غير اليهود. وفي ما يخص متاجر شيكوريل يقول جويل بينين:

دعا حزب الوفد المصريين إلى الشراء فقط من «المتاجر الوطنية» عامَي ١٩٢١-١٩٢٢ احتجاجًا على إعادة اعتقال سعد زغلول وترحيله إلى سيشيل، ولكن ذُكر اسم متجر شيكوريل القريب من ميدان الأوبرا في القاهرة كأحد المحالّ المعفاة من المقاطعة. وقد وَصف القائمون على شيكوريل متجرهم بأنه «أحد أعمدة استقلالنا الاقتصادي الوطني المصري» في مذكرة مقدّمة إلى وزارة التجارة عام ١٩٤٨ (بينين، ١٩٩٨: ٢١).

حدثت هجرة جماعية لليهود بعد الحرب العربية- الإسرائيلية عام ١٩٤٨ وسياسات التأميم التي اعتمدها جمال عبد الناصر. غادرتْ جاليات أجنبية عدّة، معلنةً نهاية عصر الكوزموبوليتية الميّالة نحو الثقافة الأوروبية. افتُتح شملا عام ١٩٥١، آخر متجر خاص يتم تأسيسه قبل ثورة ١٩٥٢. وتم تمصير المتاجر الكبرى مثل هانو والصالون الأخضر. وقد بقي اليوم من المتاجر المصرية الكبرى في وسط البلد عمر أفندي والصالون الأخضر، ويبدو أنهما بوضْع جيّد ويقدمان خدماتهما لجزء كبير من الطبقة الوسطى. وتم مؤخرًا تجديد متجر صيدناوي في العتبة ومتجر شملا بذوق رفيع.

أصبحت العولمة اليوم كلمة السر، وحلّت محل مفهوم الكوزموبوليتية القديم. ومن مظاهرها انتشار المطاعم الصينية والهندية والأرجنتينية، فيما أصبحت الأطعمة العالمية والآسيوية والسلع المستوردة من جميع أنحاء العالم متوافرة في المتاجر ومحلات السوبرماركت المصرية. ولا شك بأن سلسلة سينزبري٥ في القاهرة قد هجّنت الأذواق عن طريق تعريف المصريين بأساليب استهلاك جديدة في السوبرماركت، إلا أن كثرًا شككوا بفرص نجاح سينزبري في التأقلم مع الذوق المصري. بعد عام على افتتاح مجمّعات سوبرماركت ضخمة، قررت الشركة أن تنسحب من مصر نتيجة احتجاجات كثيرة بفعل انتشار شائعات تتّهم مالكي سينزبري بأنهم صهاينة، أطلقها تجار صغار خشوا احتكار سينزبري. وقد فسّر البعض الحادثة بأنها تعكس صراع مصر ضد قوى العولمة الشريرة، إلا أن المتشائمين رأوا في انسحاب سينزبري من السوق المصرية خطوة حكيمة، إذ إنهم قد توقّعوا الركود الاقتصادي.

القاهرة عن طريق كوالالمبور

في أواخر التسعينيات خضعت مصر لعملية إعادة هيكلة أدارتها منظمات مالية دولية أفضت إلى المزيد من الخصخصة وتحرير الاقتصاد. تزامن ذلك مع ولادة طبقة جديدة من رجال الأعمال وحيتان المال الذين يعيدون هيكلة الاقتصاد المصري. فهل يتّجه الشرق الأوسط نحو نموذج تنمية آسيوي وهل سيتوّج بأزمة مالية مماثلة؟ يبدو الإعجاب بالنموذج الآسيوي محوريًّا في خطاب التنمية المصري. ويتساءل المفكرون المصريون عمّا إذا كان الشرق الأوسط قادرًا على أن يتبع نموذجًا تنمويًا شبيهًا بنموذج النمور الآسيوية، إلا أن العالم السياسي الماركسي المصري محمد السيد سعيد في غاية التشاؤم، وقد عبّر عن ذلك خلال تعليقه على التغيير الحكومي الأخير قائلًا:

نريد أن نقلّد النموذج الآسيوي، لكننا نفتقر إلى الخصال الآسيوية التقليدية، مثل الانضباط الذاتي، والدقّة التامة، والتقشف الشديد. إننا نُكثر من تباهينا بإرثنا وأصالتنا، إلا أن التوق للعلم، والرغبة في البناء، وتقدير العمل الجماعي، كلها صفات بدأت تتلاشى (سعيد، ١٩٩٩).

لا يهم ما إذا كانت مصر ستحاكي النمور الآسيوية أم لا، فاللافت تحديدًا هو التشبيه والمقارنات المستمرة مع النهضة الآسيوية المزعومة والتي يناقشها المفكرون اليساريون والإسلاميون على حد سواء، كما أن التساؤل الطاغي على النقاش في مصر هو «لمَ لن نكون مثلهم أبدًا».

حاججَ بعض علماء الاقتصاد بأن دول العالم الثالث التي تمر بإعادة هيكلة بنيوية تعاني من زيادة في الإفقار (فرغني، ١٩٩٨). والتقارير الأخيرة مؤرقة بالفعل، لا سيما أن انتصار النيوليبرالية يتحقق على حساب الفقراء. منذ انطلاق برنامج التكيّف الهيكلي الذي ينفذه صندوق النقد الدولي في مصر، يذكّرنا آصف بيات (١٩٩٧: ٣) بأن الفقر في المناطق الريفية قد تضاعف وبأن الفقر في المناطق الحضرية قد ازداد أكثر من مرة ونصف المرة بين عامَي ١٩٨١ و١٩٩١، أي منذ انطلاق برنامج التكيّف الهيكلي المذكور. ويحاجج تيموثي ميتشل (١٩٩٩) بأن الأجور الحقيقية في القطاع العام قد انخفضت بنسبة ٨ في المئة وبأن إحصاءات الإنفاق الأسَري قد كشفت عن انخفاض كبير في الاستهلاك الحقيقي للفرد بين ١٩٩٠-١٩٩١ و١٩٩٥-١٩٩٦. ويشير ميتشل إلى أن عودة المطاعم التي تقدّم الأكل بالمجان للفقراء تمثّل علامة على الفقر المتزايد، مضيفًا أن «نسبة الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر قد ارتفعت خلال هذه الفترة من حوالي ٤٠ في المئة (في المناطق الحضرية والريفية) إلى ٤٥ في المئة في المناطق الحضرية وأكثر من ٥٠ في المئة في الريف» (ميتشل، ١٩٩٩: ٣٢). من ناحية أخرى، يقول بيات إن أكثر من نصف سكان القاهرة والجيزة قد صُنفوا في خانتَي الفقر والفقر المدقع. ويبدو أن المجتمع المصري يقدّم ظاهرة متناقضة، فمن ناحية يدرس مراقبون الأسلمة المتزايدة للمجتمع ككل ابتداءً من القِمة من أجل التصدي لحركات الاحتجاج الإسلامية، فيما يتوازى مع هذه الظاهرة تأسيس عالم متّسع من الاستهلاكية ومن أمركة المجتمع والثقافة. إذا ارتبطت مراكز التسوق في الغرب بانتشار المداخيل المرتفعة، فإن غالبية دول الشرق الأوسط لا تزال تمتاز بالأسر منخفضة الدخل. وتصدم القاهرة الجميع بكثافتها السكانية المذهلة، وتلوث السيارات، وبروز تجمعات الفقراء المهمّشين من القطاع الحديث. تشير الإحصائيات إلى وجود ٤٠ ألف شخص لكل كيلومتر مربع في منطقة القاهرة الكبرى (بيات، ١٩٩٧: ٣). وتنفرد القاهرة بأن مقابرها تستضيف نسبة كبيرة من السكان الفقراء المهمشين، حيث الحرمان يخلط الحياة مع الموت.

المولات

المفارقة الثانية أن القاهرة، وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الحادّة، تشهد انتعاشًا في بناء المولات. أدى احتكار الثروة في أيدي القلة إلى بناء عمارات سكنية٦ ومسابح في الأراضي الصحراوية المستملكة حديثًا، في حين أن المنتجعات البحرية و«الأحياء السكنية المسوّرة»، المستوحاة من النموذج الأميركي أو الآسيوي أو التي تتميز بعمارة إسلامية مختلَقة، قد اجتذبت الكثير من مدّخرات الطبقات الوسطى. ويُعد مشروعا بيفرلي هيلز ودريم لاند نموذجين عن هذه «الأحياء السكنية المسوّرة». وينشأ نوع من التجانس بين القاهرة وكوالالمبور أو جاكرتا في إعادة صياغة المشهد الحضري تحت تأثيرات العولمة. وقد سُجّلت هذه الملاحظات قبل كل من الأزمة الآسيوية والركود الذي ضرب الاقتصاد المصري في الأعوام ١٩٩٨ - ٢٠٠٠. وتَمثلت النتيجة الأوضح للتعديلات الهيكلية في المضاربة العقارية، ما أدى إلى إثراء أصحاب العقارات مع تزايد الفوارق الاجتماعية والفقر. تكشف الإحصائيات أنه في عام ١٩٩١، عاش ٣٥ في المئة من سكان القاهرة تحت خط الفقر البالغ ١،١١٤ جنيهًا سنويًّا لعائلة مكونة من ٤٫٦ أفراد (دينيس، ١٩٩٦: ٨).

أعيد تشكيل المساحات العامة لتدمج التسوق مع الترفيه (دُور السينما، صالات البلياردو، صالات الرقص، حلبات التزلج على الجليد). غالبًا ما تشمل هذه المساحات مكاتب حديثة تضم يوميًّا طبقة واسعة من المهنيين. وقد تسبّب أسلوبُ الحياة الجديد في الأزياء، وظاهرة حمل الهواتف النقالة في تغيير مفاهيم الفضاء العام. تغيرت العمارة بشكل ملحوظ، ودرجت الأنماط المعمارية التي تدمج، على سبيل المثال، بين العمارة «الشرقية» و«الإسلامية» و«الآسيوية» والعمارة الغربية الحديثة. يضمّ مركز التسوق الشبيه بالكاتدرائية العديدَ من الاستخدامات، وميزته الأساسية هي الشفافية والانفتاح على العامّة. ازدادت أناقة الإعلانات في الصحف الإنكليزية والعربية تروّج لأنماط الحياة الجديدة. يمكن للمرء أن يجد نوعًا من التجانس بين مراكز التسوق في جميع أنحاء العالم، فهي متشابهة المظهر، سواءٌ كانت في سنغافورة أو ماليزيا أو إندونيسيا أو القاهرة. هذا الانطباع صحيح على السطح، إلا أن التنويعات المحلية بين كل حالة فردية، والوضع الاقتصادي لكل دولة، يرسم إطارًا مختلفًا.

بصدد المولات، ثمة حالة «مركز التجارة العالمي» في القاهرة الذي بُني من خلال تنظيف أو إقصاء الحي الشعبي والتخلص من العشوائيات المحيطة به. يمكن تتبّع هذا المنطق أيضًا في الطريقة التي قضى بها فندق هيلتون رمسيس ومجمّعه التجاري على الحي الشعبي من أجل بناء مول ملحق به، كما أن الأرض التي أنشئ عليها «مركز التجارة العالمي» قد بيعت بثمن بخس من قِبل الدولة واشتراها حيتان المال الجدد، لأنها تقع في منطقة شعبية. تسير هذه العملية جنبًا إلى جنب مع إعادة هيكلة واسعة للقاهرة بأكملها، ضمن عملية إحلال عمراني طبقي (gentrification) شبيهة بالعملية التي خضعت لها العديد من البلدات الأوروبية في فترات سابقة. وقد أطلق وزير الثقافة فاروق حسني حملة لترميم المعالم القديمة وبَرْجزة الأحياء الشعبية. يرى مؤيدو هذه الحملة أنها تحسّن مستوى النظافة وتجمّل المدينة، فيما ينظر المتشائمون إليها بصفتها خطوة نخبوية على حساب إخفاء الفقراء الذين يسكنون هذه المناطق وتشريدهم منها. إن الواجهات مطليّة باللون الأبيض لكنّ نظام الصرف الصحي القديم ما زال على حاله فيما يستمر شحّ المياه. باختصار، لم يتغير شيء داخل هذه المناطق المجددة. أزيلت أو رُمّمت الورش القديمة، فيما شُلّت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. يرى كثر في مثل هذا الإجراء طريقة تمكّن الحكومة من احتواء المنشآت التجارية الصغيرة والسيطرة عليها، كما هو الحال في حي الدرب الأصفر الشعبي في منطقة الأسواق في القاهرة القديمة.

مولات فاخرة وأخرى شعبية

تجذب مولات القاهرة المختلفة زبائن في غاية الاختلاف. ففي حين يُعنى «مركز التجارة العالمي» بشكل أساسي بربّات البيوت من الطبقة الوسطى والطلاب وحديثي النعمة من رجال الأعمال الشباب ممن يستعرضون هواتفهم النقالة، فإن «مركز البستان التجاري»– والذي كان من المفترض أن يكون موقف سيارات لوسط المدينة، فتحوّل أيضًا إلى مركز تسوق– يستقبل إجمالاً الشباب من الطبقة الوسطى الدنيا. ويضم المول مجموعة متنوعة من المقاهي ذات الطراز المصري، حيث الموسيقى المصرية الصاخبة والزوايا المظلمة للّقاءات السرية بين العشاق، كما تقضي مجموعات من الفتيان والفتيات أوقاتها بانتظام في مثل هذه المراكز. إن المقاهي الرخيصة والشعبية، ومقاهي الإنترنت، وصالات البولينغ أو البلياردو الكبيرة، أصبحت متاحة لشباب الطبقة المتوسطة الدنيا ممن يتسكعون في العصاري والعشايا. ليس صدفة أن معظم هذه «المولات» قد أقيمت بالقرب من سوق شعبي، كما هو حال «مركز البستان التجاري» المجاور لسوق الخضار الشعبي في باب اللوق، فيما يقع «مركز التجارة العالمي» بالقرب من سوق بولاق الشعبي. «خان عزّام» مركز تسوق جديد أقحم في قلب سوق خان الخليلي الشعبي، فلهذا الإقحام أثر مؤرّق على السوق المتواجد في منطقة إسلامية من القاهرة عمرها قرون. يشبه «خان عزام» من الداخل متجرًا كبيرًا من النمط الباريسي، وهذا التباين مسيء بالفعل، بالنظر إلى شوارع السوق الواقع على بعد أمتار قليلة منه. لم يُفتتح «خان عزام» بعد، ويتساءل الكثيرون عن فرص نجاحه في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. تم بناء مركز التسوق هذا على الطراز الغربي للسوق المسقوف، بمشربيات خشبية وأعمدة على الطراز الإسلامي، مُظهرًا لمرة أخرى مزيج الأذواق الدارج. هل يمكن الحديث عن تفاعل محتمل بين هذين السوقين المختلفين؟ هل يمكن لحوار أن يجري بين القطاعات أو المساحات الحديثة والتقليدية؟ يبدو أن ما يحدث هو مجرّد وضع مجموعتين مختلفتين من السكان جنبًا إلى جنب، وأن ما يتم تمثيله فعليًّا هو انعدام التبادل أو الطلاق، بين شبكات الأقمشة والمنتجات المستعملة في السوق التقليدي، على سبيل المثال، وبين السلع الحديثة التي تنتجها الشركات وتباع في «مركز التجارة العالمي».

يمكن الحديث عن خصوصية ثقافية معيّنة في مفهوم سكان القاهرة للمول. من المؤكد أن الشكوك ستراود أي أوروبي عند اعتبار «مركز البستان» مولاً أو مجرد ملحق لأكبر موقف سيارات في وسط المدينة. يُعتبر «اليمامة سنتر» في حي الزمالك - الذي يملكه الأمير بندر، العضو في العائلة المالكة السعودية - صنفًا كلّي الاختلاف عن سائر المولات. تم تشييده عام ١٩٨٩، وكان أول مول ينشأ في القاهرة ورمز حضور المال السعودي. يتكون المركز ذو الإدارة المصرية من تسع طبقات بأدراج كهربائية، ويغطي مساحة ٤،٠٠٠ متر مربع. يُعتبر موقع «اليمامة سنتر» في الزمالك مثاليًّا لطلاب كليات الفنون التطبيقية والموسيقى التي تقع على مقربة منه. قبل بضع سنوات، كان هناك مقهى على الطريق بين «اليمامة سنتر» والمبنى الذي يليه، وتم إغلاقه بعدما أصبح مكان لقاءٍ للطلاب الذين يجتمعون بعد الحصص ليدخّنوا النرجيلة ويتعاطوا الحشيشة، على ما يقال. خلال فصل الشتاء يصبح المركز ملتقًى مزدحمًا للطلاب بين الظهر والرابعة عصرًا. الإجراءات الأمنية مشدّدة، كما هو الحال في جميع مولات القاهرة. الكاميرات السرية في كل مكان، والحرّاس موجودون في كل طابق. يقول مدير المركز إن المشاكل الرئيسية التي يواجهها هي النشل وسرقة المعروضات، والتحرش الجنسي، وهي مشاكل تزداد في الصيف مع تدفّق الزوار السعوديين إلى القاهرة. ويبدو أن التحرش الجنسي يمثل التهديد الأكبر في حال استهداف النساء السعوديات، إذ ذكر المدير أن ذلك قد يؤدي إلى مشاكل خطيرة مع المالك السعودي. في فصل الشتاء، يصبح معظم زوار مركز التسوق متفرجين على المعروضات، مما يجعل أخطار السرقات الصغيرة هوسَ الإداريين في هذا المكان. تقام خلال شهر رمضان عروض للموسيقى العربية في البهو وتستقطب جمهورًا كبيرًا، إذ يقضي سكان القاهرة ليالي طويلة خلال شهر الصيام في الشوارع والأماكن العامة، وتزدحم مراكز التسوق حتى ساعات الليل المتأخرة. يتخصص «اليمامة سنتر» بأذواق محددة، مثل الأحذية ذات الكعاب العالية، والملابس البرّاقة، ولُعب الأطفال، مستقطبًا السعوديين بشكل أساسي. تبدو جودة المنتجات ملبّية لاحتياجات زوار الخليج الذين يصطافون في القاهرة، أي أن معايير الذوق تعكس ما يعتبره سكان الزمالك من الطبقة العليا «بلدي» أو «بيئة» (أي شعبي وسوقي ضمنيًّا). أكثر ما يلفت الانتباه أن «اليمامة سنتر» يستقطب النساء المصريات اللواتي يتبعن الأسلوب السعودي في اللباس والحجاب. ويبدو من خلال لهجتهنّ أنهن متزوجات من سعوديين أو خليجيين، شأنهن شأن الكثير من النساء المصريات الفقيرات اللواتي «تبيعهنّ» عائلاتهن عرائس رخيصات. يجذب كل واحد من هذه المولات زبائن مختلفين من حيث طبقاتهم ومتطلباتهم كمستهلكين. ففي حين يُعتبر «البستان» و«اليمامة» مختصَّين بالعامّة و«السوقيين» من الجمهور الذين يقال عنهم «بيئة»، فإن «فيرست مول»، الذي افتُتح حديثًا في الجيزة في أحد أغلى وأفخر مباني القاهرة، يُظهر كيف تبذل المولات الراقية قصارى جهدها لإبعاد الجماهير، من خلال تضييق إجراءات الأمن وافتتاح المطاعم والمقاهي الغالية والتي تُقصي الفقراء.

«القهاوي البلدي» في مراكز التسوق

«إن مؤسسة واحدة فقط في القاهرة تُعد أكثر شيوعًا من المسجد: المقهى. الإحصائيات اليوم أقل دقّة مما كانت عليه عندما أحصى جيش نابليون ١٣٥٠ مقهى في مدينة الألف مئذنة، إلا أن نسبة ٢٠٠ مواطن لكل مقهى لم تنخفض كثيرًا. وفقًا لهذا التقدير، يجب أن يصل عدد مقاهي القاهرة الحديثة ألى أكثر من ثلاثين ألفًا (رودنبيك، ١٩٩٩: ٢٦٣)».

يذكّرنا تعليق ماكس رودنبيك بأهمية المقهى كمؤسسة تقليدية تتيح للناس اللقاء والاختلاط والنميمة ولعب الطاولة وتصنيف الأشخاص حسب المهنة، لكنها كانت أيضًا مساحة بارزة وفي غاية الأهمية في الأحياء الشعبية، حيث يجلس الناس يعلّقون على المارة، ويتبادلون أخبار الحي. كان المقهى لسنوات عديدة مكانًا مقتصرًا على الذكور فقط، حتى غدا بصفته موقعًا للتعليق على أشكال النساء المارات ثيمةً متكررةً في الروايات والأفلام المصرية. يزهو عشاق القاهرة بالوسط الثقافي المميز بالمفكرين والرسامين والكتّاب في وسط البلد، والذي شهد انتعاشًا خلال التسعينيات. يجتمع هؤلاء الأشخاص في الأماكن نفسها (المقاهي والحانات) كل ليلة تقريبًا للشرب والمرح وتبادل الأخبار والأفكار والمعلومات والنميمة، في السياسة أو الفن أو في أحدث الفضائح. تمثلت أشهر معالم هذا المشهد في «قهوة البستان»، المعروفة أيضًا بقهوة المثقفين والفنانين، و«النادي اليوناني» الذي يقع فوق «مقهى جروپي» التاريخي، و«بار الجريون» و«بار أوديون»، ومطعم «إستوريل»، وبار فندق «وندسور»، و«كافيه ريش» الشهير الذي أعيد افتتاحه مؤخرًا. هل يمكن الاستنتاج بأن المقاهي في مولات اليوم أصبحت النظير الثقافي للحانات القديمة في وسط البلد؟ هل تمثل هذه الحانات والمقاهي في وسط البلد ملتقى لثقافة مضادّة جديدة تواجه ثقافة الاستهلاك العدوانية في المولات؟ ليس مرجحًا أن يحل أحدهما محل الآخر، إلا أن هذه الملاحظات بحاجة إلى المزيد من التفكير والبلورة. يُدهش دارسو الظاهرة الاستهلاكية لمشهد دمج المقاهي المصرية الحديثة ضمن المولات، والتي قام العديد منها– مثل ملحق «رمسيس» و«اليمامة سنتر»– بإنشاء قهوة مصرية حيث يمكن تدخين النرجيلة داخل المول المكيّف٧. توجد في كثير من الأحيان عربة تقليدية لبائع متجول في الجوار تقدّم مأكولات شعبية مثل الفول والحمص والسلطات الشرقية. لبعض المقاهي طموحات فنية، مثل المقهى في الطابق الأرضي من «اليمامة سنتر» في الزمالك الذي يضم صالة عرض فنية، بحيث أصبح ملتقى للكتّاب والرسامين الشباب. هناك يلتقي الفتيان والفتيات للمغازلة. صار المقهى مكانًا يمكن فيه تدخين النرجيلة والنقاش حول الفن واستعراض اللوحات المعروضة للبيع. إن ازدهار السياحة في هذه الأماكن العامة أدى إلى خلق نزعة تدفع بالثقافة نحو الفولكلور، مثل تقديم الخبز البلدي في فنادق «الماريوت» و«الشيراتون»، ونصْب الخيم التي تضم راقصات ومطربين شعبيين في محاكاة مبتذلة للحياة البدوية. مع إحياء التقاليد الشعبية والاحتفاء بها و«تهذيبها»، راج تدخين النرجيلة، وعرض عربات الطعام، وبيع الفول والطعمية، الآتيين بالأصل من النظام الغذائي للفقراء والطبقات الدنيا. يقدم مطعم في خيمة داخل «جنينه مول» في مدينة نصر الفطيرَ والكشري، ذاك الطبق الشعبي المكون من الأرز والمعكرونة الممزوجين بصلصة الطماطم الغنية بالبصل، فيما يستقطب «طيبه مول» – الموجود أيضًا في مدينة نصر – الشبابَ من الحي الشعبي في منشية ناصر، الذي يعتبر اليوم من العشوائيات، بحيث أصبح هذا المول مقصدًا للعب ألعاب الكمبيوتر. أما «معادي غراند مول»، فهو مكان مدهش لدراسة الجنسيات المختلفة. تلتقي العاملات المنزليات من الفيليبين خلال عطلات نهاية الأسبوع في صالة البولينغ للّعب والدردشة٨، فبالإضافة إلى الأميركيين، تقصد الجاليات الكورية واليابانية وجاليات جنوب شرق آسيا هذا المركز لأنه يبيع السلع الآسيوية المتوافرة حاليًّا في مصر.

«مركز التجارة العالمي» في القاهرة

أودّ أن أناقش قضية «مركز التجارة العالمي» في القاهرة، الذي أنشأته عائلة ساويرس، ويُعتبر اليوم قصة نجاح، ويرمز إلى انتصار الطبقة الجديدة من حيتان المال في مصر. برزت عائلة ساويرس في عهد نظام مبارك، معيدةً إلى الأذهان رأسمالية العائلات الأميركية مثل عائلَتي روكفلر أو فورد. تحيط القصص المضخّمة بأصول العائلة ونجاحها، وتؤجّجها الشائعات القائلة بأن آل ساويرس قد جمعوا ثروتهم من خلال تحصيل قروضًا من البنك الدولي ومساعدات أميركية. تمتلك العائلة «شركة أوراسكوم للاستثمار القابضة»، كما أنها تسيطر على ١١ شركة تابعة (ميتشل، ١٩٩٩: ٣١)، «من ضمنها أكبر شركات البناء الخاصة في مصر، وصناعة الإسمنت وتوريد الغاز الطبيعي، وأكبر مشاريع التطوير السياحي في البلاد (بتمويل جزئي من البنك الدولي)، وشركة لتجارة الأسلحة، والحقوق المحلية الحصرية للهواتف النقالة، ومايكروسوفت، وماكدونالدز، والكثير غيرها» (ميتشل، ١٩٩٩: ٣١). يُعدّ تركّز الثروات في أيدي عدد قليل من العائلات استمرارًا منطقيًّا لسياسة الباب المفتوح التي مهّد لها [أنور] السادات. نمت مؤسسة «مركز التجارة العالمي» لتصبح شبكة تضم أكثر من ٢٢٠ عضوًا من مراكز التجارة العالمية في أكثر من ١٩٠ مدينة حول العالم، وهي التي تأسست في نيو أورلينز عام ١٩٦٨ لتشجيع توسّع التجارة العالمية من خلال مفهوم مركز التجارة العالمي. تأسس «مركز التجارة العالمي» في القاهرة عام ١٩٩٠ عبر مشروع مشترك بإشراف المهندسين المعماريين أوينغز وميريل سكيدمور من شيكاغو وعلي نور الدين من مصر. يعلن الكتيّب الإنكليزي– الذي يدعو الطبقات الوسطى المصرية إلى عالم الاستهلاك الجديد– عن المشروع على النحو الآتي:

«أهلاً بكم في مركز التسوق بمركز التجارة العالمي

العملاء الأعزاء،

مرحبًا بكم في مركز التسوق بمركز التجارة العالمي في القاهرة. إن التصميم المعماري الاستثنائي لبيئة التسوق هذه الفريدة من نوعها في مصر يعكس ويجمع بين اللمسة القديمة للأسواق الإسلامية المصرية وبين أحدث صالات العرض الأوروبية. صُمم مركز التجارة العالمي في القاهرة لضمان راحة المتسوقين ورفاهيتهم، من خلال توفير مجموعة واسعة من الخدمات والمرافق، مثل الأدراج الكهربائية، والمصاعد، وتكييف الهواء، ومواقف السيارات، إلخ. يضم المول التابع لمركز التجارة العالمي في القاهرة أكثر من ٧٥ متجرًا تقدّم مجموعة متنوعة من أفضل المنتجات والمرافق الترفيهية، من الملابس، والإكسسوار، والأثاث، والمعارض الفنية، والمقاهي، والمطاعم، والنوادي الليلية، وصالات الرقص، إلخ.

يوفّر مركز التجارة العالمي في القاهرة مساحات لمكاتب، وشقق سكنية، ومتجر بيع بالتجزئة، ومساحات ترفيهية، مقدمًا للأعضاء والمستأجرين مجموعة واسعة من المرافق والخدمات، بما فيها خدمات المعلومات التي تتضمّن الاتصالات المحوسبة، وقاعدة بيانات واسعة وتسهيلات مكتبية تغطي الأسواق العالمية، والفرص التجارية، والقوانين الحكومية، والتعرفات الجمركية، والمواضيع التجارية، وخدمات البحوث التجارية، والبعثات التجارية، ومرافق الاجتماعات أو المؤتمرات، ومساحة للعروض. ينقسم مركز التجارة العالمي إلى ثلاثة أقسام رئيسة: المنطقة السكنية والترفيهية، والمكاتب، والمجمّع التجاري».

تم تأسيس «مركز التجارة العالمي» في حي بولاق الشعبي في القاهرة عام ١٩٩٠- بالإضافة إلى أبراج أخرى (فنادق كونراد وهيلتون)- على حساب القضاء بشكل قاطع على أحد أقدم أحياء القاهرة وأكثرها ثراءً من الجانب المعماري. خضع الحي لتحوّل سريع جدًّا بشكل لا يصدق. برز بولاق خلال القرن الماضي كحي برجوازي راقٍ، وهو اليوم أحد أكثر الأحياء اكتظاظًا بالسكان في القاهرة، ويُعرف بمحالّ البيع بالتجزئة، والمنسوجات، وتصليح السيارات، وأسواق المواد المستعملة في وكالة البلح. واشتهر بولاق أيضًا بأوّل مطابعه وهي المطبعة الأميرية التي اندثرت. صار شارع المطبعة اليوم مأهولاً بالمحالّ الكبيرة التي تبيع الملابس والمنسوجات المصرية والمستوردة. مما يلفت الانتباه، أن عددًا كبيرًا من هذه المحال يملكه أقباط يعرضون أيقونات وفسيفساء وصورًا لمريم العذراء، فقد اكتسبت هذه العلامات أهمية مع تزايد الأسلمة والتوتّرات الطائفية التي أثّرت على المجتمع المصري بين عامَي ١٩٨٠ و٢٠٠٠. تبيع المتاجر الصغيرة التي يملكها الأقباط مخلّفات الجيوش مثل الخيم والمظلات والأزياء العسكرية. وقد نجا حمّام شعبي قديم في شارع السنية، على مقربة من المسجد الذي يحمل الاسم ذاته. ويا للمفارقة: على بعد أمتار قليلة من المركز التجاري الفخم والحديث، يقع سوق الجمعة في بولاق، مقدّمًا مشاهد مفعمة بالحيوية للحشود المكتظّة، والمساومة على الأسعار، والنساء البلديات القويات (اللواتي يرتدين ملايات سوداء طويلة في أغلب الأحيان). يشتهر السوق الشعبي ببيع الملابس المستعملة في سوق الكانتو، وبعد مسافة قصيرة يصل المتجول إلى سوق السبتية الكبير والمتخصص بالحديد والخردة. مدهش هو مشهد المواجهة بين هذين العالمين والسوقين المختلفين، إلا أن طبقة الرأسماليين المصريين تسارع في إقصاء الأحياء الشعبية. لقد نجت المقاهي وحياة الشوارع الشعبية من التغيير، لكن إلى متى؟ شُيّد فندق «رمسيس هيلتون» على نفس ضفة النيل وفي موقع قريب من مول آخر، وهو أيضًا في طور التوسع على حساب الحي الشعبي في الشارع الخلفي. عبّر لي سكانُ الحي الذين تحدثت معهم عن سخطهم وخوفهم من الحكومة. ويعلم الجميع أن أيام الحي الشعبي باتت معدودة وأن الإخلاء قادم. يبدو السكان مستسلمين لخيار قبول المبالغ الضئيلة التي تمنحها الحكومة مقابل تشريدهم، وهم يدركون أن هذين البرجين يأخذان حصة الأسد من الماء والكهرباء، مما يساهم في نقص التغذية عن الحي.

ترفيه الطبقات الوسطى

عندما عدتُ إلى القاهرة شعرت بأن تجربتي في كوالالمبور تتكرر فيها بشكل أو آخر. يمكن بسهولة تطبيق أوصاف النزعة الاستهلاكية والعمارة في جنوب شرق آسيا على القاهرة. يجسّد «مركز التجارة العالمي»، على سبيل المثال، مفهومًا جديدًا للمساحة المخصصة للترفيه (دور السينما والمراقص والمتاجر ومراكز اللياقة البدنية وألعاب الكمبيوتر، في مرافق الاتصال والشقق السكنية). ونشهد نشوء طريقة جديدة للطبقات الوسطى في شغل المساحة وقضاء الوقت. يهدف هذا المجمّع الضخم، الذي يضم بعض مئات من المحالّ التجارية، والمطاعم، والكافتيريا، إلى دمج الجانب السكني بالجانب الترفيهي، ودمج الأعمال والتجارة مع التسكع. يضم المركز مكاتب منظمات دولية مثل الأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبرنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، ومكتب الهجرة الدولي، ومجموعة توماس كوك، وبنك الاستيراد والتصدير الأفريقي، وغيرها الكثير. يتكوّن برجا «كونراد» و«هيلتون» السكنيان والمحيطان بـ«مركز التجارة العالمي» من ٢٦ طبقة لكلّ منهما، ويحتوي كل برج على بهو كبير، وتضم كل طبقة أربع شقق من غرفتين إلى أربع غرف نوم، تكلّف ١٥٠٠ دولار أميركي شهريًّا لمساحة ٢٠٠ متر مربّع.

يتغير الزبائن طوال اليوم، من نساء أنيقات، بحجاب أو من دون حجاب، وعائلات تتجول وتتفرج على المعروضات، ومجموعات من الشباب الذين يلعبون ألعاب الكمبيوتر، والأزواج الشباب الذين يتماسكون بالأيدي، ونزلاء الفنادق من دول الخليج، والشباب المصريين المترفين، وزبائن النوادي الليلية وصالات البلياردو المعتادين، والأجانب العاملين في المنظمات الدولية. كما يقع مقرّ «موبينيل» هناك، وهي إحدى أكبر شركات الهواتف النقالة. يستأجر زوار الصيف القادمون من الخليج والسعودية شققًا واستوديوهات في فندقَي «كونراد» و«هيلتون». يبدو أنهم جميعًا يكثرون التردد على هذه الأماكن. الإجراءات الأمنية مشددة للغاية لدرجة أن التقاط الصور، على سبيل المثال، ممنوع منعًا باتًّا. الردهة مكان مفتوح ومركزي يقع ضمن مجال رؤية الجمهور، تم تصميمها بشكل يرمز إلى سوق «وكالة» إسلامي (مسقوف)، بمنحوتات خشبية تشبه المشربيّات، ومدخل «فرعوني» وبلاط أوروبي عصري، مانحةً شعور التواجد في مركز تسوّق في أوروبا أو آسيا. تقول الشائعات إن البناء كان من المفترض أن يكون سوق أوراق مالية، لكن المشروع لم يتبلور. يعرض «الهيلتون» في عيد الميلاد الأشجارَ المزينة، وتقام في شهر رمضان مآدب كبيرة في خيم تُنصب في المساحة المفتوحة للمدخل، بحيث تشبه موائد الرحمن. لو أمكننا التغاضي عن تكلفة الإفطار للفرد في «مركز التجارة العالمي»، لكان من الرائع أن يجتمع الفقراء والأغنياء في فرح المأدبة. لا شك أن التفرّد أصبح مرغوبًا في القاهرة، ذلك أن مآدب الإفطار كهذه باهظة الثمن. أصبح يتمثّل هاجسُ أثرياء القاهرة اليوم بإقصاء الفقراء غير المرغوبين أبعد ما يمكن عنهم. تحافظ هذه المراكز التجارية - سواء «اليمامة سنتر» أو «مركز التجارة العالمي» أو الملحق التجاري لـ«رمسيس هيلتون»- على إجراءات أمنية مشددة ومراقبة العامّة بكاميرات الفيديو.

الثقافة الاستهلاكية والتهجين

ثمة محاجّة تقول إن العولمة تعني «نشر أو اختراع الاختلاف والتنوع» (روبرتسون وكوندكر، ١٩٩٨). وأثار روبرتسون وكوندكر النقطة التي تقول بأن العولمة في نظر العديد من مفكري العالم الثالث مرادفة للأمركة. صدرت منذ أواخر الثمانينيات مجموعة كبيرة من الأدبيات المهتمّة بالمعرفة العالمية مقابل المعرفة المحلية، وبالتفاعل والعلاقة الجدلية والمعقّدة بين العالمي والمحلي (ألبرو وكينغ، ١٩٩٩؛ فيذرستون، ١٩٩٠؛ روبرتسون، ١٩٩٢). طوّر رولاند روبرتسون مواضيع تتساءل عما إذا كان الفردي ينبثق ضد العالمي أو يكمّله، وعمّا إذا كان وزن «الحقيقة المحلية» جزءًا لا يتجزأ من الحالة الثقافية العالمية. ورأى بايترس، من ناحية أخرى، أن العولمة غالبًا ما يُنظر إليها كعملية تهجين تحتاج إلى أن تفسّر عوضًا عن أن تكون موضوع تبجيل (مقتبس في كاغلار، ١٩٩٧). تخبرنا حالة مصر أن ما نشهده هو عمليةُ تهجين للنزعة الاستهلاكية، بحيث يعاد تدوير مطعم ماكدونالدز، أو أحد المولات، أو علامة تجارية لتتماشى مع الأذواق المحلية. يتم إضفاء صبغة آسيوية على مطعم ويمبي أو ماكدونالدز في سنغافورة وتكييفهما وفقًا لأذواق الطعام المحلية، فيما يتم تمصيرهما في القاهرة. ذلك هو ابتكار شيء جديد مرتبط بتمثيل متخيّل لثقافة أميركية تندمج مع المصنوعات المصرية. ليس هذا النقاش جديدًا، إلا أن ما يثير اهتمامنا هو كيفية التسويق المحلي لتهجين الأذواق وتشيئة الرموز الثقافية المصرية. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما نشهد ظاهرة التهجئة الخاطئة للأسماء والسلع الأميركية. إن إعادة تدوير سلعة استهلاكية تعني تكييفها مع الأذواق المحلية. يحضر هنا مثال «باسكن روبنز» في «مركز التجارة العالمي» في القاهرة، والذي يبيع سلعًا مختلفة بالكامل تحت هذه العلامة التجارية. غالبًا ما يؤدّي ذلك إلى جعجعة من الأذواق. يرجع أسلوب استخدام الأسماء الغربية التي يعاد تعريبها وتهجئتها بشكل خاطئ إلى أواخر السبعينيات والثمانينيات.

يمكن للتهجين أن يصبح مفهومًا مثيرًا للاهتمام عند تطبيقه على الثقافة الاستهلاكية، ذلك أن من اللافت النظر إلى الاستهلاك من منظور متعدّد الثقافات (كاغلار، ١٩٩٧: ١٨٢). في هذه الحالة تصبح مراكز التسوق في مصر أو جنوب شرق آسيا مختبرًا أنثروبولوجيًّا مدهشًا. هنا يعاد تدوير وتكديس وتحويل كل شيء، ثم يقدَّم بشكل جديد. يمكن القول إن جنوب شرق آسيا ومصر قد شهدتا شكلاً من أشكال التهجين في الثقافة الجماهيرية والعادات اليومية للطبقات الوسطى الصاعدة، بالتزامن مع خطاب حول النقاء. الأكثر إثارة للاهتمام هي دراسات علم الاجتماع الأخيرة التي أجراها علماء من جنوب شرق آسيا حول تهجين الطعام في سنغافورة، مثل الدراسة المشوّقة لبنغ هوات وراجا التي تبحث في تهجين الطعام الذي «قد ينظر إليه خطأً على أنه طعام نقيّ» (١٩٩٦: ٤). تلتفت الدراسة إلى التصورات المتغيرة تجاه ما يُعتبر إما نقيًّا أو هجينًا في الأكل من فوجيان وغواندونغ وبيرانيكان والأكل الهندي، كما تنظر إلى الدمج بين الطعام الصيني والطعام الماليزي، رابطين إياه بأسلمة الطعام الصيني. صارت عملية «فنون الطهي المتخيلة» مرتبطة بالهويات الإثنية والعلامات التي تتضمّنها اللغة والملبس والطعام. على الرغم من أن اختراع فنون الطهي في الحالة السنغافورية عائد في معظمه إلى التأثير الخارجي للسياحة والترويج للصورة العالمية والودودة للجزيرة، حيث إنها قد طوّرت ديناميتها الخاصة (بنغ هوات وراجا، ١٩٩٦).

إضافة إلى ذلك، فإن تأملات كيوا بنغ هوات الذكية حول الثقافة الاستهلاكية في آسيا تساعد على إعادة النظر في تأثير الثقافة الاستهلاكية من منظور جديد. يجادل بنغ هوات بأن الاستهلاكية لدى الشباب في آسيا قد تكون شكلاً من أشكال مقاومة هذا الجيل مقارنةً بآبائهم الذين نشأوا على التقشف والادخار. تحفّز كتابات بنغ هوات عن الثقافة الاستهلاكية على اعتماد المنظور المقارن.

بحثتُ كنوع من التمرين الفكري عن كتابات مشابهة حول الثقافة الاستهلاكية في مصر فوجدتُ أنها لا تزال متأثرة بالنظريات الماركسية ونظرية التبعية، والتي يمكن أن تكون مفيدة لشرح التغيير على المستوى الكلي، عوضًا عن تأثيرات العولمة المحلية (glocalism) أو الحالات في العالم الثالث. إن كتاب جلال أمين الأخير، «ماذا حدث للمصريين؟» الذي نال جائزة الدولة عام ١٩٩٨، ينتمي إلى السياق نفسه. يحاول أمين، وهو خبير اقتصادي، أن يشرح التغييرات الأخيرة منذ عهد الانفتاح التي أدّت إلى انقلاب مصر من الولاء للاتحاد السوفييتي إلى الولاء للنظام الرأسمالي العالمي. إن الدراسات المتداخلة الاختصاصات، في الواقع، هي أكثر ما ينقص مصر. وإن دراسة أمين تقدّم سيرة شبه ذاتية ورواية مشبعة بالحنين عن طفولته وشبابه بالمقارنة مع الحاضر المتدهور. يتذكر أمين التغييرات التي طرأت على نمط الحياة، والتغييرات التي مرّت بها العاملات والمدبرات في المنازل، والنساء، وأفراد عائلته، بهدف التعميم وغالبًا تفسير التغييرات الهيكلية الكبيرة التي حدثت في الثمانينيات والتسعينيات. أسلوب أمين ذكي وطريف وملاحظاته بلا شك متبصّرة للغاية في فهم التحول في مصر اليوم. إلا أن ما يزعج في تحليله هو نبرته الأخلاقية، وخاصةً حنينه إلى عصر ذهبي قد انقضى. يبدو أن أمين قلق بدرجة أولى من الحراك الاجتماعي «المرعب» والتحول الطبقي الناتجَين عن سياسات الانفتاح والهجرة. لا يسعني إلا أن أتّفق معه في ذلك، إلا أن ما يزعج إلى حد ما طريقتُه في إطلاق الأحكام القاسية على الطبقات الصاعدة. يفسر أمين ظاهرة الاستهلاك التفاخري لدى الطبقات الوسطى المصرية على أنها محاولات لإخفاء أصلهم الطبقي «الحقيقي». يبدو في ذلك متوافقًا مع خطاب الطبقات العليا السابقة المنهار، والتي سمّت الطبقات التي صعدت خلال نظام عبد الناصر بـ«حديثي النعمة». واللافت أن إدانة حديثي النعمة قد نفذت وأصبحت مقولة رائجة. الجميع في مصر مهووسون بهؤلاء الذين لا اسم لهم ممن سرقوا الامتيازات. من جانب آخر، صارت هواية الأثرياء الجدد أن يشتروا ويستولوا على منازل وأثاث الطبقة الثرية القديمة المنهارة اجتماعيًّا، وأن يرتدوا الملابس ويؤثّثوا المنازل تبعًا لأسلوب ما قبل ثورة عبد الناصر، مدّعين أنهم ينتمون إلى عائلات عريقة، ويتهمون الآخرين بأنهم حديثو نعمة. أصبح دارجًا في مصر أن يتحدث أحدهم عن هجوم «حثالة القوم» على اعتباره مسؤولاً عن تدهور مستواه الاقتصادي وكآلية للدفاع عن النفس. إن هذا الاتهام ضد حديثي النعمة– وهو جليّ الحضور في نبرة أمين– شديد الشبه بخطاب الأرستقراطية المزعومة البالية وتفجّعها على فردوسها المفقود. يبدو أن أمين قلق من التسلق الاجتماعي، وانتشار الفن الهابط، وانحلال الأعراف الأخلاقية والاجتماعية، وهو بهذا يشترك مع الدعاة الدينيين في إدانة الشباب. أدّت هذه الثقافة المنحلّة بحسب أمين إلى ازدهار الاستثمار غير المنتج، مثل انتشار منازل الطوب القبيحة ذات إمدادات الماء والصرف الصحي الرديئة، وسيارات الأجرة في الريف (بصفتها حلاًّ فرديًّا للبطالة لا يفعل شيئًا لتحسين الإنتاجية). ينسى أمين أن إحدى مفارقات الانفتاح وهجرة الفلاحين أنها سمحت للفلاحين لأول مرة في التاريخ بالحصول على جوازات سفر، وبالتالي امتلاك بطاقات هوية وجوازات سفر رسمية. صحيح أن الهجرة تمّت في ظل ظروف مروّعة، لكنها أعطت الفلاحين القدرة على التنقل والوصول إلى الاقتصاد النقدي، وحررتْهم من الروابط القديمة لنظام العزبة. ولا يمكن للمرء إلا أن يتفق مع توقعات أمين المؤرّقة حول الثقافة، ونقده للنزعة الفردية وللأمركة، إلا أن رؤيته يشوبها تحيّز قوي ضد الطبقات حديثة الصعود بأنهم أثرياء جدد، وهي تستدعي المزيد من التمعّن على الرغم من صحتها. يعلّق أمين على انتشار مفهوم الموضة والأسلوب الغربي من خلال اقتصاد السوق، لإدانة سياسات الباب المفتوح، متجاهلاً حقيقة أن الأزياء الغربية قد دخلت إلى مصر منذ أكثر من قرن. إن نبرته المنددة مزعجة، لا سيما أنها تنطوي على نسخة مشبعة بالحنين من الماضي الذي كان جميلاً ومنظمًا، قبالة الحاضر الهابط الذي يغزوه المتسلقون الاجتماعيون. كانت الطبقات العليا القديمة، بحسب أمين، أكثر رفعة وإنسانية. مرة أخرى، قد يكون ذلك صحيحًا، لكنه تصريح يثير المشاكل لعالِم اجتماع يحاول– عوضًا عن إدانة انحطاط الفن، أو الأفلام، أو الثقافة الجماهيرية– أن يستوعب ما هو شعبي وما هي التقاليد المؤمّمة أو المخترعة. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل لماذا يتبنّى أمين مثل هذه المواقف، وهو الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، المؤسسة الأجنبية «المزروعة»؟ أهو نوع من تبرير الذات نظرًا لمكانته المتميزة كمفكر «مأجور للخارج»؟

الواقع أنه يجوز النظر إلى ظاهرة بيوت الطوب في الريف على أنها شكل من أشكال «عمليات تمدين» الفلاحين المصريين، بحسب تعبير عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس. لو صرفنا النظر عن الطريقة شديدة القبح٩ وغير الصحية التي يتم بها تشييد بيوت الطوب الأحمر، من ناحية مياه الصرف الصحي والمياه الجارية، فإن لها، على الرغم من ذلك، آثارًا «تحديثية» غير مقصودة. إن نبرة أمين الصوابية بخصوص الاستهلاكية تتناسى أنها قد تشكل مخرجًا لشباب الطبقة العاملة كي يعبّروا عن اعتراضهم. يمكن القول إن النزعة الاستهلاكية، بالإضافة إلى التنزّه في مساحات نظيفة وحديثة ومكيفة الهواء، توفر إحساسًا بالسموّ. يبدو أن الخبير الاقتصادي جلال أمين يحاول أن يصبح متداخل الاختصاصات، إلا أنه يزدري مجال البحث السوسيولوجي في مجال الدراسات الثقافية، على الرغم من الرؤية الغنية لهذا المجال حول الثقافات الاستهلاكية والجماهيرية والشعبية.

ملاحظات ختامية

أعرب المفكرون الغربيون عن قلقهم من أن مراكز التسوق ليس لها ارتباط يُذكر مع عودة «المدينة الإنسانية» التي دعا إليها ريتشارد سينيت في كتابه «وعي المدينة» The Conscience of the City ولا هي تتطوّر بذلك الاتجاه. لقد أصبحت مدن العالم الثالث اليوم أماكن جهنّمية، مع تزايد مشاكل التلوث والفقر والاكتظاظ السكاني. تحمل القاهرة رقمًا قياسيًّا كإحدى أكثر مدن العالم كثافة سكانية. أنا أبعد ما يكون عن الدفاع عن أنماط الحياة الاستهلاكية المحمومة لدى البرجوازية الجديدة في العالم الثالث، لكن يبدو أن مقاومة الفقراء تأخذ أشكالاً يصعب فهمها في جو من القمع الشديد لحقوق الإنسان وهيمنة الصوابية السياسية بين المفكرين من جهة، وتراجع الماركسية من جهة أخرى. أصبح المركز التجاري مساحة جديدة للتفاعل الاجتماعي وصياغة أنماط الحياة واحتياجات الاستهلاك، ومساحة للشباب والمهنيين الجدد. استوعبت المطاعم والمحلات وقطاع الخدمات شرائح كبيرة من الشباب. لا شك بأن ذلك يؤثّر في طرق «اللبس» والظهور بمظهر عصري من أجل الذهاب إلى العمل. أتذكر مشهدًا لطالما شهدتُه في مراكز التسوق. تخلع النساء أحجبتهنّ عندما يزاولن وظائفهن كأمينات صندوق، أو نادلات أو بائعات، ويعاودن ارتداءها لدى عودتهن إلى منازلهن. يخبرنا هذا النوع من التنكر بالكثير عن اضطرار الشابّات للمساومة بين أساليب الحياة المختلفة. يمكن ملاحظة نفس الشيء بين الفتيات الصغيرات اللواتي يغيّرن لباسهن أو زيهن المدرسي حسب المكان. إن هذه الازدواجية والتغيير المستمر في الملابس بهدف التكيّف مع العالمَين- الداخل/ الخارج: الأحياء الشعبية الفقيرة، الكثيفة سكانيًّا، الخاضعة لسيطرة اجتماعية مشددة، قبالة المجالات العامة الحديثة المرتبطة بالعمل في مراكز التسوق– تحتاج إلى المزيد من الدراسة. وبالتالي، يمكننا أن نقول إن ما يجعل مراكز التسوق في القاهرة مثيرة للاهتمام ليس التسوق نفسه، بل كونها حيزًا ومكانَ لقاءٍ لمجموعات الصبايا. تُعتبر مراكز التسوق أماكنَ مثالية للاختلاط، وللمغازلة بين الجنسين، وللتنزّه، وتُوفر متنفسًا يجد فيه العامة الدفء والمودّة. إن مركز التسوق هو المكان الذي تتشكل فيه الحشود، وهو مكان للترفيه يحل محل الحدائق والمساحات العامة النادرة في القاهرة. يمكننا حتى أن نناقش آثارها الديموقراطية، بحيث إنها تتيح الوصول إلى جميع الطبقات، على الرغم من قضائها الفجّ على الأحياء الشعبية واقتصاد الاكتفاء الذاتي المتمثل في القطاع غير الرسمي. أشار علماء الاجتماع إلى حقيقة أن المجتمع المصري قد شهد في السنوات الأخيرة أسلمة متزايدة في مجالات الحياة السياسية واليومية. وحاجج مراقبون بأن «الدِّين العام» قد اكتسب وضوحًا متزايدًا في مصر كما في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة من القرن العشرين. هذا الادعاء ليس خاطئًا، لكنه يقدم وجهة نظر أحادية الجانب. قادتني ملاحظاتي إلى الاعتقاد بأن أسلمة الفضاء العام في التسعينيات قد تزامنت مع استراتيجيات البقاء التي تتخذ شكل «التساهل في العادات» بين الشباب، ضمن إطار مرجعي إسلامي. بالإمكان تفسير ظاهرة الزواج العرفي بين الشباب على أنه التفاف على القانون ينجح في تذليل التوتّر الجنسي بين الشباب. ويمكن للملابس المسماة «إسلامية» أن تصبح آلية وقائية تسمح بمزيد من الاختلاط بين الجنسين، وتتيح للشابات أن يُتركن بسلام. تصبح الملابس الإسلامية هنا آلية وقائية، تسمح للشباب بتدخين السجائر أو النرجيلة في الأماكن العامة، وتسمح بالمغازلة في المساحات الحميمة للمقاهي. يبدو في الواقع أن جيل الشباب قد اكتسب من خلال الاجتماع في المقاهي بعضَ الحريات التي لم تكن معروفة من قبل. فيما شهدت السبعينيات تزايد سيطرة الشرطة وسياسات الفصل في الأماكن العامة، والتي تزامنت مع صعود الإسلام السياسي، شهدت التسعينيات توافرًا متزايدًا لمثل هذه المساحات التي أعيدت صياغتها، وشكلًا جديدًا من «اختلاط» القوانين والأذواق.

أود أن أنهي هذا المقال بمشهد عشتُه في ملحق غرفة البلياردو في فندق «هيلتون رمسيس». ذهبتُ إلى هناك العام الماضي مع مصوّرة لمباشرة مشروعي حول المولات. كانت هناك امرأتان فقط في غرفة البلياردو الكبيرة، وكانتا تدخنان وتلعبان البلياردو مرتديتين الجينز، إلا أن إحداهما كانت ترتدي الحجاب. أثارت هاتان الامرأتان اهتمامي أنا وصديقتي لأنهما بدتا واثقتين من أدائهما، كما أنهما كانتا لاعبتين جيّدتين. عندما اقتربنا منهما وشرحنا اهتمامي بالمولات، لم تمانعا في تصويرهما. كانتا سعيدتين لأن أربعتنا فهمنا بعضنا البعض وبأننا سلّطنا الضوء على دور النساء المتغير في الحيّز العام ضمن المقال الذي كنا نحضّره. اتضح أن إحداهما طبيبة، فيما كانت مرتدية الزي الإسلامي هي سيدة أعمال مستقلة ومتاجرة في البورصة. كانتا تجيئان إلى «الهيلتون» مرة في الأسبوع للاسترخاء، ويبدو أنهما وجدتا شراكة ممتعة خلال اللعب معًا. إن استقلالهما وثقتهما بنفسيهما يعبّران بشكل ما عن النساء اليوم في مصر. يبدو لي أن النساء يغزون المساحات العامة بشكل متزايد من دون الحاجة إلى وجود ذكوري لحمايتهن. لا شك بأن الإسلام السياسي لا يخدم القضية النسوية بأي شكل، لكن الواقع اليومي يخبرنا عن الوجود المستمر لاستراتيجيات بقاءٍ اخترعتها النساء. ويمكن لفن التحايل أن يخبرنا الكثير عن استمرار النساء بالظهور في المجال العام.

 

المراجع

 

Abaza, Mona (2001), Perceptions of ‘Urfi Marriage in the Egyptian Press, ISIM Newletter 7/01: 20–1.
Albrow, Martin and Elizabeth King (eds) (1990), Globalization, Knowledge and Society, London: Sage.
Al-Hiddini, Amani (1999), Al-muhammashun wal-siyasa fi-misr [The Marginalised and Politics in Egypt], Cairo: Centre for Political and Strategic Studies, al-Ahram.
Amin, Galal (1998), Matha hadatha lil-masriyying [What has Happened to Egyptians], Cairo: Dar al-Hilal.
Appadurai, Arjun (1990), Disjuncture and Difference in the Global Cultural Economy, Theory, Culture & Society 7: 295–310.
Bauman, Zygmunt (1996), From Pilgrim to Tourist – or a Short History of Identity, pp. 18–36 in S. Hall and P. Du Gay (eds) Questions of Cultural Identity, London: Sage.
Bayat, Asef (1997), Cairo’s Poor – Dilemmas of Survival and Solidarity, Middle East Report Winter: 2–8.
Bech, Henning (1999), Citysex, Representing Lust in Public, in M. Featherstone (ed.) Love and Eroticism. London: Sage.
Beinin, Joel. (1998), The Dispersion of Egyptian Jewry, Berkeley: University of Cali- fornia Press.
Beng Huat, Chua (ed.) (2000), Consumption in Asia: Life Style and Identies, London: Routledge.
Beng Huat, Chua and Rajah, Ananda (1996), Hybridity, Ethnicity and Food in Singapore, Working Paper no. 133. Department of Sociology, National University of Singapore.
Bowlby, R. (1985), Just Looking, London: Methuen.
Caglar, Ayse S. (1997), “Hyphenated Identities and the Limits of “Culture”, pp. 169–86 in T. Moddod and P. Webner (eds) Debating Cultural Hybridity: Multi- Cultural Identities and the Politics of Anti-Racism, London and New York: Zed Books.
Denys, Eric (1996), Urban Planning and Growth in Cairo, Middle East Report Winter: 7–12.
Featherstone, Mike (1998), The Flâneur, the City and the Virtual Public Life, Urban Studies 35(5–6): 909–25.
Fergany, Nader (1998), The Growth of Poverty in Egypt, Cairo: Al-Meshkah Research Centre, January.
Freitas, Ricardo Ferreira (1996), Centres commerciaux: îles urbaines de la post- modernité, Paris: L’Harmattan.
Friedberg, Anne (1993), Window Shopping: Cinema and the Postmodern, Berkeley: University of California Press.
Friedman, Jonathan (1994), Cultural Identity and Global Process, London: Sage.
Ibrahim, Saad Eddin (1996), Egypt, Islam and Democracy: Twelve Critical Essays, Cairo: The American University Press.
Joseph, Isaac (1996), Les Compétences de rassemblement, une ethnographie des lieux publics, Enquetes 4: 107–22.
Landler, Mark (1999), Has Malaysia’s Leader Won His Risky Gamble?, Inter- national Herald Tribune, 4–5 September.
Mackay, Hugh (ed.) (1997), Consumption and Everyday Life, London: Sage.
Miller, Daniel, Peter Jackson Nigel Thrift, Beverley Holbrook and Michael Row- lands (1998), Shopping, Place and Identity, London: Routledge.
Mitchell, Timothy (1999), Dreamland: The Neoliberalism of Your Desires, Middle East Report Spring: 28–33.
Morris, Meaghan (1993), Things to do with Shopping Centres, in S. During (ed.)
The Cultural Studies Reader, 2nd edn. London and New York: Routledge.
Mufid, Hanan, Sana` Madani, Amal Surur and Yasser Hamaya (2000), The Forgotten on Earth, Nisf al-Dunia (in Arabic).
Nava, Mica (1996), “Modernity’s Disavowal: Women, the City and the Department Store”, in M. Nava and A. O’Shea (eds) Modern Times: Reflections on a Century of English Modernity, London: Routledge.
Nava, Mica (forthcoming), Cosmopolitan Modernity: Everyday Imaginaries and the Allure of Difference, Theory, Culture & Society.
Raafat, Samir (1997), Sednaoui, Cairo Times 29 May.
Robertson, Roland and Habib Haque Khondker (1998), Discourses of Globalization: Preliminary Considerations, International Sociology 13(1): 25–40.
Robertson, Roland (1990), Globalization, Social Theory and Global Culture, London: Sage.
Rodenbeck, Max (1999), Cairo, The City Victorious, Cairo: The American University Press.
Said, Mohammed El Sayed (1999), Coming up with the Right Formula, al-Ahram Weekly 14 October.
Shields, Robert (1989), Social Spatialization and the Built Environment: The West Edmonton Mall, Environment and Planning: Society and Space 7: 147–64.
Webner, Pnina (1997), “Introduction: The Dialectics of Cultural Hybridity”,
pp. 1–28 in T. Moddood and P. Webner (eds) Debating Cultural Hybridity: Multi-Cultural Identities and the Politics of Anti-Racism.., London and New York: Zed Books.
Wilson, E. (1992), The Invisible Flâneur, New Left Review 191: 90–116.
Wilson, E. (2001), The Contradictions of Culture, London: Sage.
Wolff, J. (1985), The Invisible Flâneuse: Women and the Literature of Modernity, Theory, Culture & Society 2(3): 37–46.
Zubaida, Sami (1989) Islam, the People and the State, London and New York: Routledge.

العدد ٣٢ - ٢٠٢١

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.